|
سلام التحييد والتدجين
أنطون حداد
10/6/2007
في أخبار الأمس أن رئيس وزراء الدولة
العبرية عرض على الرئيس السوري (الشامي) بشار الأسد عبر
رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إعادة هضبة الجولان
الى السياده السورية مقابل سلام يتعهد فيه الجانب السوري
(الشامي) "التخلي التدريجي عن تحالفاتها مع أيران وحزب
الله والمنظمات الإرهابية الفلسطينية والتوقف عن تمويل
الإرهاب وتشجيعه."
بعض التعليقات الصحفية على هذا النبأ كانت
أن هذا العرض من قبل رئيس وزراء الدولة العبرية ناتج عن
سبب "الضائقة السياسية" التي تتعرض لها حكومة يهود باراك
وهو يقدم على هذه الخطوة لإنقاذ حكومته. هذا النوع من
التعليق على خبر مثل هذا الخبر يظهر العقلية المسيطرة على
معظم شعبنا في التعامل مع مسائلنا القومية ومنها العقدة
اليهودية وإغتصاب أرضنا وما نتج وينتج من مآسيٍ ومعاناةٍ
وقهرٍ يغرق فيها معظم شعبنا.
إن النظر الى هذا النوع من الخبر وبهذا
الشكل إنما هو تبسيط أقل ما يمكن أن يوصف به هو أنه ناتج
عن تفكير قد يكون لا يجهل حقيقة المشروع الصهيوني، بل هو
حتماً يتجاهل ويتعامى عن تلك الحقيقة، وبالتالي يفشل في
إستيعاب مخططات المشروع الصهيوني وأساليبه وأهدافه القريبة
والبعيدة.
لا شك أن المشروع الصهيوني، الذي يهدف
أساساً الى إقامة دولة عبرية من "الفرات الى النيل"، قد
تعرض الى إنتكاسات مهمة دفعته الى إعادة حساباته وتعديل
خططه بحيث تنسجم أكثر مع الواقع وتنتفي منها الإستحالة
والخيال. من الواضح أن احد الأساليب التي أعتمدت من قبل
الأعداء الصهاينة لتثبت أنفسهم والحفاظ على ما أغتصبون
وسلبوه كان اسلوب "القضم والهضم". لقد نجح المغتصبون
اليهود في إستخدام هذا الإسلوب ضمن ما إغتصبون من أرض حتى
عام 1948. وهم نجحوا أيضاً في إستخدامه في قسم من الأرض
التي إحتلوها في عدوان حزيران 1967، لكن بداية إدراكهم
لمحدودية هذا الأسلوب، ظهرت في عدم تمكنهم من "هضم" سيناء،
مما دفعهم لإعتماد حسابات وأساليب جديدة تعطيهم نتيجة
موازية للنتيجة المتوخاة أساساً من قبلهم ومساوية لها.
لم تكن مسألة إعادة سيناء الى السلطة
المصرية ممكنة لو كان المغتصبون العبريون قادرين على ترسيخ
أنفسهم في سيناء وبناء مستوطنات فيها تنعم في مستوى مقبولٍ
من الأمن وبعيدة عن المخاطر والتهديدات. لكن الصهاينة
الذين أدركوا إستحالة هذا الأمر لأسباب كثيرة، ليس أقلها
مسألة إقناع اليهود الذين ينتشرون في دول العالم في الهجرة
الى الدولة العبرية لملء مثل تلك المستوطنات وترك ما
ينعمون به في أماكن إقامتهم الأساسية، لجأوا الى التعامل
مع وجودهم في سيناء بشكل آخر يخدم المشروع الصهيوني بشكل
أكثر تأثيرٍ من إحتلالهم للأرض. لماذا عليهم التمسك في
إحتلالهم لسيناء إذا كانوا قادرين على تدجين الدولة
المصرية وفرض شروطهم عليها والحصول على السلام الذي
يريدون؟ لم يستطع الصهاينة فقط تحييد النظام المصري في
الصراع القائم بيننا وبين الإغتصاب العبري لأرضنا، بل هم
نجحوا في تدجين هذا النظام بشكل مطمئن نهائياً من هذا
النظام لن يشكل أية إعاقة لهم في تنفيذ مخططاتهم
المتسقبلية!
