لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

كتاب مفتوح الى السفير جيفري فيلتمان

يوسف الاشقر "الديار" 29/10/2006

إنّ بلادكم وبلادنا في محنة مصيرية. لكنّ محنتنا نحن، في جزء كبير، هي من محنتكم. لسنا وحيدين في ‏هذا الوضع. محنتكم باتت تطاول، بشكل خطير، كل مواطن في العالم.‏

نشأت محنة الولايات المتحدة الأميركية، لأنّ «المحافظون الجدد» قاموا بانقلاب فيها، بل قاموا ‏بثورة مضادّة لثورتها الأولى. وقد انتهوا إلى اغتصاب السلطة وإقامة نظام أميركي جديد يغلّب ‏قيم ثورتهم المضادّة ومفاهيمها المتوحشة، ويدفع أميركا في طريق العودة إلى البربرية.‏

ونشأت محنة العالم مع أميركا، لأنّ النظام الأميركي الجديد يعمل على إقامة نظام عالمي جديد ‏يغلّب ثقافة التوحش ذاتها، ويدفع العالم بأسره في طريق العودة إلى البربرية.‏

أصبحت أميركا «الرجل المريض» الجديد. وهو يعمل على تعميم مرضه وعلى مفاقمة أمراض ‏الآخرين الأخرى. «الرجل المريض» في الماضي (الإمبراطورية العثمانية) كان عالة على نفسه فقط ‏وهو في طور تراجعه واحتضاره. الرجل المريض الجديد (أميركا) هو خطر على نفسه وعلى العالم ‏وهو في مرحلة تقدمه. إذ أنه يتقدم في الرمال المتحركة وهو يقطر العالم معه. يغرق وىُغرق ‏العالم معه.‏

من هنا أنّ أميركا أصبحت البلد الأوّل الذي يحق للآخرين، بل يتوجب عليهم، التدخل في أوضاعه ‏والتعاون على تغييرها بالأولية، وقد أصبحت محنة إنسانية أولى.‏

ومن هنا حقنا وواجبنا في أنّ نتوجّه إليكم، يا سعادة السفير، وأنتم في موقع يسمح لكم بأن ‏تكونوا شاهداً على هذه التطورات الخطيرة أو شريكاً في صنعها. ما يتيح لكم أن تستدلّوا ‏بالخاصّ الذي تخبَرونه شخصياً، من موقعكم، مع ممثلي النظام الجديد، إلى العامّ الذي يعانيه ‏الشعب الأميركي ويعانيه العالم، بدءاً من منطقتنا، مع هذا النظام.‏

أتوجه إليكم برسالتي هذه عن موضوع أميركا حصراً وعن محنتها تحديداً. ‏

أبدأها بالخاصّ عندكم في السفارة.‏

أنتم تعلمون، يا سعادة السفير، أنّ مَن صار ينفذ، ميدانياً، سياسات أميركا في الخارج، إنما ‏هي وحدات «القوات الخاصّة»، لا السفراء ولا الجنرالات. سواء في البلدان التي تحتلها الجيوش ‏الأميركية، كما في العراق وأفغانستان، أم في البلدان التي تسعى أميركا لاحتلالها والتحكم ‏بحياتها من دون تدخل الجيوش، كما في لبنان الآن. وتعلمون أنّ لبنان بات يعجّ بهذه القوات ‏الخاصّة وإداراتها الميدانية، وأنّ قياداتها الأميركية المحلية وبعض قياداتها الإقليمية تقيم في ‏حرم السفارة عندكم وتتمتع بحصانتها. من دون أن تكون لكم كلمة في مبدأ وجودها، أو علم ‏دقيق بعددها ومهماتها، أو حق في الإطلاع المسبَق على عملياتها. فهي تقود العمليات في لبنان، ‏ومن لبنان، من دون أن تعود إليكم. ولا تقدّم لكم من العلم والخبر إلا علماً منقوصاً وخبراً ‏متأخراً. أكثر من ذلك: أنتم مطالبون بإعطائها ما عندكم من دون أن تبادلكم بالمثل. ما ‏لكم هو لكم ولها، وما لها هو لها وحدها.‏

تعلمون، يا سعادة السفير، أنّ هذه القوات الخاصة في لبنان تتصرف من ضمن السلطات ‏الإستثنائية الجديدة، القانونية واللاقانونية، المعطاة لها في واشنطن. فسلّمتم أنتم بذلك، ‏راضين أو مكرَهين، بعد أن سلّمت به وزارتكم ووزارة الدفاع والوكالة المركزية، بالرغم من ‏أنه يعتدي على صلاحياتهم جميعاً ويهدد سلامة العمل.‏

