![]() |
رجل
وقضية
|
|
|
.
. جلقامشس
|
ليس من علم كمن لا يعلم قلنا، في ما تقدم، أن المسيح جاء حاملاً رسالة مناقبية للقضاء على مثالب المجتمع الذي تشبَّث بقوانين صارت جامدة وأجاز أفراده لأنفسهم الخمول وارتكاب جميع أنواع الموبقات التي لم تنصَّ الشريعة على كيفية معاقبتها. وهذا أيضاً شأن محمد. إلاّ أن الفرق بين المسيح ومحمد أن المسيح لم يكن محتاجاً لأن تكون رسالته تشريعية لأن المجتمع الذي نشأ فيه كان ذا شرائع سبكتها الموسوية في شكل إلهيّ، وأن محمداً وجد أشد ما تحتاج إليه جماعات بيئته هو التشريع فأدَّى هذه الرسالة، وأضاف إليها تعاليم مناقبية من النوع المسيحي عينه، إلاّ أنه تناول بها أيضاً أموراً كثيرة مختصة بأهل بيئته فضلاً عن الأمور العامة. وقد وجدنا الكلام الإلهي في القرآن يوافق كل الموافقة تعليم المسيح المناقبي الذي جاء جاهل يدَّعي العلم يقول إنه يخالفه. بل إننا حين التمعُّن في النصوص نجد أن القرآن كان أشدّ تأكيداً من الإنجيل بوجوب الاستغناء عن كل مال وعقار في سبيل السماء. ففي الإنجيل كله لا يوجد حكم كحكم الآية القرآنية: {إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} } (التوبة: 111). ولا وعيد الآية: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربَّصوا حتّى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} (التوبة: 24). فالمسيح لم ينذر الأغنياء ومفضِّلي أموالهم على محبة الله واتّباع المسيح, هذا الإنذار الشديد، وقوله لتلاميذه، مستخرجاً لهم العبرة من رفض الغني بيع أملاكه وتوزيعها على الفقراء: " ما أعسر على ذوي الأموال أن يدخلوا ملكوت الله. إنه لأسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من أن يدخل غنيّ ملكوت الله" (لوقا: 18 ـ 24 و25) ليس حكماً عليهم بالرفض والهلاك من أجل غناهم، بل تعييناً لحقيقة حالهم التي اختاروها لأنفسهم، إذ فضلوا أموالهم على عمل مشيئة الله. وهذا التعليم ليس ضد الغني عينه، كما أوهم رشيد الخوري جهله، بل ضد جعل المال معبود الإنسان من دون الله أو الفضائل العليا. وإذا تابع الدارس ذيول هذا الحادث والتعليم المسيحي المستخرج منه ظهر له عظم تدجيل رشيد الخوري بادّعائه فهم تعليم المسيح والشريعة الإسلامية وتعليم محمد. فالآيات التالية هذا نصها: "فقال السامعون: فمن يستطيع إذاً أن يخلص. فقال: ما لا يستطاع عند الناس مُستطاع عند الله. فقال بطرس: هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. فقال لهم الحق أقول لكم إنه ما من أحد ترك بيتاً أو والدين أو اخوة أو امرأة أو بنين لأجل ملكوت الله إلاّ ينال في هذا الزمان أضعافاً كثيرة، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (لوقا: 18 ـ من 26 إلى 30). فإذاً القصد الواضح من نص التعليم أن يُثاب الإنسان في هذه الدنيا أيضاً فضلاً عن ثواب الآخرة، فيزداد غناه الدنيوي أيضاً إذا عمل بهذا التعليم، فكيف يكون هذا القول موجباً للفقر، كما يدجِّل رشيد سليم الخوري؟ ومن مقابلة آيات القرآن، التي أثبتناها، على هذه الآيات الإنجيلية يتَّضح أن المطابقة بين التعليمين المسيحي والمحمدي هي كليّة، وفي بعض الآيات المطابقة ليست أساسية فقط بل شكلية أيضاً كما في تعداد الآباء والأبناء والإخوان والأزواج الذي يكاد يكون حرفياً في الإنجيل والقرآن. ننتقل إلى أخطر الأقوال التي فاه بها رشيد الخوري في حارضته الهجائية التي لم يرم من ورائها إلى غير إثارة الفتنة الدينية واستدرار جيوب الذين ما يزال يأخذهم هوس التعصب الديني. ونحن لا يهمنا من تناول هذا القول الدفاع عن الدين المسيحي أو إثبات صحته وصحيحه. لسنا مبشري أديان. وإذا كان رشيد الخوري أراد أن يكون مبشراً دينياً لقضاء لبانة في نفسه فذلك شأنه هو الذي لا ندخل فيه ولا في شأن الذين أغروه بركوب هذا المركب الخشن. نحن نسوق هذا الدرس من أجل محاربة التدجيل العلمي والتدجيل الديني والاستهزاء بالتعاليم على الإطلاق، سواء أكانت دينية أم غير دينية. ومن أجل إيضاح الحقائق التي تساعد على التخفيف من غلواء التعصب الديني المبنيّ على تشويه هذه الحقائق ونشوء اعتقادات في صددها لا يمكن أن يذهب التعصب الأعمى بدون ذهابها. أثبتنا، في ما تقدم، فقرة من حارضة رشيد الخوري جمعت النتيجة الكلية الكاملة لما سماه صاحب الحارضة "بحثاً دينياً اسماً واجتماعياً فعلاً" في ما يتعلق بالدين المسيحي أو الإنجيل. وهي الفقرة القائلة إن الإنجيل كتاب "لا يعلِّم غير الزهد وقهر الجسد وحبس العقل في قفص من غباوة الاستسلام لما وراء المنظور، وهو يقتل المواهب ويُهيض الأجنحة ويعصب على العيون" وإنه "لا بأس في شريعته أن تعيش عبداً رقيقاً مدى الحياة تُسام الخسف والهوان والجلد بالسياط ما دمت تعتقد بأن بعد الموت حياة ثانية تُثاب فيها على خنوعك واستسلامك وصبرك على الظلم". وقلنا إننا سنعود إليها بعد بحث قوله إن المسيحية "شريعة توجب الفقر شرطاً لدخول السماء" فلنبحث في هذا الكلام. إن هذا القول هو الذي عنيناه قبلاً، ونجعله هنا شاهداً على قولنا هناك أنه سفسطة سهلة الشيوع عند العامة وعند الخاصة الناقصة الثقافة، وإيضاحنا أن سبب هذه السهولة هو كمال سطحية هذه السفسطة وإغفالها الحقائق الاجتماعية والتاريخية، وهو الإغفال الذي رأينا أوجه في تفضيل الدين الإسلامي المحمدي على الدين الإسلامي المسيحي لسبب أن محمداً "أشاد بذكر العلم وفضل العلماء، وأنه لا يوجد في الإنجيل آية واحدة تذكر العلم بخير أو بشرّ". لا يذكر صاحب الحارضة النصوص الإنجيلية التي استند إليها وحلَّلها وحقق فيها ليخرج بهذه السفسطة الباهرة في "بحثه الاجتماعي فعلاً" القائلة إنّ الإنجيل كتاب لا يعلِّم غير الدروشة والزهد وحبس العقل والاستسلام للعبودية والصبر على الظلم. فهذا الكلام المرسل جزافاً على عواهنه من غير ضابط من النصوص ولا شواهد كاملة من التعاليم التي يتناولها هو آخر بدعة من بدع الواغلين على العلم في ما يمكن أو يحتمل أن يُسمَّى بحثاً علمياً "اجتماعياً"، مهما يكن من شأن هذا النعت غير المضبوط. فهؤلاء الشياطين أو السعادين لا يرون ضرورة لبحث التعاليم أو المبادئ أو الأقوال التي يعطون حكمهم عليها بصورة نهائية جازمة. فعقلية عظيمة السخافة كعقلية رشيد الخوري لا تجد حاجة لدرس نصوص المحمدية ونصوص المسيحية حين النظر فيهما والبت في طبيعة كل منهما وخصائصه وإظهار كيفية توصلها إلى النتيجة الأخيرة التي تصل إليها. إن هذه العقلية السفسطائية التي لا تعلو عن عقلية الأميين ترى أن التعاليم شائعة بين الناس ومعروفة،وأن إقرار النتيجة شيء بديهي لا يستدعي إعادة نظر، بل يكفي تقديم آية واحدة مفصولة عن موضوعها كآية طلب المسيح من الغني أن يبيع أملاكه ويوزعها على الفقراء ليمتحن صدق إيمانه، واتخاذها شاهداً يغني عن الباقي في عرف هذه العقلية