|
في مقال له، في جريدة "النهار" العدد
23027، بعنوان: "من منطق الشرعية في مواجهة "العصفورية
الدستورية""، يعتبر السيد غسان التويني قرار مجلس الأمن
بإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي بمثابة الهدية وهو
بالتالي يقترح الجهة التي يجب أن تقدم إليها هذه الهدية.
وهو أكثر من ذلك يعبٍّر عن تعجّبه بأنه لا يزال يوجد في
لبنان من يستغرب "إضطرارنا" الى اللجوء الى العدالة
الدولية "المحصنة من مجلس أمن منظمة الأمم المتحدة التي
إضطر لبنان الى إعلان الحرب على اليابان، قبل سقوطها بأيام
كي يكتسب حق الإنضمام الى مؤسسيها والتنعم بإمتيازاتها".
يبدو أن السيد غسان التويني رغم ثقافته
العالية وإطلاعه الواسع، لم يستطع أن يكون أكثر من صحأفي
يتعامل مع الأحداث بشكل يتناسب مع معطياتها الآنية
والمحافظة على موقع فيها يبقيه ضمن دائرة مكاسبها المادية
أو المعنوية. لذلك يبدو أن إنتسابه الى الحزب السوري
القومي في يومٍ من الأيام لم يترك عنده أي أثرٍ لتقدير
أهمية أن يفهم المرء القضية التي هو جزء منه أو تحديد
الأساس المبدئي لمسؤولياته المجتمعية التي يساعده على
تحديد مسار عمله وتحركاته، هذا بالرغم من حرصه على إرسال
إشارات في الظروف المناسبة، يفهم منها أنه ما زال يقدّر
ذلك الإنتساب ويوحي أنه ما زال محافظاً على معناه.
لا يشرح لنا السيد التويني ماهية "النحن"
الذين "أضطررنا الى اللجوء الى العدالة الدولية". وهو
يبدو بريئاً جداً عندما يشير الى إعلان لبنان الحرب
اليابان، غير منتبهٍ الى أن إشتراط ذلك الإعلان، من قبل
الدول العظمى التي إنتصرت على المحور الإلماني-اليابان،
على الأمم أو الدول المغلوبة على أمرها إنما هو تذكير لتلك
الامم أو الدوّل بعجزها وحاجتها الى الأمم العظمى والتهويل
عليها أن عدم إعلان الحرب على اليابان يعني أنها تضع نفسها
في موضع المواجهة معها وستتعرض للعقاب من نوع ما.
هذا النوع من الكلام يحتاج الى تدقيقٍ
وتقييمٍ كي نتحرر من أغلال التعمية والتجهيل والخداع
والكذب. فالتعمية والتجهيل والخداع والكذب لم ينتج عنها
سوى المآسي التي طالت وتطال شعبنا في كل كياناته وليس في
لبنان وحسب. لكن من أجل الحصر وليس بسبب الإغفال أو
التجاهل دعونا نبقى في حدود الكيان اللبناني. ثم دعونا أن
نأخذ المعاني الواردة في الجزء المشار إليه من مقال السيد
غسان التويني واحداُ بعد الآخر.
لسنا أغبياء لنتجاهل ما يعنيه السيد
التويني "بالنحن" المشار إليها أعلاه. هو يعني بهذه
"النحن" القوى التي جرت الإشارة إليها "بقوى 14 آذار".
ولكن أن يعطي لهذه "النحن" معانٍ ليست لها ولا تملكها،
فهذا خطل كبيرٌ لا يغتفر عندما يصدر عن شخص مثل غسان
التويني.
إن إرتياح السيد غسان التويني الى فكرة
"نحنه" والركون إليها، يوحي أنه يعتقد أنه قادرٌ على تجاهل
اللبنانيين الذين لا يحسبون من ضمن هذه النحن ويقفون
موقفاً مواجهاً لها. بل هو يظهر وكأنه يلغيهم من حساباته
نهائياً إعتقاداً منه أنه يكفي أن تقرر "الشرعية الدولية"
أمراً ما حتى يركن هؤلاء للخضوع للأمر الواقع ويستسلموا
لإرادة تلك الشرعية!
