أن الأمة السورية هي وحدها صاحبة الحق الطبيعي والشرعي في فلسطين، وأنه ليس لغيرها أن يقول الكلمة الأولى والأخيرة في مصيرها                                                                   إن كل مقررات إنترنسيونية تخالف إرادة الأمة السورية وحقها في تقرير مصيرها، ومصير وطنها بملئ حريتها، هي مقررات باطلة

 

 
  صفحة رئيسة ] فلسطين ] العراق ]                                                                               

سقوط بغداد: المأساة والعبر(5/2003)

 بقلم منير حيدر

 لقد سقطت بغداد فأذهلتنا وأذهلت معنا كل متتبع للأحداث. ذهلنا لأن بغداد علمتنا الصمود وعودتنا عليه.  لم يكن ذهولنا ولا ذهول غيرنا ناتج عن وهم من أن بغداد يمكن أن تصمد امام طغيان الآلة الأمريكية-اليهودية الشريرة الى الأبد؛ بل ذهلنا لأن سقوط بغداد جاء بشكل خذل فيه آراءنا وتوقعاتنا وتحليلاتنا، وربما تفكيرنا المتمني ان تأخذ الأحداث الوجهة التي نريدها.  لقد ذهل معنا جميع المراقبين للأحداث لنفس الأسباب المنطقية التي إستعملناها لقراءة مجرى ما كان يحدث.  كان منطقنا وحسابنا بسيطا لكنه قوي ومقنع:  الفاو الجزيرة الصغيرة صمدت عدة أيام؛  أم قصر، المدينة الصغيرة صمدت إسبوعين ولم تمت المقاومة فيها بعد؛ البصرة لا زالت صامدة ومستعصية على البرابرة ونيرانهم وتفوق تلك النيران وغزارتها؛ فلاح  مزروع في الأرض يسقط ببندقية قديمة من مخلفات الحرب العالمية الأولى طائرة  آباتشي؛ ذلك الفلاح ما حلم ابدا انه وبندقته سيدخلان تاريخ  البطولة في أمتنا من هذا الباب الواسع؛ طائرة حربية تسقط بصاروخ فوق البصرة؛  كل هذه الأحداث والمؤشرات كانت توحي لنا بأن إذا كان كل ذلك حدث في الفاو وام قصر والبصرة وما بينها، فأن ما سيكون من بغداد فأمر باهر لم يشهد له العالم بعد. لقدصعق صمود الفاو وام قصر والبصرة جموع المعتدين وأفشل حساباتهم وتوقعاتهم لدرجة الأرباك.  ذلك دفعنا الى الإعتقاد أن بغداد ستجعل ذهولهم حالة دائمة وستتحول الى مقبرة لكثيرين منهم قبل ان يستطيعوا النيل منها.  لكن سقوط بغداد خذلنا جميعا وعمق مأساتنا ومرارتنا وشعورنا بالخيبة.               

سقوط بغداد مأساوي ليس بسبب شكل هذا السقوط، بل يتعداه الى ما هو أعمق وأهم.  بغداد، أم الحضارة والأشعاع، تسقط في أيدي البرارة والمغول الجدد، هو بعد أساسي من أبعاد المأساة المهمة.   سقوط بغداد مأساوي لأنه قد يكون بداية النهاية لسقوطنا جميعا.  إن سقوط بغداد هو البوابة العريضة التي سيدخل منها الأعداء للأنقضاض على كل مظاهر حياتنا الأساسية والمهمة لتدميرها مرة واحدة والى الأبد.  أن سقوط بغداد مأساوي لأنه تركنا عراة ومكشوفين بعد ان كانت حياتنا مغلفة بأكاذيب متنوعة وكثيرة.  إننا نعرف اليوم أكثر من الأمس كم هي مأساتنا عميقة، لأنه نرى الآن تفاهة ما طغى على حياتنا العامة من مثالب وفساد ابعدتنا كثيرا عن إصالتنا لنصبح مجموعات تافهة سلفية لا روح عندها ولا إبداع.   سقوط بغداد مأساوي لأنه يفقدنا أي أمل في وجود حي فاعل لنا.  إن المأساة الكبرى لم تحصل بعد.  المأساة الكبرى تترسخ عندما نتحول الى مجموعات طائفية، عرقية، قبلية، عشائرية، عائلية، تحكمها وتتحكم برقابها مجموعة مسلحة واعية طاغية تخضعنا لإرادتها وأنظمتها، تقرر لنا وعنا، تملي علينا ما نريد وما لا نريد، وتستغلنا بشكل بشع فتحاربنا ببعض منا.  أن سقوط بغداد هو مأساة لأن ما هو قادم من عصر سيكون عصر الحلم اليهودي وقد أصبح واقعا يدب على أقدام.  أن سقوط بغداد هو مأساوي لأنه يعني سقوطنا الى الأبد.                                                    

ويبقى السؤال الكبير: هل يمكن أن نفعل ما يوقف تدحرجنا نحو النهاية؟                  

الجواب على ذلك ليس قطعيا، لكن نستطيع أن نحاول بقسط جيد من النجاح إذا أستطعنا أن نعتبر سقوط بغداد فنفهم عبره ونستفيد من فهمنا لهذه العبر لرسم خطط مقاومتنا للأعداء وتعيين نمط تطلعنا المستقبلي.  فما هي العبر الأساسية من سقوط بغداد؟                 