الفقيرة الثقافة الطامعة بالخلود والمال. وقد رأينا في ما سبق مقدار إساءة فهم الآية وموضوعها وإساءة الاستشهاد بها. إن التعاليم المسيحية شائعة، وكذلك التعاليم المحمدية، ولكن شيوع هذه التعاليم لا يعني دائماً أن الشائعة عندهم درسوها ومحّصوها وفهموها فهماً كلياً أو مستوفًى، بل قد يعني، وهو الأصحّ، أن من الجهالة الاستناد إلى هذا الشيوع غير المضبوط، خصوصاً في مجتمع ما يزال فيه بقية كبيرة من انحطاط الثقافة ونقص العلم اللذين هما من نتائج فقده رابطته وسيادته القوميتين. ولولا شيوع هذه التعاليم شيوعاً يولِّد كثيراً من الأغاليط في محيط من الثقافة المنحطة والعلم الناقص لما وجدنا بنا حاجة لتناول هذه السفسطة ودرسها وتحليلها بصورة جدية، بل لكنا فضَّلنا خوض الموضوع من نقطة ابتدائية غير هذه النقطة ومن وجه غير الوجه الذي تحملُنا عليه هذه السفسطة. قد رأينا، في ما تقدم، مقدار ما يعرف أو ما يجهل رشيد الخوري من الرسالة القرآنية وبعض مقدار ما يعرف أو ما يجهل من الرسالة المسيحية، فلنر مقداراً آخر من علمه وجهله مبتدئين بقوله إن الإنجيل "لا يعلِّم في هذه الدنيا غير الدروشة والزهد". من أين استمد الخوري هذا الحكم؟ من خبط العامة في التعاليم ذات الصبغة الفلسفية في المناقب. من منَّا لم يسمع كثيراً من العامة والخاصة الناقصة الثقافة تتحدث عن المسيحية والمحمدية بصورة بعيدة عن الفهم؟ من منّا لم تطرق أذنه مثل هذه العبارة الحقيرة: "تقبر الإنجيل أيش بيعلّم غير الكسل. شو بيستفيد الإنسان من قول المسيح: "لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون ولا لأجسادكم بما تلبسون. ولا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس"."؟ أليس من هذا القبيل تماماً ما يقوله رشيد الخوري في حارضته مدَّعياً أن الإنجيل "لا يعلِّم غير الدروشة والزهد؟" بلى. بلا زيادة ولا نقصان ولكن ما أبعد هذه النظرة الانحطاطية عن مقصود هذا التعليم المسيحي. المسيح لم يقل هذين القولين اللذين تستشهد بهما العامة المبلبلة والخاصة المستمدة ثقافتها من الأفكار الشائعة، الخطرة، وحدهما كتعليم كامل تام في نفسه، بل قالهما في عرض موعظة كاملة تعالج حالة عامة وتتجه نحو نتيجة كلية هي محاربة الإغراق في المادية الفردية والانحطاط إلى أسفل دركاتها حيث يصبح قلب الإنسان مع كنزه المادي المفضَّل عنده على جميع الفضائل العليا المنسوبة إلى "مشيئة الله" والانتصار على الأنانية الفردية لقيام مجتمع أفضل. فالمسيح لم يقل آية واحدة ليعبِّر بها عما أراد أن يرسخه في الأذهان، بل قال سلسلة عبارات في موعظته على الجبل، كلّها مرتبطة بهذا المعنى الواحد المتعلق بوجوب تفضيل محبة المناقب والفضائل الباقية على محبة المال، فهو لم يكد يُتمّ عبارته القائلة: "فلا تطلبوا ما تأكلون أو ما تشربون ولا تقلقوا" حتى أردفها بآيتين "وأبوكم (الله) يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا، بل اطلبوا ملكوت الله وهذا كله يزاد لكم" (لوقا: 12 ـ 29 و30 و31). فهل وقف رشيد الخوري ومن حذا حذوه عند الجزء الثاني من الآية الأخيرة المذكورة آنفاً وتأمل معناها ووجد أنها لا تعني شيئاً غير الدروشة والزهد والفقر؟ هل وقفوا عند هذه الآية المذكورة آخراً وتمعنَّوا في معناها الذي جمع المقصود من الآيات السابقة والغرض الكامل الذي رمى إليه المسيح منها ووجدوا أن هذا الغرض هو الدروشة والزهد والفقر، لا أكثر ولا أقل؟ شتان بين غرض هذا التعليم وما فهمه ويفهمه رجل يتكلَّم في الدين ولا يعرف ما هو الدين، ويدَّعي العلم وهو ليس سوى خرقاء ذات نيفة. إن درس موعظة المسيح والآيات المتعلقة بموضوع الغنى يوصل إلى نتيجة واحدة هي: إنه إذا اتجه أبناء المجتمع الواحد نحو طلب حالة السعادة التي تولدها الفضائل السامية فإن المجتمع يخسر الأنانية الفردية المنحطة القتالة، ولكنه لا يخسر أسباب العيش والرفاه، لأن التعاون في المجتمع يولِّد المحبة، والمحبة تزيد التعاون، ومن هذا التفاعل بين المحبة والتعاضد يتولَّد فلاح المجتمع؛ فأيّ عقل غير سخيف يقول إن فلاح المجتمع يعني الدروشة والزهد والفقر؟ وهل يقول الإسلام المحمدي بغير هذه النتيجة؟ أتُعارض الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة هذا التعليم؟ كلاَّ، بل هي تؤيَّده وتتجه معه في اتجاه واحد؛ ولا يحاول نفي ذلك غير جاهل مغرور يدَّعي أنه أخبر بالإسلام المحمدي من القرآن ومن محمد نفسه. انظر كيف يعلِّم القرآن هذا التعليم الإنجيلي عينه: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدّنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} (الشورى: 20) فهذه الآية توافق كل الموافقة آيات الإنجيل في تعسير دخول السماء على الذين يفضلون حرث الدنيا على حرث الآخرة. وإليك آية أخرى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} (البقرة: 261) وأخرى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالّتي تقرّبكم عندنا زلفى إلاّ من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضّعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} (سبأ: 37) وغيرها: {زيّن للنّاس حبّ الشّهوات من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدّنيا والله عنده حسن المآب} (آل عمران: 14) وغيرها: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدّنيا وما عند الله خير وأبقى للّذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون} (الشورى: 36). ألا يرى رشيد سليم الخوري، الواضع على عينيه نظارتين ذهبيتي الحتار والوهج، أن الإسلام المحمدي يشترك مع الإسلام المسيحي في تعليم "الدروشة والزهد والفقر والاستسلام لما وراء المنظور والخضوع الأعمى للتعاليم السماوية"؟. أليس هكذا يفهم المير شكيب ارسلان الإسلام حتى قال عن رشيد الخوري إنه يفوق كثيراً من أقحاح المسلمين المدافعين عن شريعة محمد وخلفائه في الأرض؟ تأويل الجاهلين رأينا، في ما سبق، مقدار فساد كلام رشيد الخوري في تأويله الجاهل لكلام المسيح الحاضّ على ترك الأنانية القاتلة لروح المحبة، المانعة التعاون في المجتمع؛ وسنرى هنا تأويله الجاهل لكلام المسيح في ترك المخاصمة ووجوب التساهل والمغفرة. وهذا التأويل الجاهل هو قوله: "لا بأس في شريعته (الإنجيل) أن تعيش عبداً رقيقاً مدى الحياة تسام الخسف والهوان والجلد بالسياط ما دمت تعتقد أن بعد الموت حياة ثانية تثاب فيها على خنوعك واستسلامك وصبرك على الظلم". إذا كان رشيد الخوري قد حاول أن يدعم تأويله السابق في "الدروشة والزهد" بالتعلق بعبارة واحدة من عبارات المسيح فهو لم يجد حاجة لتأييد تأويله هذا الأخير بآية أو بجملة من الإنجيل. ومما لا شك فيه أنه يستخرج هذا التأويل الفاسد من آيات إنجيلية شائعة عند العامة شيوعاً غير مضبوط، وهي من موعظة