|
حزب سعاده: حزب القضية القومية(2006)
بقلم
منير حيدر
لم يرس سعاده قضيته على فكرة الحزب السوري القومي الإجتماعي إلا بعد
أن مر في تجارب سابقة له، إكتشف خلالها عجز ما إختبره من أحزاب وحركات،
عن حمل قضيته، ناهيك عن قدرتها على تحقيق أهدافها وإنتصار مبادئها.
فقضية سعاده أبعد من أن تكون قضية عادية، لذلك كانت وما زالت تحتاج الى
حركة غير عادية تحمل أعباءها وتتنكب مخاطرها. لذلك أسس سعاده الحزب
السوري القومي الإجتماعي بمفهومه الفريد والمميز،الذي يتماشي ويتناسب
مع حجم القضية القومية التي بلورها وأسس لها، وقرر إدارتها وقيادتها،
مقدما كل وجوده وعمله وجهده من أجلها.
إن أسس الحزب السوري القومي الإجتماعي وملامحه لن تكون واضحة لنا كليا
إذا لم نفهم القضية القومية فهما أصلياً لا تشوش عليه إعتبارات واهية
أو قراءة مرتبكة للواقع الأنساني ولمجرى أحداثه بكل ما فيها من تنوع
وتعقيدات. فما هي ركائز القضية القومية وملامحها؟
يمكن أن نوجز أسس القضية القومية الإجتماعية وأغراضها كما يلي:
1.
وحدة الوطن السوري الممزق الى أجزاء مغتصبة أو مسلوبة، أو الى كيانات
فرضتها إرادات أجنبية في غياب أو إنعدام وجود الإرادة القومية الواعية.
2.
وحدة الشعب السوري، الممزق هو أيضا، الى مذاهب وطوائف وقبائل وعشائر
وعائلات وإثنيات مختلفة أعمتها عصبياتها عن التفاعل الإيجابي البنّاء،
بالرغم من وحدة حياتها، مما سهّل إختراقها والتلاعب بإراداتها من قبل
كل المتربصين بمصالحها من دول وشعوب وشذاذ آفاق.
3.
نهوض حياة الشعب السوري وتقدمها وإرتقائها وتحقيق العدالة في مجتمعها
وحماية مصالحها القائمة والناشئة، بكل أنواعها المادية والنفسية.
إن أهدافاً كهذه، بكل ما يواجهها من قوى وتحديات، وبكل ما يقف في
طريقها من مصاعب وعراقيل، تتطلب جسما غير عادي، قادراً على تحمل
مشقاتها، قادراً على خوض كل معاركها ومواجهاتها والخروج منها، إذا لم
يمكن الإنتصار فيها، متماسكاً، يملك القدرة على تجديد قواه ومواصلة
جميع وجوه صراعه. إن مقارنة حزب سعاده مع أية حالة حزبية قائمة في أي
مجتمع من المجتمعات أو في أي دولة من الدول، مقارنة سطحية، تستعير
وضعية تلك الحالات وتأخذ أمثلتها وعبرها منها، إيحاءاً بصلاحية تطبيقها
على، أوإعتمادها في الحزب السوري القومي الإجتماعي، هي محاولة عقيمة
تعكس عدم فهم القضية القومية الإجتماعية أو محدودية ذلك الفهم.
فللقضية القومية الإجتماعية ذاتية خاصة مختلفة عن أية قضية أخرى شهدها
أو يشهدها الواقع الإنساني، وإن تشابهت في بعض أجزائها مع بعض أجزاء
أية من تلك القضايا. هذا يعني أن العمل للقضية القومية الإجتماعية
يحتاج الى آليات خاصة به، تتناسب مع كل إحتياجاتها ومتطلباتها. هذا لا
يعني أنه لا يمكن لنا الإستفادة من تجارب الغير، بل يعني إخضاع تجارب
الغير الى عمل العقل بما يشتمل عليه من تحليل وتدقيق وتقييم وإبداع،
كما يعني الإبتعاد عن النسخ والتقليد السطحيين والمضرين في أكثر
الأحيان.
فهمنا الصحيح لجوهر القضية القومية الإجتماعية يقودنا حتما الى فهم
صحيح لطبيعة الحزب الذي أراده سعاده وسيلة فعّالة، قادرة على حمل أعباء
هذه القضية. من هنا نستطيع أن نشير الى الأسس والملامح التالية في حزب
سعاده:
·
حزب سعاده هو حزب الوحدة القومية: وحدة الوطن السوري ووحدة القوم، كل
القوم المنغرسين في دورة الحياة فيه.
·
حزب سعاده هو حزب النهوض القومي: نهوض جميع الشعب السوري، بكل فئاته
دون إستثناء، من مستنقعات التخلف والجهل والإنقسام، الى رحاب التقدم
ومواكبة الزمن والوعي والوحدة.
·
حزب سعاده هو حزب الثورة القومية: ثورة على الظلم والفساد والإفساد وكل
أنواع الإستبداد والقهر.
