|
لا نسوق قناعتنا بأن الفتنة القائمة في
لبنان خاصة، وفي جميع كيانات الوطن السوري عامة، ستأخذ
مساراتٍ جديدة وتشهد تصاعداً كبيراً يُنتِجُ مزيداُ من
الدمار النفسي والمادي وعذابات تزيد الى عذابات شعبنا
ومآسيه، لأن قراراً معيناً قد صدر عن مجلس الأمن الدولي.
ثم لقد إعتدنا أن نسمع بقرارات كثيرة صادرة عن هذه الهيئة
لا تكون معبرة فعلياً عن حاجات إمنية أو إنسانية ولكنها
تصدر بسبب عربدة وهيمنة الولايات المتحدة على مجلس الأمن
لتحقيق ما ترمي إليه من غايات وما رسمته من خطط ومشاريع.
إذ كيف يمكن أن تكون جريمة إغتيال الحريري مهددة للأمن
والإستقرار الدوليين؟ فهل تختلف جريمة الحريري عن غيرها
من الجرائم التي أرتكبت ضد أفراد في لبنان أو غير لبنان؟
فرفيق الحريري لم يكن أول ضحية من ضحايا الفتنة ولم يكن
آخرها، بل أن مسلسل القتل والإغتيال لن يتوقف ما بقيت
الفتنة قائمة. ثم أية جريمة هي الأعظم: إغتيال فرد أم
إغتيال شعب؟ من يحاسب الولايات المتحدة عن جريمة قتل
700000 عراقي وتشريد وتيئيس ملايين العراقيين؟ من يحاسب
الدولة العبرية عن الجرائم التي ترتكبها بحق شعبنا في
فلسطين بشكل يومي ومستمر؟ نقول هذا وقلبنا يعتصر دماً على
مدى الجهل والغباء المسيطر على أبناء شعبنا في فلسطين
يغتالون أنفسهم ويعتدون على بعضهم بعضاَ وكأنهم يريدون أن
يحجبوا جرائم الصهاينة ضدهم بما يقومون به من جرائم ضد
بعضهم بعضاً.
في الأساس لا يمكن لأي قرارٍ من مجلس الأمن
أو غيره من الهيئات أو الدول، في أية مسألة من المسائل، أن
يخلق فتنة بين "اللبنانيين" أو بين "الفلسطينيين" أو بين
"العراقيين"، أو بين أية فئة من أبناء شعبنا لمجرد صدور
ذلك القرار. الفتنة لا يمكن أن تكشرُ عن أنيابها في كل
مرة تجد لها بيئة ومناخاً مناسبين لو تكن منغرسة في ذات
شعبنا، وطاغية على نفسيته وعقليته وطرق تفكيره ونظرته الى
المسائل والأمور. هذا يعود طبعاً الى ما طرأ على حياة
شعبنا وأحاطها من معاناة وإختلاطات وإعتداءات وغزوات
وإضطهادات وإستبدادات وتجهيلات وفسادٍ وإفسادٍ عبر مراحل
طويلة ومهمة من تاريخه.
قرار مجلس الأمن بإنشاء محكمة ذات طابع
دولي للنظر بمقتل رفيق الحريري، مثله مثلَ "سلاح الدمار
الشامل" في العراق، مثل قرارات وعرائض حكومة السنيوره
وقرارة سلطة محمود عباس، مثل كل القرارات المشابهة في
المقاصد والتوجهات والغايات، ليست أكثر من ذرائع وحجج
تستعملها الولايات المتحدة، ستاراً تخفي خلفه غاياتها
ومقاصدها للإعتداء على مصالحنا وحقوقنا ونهب ثرواتنا وقتل
إرادتنا بشكل نهائي لا يقوم بعده لشعبنا أي قائم.
الفتنة قائمة بين "اللبنانيين" حتى قبل
تأسيس الكيان اللبناني. لم يكن قد تأسس لبنان بعد عندما
قامت المذابح بين الدروز والموارنة في الستينات من القرن
التاسع عشر. لبنان هذا لم يتأسس بسبب رغبة صادرة عن
إرادة حرة لشعب موحّدٍ في نفسيته وتطلعاته وعقليته
وتفكيره. غني عن القول إن قرار تأسيس لبنان هو قرارٌ
صادرٌ عن إرادات أجنبية ليخدم غايات ومصالح أصحابها. ثم أن
قرار سايكس-بيكو لم يكن ممكن التنفيذ لو كان شعبنا واعياً،
مدركاً، موحّداً في إرادته وتوجهاته. لم ينشأ لبنان لأن
فرنسا رأت فيه طفلاً جميلاً فأرادت أن تكون له أماً حنونة
تتدفق عندها عاطفة الأمومة فتسهر على رعايته والإهتمام بكل
شيء يتعلق بحياته وسلامته وخيره ورفاهيته.
ليست الهوية اللبنانية هوية نفسية، روحية،
فكرية، تعبر عن وحدة الحياة والمصير لشعب متماسك، ناتجة عن
وحدة النظرة الى القيم والمصالح والأهداف، بل هي هوية
سياسية-جغرافية رسمت حدودها الإرادات الأجنبية وفرضها
الأمر الواقع بما تميّز به من إنعدام للوعي القومي وتأصل
العصبيات الطائفية والإقطاعية والعشائرية وغيرها من
العصبيات المدمّرة لحياة مجتمعنا.