المسيح على جبل الزيتون وهذه هي: "من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضاً، ومن سخَّرك ميلاً فامش معه اثنين، ومن سألك فاعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه. أحبُّوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم وصلُّوا لأجل من يعنّتكم ويضطهدكم". رشيد الخوري وأمثاله من قليلي العلم وفقراء الأدب يأخذون هذه الآيات ويؤولونها على قدر عقليتهم، ويقولون أن تأويلهم هذا تعليم المسيح. وتأويلهم هو، كما رأينا من كلام الخوري، أن القصد في هذا التعليم هو جعل الإنسان مستسلماً للخنوع والعبودية والخسف والهوان والجلد بالسياط؛ فلنرَ هل يصح هذا التأويل؟ قلنا في ما تقدم أن المسيح لم يضع شريعة كما يتوهم رشيد الخوري الذي لا يعرف الفرق بين تعليم العقيدة واشتراع القوانين، ولذلك لا يجوز قط أن تحمل الآيات المذكورة على محمل الحكم القانوني، فهي تعليم فيه تشديد في معالجة حالة اجتماعية ولدها جمود الشرع ونقص التعاليم المناقبية في الدين. وهذا التعليم لا يقصد قسمة الناس إلى ظالمين ومظلومين كما يتوهم أمثال رشيد الخوري فتكون هنالك جماعة بحق لأفرادها أن يصفعوا كل من ليس من فئتهم على وجهه، وتكون هنالك جماعة يتوجب على أفرادها أن يحوِّلوا خدودهم الأخرى لضاربيهم، بل هو يقصد نفي الخصومة والضرب والظلم من المجتمع. والآيات المذكورة لا يمكن أخذها وحدها لأنها لم تقل في معرض الإطلاق، بل في معرض موضوع متعلقة به ومرتبطة فيه بآيات أخرى جاءت معها في وقت واحد. بعد أن حث المسيح تلاميذه على ابتغاء البر وسلامة القلب مهما تعرضوا للملام والاضطهاد انتقل إلى تعليم فلسفته الاجتماعية التي لا تقف عند حدود الشرع. فالشرع الجزائي وظيفته سلبيّة أكثر مما هي إيجابية. فالقانون يعاقب على الجرم، ولكنه لا يعين الفضائل، وهو يضع الحد ولكنه لا يشق طريق الارتقاء. إنه يحفظ نظام المجتمع، ولكن ترقية نفسيته تبقى في مهام التعاليم المناقبية والنظرات الفلسفية في قواعد الحياة الاجتماعية ومثلها العليا. فهذه التعاليم والنظرات الفلسفية لا تكتفي بحالة الإنصاف الأولى التي أوجدتها الشرائع والقوانين سواء أكانت هذه دينية أم مدنية، وهي حالة تأمين حصول الطريقة العملية Modus Vivendi لتسيير شؤون المجتمع وحفظ نظامه، بل ترمي إلى تعديل شؤون المجتمع وتغيير نظامه على ما ينطبق على مثلها العليا وما تراه أفضل لترقية الحياة الإنسانية الاجتماعية. وتظهر الحاجة إلى هذه التعاليم والنظرات الفلسفية في المجتمعات التي اجتازت طور التشريع الابتدائي وحازت الطريقة العملية الصالحة لتسيير شؤونها الحيوية. وهذه هي المجتمعات الصالحة لنشوء التعاليم الفلسفية. وسورية كانت بلاد تمدُّن باذخ عرفت التشريع المدني، ثم جاءها اليهود الذي اقتبسوا من السوريين المذهب الديني الذي هو مذهب الإله الذي يرى ولا يُرى، خالق السموات والأرض وعالم الغيب وجعلوه مصدر الشرع(4) فصار الشرع جامداً غير قابل التغيير، مهما تغير الزمان وقلبت الظروف والأحوال، وصارت النظرة إلى الحياة مؤسسة، مناقبياً وفلسفياً، على الشرع؛ واكتفى الناس، الذين آمنوا بالدين الجديد، بالأساس المناقبيّ المستمد من الشرع. بجمود الشرع، عن طريق الدين، جمدت الفلسفة المناقبية أيضاً، وبطل مبدأ الفيلسوف السوري الكبير زينون القائل بأن الفكر أو العقل هو جوهر الحياة الإنسانية. فحدث في المجتمع السوري تصادم