وتعلمون أيضاً أنّ النظام الأميركي الجديد قد أقام دولة ضمن الدولة، بل فوقها. فأنشأ ‏شبكة مؤسسات خاصة به في داخل مؤسسات الدولة وإلى جانبها. أصبحت هذه الشبكة في المركز ‏الأقوى. فهي تسيطر على المؤسسات الأصيلة وتستغلّ إمكاناتها ونفوذها، بل تبتزها في الغالب ‏أو تهمّشها، ثم تعتمد على مؤسساتها الجانبية الخاصة بها في مشروعها الخاصّ، داخل أميركا وفي ‏العالم. من هنا نفهم كيف أصبحت «القوات الخاصة» (وهي خاصة بالشبكة) سلطة القرار ‏المباشر، والتخطيط، والتنفيذ، والمبادرة الحرة الميدانية حيث تكون في العالم. كما نفهم ما ‏بشرَنا به وزير الدفاع، والرئيس بوش من بعده، من أنّ هذه «القوات الخاصة»، بعقيدتها ‏وصيغتها ووظيفتها، هي مستقبل الحضور الأميركي، العسكري والأمني، في الخارج. والوقائع تشير ‏إلى أبعد من ذلك: إنها معَدّة لتختصر مستقبل علاقات أميركا مع العالم وصورتها فيه.‏

هذه الظاهرة الشاذة، يا سعادة السفير، هي أخطر ما أصاب الشأن المؤسسي الناظم لحياة ‏أميركا، وأخطر ما ناقض القيم والمفاهيم التمدنية التي أبدعتها تجربتها التاريخية ‏المتميزة.‏

إذا كنتم تتقبلون، يا سعادة السفير، هذا الشواذ الخطير بحكم الطاعة لرؤسائكم المطيعين أو ‏بحكم الأمر الواقع، ألا تتساءلون لماذا نشأ هذا الشواذ أصلاً؟

لماذا تقوم، في أميركا، شبكة خاصّة في المؤسسات وفوقها، بالقانون وفوق القانون، في أجهزة ‏الرقابة وفوق الرقابة؟ ألا تتساءلون، يا سعادة السفير، عن القضية «الخاصة» بهذه الشبكة ‏من دون الآخرين؟

لماذا تقوم، في العالم، «قوات خاصّة» هي في الحقيقة أجهزة أميركية خاصّة تتجاوز المؤسسات ‏الأميركية العامّة، وتُخضعها، وتستخدمها؟ ولماذا تصرّ على الإستقلالية، وعلى التفرّد، وخصوصاً ‏على السرية؟ السرية على مَن؟ السرية على الجميع من حولها ومن تحتها دائماً، ومن فوقها ‏أحياناً. ألا تتساءلون، يا سعادة السفير، عن سرّ هذا الإصرار على الإستقلالية والتفرد ‏والسرية في مهماتها «الخاصة» إذا كانت هذه المهمات لا تتناقض مع مهماتكم العامّة؟ لا سيما ‏أنّ هذه السرية يرافقها التضليل والكذب المنهجيان في التعامل معكم كما في التعامل مع ‏السلطات الأميركية والشعب الأميركي. ‏

الجواب، أنّ ثمة قضية خاصّة بالفعل، يمثلها «المحافظون الجدد» ونظامهم الأميركي الجديد، لا ‏تستدلّ بمصلحة أميركا وأمنها، بل تهددهما في نظرنا. وأنّ ثمة عقيدة حربية خاصّة بالفعل تمثلها ‏‏«القوات الخاصّة» وعملياتها، وهي تهدد العقيدة والستراتيجيات الأميركية، الحربية والسياسية.‏

القضية الخاصّة هي زجّ أميركا والعالم في حروب مستدامة. والعقيدة الحربية هي الحرب على ‏المجتمعات، لا على الدول والجيوش. و«القوات الخاصّة» هي «الجيش» الخاصّ المعَدّ للقيام بهذه الحرب ‏على المجتمعات. وهو ينحلّ إلى شبكة أجهزة سرية.‏

العراق ساحة مفتوحة تقدّم نموذجاً عن هذه الحالة الشاذة والخطيرة.‏

الجيوش الأميركية والحليفة تريد وضعاً عراقياً تحت السيطرة. والقوات الخاصّة تريد خلق حالة ‏تخرج عن السيطرة.‏

الجيوش تبحث عن حلفاء عراقيين في الأوساط السياسية والقبلية لفرض الأمن والإستقرار. ‏وللقوات الخاصّة «حلفاء» وأدوات من المرتزقة والميليشيات والعصابات ومن «الإنتحاريين» ‏الطوعيين والمغدورين، يضربون الأمن والإستقرار. وقد ساهمت هي / القوات الخاصّة / في صنعهم ‏أساساً.‏

أميركا تحتاج إلى عراق حيّ يقف إلى جانبها ويخدم مصالحها. و«القوات الخاصّة» تريد عراقاً ‏ميتاً. فهي تعمل على تدميره و«إعادته إلى العصر الحجري» حسب تعبير بوش الأب.‏