 العبرة الأولى ان الأنظمة القمعية بأشكالها المختلفة لا يمكن أن تبني دولة أو أن تحفظ حقوق شعب ومصالحه.  الأنظمة القمعية تقتل الشعب تحت شعار المحافظة على مصالحه، فتقتل معه روح المقاومة فيصبح هدفا سهلا لأي طامع جائر.  الأنظمة القمعية هي نقيض لمصالح الشعب القومية والأجتماعية لا سيما في عصر كعصرنا هذا.  فألأنظمة القمعية هي أنظمة سلفية عاجزة أن ترى هذا العصر على حقيقته وعاجزة عن فهم ابعاده.  لذلك هي تسقط عند اول هزة بعد ان أعتقدت بأنها قوية لا تمس.  إن إعتقادها هذا ناتج عن منطق مغلوط من أنها أذا كانت تستطيع أن تقمع شعوبها فهي حتما تستطيع رد أي طامع خارجي اذا لم تكن عميلة له.    

العبرة الثانية هي ان الطائفيات والعصبيات الجزئية بمختلف انواعها هي قنابل موقوتة في جسم الشعب والوطن تنفجر عند أول هزه.  إن لجوء أي نظام للأستعانة بهذه العصبيات لتثبيت نفسه وبناء هيبته ما هو الا وهم يسقط عند اول أختبار.                            

العبرة الثالثة هي أن الوطن لا يبنى على دين وأن الأوطان لا تحميها أديانها؛  الوطن تحميه فقط وحدة شعبه بكل ما تعنيه من تساوى في الحقوق والواجبات والمسؤولية.  لا حاجة لي في تقديم أمثلة على كل هذا فاي قارئ يستطيع ان يجد المئات منها عند قراءة بسيطة لأحداث.    

العبرة الرابعة ان واقع العالم كان وما يزال وسيبقى الى أجل غير منظور، واقع أمم ومجتمعات لها مصالحها وتتطلعاتها المختلفة، تلتقي عند التقاء هذه المصالح، وتختلف عند إختلافها.  أي قراءة غير هذه للواقع البشري هي قراءة مثالية الى حد الغباء بعيدة عن الواقع وحقيقته.  أن هشاشة الأمم المتحدة وعجزها ليس الا نتيجة لهذا الواقع.  لقد صورت الأمم المتحدة على أنها شرعية دولية تجري أحكامها وقراراتها على جميع المجتمعات بالتساوي، فجاء تسلسل الأحداث خلال العقود الستة الغير مكتملة من حياتها، ليفضحها ويظهرها على حقيقتها من أنها ليست سوى جمعية لأمم إنتصرت مصالحها في الحرب العالمية الثانية.  إن هناك كثيرين الآن ممن ينعي هذه الجمعية التي لم تكن الا شاهد زور على أكثر ما حصل في العالم خلال فترة وجودها، مطالبا بإنشاء بديل عنها يعبر أكثر عن مصالح الشعوب.           

العبر الباقية من سقوط بغداد هو ما يجب أن نسلكه من مسالك وما نختاره من أختيارات مناقضة لما أوردناه آنفا.  أن إحترام إرادة الشعب، كل الشعب، وإلحفاظ على كرامته وعنفوانه من قبل النظام، والحرص على إشراكه في كل القرارات من خلال ديمقراطية حقيقية، هو في أساس أي مقاومة مرجوة لرد إعتداء المعتدين وأطماع الطامعين.  هذا يعني أن أي ديمقراطية حقيقية لا يمكنها ان تكون كذلك الا إذا كانت مبنية على وحدة الشعب القومية والأجتماعية لا على العصبيات الجزئية او الدين.  إن دولة كهذه وكهذه فقط يمكنها ان تقود مقاومة فعالة لرد الأعداء.  ما هو أقل من هذا هو هراء وهروب من الواقع.  أن النظام الوحيد المأمول به والمؤهل لقيادة هذا التغيير من حيث ما يملك من قدرات هو النظام الشامي.  إن هذا الوقت هو وقت عصيب يقف فيه النظام الشامي أمام مفترقات مصيرية تؤثر على شعبنا لأجيال كثيرة قادمة.  إن تسارع الأحداث لا يرحم، يتطلب منا تحركا اكثر سرعة ولكن بتفكير وتخطيط ورؤية جيدة.  لقد أثلجت صدورنا تصريحات الرئيس الأسد في أكثر من مكان وعلى أكثر من منبر، وتبين لنا عمق فهمه للأحداث وعمق شعوره القومي؛ إنما ذلك لا يكفي.  لغيري ان يبجّل ويبارك ويهلل، اما أنا فلا ارى الا الكارثة إذا لم يقرن الرئيس الأسد أقواله ومواقفه، بخطة عملية يشرك فيها الشعب، كل الشعب، في عملية جذرية تنقض كل مثالب الماضي، فتضع شعبنا على سكة الرجاء في إنقاذ مصالحه بشكل عملي.  إن غير ذلك او اقل من ذلك ما هو ألا وهم وسراب وموت، والعبرة لمن أعتبر. 

                                            

صفحة رئيسة
Up
في العراق وبعده
سقوط الدوله-سقوط الحزب
سقوط بغداد المأساة والعبر
تمثال الحرية العراقي
في أهداف الحرب على العراق
إحتفال يهودي في قصر لصدام
جرائم الأميركيين وحلفائهم السعوديين في العراق
  Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]