عنيف بين النفسية السورية والشرع الموسوي الذي أخذ يقوى على عامل العقل بسبب قوة فكرة الله التي استند إليها والتي أخذت تغلب على فكرة آلهة الأساطير القديمة والأصنام. ولم يعد في الإمكان التأثير على المجتمع إلا عن طريق فكرة الله، لأنَّ هذه الفكرة أضعفت منزلة الحكمة البشرية وقوة العقل الإنساني تجاه حكمة الله وتدبيره. وهذا هو السبب في اتخاذ التعاليم المناقبية المسيحية الفكرة الدينية أسساً لها. فظهر المسيح بمظهر الموعود به من الله ليكون به الخلاص، وعلى هذا الاعتقاد الديني استند المسيح ليؤدي رسالته المناقبية التي أهم ما فيها، بصرف النظر عن أهمية تعاليمها، أنها أعادت النظرة السورية إلى الحياة القائلة بتسليط العقل على مجرى التاريخ، وأن ميزة الإنسان الأساسي هي الفكر، وأنها كانت انتصار النفسية السورية الفاصل على النفسية اليهودية القائلة بتحديد الحياة الإنسانية وفاقاً للشرع الموسويّ. قلنا إن المسيح بعد أن شدَّد روحية تلاميذه انتقل إلى تعليم فلسفته المناقبية الاجتماعية. وقد بدأ المسيح تعاليمه بمهاجمة الوقوف عند حدود الشرع والاكتفاء بالفرائض. قال: "قد سمعتم أنه قيل للأولين: لا تقتل، فإنَّ من قتل يستوجب الدينونة. أما أنا فأقول لكم: إن كل من غضب على أخيه يستوجب الدينونة، ومن قال لأخيه راقا يستوجب حكم المحفل، ومن قال يا أحمق يستوجب نار جهنم"، فهذا التشديد بوجوب ترك الجمود المحدَّد بالشرع ليس تشريعاً جديداً ينص على معاقبة الذي يغضب على أخيه، كما نص الشرع الموسوي المأخوذ عن الشرع الكنعاني على معاقبة القاتل بالقتل، بل هو تعليم يقول بالحكم المناقبي المستمد من النظرة الفلسفية الجديدة. ويثبت أنه تعليم ليس فقط في أنه لم يعين العقوبات، بل في الآيات التابعة وهي: "فإذا قدَّمت قربانك إلى المذبح وذكرت هناك أن لأخيك عليك شيئاً فدع قربانك هناك أمام المذبح وامض أوَّلا فصالح أخاك، وحينئذ ائتِ وقدِّم قربانك" ثم الآية: "قد سمعتم أنه قيل للأولين: لا تزن، أما أنا فأقول لكم: إن كل من نظر إلى امرأة لكي يشتهيها فقد زنى بها في قلبه"، ثم الآيات: "قد قيل من طلّق امرأته فليدفع إليها كتاب طلاق، أما أنا فأقول لكم: من طلّق امرأته إلا لعلة زنى فقد جعلها زانية، ومن تزوج مطلقة فقد زنى". وفي تعليم الآيات الأخيرة قواعد مناقبية للترفَّع عن الشهوات الحيوانية، والاتجاه نحو المثال الأعلى التمدنيِّ نحو الحب وتفاهم الحبيبين للاشتراك في حياة نفسية راقية يكون الحب فيها حافزاً على الأعمال الكبيرة والإنتاج العمراني والثقافيِّ بدلاً من التلاشي في المغامرات الشهوانية. والإسلام المحمدي، الذي نشأ في إقليم حدَّد الحياة البشرية تحديداً شديداً وأحرجها حتى أصبحت الشهوات الحادة المنصرف الوحيد لِقوى الناس، فضَّل أن يتزوج الرجل امرأة واحدة في حين أباح تعدَّد الزوجات نظراً لمقتضيات البيئة، يقول القرآن: {فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} (النساء: 3). وقد تابع المسيح إعطاء القواعد المناقبية فقال: "قد سمعتم أيضاً أنه قيل للأولين: لا تحنث، بل أوف للربّ بأقسامك، أما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها عرش الله ولا بالأرض فإنها موطئُ قدميه, ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرةً منه بيضاء أو سوداءَ، ولكن ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير". وهذا التعليم