إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال .

 

العرزال

 

   

 

    

في الأخلاق القومية الأجتماعية: بين الجوهر والتطبيق

 بقلم منير حيدر

 قلنا إن تعريف الحزب السوري القومي الإجتماعي يختلف كثيرا عن تعريف أي حزب من الأحزاب الأخرى، حتى تلك التي تدعى أحزابا كلية (توتاليتارية).   إذ هو لا يعبر عن مفهوم حياتي، سياسي كان أو إجتماعي أو ديني أو طائفي أو طبقي، شائع بين الناس وجاهز في مشاعرهم وتفكيرهم وأدائهم اليومي؛ بل هو دعوة الى تغيير الحياة القائمة التي تعود عليها الناس، لتأسيس حياة جديدة مكانها.  فالأحزاب الشيوعية مثلا تدعو الى الصراع الطبقي وحكم الطبقه العامله.  الناس الذين يصنفون أنفسهم كعمال ويشعرون بذواتهم بمثل هذه الصفة، مع ما قد يرافق ذلك من شعور بالغبن او ببعضه في كثير من الأحيان، موجدون في كل أنحاء المجتمع.  فالأحزاب الشيوعية تتعامل مع حالة موجودة في المجتمع في شكل أو بآخر، ولكن يبقى مسألة تجاوب الناس الذين تنطبق عليهم مثل تلك الحالة مع هذه الأحزاب أو عدم تجاوبهم.  إن ما يساهم في نجاح هذه الأحزاب، أو يسبب في  فشلها، هو قدرتها، او عدم قدرتها، على  إحتواء تلك الحالة إحتواء كليا قادرا ان يوظفها أو يقودها بإتجاه تحقيق أهدافها. لنا من حزب البعث أيضا مثل آخر.  هو يعتمد اللغة والدين في أساس دعوته الى الوحدة العربية؛ والفكرتان موجودتان وجاهزتان في المجتمع أيضا.  تبقى أيضا مسألة تجاوب الناس من أصحاب هاتين الفكرتين او الشعورين، مع دعوة حزب البعث أو قدرة حزب البعث على إحتواء هؤلاء الناس إحتواء قويا قادرا يستطيع ان يقودهم بإتجاه تحقيق أهدافه.  في الحالتين المذكورتين، تتضمن دعوة كل منهما إلغاء لقسم أساسي مهم في المجتمع؛ فالحزب الشيوعي يلغي الناس من خارج الطبقة العاملة، وحزب البعث يتجاهل وجود المواطنين من أصحاب الإيمان الديني المختلف.

 فكرة الحزب السوري القومي الإجتماعي تتضمن في جوهرها وأساسها دعوة الى وحدة جميع الناس في المجتمع، ولكن ليس من خلال جهوزيتهم النفسية والعقلية والإجتماعية الحاضره، بل من خلال دعوة الناس الى الحياة الجديدة التي يحاول تأسيسها والتي تختلف بمضامينها وأخلاقها وقيمها عما إعتاده هؤلاء الناس من حياة ومفاهيم.  فكرة النهضة القومية الإجتماعية هي دعوة الناس الى تغيير واقعهم وذلك بالتخلي عن كثير من قيم وأخلاق هذا الواقع، من أجل تأسيس حياة جديدة مبنية على سلم من القيم والأخلاق والمفاهيم ضرورية للمجتمع الجديد وتقدمه وإستمراره.  لا يمكن التفكير ببناء مجتمع جديد دون إعتماد قيم جديدة تلبي حاجاته المتنوعة والمتعددة، والتخلي عن كل ما هو سائد من قيم وأخلاق معطلة لنمو المجتمع وتقدمه وأزدهاره. 