السيد تويني أيضاً يريدنا أن نعتقد معه أن
قرار مجلس الأمن بإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي كان
بسبب "لجوئنا" (لجوء السيد التويني وجماعة 14 آذار) الى
مجلس الأمن.
في كلامه عن "النحن" المشار إليها يحاول
السيد التويني بإقناعنا بحقيقة هذه النحن. هي نحن واحدة
موّحِدة. هي كلٌّ له آفاقه النفسية والفكرية الواحدة. هي
تنطلق من مصالح عامه تخص المجموع العام ولا خلاف بينها على
المصالح. هي تملك إرادة واحدة. هي تنطلق في أعمالها
وتوجهاتها من وحي هذه الإرادة وعلى ضؤ المصالح العامة التي
تعمل على الحفاظ عليها أو تحقيقها.
هل يعقل أن السيد غسان التويني يريدنا أن
نصدّق كل هذه الأمور؟ هل هو فعلاً يجهل واقع الأمر، أم
هو يسخر من مداركنا وعقولنا؟
لا ليس غسان التويني من يجهل حقائق الأمور
ودقائقها وإن كان عملياً يتجاهل بعضها حيث يصعب تصعيد هذا
البعض . هو يسوق مثل هذه الافكار للقيام بدورٍ أوكل
إليه.
هل يعقل أن غسان التويني لا يدرك أن
"نحناً" تجمع سمير جعجع ووليد جنبلاط وسعد الحريري وما
حولهم ومعهم من خلطاء، هي "نحن" يمكن أن يكون لها مشروعها
المستقبلي المستقل الذي يجلب على اللبنانيين المن
الإطمئنان والأمن والرفاهية وتوفير فرص العمل والإزدهار
ووقف الهجرة؟ أعلى هذا "النحن" المهتريء الذي تزكم عفونته
الإنوف يراهن السيد التويني؟ إنه يتباكي بشكل إستغبائي
على جميع الضحايا الذين سقطوا منذ بدء الفتنة العبثية في
لبنان في السبعينات وبعدها دون أن ينسى بينهم رشيد كرامي
الذي يتوخى أن تطال العدالة الدولية مسألة إغتياله،
متجاهلاً أن قاتل رشيد كرامي هو من ضمن "النحن" التي يفاخر
بها؟
هل يريدنا السيد التويني أن نصدّق أن قرار
إنشاء هذه المحكمة هو لتأمين العدالة الدولية المحصّنة وأن
العدالة ستكون النتيجة الأكيدة لعمل هذه المحكمة، وأن
المجرمين الذين كانوا وراء مقتل رفيق الحريري وأخرين بينهم
نجله المغدور جبران التويني؟ هل يستطيع السيد التويني أن
يضمن لنا أن مثل هذه النتائج مضمونةٌ وأن واقعنا سيكون
أفضل بعدها؟ هل هو يتكلم بصفة ملهوف وحريص على المصلحة
العامة أم هو يتكلم بصفته أب مفجوع لا يتوخى سوى
الإنتقام؟ أكثر من ذلك هل يعرف حقيقة من هي الجهة التي
يجب أن يوجه إليها نقمته وغضبه وإنتقامه وهل يملك الدليل
الحسي والعملي على إدانة تلك الجهة؟ ليس صعباً ان ندرك أن
السيد التويني يعتقد ضمنياً أنه يعرف الجهة والأشخاص الذين
كانوا وراء إغتيال الحريري وإغتيال الأخرين الذين بينهم
نجله، وأن هذه الجهة هي أولاً وأخيراُ النظام السوري أو
أجهزة ضمن هذا النظام تعمل له وتأتمر بأمره.