·
حزب سعاده هو حزب الصراع القومي: صراع ضد كل القوى التي تتربص شرا
بمصالح وحقوق الشعب السوري وتطمع في الهيمنة أو الإستيلاء على هذه
المصالح. كما أنه صراع دائم مع واقع الحياة لدفعه والإرتقاء به نحو
الأفضل والأجمل.
·
حزب سعاده هو حزب الوعي القومي: وعي الشعب السوري لشخصيته الواحدة التي
طمست تحت طبقات التخلف والتقهقر وفقدان السيادة القومية، فحلت محلها
عصبيات جزئية واهية تبقى أصحابها رهينة ما يعتريهم من مشاعر خوف من
بعضهم البعض، وطمع في بعضهم البعض، وحقد على بعضهم البعض، مما أبقاهم
جميعا سلعة معروضة دائما في مزبلة تصارع مصالح الغير علينا وأطماعهم
فينا.
·
حزب سعاده هو حزب الثقافة القومية: ثقافة الشعب، كل الشعب، بكل ما
أنتجه هذا الشعب عبر العصور، من علم ومعرفة وفلسفة وإبداع وفن. إن
إبراز هذه الثقافة ونبش معالمها وخطوطها وتوضيح إتجاهاته والدلالة على
مواضع الإبداع الإنساني فيها، هو مسؤولية أساسية للحزب وملمح من ملامحه
المميزة.
·
حزب سعاده هو حزب إدارة القضية القومية: لم يأت حزب سعاده ليكون حزبا
آخرا من الأحزاب العاملة على مدى الوطن السوري، فيتنافس مع بعضها
ويتحالف مع بعضها الآخر، يوالي هنا ويعارض هناك، يبارك هنا ويلعن هناك،
بل كان المقصود منه أن يكون الحزب القادر على إدارة القضية القومية
برمتها، بما تفترضه هذه المهمة البالغة الصعوبة والدقة والتعقيد من
مميزات يجب أن يمتلكها الحزب كي يمكنه القيام بها. هذا يعني أن يكون
للحزب، أول ما يكون، عقل قومي جماعي مبدع وخلاق، باحث ومدقق ومحلل،
مستشرف ومخطط، كي يكون بإمكانه إيجاد وإستنباط وإنتاج الوسائل والأدوات
والآليات التي تسمح له بالتحكم بالشؤون القومية عامة وإدارة القضية
برمتها. إن حزبا قادرا على القيام بمثل هذه المهمة هو ما هدف له
سعاده، كي ينقذ القضية القومية، بكل جوانبها، من براثن التخلف والجهالة
والفساد والتسلط والإستبداد الفردي والجماعي، وما يمثله كل ذلك من
تغليب لمصالح المتسلطين من أفراد وجماعات على المصالح القومية العليا.
·
حزب سعاده هو حزب القرار القومي: ليس حزب سعاده حزبا سكونيا ولا حياديا
في كل ما يختص بالشأن القومي ومسائله مهما بلغت من حساسية وتعقيد.
فحزب سعاده مطالب دائما بقرار وموقف في أي شأن من تلك الشؤون، كبر أو
صغر في تأثيره وأهميته. سياسة النعامة ليست من مميزات حزب سعاده.
القرار في حزب سعاده هو أضعف الإيمان، وهو قرار، لا يخضع للظروف
وأحكامها، ولا يرتكز على إعتبارات آنية وسياسات قائمة، ولا يعتمد على
ما هو متوفر من قوة أو ضعف عند الحزب، بل هو ينبع من فهم الحزب للواقع
القومي وإدراكاً منه لمصالح الشعب العليا. بالنسبة لحزب سعاده، أي قرار
يتعلق بالقضية القومية، أو بأحد شؤونها أو فروعها، هو قرار باطل إذا
لم يكن متفقا مع رؤية الحزب وفهمه ونظرته الى ذلك الشأن المعني أو
القضية المعنية. فحزب سعاده لا يقوم على المساومة ولا يقبل بها، خاصة
عندما تتعلق المساومة بحق قومي ما، فهو كان ليلغي كل المساومات على
الحق القومي ويقضي على كل العقليات التي تقبل بها. إن من أهم وظائف
حزب سعاده ومهماته، هو إثبات الحقوق القومية وإبقائها فكرة حية،
مشتعلة، يتسلمها جيل بعد جيل، الى أن يمكن أن تبني الأجيال المقبلة
القوة القادرة على المحافظة على ما بين يديها من حقوق وإسترجاع كل ما
إغتصب منها أو سلب. عليه. أي نظرة غير هذه لمفهوم حزب سعاده، هي نظرة
خاطئة ينقصها الفهم وينقصها الإدراك، وهي بالتالي مناقضة لطبيعته وحرب
عليه وتجهيل به وله. في هذه الخانة بالذات يقع الذين إعتقدوا ويعتقدون
أن موقف سعاده الرافض لقرار تقسيم فلسطين عام 1984، الذي صدر عن جمعية
الأمم التي تغلبت مصالحها على مصالح غيرها من الأمم في الحرب العالمية
الثانية.