 لقد حرص سعاده دائما، في كل تعاليمه وخطبه وكتاباته، على التأكيد على أهمية المناقب والقيم الجديدة لبناء المجتمع الجديد.   هو حرص ان يعبر عنها في كل ممارساته وأفعاله وفي كل الأوقات والظروف والملمات.  إن إستشهاده بحد ذاته هو إختصار للمناقب والأخلاق التي دعى الى إعتمادها وتعبير صادق ورائع عنها.  وسعاده لا يفصل بين الأخلاق والحياة؛ أن المفاهيم لا تعني شيئا إذا لم تكن ممارسة حياتية تعطي الحياة معناها الجديد وأهميتها المتوخاة.  الدعوة الى شيء وممارسة نقيضه أو إهماله في الممارسة، هو تدجيل وزندقة لا علاقة لها بدعوة سعادة من قريب او من بعيد.   ماذا كان يمكن ان يكون واقع النهضة وقيمة الدعوة التي أطلقها سعاده لو انه فشل شخصيا في ممارستها وأستعاض عنها بالتدجيل وتحقيق غايات شخصية على حساب المجموع الذي يدعوه للتضحية والتغيير؟  لا قيمة للمفاهيم والقيم والمناقب والأخلاق خارج نطاق الممارسة وخارج حقول الحياة العملية في كل تفاصيلها وأجزائها وتشعباتها.  المفاهيم خارج النطاق العملي وخارج نطاق الحياة العملية لا تعدو كونها رفاهية فكرية تشهد على عقم كامن  عند صاحبها وعجز مستور وإخفاق بارز عند حاملها. 

 التكلم عن القيم والأخلاق والمناقب لا يكون كلاما كاملا الا إذا إستطعنا ان ندل عليها ونعرفها وندرك مضامينها وأبعادها.  أذ اننا لا نقصد في الكلام في هذا الموضوع خبطا عشوائيا غايته زيادة كلام على كلام، بل هو توضيح لركائز الحياة القومية توضيحا لا يقبل معه شك الشاكين، ولا دجل الدجالين، ولا جهل الجاهلين، ولا إدعاء المدعين، ولا زندقة المتزندقين.   لا يمكن لأحد ان يضفي على عمله أو فعله او تصرفه قيمة ما إذا لم يكن العمل أو الفعل أو التصرف حاملا أصلا لتلك القيمة.  هذا يعني بكلام آخر أن الفرد لا يستطيع ان يعطي أعماله أو أفعاله معنى لا يراه أو يقره المجتمع؛ فالمجتمع هو الحكم والحاكم على الأفعال لا على النيات. 

  قيم الحياة الجديدة هي نقيض لقيم المجتمع القديم وحرب عليها.  كل قيمة جديدة تصارع قيمة بالية من قيم المجتمع القديم.  تأتي المعرفه في طليعة قيم المجتمع الجديد؛  فالمجتمع معرفة في نظر العقيدة القومية الإجتماعية والمجتمع لا يقوم وينمو ويقوى الا بها.  هي تقارع الجهل، لأن الجهل يعبر عن حالة تقهقر وتخلف وموت للحياة.  والجهل يقر بأنه جهل؛ هو دائما يتلبس ثوب المعرفة؛ لكن فشل المجتمع الدائم والمستمر هو شاهد عليه وضده.  مقياسه ما يغلفه من مفاهيم أخرى معطلة للحياة ومدمرة للمجتمع.

الثقة قيمة أخرى من قيم الحياة الجديدة؛ يقابلها الشك في المجتمع القديم.  الثقة هي التي تعبر عن وحدة حياة المجتمع وتماسكه وصلابته.  فالثقة هي ثقة الناس ببعضهم بعضا اولا وثقتهم بأنفسهم ثانيا.  لكن الثقة لا يمكن ان تمنح منحا؛ الثقة تكتسب إكتسابا.  الثقة في غير محلها هي كذب وتدجيل.  الشك هو ما يبقي المجتمع القديم مفسخا ومقسما ومتناحرا.  هو صنو للجهل ونتيجة له.

 الشرف في المجتمع الجديد هو قيمة تقارع عار المجتمع القديم.  الشرف هو الحرص الدائم  والمحافظة الدائمة والإحترام المستمر للجماعة ومصالحها.  إستغلال الجماعة وخيانتها أو المتاجرة بهاهوعار ومن مميزات المجتمع القديم. 

في المجتمع الجديد الصدق قيمة؛ يقابلها الكذب في المجتمع القديم.  الكاذبون، المراوغون والدجالون لا يمكن ان يدّعوا انهم من المجتمع الجديد؛ هم حثالة من الناس تشكل عبئاً على جماعتها وعثرةً في طريق نموها.  هم لا يستحقون غير اللعنة لما يجرّون من تخريب ودمار على الجماعة التي يدّعون الإنتماء إليها.

