لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

نقلاً عن جريدة الأخبار عدد 7/4/2008

الدماء التي تجري في عروقنا ليست لنا

"ابوأسد": بنك دم متجول

 دماؤه تجري في عروق 78 إنساناً والمخزون لم ينضب بعد!

 قوميُّ عتيق. شبّ مؤمناً بأن عطاء الدم هو أفضل العطاء فتبرّع به ولا يزال. لم يتوانَ يوماً عن تلبية نداء الواجب كلما دُعِي إليه، وخصوصاً أنه مختصّ أيضاً بتصليح الأعطال الكهربائية. إنه أبو أسد حمية :رامح حمية.

قلائل في المنطقة يعرفونه باسمه الكامل وسط زحمة الأسماء المشابهة، ذلك أن العشرات في طاريا يحملون اسم «علي حسين حمية»، لكنك سرعان ما تجده حين تسأل عن «أبي أسد». الكلّ يعرفه في منطقة غربي بعلبك والجوار. في مستشفيات بعلبك وزحلة يسألون عنه إذا ما احتاجوا إلى «وحدة دم» أو أكثر من فئة +O، ويرسلون في طلبه من شرق بعلبك إلى غربها إذا ما انقطع سلك كهرباء هنا أو انفجرت ماسورة مياه هناك، فهو جاهز للقيام بالواجب على أكمل وجه!

«أبو أسد»، ابن العقود الستة، بنك دم يتجول على قدمين إن أردت، وعامل صيانة متطوع في مؤسسة الكهرباء لو أحببت. يفعل ذلك طواعية وتطوعاً و... «لوجه الله الكريم». إن سألته عن سر حيويته الدائمة وشبابه المتجدد رغم تجاوزه الستين يجيب: «ليس هناك سرّ، كلّ ما في الأمر أن الدماء التي تجري في عروقي تبقى طازجة وجيدة على الدوام، إذ لا يكاد يمر شهر واحد من دون أن أتبرع بوحدة دم على الأقل».

وعما إذا كان هذا الأمر دافعه الوحيد للتبرّع بالدم، ينفي «أبو أسد» قائلاً: «لا، المسألة أعمق من هذا بكثير، لأنها تنطلق من قناعة دينية أولاً، ومن عقيدة قومية راسخة ثانياً. فمن يتنازل عن جزء من دمه بغية إنقاذ إنسان ما، فكأنه أحيا ذلك الإنسان كما ورد في القرآن الكريم: (من أحيا نفساً كأنما أحيا الناس جميعاً)، إضافة إلى أني قومي ومؤمن بمبادئ حزبي وعقيدته التي تنص بهذا الشأن: على أن الدماء التي تجري في عروقكم ليست ملككم بل هي وديعة الأمة فيكم متى طلبتها وجدتها. واستناداً إلى هاتين الشريعتين، أعتقد أني بتنازلي عن كمية من دمي لهذا الإنسان أو ذاك، أكون قد سدّدت جزءاً من وديعة الأمة».

وعن عدد المرات التي تبرّع فيها «أبو أسد» بالدم يقول: «حتى الآن تجري دمائي في عروق أكثر من 78 إنساناً من أبناء بلدتي والقرى المجاورة، لكلّ واحد منهم وحدة دم (500 غرام)، فيكون بالتالي مجموع الوحدات التي تبرعت بها 78 وحدة، أي 39 ليتراً، ومثل هذه الكمية تبلغ سبعة أضعاف الدم الموجود في جسم الإنسان».

يحتفظ علي حمية ببطاقات التبرع من مختلف المستشفيات في البقاع (رياق ــ دار الأمل الجامعي ــ الططري ــ تل شيحا ــ لبنان الفرنسي ــ مؤسسة عامل ..) وبيروت.