الحقيقة أننا لا نملك معلومات لتحديد الجهة
المنفذة لتلك الجرائم التي ندينها ونستنكرها بقوة، ونحن لا
نريد ولا نتجرأ أن نريد تبريء أحد، لكننا نستطيع أن ندّعي
بقوة بأننا نعرف الجهة التي دفعت الى تلك الإغتيالات، وهذه
الجهة لا يمكن أن تكون سوى إسرائيل والأمركيين. لا أحد
يستطيع أن ينكر غباء الأجهزة الأمنية التي إستبدت في لبنان
لحوالي ثلاثة عقود من الزمن. وكائنا من كانت الجهة
المنفذة لتلك الإغتيالات، على إفتراض أنها جهة واحدة، هي
جهة عميلة للدولة العبرية، هذا إذا لم يكن التنفيذ من قبل
الدولة العبرية نفسها وبشكل مباشر عبر عملاء أفراد. دعونا
نستطرد قليلاً في إحتمال مسؤولية النظام السوري عن الجرائم
التي حصلت بدءاً من مقتل الحريري وبعده:
لا شك أن النظام الشامي يحتوي على ثغرات
كثيرة ومتنوعة، وهو مثله مثل غيره من الأنظمة في الكيانات
السورية والعالم العربي وكل الدول المتخلفة، وريث خليط من
الجهل والتجهيل والإرهاب والصراع على النفوذ دون أي إعتبار
لمصلحة عامة، وإن كانت كل هذه الأمور تحصل بإسم المصلحة
العامة. لكن أن يكون ذلك النظام وراء إغتيال الحريري،
مسألة وإن كنا لا نملك القدرة على رفضها بشكل قاطع، فإننا
حتماً نملك من المعطيات التي هي بمتناول الجميع. لنفترض
أن النظام السوري (الشامي) كان وراء إغتيال الحريري، فما
هي مصلحته في ذلك؟ طبعاً أن مسألة كهذه المسألة لا تحصل
إذا لم يكن هناك مصلحة أساسية من ورائها. هي لا تحصل بسبب
رغبة في الترفيه عن النفس، هي لا تحصل بسبب الرغبة في
الإستمتاع بمشهد القتل والدمار؛ فحتى هذه السادية لا تدفع
الى القيام بأعمال القتل والتدمير، إذا كان سينتج عنها ضرر
كبير في مصلحة الساديين. إذا كانت مصلحة النظام الشامي
البقاء في لبنان فإننا نرى أن إغتيال الحريري قد إخرجه من
لبنان وبشكل مخزٍ، ونحن لا نعتقد أن النظام الشامي غبي الى
درجة الوصول الى هذا النوع من الحسابات الخاطئة. ثم هل
نستطيع أن نتجاهل حقيقة أن النظام الشامي كان بإمكانه
البقاء في لبنان الى أجل غير منظور لو أنه قبل في التخلي
عن مقاومته للكيان العبري والأخذ على عاتقه في ترويض
المقاومة في لبنان والإرتماء في الأحضان
الأميركية/الإسرائيلة بشكل كامل ونهائي؟ ماذا لو قبل
النظام الشامي اليوم دعوة رئيس وزراء الدولة العبرية
والمباشرة في محادثات تكفل إعادة الجولان لسلطة النظام
الشامي مقابل القيام بإمور محددة ليس أقلها تدجين المقاومة
في لبنان وإنهائها بشكل قاطع وحاسم؟ أين سيكون موقع قوى
14 آذار وما هي العدالة التي ستتحقق عبر المحكمة العتيدة؟
أي تحليل سيصدر عن السيد التويني بعدها؟
على عكس ما تقدم به السيد التويني، لقد
قلنا إن العد العكسي لنشر الفتنة بشكل لم نشهده من قبل.
والسيد التويني يبشر بالعدالة التي ستنتج عن هذه المحكمة
العتيدة، بينما نحن نعبر عن مخاوفنا من الظلم الذي سيحصل
ضد مجموع شعبنا بدون إستثناء. أكثر من ذلك أننا نرى في
كلام السيد التويني برهاناً آخر على صحة التخوفات الناشئة
عندنا. هذا ما سنعمل على شرحه لاحقا. |