سام جداً يرفع احترام الناس أنفسهم وأقوالهم حتى يصيروا يعنون ما يقولون دائماً فيكون كلامهم موثوقاً به من غير حاجة إلى حلف خاص يدل على الشكِّ بصدق رواياتهم وأقوالهم الأخرى. وتابع تعليمه بعدم تجميد الفضائل النفسية بالاكتفاء بحدِّ القانون فقال: "قد سمعتم أنه قيل: العين بالعين والسن بالسن؛ أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخلِّ له رداءك أيضاً، ومن سخرك ميلاً فامشِ معه اثنين. من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تمنعه". هذه القاعدة المناقبية السامية ليس تأويلها الحسن ما أوَّله رشيد الخوري من غير استناد إلى كلام المسيح؛ بل تأويلها الوحيد الصحيح الذي لا يقبل الجدل هو أنَّ المسيح قال بوجوب التساهل في الحقوق الفردية من أجل خير المجتمع؛ فقوله: "لا تقاوموا الشرير" لا يعني عدم مقاومة الذين يفسدون المجتمع، بل يعني عدم الاستسلام لعوامل الفساد التي منها تفضيل حق الفرد وخيره على حق المجتمع وخيره، فالشرير هو الذي يريد أن يقودك إلى الشر بدفعك إلى مقاومته بسلاحه وهو الشر، واستعمال هذا السلاح لا يخفف الشرَّ في المجتمع، بل يزيده، لأن الانتقام يكون بحدة وبلا قياس. فالغبن لا بدَّ واقع، وبالغُبن ازدياد الأحقاد والضغائن والعداوة وتفكك المجتمع وفساده. فمقاومة الشر الحادث بين إنسان وابن مجتمعه تكون، حسب قاعدة المسيح المناقبية، بالتساهل في الحقوق الفردية الذي ينتهي، في الأخير، إلى نفي الشر، لأنه متى تعلَّم كل إنسان أن يتساهل من أجل الخير العام لم يعد هناك من يريد الظلم، فينتفي الظلم بالمرة، أو يقلّ كثيراً حتى لا يشعر به. وإذا انتفى الظلم فكيف يكون بانتفائه حصول الخنوع والخسف والهوان؟ إن رشيد الخوري الجاهل تعاليم المذهبين المسيحيّ والمحمديّ يظن أن المحمدية تخالف هذا التعليم المسيحيّ، وبناء على هذا الظن الآثم أخذ يصرِّح باختلاف المحمدية والمسيحية في هذا الصدد. ولكنَّ الحقيقة هي أنَّ الرسالة المحمدية تعلِّم هذا التعليم عينه في القرآن والحديث، فانظر ما يقول القرآن: {وَلاَ تستوي الحسنة ولا السّيِّئة، ادفع بالّتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم} (فصلت: 34) {ثمَّ كان من الّذين آمنوا وتواصوا بالصّبر وتواصوا بالمرحمة} (البلد: 17) {إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإنّ الله كان عفوّاً قديراً} (النساء: 149)، وأقوى هذه الآيات في هذا الاتجاه هي المذكورة في الأوَّل من سورة السجدة. وقد اكتفت الرسالة المحمدية بهذا المقدار من موافقة التعليم المسيحي مراعاة لحالة البيئة، ولذلك كانت هذه الآيات مطلقة من غير تعيين لكيفية التطبيق بالأمثال، كما في الرسالة المسيحية. فالبيئة العربية كانت، كما بيّنا في ما تقدم من هذا البحث، أشدَّ حاجة إلى وضع حدٍّ للفوضى وإقامة حدود الشرع التي تمنع الانتقام الجامح الذي كاد يقع فيه النبيُّ نفسه، منها إلى الحياة الثقافية العليا. فقد روي عن محمد أنه "لما رأى حمزة وقد مثِّل به" قال: "والله لئن أظفرني الله بهم لأمثّلنَّ بسبعين مكانك" (ذكره الإمام البيضاوي في شرحه سورة النحل) ثم إن النبي كفر عن يمينه بنزول الآية: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين} (النحل: 126) ومع أن هذه الآية مشرَّبة روحاً مسيحية في القسم الأخير منها وهو قوله "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" فإن