بدأ التبرع «من عام 1975 في مستهل الحرب الأهلية اللبنانية، وصولاً للعام 2007»، وفي الفترة الأخيرة بات يتبرّع بالدم من دون الحصول على بطاقات، لكنه يعمد إلى تسجيل اسم كلّ من يتبرع له مع التاريخ واسم المستشفى: «أردت التميّز منذ نعومة أظافري، لا سعياً وراء تحطيم رقم قياسي، بل رغبة في تحقيق موقف عزّ في حياتي. الشهيد يبذل دمه مرة واحدة ويروي تراب وطن أحبّه، وأنا سعيت وأسعى جاهداً إلى بذل دمي لأروي مهجاً بدل التراب، وأسقي أرواحاً عطشى للبقاء والحياة».

الإنسان قبل الطائفة

شارك علي حمية، في بداية الحرب اللبنانية، في أكثر من مواجهة ومعركة ضد ما كان يسمّى «القوات الانعزالية»، بصفته عضواً في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي. وفي إحدى المعارك على محور الشياح ـــ عين الرمانة، أسر رفقاؤه مقاتلاً «انعزالياً»، بعد إصابته بجروح بالغة في بطنه وعنقه، فنقلوه إلى أحد مستشفيات الضاحية الجنوبية، حيث كان موجوداً لفك «قطب» جرح كان أصيب به قبل أسبوع جراء شظية أطاحت «دشمته» الرملية وكادت تقتله.

يقول: «رأيت الجريح عند إدخاله إلى غرفة العمليات، لكنني لم أكترث للأمر كثيراً، وبينما كنت أهم بمغادرة المستشفى سمعت إحدى الممرضات تسأل بصوت عالٍ: هل هناك أحد هنا يملك دماً فئة +O؟ عدت مهرولاً وقلت للممرضة إني أحمل تلك الفئة، فنصحتني بعدم التبرّع لأنني فقدت الكثير من الدم عندما أصبت، لكنني أصررت، وخصوصاً حين عرفت أن حياة الجريح تتوقف على نصف ليتر من الدم».

يضحك وهو يتذكر طرافة ما حدث: «تبرّعت بالدم وكدت أدفع حياتي ثمناً لأني لم أكن استرجعت كامل قوتي ودمائي. شعرت بالضعف والانحطاط ولم أعد أقوى على الوقوف، فأغمي عليّ قبل أن أخرج من غرفة سحب الدم، ومكثت أسبوعاً إضافياً في المستشفى تحت المراقبة».

يؤكد «أبو أسد» أن تصرّفه يومها كان نابعاً من مفهومه الديني والعقائدي الذي يقضي بأن الإنسان قبل الطائفة، وأن الروابط الأخلاقية والإنسانية تطغى على تلك المذهبية. ويستشهد بتعريف «الزعيم أنطون سعادة للدين: كلنا مسلمون لربّ العالمين، منا من أسلم بالإنجيل، ومنا من أسلم بالقرآن»، يضيف «إن للحرب قواعدها الخاصة، فهذا الشخص لم يكن مسلحاً بل كان إنساناً أسيراً مصاباً ويحتاج للبقاء والحياة».

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
مقالات2007
استحالة الديمقراطية
مقابلة مع سليمان فرنجية
الأمل والحلم
صراع المخابرات
الفوضى في الحق لا تهزم الباطل المنظم
ماذا يريد مروان حماده من ميشال عون
قضاينا القومية بين سمسرة المصريين وابتزاز السعوديين
الحرب حقيقة...أم تهويل وابتزاز؟
كلمة نائب الأمين العام لحزب الله
الشام المتسهدفة ليست شام النظام
بنك دم متجول
آخر الهنود الحمر
السنيوره لا يستحي ولا يخجل
أغبياء العصر
جهود ضائعة
العمالة للصهيونية والإعتدال السني
التفليسة الأخيرة
من ثقافتنا القومية الإجتماعية
مع كل دورة شمس عيد جديد للمقاومة
الصراع السني-الشيعي بين المذهبية والمقاومة
لماذا السنيوره مجدداً؟
علوش مستفرداً
جان داية في ولادة قيصرية مشوهة
الولايات المتحدة في طور التفكك
مسيحيو العراق بين البشمركيين والقاعديين
مشروع سوريا الكبرى والقضية الفلسطينية
أنطون سعاده بأقلام الصحافة العبرية
الذهاب الى الحج