الشجاعة والبطولة والتضحية والأخلاص والأمانة والكرامة والعز والنزاهة والعفة، هي أيضا من قيم المجتمع الجديد وركائزه الأساسية.  يقابلها في المجتمع القديم الجبن والخوف والهروب وحب الذات والخيانة والتشبيح والخساسة والذل والغش والنذالة.  النذل، الحقير، المستغل، صاحب المصالح الشخصية، الأناني، الشبّيح والجبان لا يمكن ان يساهموا في بناء حياة جديدة او مجتمع جديد.  هم دائماً على نقيض مع مصالح جماعتهم أو مجتمعهم في كل ما يفعلون ويعملون. فالمصالح الشخصية هي المحرك والدافع لكل ما يفعلون ويتصرفون.  هؤلاء يدّعون دائما ما ليس لهم وما ليس عندهم.  معظمهم جبناء يهربون في الملمات والمواجهات الحقيقة، لكنهم يعودون ليتمظهروا بشجاعة ليست عندهم ويدّعوا أعمالا ليست من صنعهم ولا علاقة لهم بها.  هم يطمعون في قطف ما قد يكون هناك من ثمار؛ لأن الثمار هي غايتهم وهم يريدون أن يشبعوا  جوعهم وجشعهم وشراهتهم.  الحقيقة أن الخسيس والحقير والجبان والذليل والشبيح هم في جوع دائم وشراهة لا تنقطع.

 النهضة القومية الإجتماعية لا يمكن ان تقوم وتتقدم الا إذا إعتمدنا أخلاقُها وقيمها ومارسناها وأثبتنا مصداقيتنا في هذه الممارسة.  القيم القومية الأجتماعية هي جسم كامل إذا سقط بعضه سقط كله. لا يمكن ان ندعي الإيمان القومي ونحن نمارس الكذب والسرقة والكيدية والخيانة أو نسعى لأمر شخصي.  لا يمكن ان ندعي المعرفة دون الحصول عليها بالجد والجهد والسهر والعناء.  التمظهر بالمعرفة ليس معرفة.  إدعاء معرفة ما لا نعرف هو كذب على الذات وليس على الآخرين.  ألإدعاء بالمعرفة لا يقوم إطلاقا مكان المعرفة ولا يحل محلها.  إدعاء المعرفة هو دعوة الى الناس والى المجتمع الى إحتقار المدعين أنفسهم.  الحقيقة تقال إن إدعاء اي شيء لا يستطيع المرء إعطاءه او تقديمه هو أحتقار للمدعي ودمار للجماعة التي ينتمي إليها.

  إننا إذ نركز على أهمية الأخلاق والمناقب القومية لأننا نشعر أن بنيتها عند كثيرين من القائلين بإنتمائهم الى النهضة مُدّمرة أو مُبعثرة ومشوهة.  إن تعثرات الحزب ومشاكله القائمة هي نتيجة إغفال القيم والأخلاق القومية الأجتماعية على مدى سنين طويلة، خاصة في الثلاثين سنة الأخيرة.  إن ما أرتكب من موبقات وحقارات وتشبيح خلال هذه الفترة يُظهر جهلاً كاملاً او إغفالاً كلياً لهذه القيم والأخلاق.  إن ما هو قائم حاليا ليس حزبا؛ هو بعثرة وتمزق وإحتضار.  إن ذر الرماد في العيون لا ينفع.  نقول لأصحاب المصالح الشخصية وأصحاب الموبقات والتشبيح والإرتهان، ان لا مكان لكم في الحزب.  خذوا مصالحكم وتشبيحاتكم وإرتهاناتكم  وأرحلوا عن الحزب، أو أُخضعوا أنفسكم للحساب والمحاسبة وضعوا حدا لعبثيتكم وفجوركم . لا تظننّ أبدا أن الحزب يمكن أن يبنى من جديد دون محاسبة عادلة.  المحاسبة لن تلغي أفعالكم وتأثيرها السيء على الحزب والنهضة، لكنها تضع الأمور في نصابها وتوقف الإحتقان والتدهور. أما موبقاتكم وحماقاتكم فباقية في سجل التاريخ والتاريخ لا يرحم. إرعوا وتوبوا قبل ان لا يبقى  لكم سوى لعنات الناس ولعنة التاريخ.  توبوا أو إرحلوا وكفّوا عن محاولة إغتيال سعادة المستمرة؛ فسعادة الشخص إغتيل مرة واحدة؛ اما سعادة الفكر والعقيدة فلا يمكن إغتياله؛ لكن هدفه وحلمه يمكن أن يموت بسبب أعمالكم وحماقاتكم وجهلكم.