القسم الأول مجانس للشرع الموسويّ الذي هو بداءة تنظيم المجتمع. وقد كانت موجبات البيئة لتساهل الرسالة قوية أحياناً، خصوصاً بعد الاتجاه نحو جمع كلمة المحمديين على قتال الذين لا يؤمنون إيمانهم، ونصرة الدين بالقوة، كالتساهل بتجويز ضرب النساء لحملهنَّ على إطاعة رجالهن. فقد وردت في سورة النساء الآية {الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم (في زواجهن) فالصّالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاّتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً إنّ الله كان عليّاً كبيراً} (النساء: 34). فلهذه الآية علاقة بحكاية حال وهي أن سعد بن الربيع، أحد نقباء الأنصار، نشزت (عصت) عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير فلطمها. فانطلق بها أبوها إلى النبي فشكا، فقال محمد: "لتقتص منه". ". ثم كان أن الآية نزلت فقال النبي "أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير". وفي هذا القول تدبير حكيم لمعالجة الحالة معالجة ما كان يجب أن تولد صدعاً في صفوف المسلمين. مع كل هذا التساهل الشرعي الذي أبدته الرسالة المحمدية تجاه مقتضيات حالة البيئة فإنَّ النبي كان في بعض كلامه الذي حدَّث به حديثاً لا إلزام فيه، أعلى مطلباً للناس عامة وأبعد مرمًى، مستفيداً من أن كلامه ليس شرعاً حتمياً، بل إرشاداً يحثُّ المؤمن على التمسك به من غير عنت ولا إكراه؛ فهو في الحديث الذي يخرج به من خصوصيات البيئة وضروراتها إلى عالم الإنسانية الواسع الذي يتناول بيئات التمدن أيضاً، يجاري المسيح في تعاليمه المناقبية مجاراة لا تترك زيادة لمستزيد. في الحديث الذي يتناول تعاليم عمومية، كما في الآيات التي يلاحظ أنَّ عوامل البيئة قيدتها بعض التقييد، تظهر لطافة نفس النبي العربي السورية الأصل، فإذا جوهرها وجوهر نفس المسيح واحد لأنهما من أرومةٍ واحدة في الأصل، قبل أن صارت القبائل الكنعانية مستعربة، وهي القبائل العدنانية الكنعانية الأصل التي منها النبي محمد. لينظر القارئ كيف يتحد التعليم المحمدي بالتعليم اليسوعي فإذا هما تعليم واحد وليس تعليمين. وإذا كانت البيئة العربية الصحراوية وأساليب معيشتها قد اقتضت نظراً خاصاً بها فإنَّ المرمى الأخير المناقبيَّ للرسالة المحمدية لم يقصِّر قيد شعرة عن مرمى الرسالة المسيحية. قال محمد في حديث له: "أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السرِّ والعلانية، والعدل في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبراً". فإن العفو عن الظلم هو مُوَازٍ لتحويل الخدِّ الآخر لمن ضربك، وإعطاء من يحرُم، ووصلَ من يقطع موازيان لقول المسيح: من سخرك ميلاً فامش معه اثنين، ومن طلب مالك فلا تمنعه. إذاً لا خلاف في جوهر الإسلام في الرسالتين المحمدية والمسيحية، ولا مغايرة إلاّ في ما اقتضاه اختلاف البيئة، لا ما اقتضاه قصد كلٍّ من الرسالتين، لأنه لا اختلاف في أنَّ قصدهما واحد. فإذا كانت تعاليم المسيح تعلِّمُ الخنوع والاستسلام والهوان والصبر على الظلم، فتعاليمُ محمد وآيات القرآن توافقها على ذلك كلَّ الموافقة. ولا وجه مطلقاً يجيز القولَ الذي قاله في هذا الصدد رشيد الخوري، في محاولة عقيمة للانتصار لمذهب ضد مذهب آخرَ بتشويه تعاليم الرسالتين ونسبةِ أمورٍ إليهما لا مُسْتند صحيح لنسبتها إليهما. ولعن الله من أراد إيقاظ الفتنة. |
|