اللبنانيون هم لبنانيون بقدر ما يشعرون أن
مصالحهم الذاتية متوفرة ومؤمنة. الشعور بالهوية لبنانية
ليس شعوراً واحداً كما كان يتهيأ للمغدور جبران التويني،
بل هو يختلف من شخص الى آخر وليس فقط من فئة الى أخرى. إن
القَسَمَ الذي أطلقه الراحل المغدور جبران التويني: " نقسم
بالله العظيم مسيحيين ومسلمين أن نبقى موحّدين الى أبد
الآبدين دفاعاً عن لبنان العظيم"، يحمل الكثير من السذاجة
والبساطة والجهل والجهالة والتجهيل والتعمية والكذب
والتدجيل، بغض النظر عن براءة صاحبه أو عدمها من هذه
الأمور.
الحقائق الصارخة تقول إن المسيحيين
والمسلمين لم يكونوا موحدّين في لبنان في أي وقت من
الاوقات إلا بمقدار ما يشعر كلّ منهم من أن ليس هناك مسٌّ
بمصالحهم الذاتية والخاصة. ليس هناك ولم يكن هناك يوماً
وحدة بين المسيحيين أنفسهم! ليس هناك ولم يكن هناك يوماً
وحدة بين المسلمين (المحمديين) أنفسهم!
الواقع يقول إن كل الطوائف على مدى الوطن
السوري تحمل لبعضها الحقد والكراهية وإن تظاهرت بغير ذلك
فهو بسبب ما إعتادوا عليه من دبلوماسية الكذبِ والنفاقِ
والتدجيلِ. الطوائف والجماعات موحّدة في لبنان بمقدار ما
نستطيع أن نعتبر أن وليد جنبلاط وسمير جعجع وأمين الجميل
وسعد الحريري، وكل ما يوجد بينهم وعلى جوانبهم ووارئهم،
موحّدون في الأهداف والتوجُّهاتِ والغاياتِ والمصالح.
أكثر من ذلك ليس هناك أي وحدة حقيقية ضمن
أية طائفة من الطوائف في لبنان. ليس كل الموارنة موحدين
حول بكركي وأن كان جميعهم يتظاهر بأخذ "مباركة" سيد
بكركي. وليس الدروز موحدين حول ووراء وليد جنبلاط وإن
كان عدد الطاحشين وراءه كبيراً بسبب ما يتوهمونه من ضرورات
التعصب أو ما يتوخون من فوائد بسببه. ولم تنفع محاولات
المغدور رفيق الحريري من قبل وبعده محاولات ولده سعد
الحريري شراء كل السنيين. فهناك دائماً أناس شرفاء في كل
طائفة لا يقبلون المتاجرة بأنفسهم وهم لا يخضعون لعملية
بيع أو شراء. حتى الجماعات السنية التي مولّها الحريريون
وساعدوا على إنشائها أو تقويتها، ظناً منهم أنها تشكّلُ
سلاحاً قوياً في أيديهم يشهرونه متى يشاوؤن حين تدعو
الحاجة، أفلتت من أيديهم وأنقلبت على ما أوحِيَ إليهم من
مشروع ودور وما توهّموا أنهم قادرون على تحقيقه من مشروعِ
والقيام به من ودور.
الطائفة الشيعية في لبنان لا تخرج عن واقع
التمزّق المشار إليه ولا عن واقع المذهبية اللاغية للآخرين
وإن كانت تختلف عنه في أوجه مهمة جداً، وهو وجود قيادات
واعية تفهم الواقع والتاريخ وتعتبر به. من الإمام مهدي
شمس الدين (ننصح بالإطّلاع على وصيته)، الى العلاّمه الشيخ
محمد حسين فضل الله، الى قائد المقاومين السيد حسن
نصرالله، نرى التعقّل والمسؤولية والتعامل مع الواقع بشكل
منطقي وعملي. لكن هذا الوضع لن يأخذ بعده الوطني والقومي
الكاملين ما لم يتمكن هذا النهج من صهر كل افراد الطائفة
الشيعية فيه. بدون ذلك تبقى ضمانة إستمراره مربوطة بوجود
أشخاص من أمثال الشيخ محمد حسين فضل الله والسيد حسن
نصرالله على رأس القرار الشيعي.
ما يمكن أن يلاحظه المرء أن الطوائف في
لبنان جميعها تعمد بشكل غريب الى إحتضان كل الأفراد
المشاغبين فيها، لا فرق إن كان هؤلاء مجرمين، أو قوّادين،
أو لصوص، أو عملاء. بل أن هؤلاء يحتلون مكاناً خاصاً في
قلب طوائفهم ويحظون بكل مودة وإحترام خارجين عن نطاق الفهم
والإدراك السليم. هذا الإحتضان لا يتوقف على أفراد الطائفة
العاميين، بل يبدأ أساساً من مركز قرارها الروحي
والسياسي.
كثيرون في لبنان يقولون في لبنان الموّحد،
لكن قلائل هم الذي يعرفون كيف تتم الوحدة وكيف يمكن بناء
الوطن! يكفي أن نقرأ ما يصدر عن هؤلاء من تصريحات كل يوم،
لندرك كيف أن لبنان واللبنانيين يتّجهون نحو جنون جديد
وكارثة جديدة. فهم أصبحوا منها على قاب قوسين أو أدنى.
جميعهم يعلنون أنهم يريدون الحرية والإستقلال والأمن
والطمأنينة والإزدهار، لكن معظمهم يدفع بإتجاه الفتنة بوعي
أو بدون وعي. لاحقاً سننظر في بعض أقوال هؤلاء لنرى كيف
يدفعون بإتجاه إشعال الفتنة. |