لكن الفشل الأساسي لإسلوب "القضم والهضم"
الذي إعتمده الصهاينة كوسيلة أساسية لتثبيت أنفسهم على ما
اغتصبوه واحتلوه من أرضنا، كان أحتلالهم لجزء كبير من
لبنان عام 1982. في لبنان، ومنذ الأيام الأولى لذلك
الإجتياح، تلقى الصهاينة دروساً قاسيةً لم تكن في صلب
حساباتهم وخططهم. فالعبريون، في نشوة غرورهم بإسطورة
جيشهم، وفي نشوة نجاحهم في إيجاد شريك لبناني لهم، توهّم
أنه يستطيع أن يقوم بدور الشريك مع الدولة العبرية، لم
يضعوا في حساباتهم إمكانية نشؤ مقاومة من نوع جديد لهم لم
يشهدوا مثلها من قبل. هم لم يحلموا أنه يمكن لشعبنا أن
ينتج مقاومة ليست قادرة فقط على أيقاع الإصابات فيهم، بل
قادرة على إرغامهم على الإنسحاب الكلي من لبنان! لقد تلقى
العبريون الرسالة بشكل واضح وجيد: إذا كان عملية القضم
سهلة وممكنة لهم فإن عملية الهضم أصبحت مستحيلة لوقت
طويل. وخلال عدوان تموز 2006 تلقى العبريون درساً فهموا
معناه وأبعاده جيداً: حتى عملية القضم أصبحت في غاية
الصعوبة.
هذا هو السبب الأساسي الذي يقف وراء إعادة
الحسابات الصهيونية وتعديل خططهم بشكل ياخذ بالإعتبار
نتائج الحسابات الجديدة. أي منطق آخر هو منطق عاجز عن
التعامل مع المسائل والقضايا المهمة بشكل واقعي يرى فيها
كامل الصورة القائمة.
إذا كان العبريون قد نجحوا من خلال إعادتهم
سيناء الى السيطرة المصرية في تدجين النظام المصري وإبعاده
نهائياً عن مسألة الصراع ضد وجود دولتهم على أرضنا، فلماذا
لا يعملون على تحييد وتدجين آخر معقلٍ لنا يحمل في طياته
إمكانية نقل صراعنا معهم تهديدٍ كبيرٍ لهم؟ إذا نجح
العبريون في تحييد وتدجين النظام الشامي في صراعنا القائم
معهم، وإذا إستطاع النظام الشامي تحمّل نتائج هذا الموقف
وإمتصاص أية ردات فعل ممكنة، فمعناه أن أمر صراعنا معهم قد
تُرِكَ لمسؤولية جيوب معظمها أصولي يتعاون أفرقاء السلام
الجديد على إستئصالها والقضاء عليها.
ولكن يبقى السؤال الكبير المقلق: هل سينزلق
النظام الشامي الى هذا المخطط الصهيوني الجديد؟ هل يدرك
أن الإنجرار الى هذا المخطط يعني سيطرة صهيونية/أميركية
كاملة على حياتنا وثرواتنا؟ هل يعلم النظام السوري أن ما
نعم به النظام المصري من نتائج التدجين والتحييد لا يمكن
أن تنسحب عليه هو وأن ما هو ممكن في مصر غير ممكن في
سورية؟
إننا إذ نطرح هذه الأسئلة فليس من باب
التشكيك أو النخوين، بل من باب التنبيه الى المخاطر
الأكيدة ومساعدة قوى المقاومة في شعبنا على رسم سياسته
المتسقبلية. إننا نعتبر أن الكيان الشامي هو آخر معقل
قومي لنا، لذلك نسوق التحذيرات كي تكون المحافضة على هذا
المعقل والعمل على تحصينه وتجهيزه وتقويته كي يمكن له
القيام بالمهمة القومية الملقاة عليه.
[ صفحة رئيسة ] [ Up ] [ Next ] |