·
حزب سعاده هو حزب المصالح القومية العليا، وبالتالي هو حزب التعبير عن
الإرادة القومية العليا.
الترجمة العملية لهذه الأسس والملامح للحزب كما أراده سعاده تعني ما
يلي:
·
أن للحزب عقلا جماعيا، متفاعلا، مستشرفا، خلاقا، مبدعا، يقطع الطريق
على أي نوع من أنواع الإستبداد الفردي أو الفئوي وما قد يخلقه من فوضى
وتناقض في المفاهيم والمواقف، وجنوح وإنحراف عن الأهداف الأساسية للعمل
القومي، مما يؤدي الى إضعاف هذا العمل وتهميشه.
·
أن للحزب وحدته الروحية التي تضمن وحدة إتجاهه وتخلق التناغم والتناسق
والتعاون في جهده وعمله، وتوجد لهما (الجهد والعمل) الإيقاع الضروري
لتفعيل وتحسين وزيادة ما ينتج عنهما من فكر وصناعة وغلال. وحدة الروح
تفترض وحدة الفهم ووحدة الإيمان، وما ينتج عنهما من مناقب راقية، هي في
أساس شخصية الجماعة المنضوية تحت سماء الحزب، والعاملة لتحقيق غاياته
وأهدافه. لا يمكن أن تبنى وحدة الروح على أنقاض المجتمع القديم
ومفاهيمه المعطلة والمعرقلة للنهوض. الفردية، الفئوية، الطائفية،
العشائرية، القبلية، العائلية، وكل ما شابهها وجاورها من عصبيات
تفتيتية، هو نقيض لوحدة الروح ونشؤها في أي حزب من الأحزاب، إلا إذا
كانت تلك الأحزاب مبنية على واحدة أو على أخرى من هذه المثالب المعطلة
لنهوض المجتمع وتقدمه.
إن غياب الوحدة الروحية، بمعناها السامي، الدافع الى التعاون والمحبة
والتفاهم والتناغم بين أعضاء الحزب، يعني، حتما، غيابا لحزب سعاده
وتعطيلا له.
·
إن للحزب أخلاقه ومناقبه النابعة من وحدة روحه، وهي هذه المناقب
والأخلاق، ما يضمن له التغلب على كل ما يواجهه من صعوبات وعراقيل.
·
أن للحزب مؤسساته الضروروية لمتطلبات العمل القومي وحاجاته الكثيرة
والمتنوعة. فالمؤسسات وحدها تقدر على درس متطلبات العمل القومي وحاجاته
درسا يتناول جميع الإحتمالات، ووحدها تستطيع وضع الخطط السليمة
والملائمة لمواجهة أي إحتمال من تلك الإحتمالات. وحدها المؤسسات تسطيع
إحتضان العمل القومي وتضمن إستمراره وتقدر على تنشيطه وتحسينه وتقويته،
من خلال إخضاعه لمراجعة وتدقيق مستمرين.
·
إن للحزب نظامه المبني على ما عنده من فكر ونهج، ليأتي نظاما معبرا
فعلا عن حاجات القضية القومية ومتطلباتها وقادرا على على خدمة تلك
القضية بشكل صحيح وفعال. أما التحدث عن نظام الأشكال بدون الرجوع الى
نظام النهج، فهو خارج حزب سعاده ونقيض له.
·
إن الحزب هو حزب النوعية، الواعية، المدركة، المؤمنة، الملتزمة،
الصامدة في إيمانها وإلتزامها، تحت أي ظرف من الظروف وفي أي وقت من
الأوقات، عاملة في سبيل أهداف قضيتها دون كلل أو ملل، مغلبة مصالح
القضية القومية الإجتماعية، على مصالحها الذاتية. فالحزب هو حزب الفلاح
المدرك، الملتزم، وليس حزب الفلاحين؛ هو حزب الطبيب المدرك، المؤمن،
الملتزم، وليس حزب الأطباء؛ وهو حزب المدرس الواعي، المؤمن والملتزم،
وليس حزب المدرسين، وهكذا دواليك. ما يجمع بين جميع هؤلاء هو وعيهم
لوجودهم ووعيهم لواقعهم وما لهذا الواقع من مصالح مادية ونفسية تطال
الشعب كل الشعب. ليس الحزب حزب جماهير يجذبها إليه من خلال التلاعب
بمشاعرها وعواطفها، أو من خلال ما يطرحه عليها من شعارات براقة وعناوين
معلبة جاهزة؛ بل هو مدرسة تتوجه الى عقولهم، لتثقيف العقول وتوسيع
مداركها، وبناء النفوس بناء يتناسب مع طبيعة الحياة وتقدمها
وإرتقائها.
هذه هي قناعتنا بشأن إرادة سعاده من وراء إنشاء حزبه. حاولنا شرحها
بإختصار وإيجاز فرضته علينا المساحة المخصصة لهذا المقال. كل قناعة
غير هذه تضعنا في خلاف مع أصحابها دون أن نغلق باب الحوار على أحد.
فالحوار من مرتكزات حزب سعاده وضرورياته. |