وأخيراً، يتساءل العالم: هل نجحت الحرب الأميركية في العراق أم فشلت؟ والجواب جوابان. أميركا ‏فشلت في العراق لأنها لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة، ففقدت مصداقيتها السياسية ‏والأخلاقية، ومصداقية قدرتها. و«المحافظون الجدد» نجحوا في العراق لأنّ قواتهم الخاصّة دمّرته ‏ووضعته على طريق الإنتحار. وهذا يستتبع المضي في أحد طريقين: أن تأخذ أميركا العبرة من ‏فشلها في العراق، فتتوقف عن الهرب إلى الأمام في منطقتنا، أو أن يستقوي «المحافظون الجدد» ‏بنجاحهم في العراق لتوريط أميركا في حروب جديدة.‏

من هنا أنّ لبنان، هو، الآن، ساحة أخرى مفتوحة على الإختبار. هل تتعامل أميركا مع لبنان ‏في ضوء العبرة من الكارثة العراقية، أم تتعامل معه بدافع استكمال «النجاح» الذي حققته ‏‏«القوات الخاصّة» في العراق؟

الخياران متمثلان في حرم سفارتكم.‏

أميركا التي تمثلونها، يا سعادة السفير، تُعلن، في خطابها الرسمي، أنها تراهن على لبنان حيّ ‏ومزدهر وآمن، يعزز مصداقيتها. وهذا طبيعي بالمنطق الأميركي السليم. و«القوات الخاصة»، ‏الجاثمة على صدر سفارتكم، تعمل على قتل لبنان. وهذا طبيعي بمنطق عقيدتها الحربية.‏

أميركا تعلن حرصها على وحدة لبنان واستقراره. و«القوات الخاصّة» تعمل على تقسيمه ‏واقتتاله.‏

أنتم شخصياً، يا سعادة السفير، استفظعتم أن تقوم ميليشيات جديدة في لبنان، وأعلنتم ‏أنكم، في حال ثبوت ذلك، ستعمدون إلى كشفها والتشهير بها. فيما تنشط «القوات الخاصّة»، من ‏حرَم سفارتكم، في تمويل الميليشيات اللبنانية وتسليحها وتدريبها، في لبنان والخارج، وفيما ‏يعمل السيد ساترفيلد، في العراق، على تدريب القيادات والكادرات الميليشياوية ‏اللبنانية.‏

والمُفجع، لأميركا ولبنان، أنّ الرئيس بوش يتكلم بلغة «المحافظون الجدد» لا بلغة أميركا، ‏وبمنطق «القوات الخاصّة» لا بمنطق المؤسسات العامّة. يتكلم عن «النموذج» العراقي في معرض ‏كلامه عن مستقبل لبنان.‏

سعادة السفير. قلت في مطلع رسالتي إنّ محنة أميركا أصبحت محنة إنسانية أولى. وإنّ أميركا ‏أصبحت البلد الأوّل الذي يحق للآخرين، ويتوجب عليهم، التدخل في أوضاعه والتعاون على ‏تغييرها بالأوّلية.‏

أريد أن أضيف، في ختام رسالتي، أنّ من حق أميركا أيضاً ومن واجبها أن تتعاون مع الآخرين ‏على محنتها. لا سيما أنّ «المحافظون الجدد» وقواتهم الخاصّة قد سبقوا أميركا وتحالفوا عليها مع ‏آخرين من طبيعتهم ومن صنعهم في العالم. تحالفوا مع قوى التطرّف والإرهاب المتوفرة. ثم ‏أقاموا وعمّموا صناعة خاصة تنتج التطرف والإرهاب وثقافة التوحش. ثم أقاموا، من كل هذا ‏في العالم، أنظمة سرية مصغّرة عن نظامهم المسخ، تدمّر حياة الشعوب وتستعديها على أميركا. ‏ثم زجّوا بأميركا في حروب مستدامة لاستنزافها وإضعافها، كي يحرموها من خائفيها بعد أن ‏حرموها من محبيها.‏

على الأميركيين أن ىُسقطوا، في صناديق الإقتراع، نظام «المحافظون الجدد» في ذاته، وأن يتعاونوا ‏مع الآخرين على حلفاء هذا النظام في العالم وإسقاط أنظمتهم المحلية التي يستقوي بها ‏‏«المحافظون الجدد» على أميركا.‏

من حقنا جميعاً أن نسأل، يا سعادة السفير، لماذا يكره «المحافظون الجدد» أميركا، والإنسانية، ‏إلى هذا الحد؟.

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up

(1)

إقرأ للكاتب أيضاً:

عولمة الرعب

إستراتيجيا الحرب على المجتمعات

نقل العنف الى الساحة الأروبية

منهجية نظر في المشروع العربي