لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

العد العكسي للفتنة العارمة (4)

21/06/2007

لا نأتي بجديد عندما نقول إن البيئة الثقافية-الروحية عند "اللبنانيين" (يمكن الإشارة إليهم كذلك ليس لأنهم يشكلون وحدة نفسية-أخلاقية-مناقبية، بل بسبب كونهم يعيشون في رقعة جغرافية واحدة)، كما عند شعبنا بكامله، هي بيئة العصبيات والتعصبّات المختلفة والمتعدّدة.  هذه البيئة ولّدت عندهم مناخاً نفسياً شديد التأثير عليهم، يعيشون حرارته كل يوم، ويتنشقون هواءه كل لحظة.  العناصر المكوّنة لهذا المناخ النفسي عند معظم "اللبنانيين" هي، على سبيل الحصر لا التحديد:

·        سيطرة مفهوم  "الواحد" و"الآخر" على عقليتهم وسلوكهم.  "الواحد" قد يكون فرداً أو طائفة أو مذهباً أو ما شابه.  والآخر قد يشمل جميع الأفراد الآخرين بإستثناء الفرد-الواحد، وقد يشمل جميع الطوائف الأخرى بإستثناء الطائفة-الواحدة.

·        كراهية "الواحد" للآخر.

·        خوف "الواحد" من الآخر.

·        رغبة جامحة عند الواحد للهيمنة والتسلط والسيطرة والإنتقام والإلغاء والتملّك والإستئثار والإستحواذ.

ضمن هذه البيئة الثقافية-الروحية، وفي ظلِّ هذا المناخ نفسي، وتحت ضغط جميع العوامل والمؤثرات المصاحبة، يجعل وصول اللبنانيين الى تصورٍ منطقيٍ، عقلانيٍ، واحِدِ، موحَّدٍ لواقعهم، والإتفاق على إستراتيجية واحدة من أجل العمل على حماية وجودهم ومصالحهم، ومن ثم الإلتزام الشامل والكامل بها، أمراُ بعيدَ التصوّر وصعبَ المنال!

ليس هنا مجال للبحث في الأسباب التاريخية لنشوء هذه البيئة وهذا المناخ عند "اللبنانيين"، وإستطراداً عند كل جماعات شعبنا على إمتداد وطننا، لكننا مقتنعون أنه لا يمكن أن تكون ناتجةً عن تعدد الأديان التي يفترض أن تكون مصدر إيمانهم الروحي.  إذ ليس هناك أي إختلاف بين جوهر الدين المسيحي وجوهر الدين المحمدي عند الذين يفهمون جوهر هذين الدينين وطبيعة نشوئهما.  ثم حتى لو كان هناك خلافات جوهرية بين هذين الدينين فما هي قيمتهما وما هي قيمة التديّن والتمسك بهما إذا كانا مصدراً للكراهية وإثارة الأحقاد ودافعاً لإرتكاب الموبقات والتعديات والجرائم والمذابح؟  أين هو "الخلاص" الذي تقدهم هذه الأديان للناس؟  وإذا كان هناك إختلافٌ في الجوهر بين الدين المسيحي والدين المحمدي، فكيف نفسّرُ هذا الخلاف بين المسيحيين أنفسهم وكيف نفسّر خاصة الخلاف بين المذاهب المحمدية بكل ما يحمله هذا الخلاف من كراهية وعنف وما يصطبغ به من دماء؟  أكثر من ذلك، كيف نفسّر المذابح التي تقع بين أبناء المذهب الواحد كما يحصل حالياً في فلسطين؟  ما هو هذا الإيمان الروحي الذي يحث أبناء الشعب الواحد على إهراق دماء بعضهم بعضاً وأكلِ لحوم بعضهم بعضاً؟

كل ما يقوم به أي فرد أو مجموعة أو طائفة في لبنان، طبعاً بإستثناء قلّة قليلة منهم، إنما يجد تفسيره في هذا المناخ النفسي الذي يطغى على شعبنا بكل ما يحتوي عليه من عناصر ومكوّنات.  كل تصريحٍ، كل موقفٍ، كل عملٍ، وكل شيء يصدر عن غالبية اللبنانيين، وكل ما عندهم من آراء وأفكار وفلسفات، إنما هو ناتج عن هذه البيئة النفسية التي أصبحت متأصلة فيهم.  في الظاهر يطلقون الشعارات الزائفه ويظهرون محبتهم لبعضهم بعضاً وحرصهم على مصالح بعضهم بعضاً؛ أما في حلقاتهم المغلقة فلا يبحثون سوى في المكائد وكيفية إلغاء بعضهم بعضاً.

  ظاهرياً، يضع سمير جعجع يده في أشخاص أمثال سعد الحريري ووليد جنبلاط وغيرهما، أما باطنياً فهو يخطط لكيفية "حرق أنفاسهم" جميعاً. ألم يتمرّس جعجع في "حرق الأنفاس" وإرتكاب الجرائم والمجازر ضد الدروز وضد مسيحيين وسنيين وشيعيين وفلسطينيين وغيرهم؟

 ظاهرياً يبدي وليد جنبلاط غيرة مفاجئة على المسيحيين والسنييين (طبعاً في معرض تهجمه على الشيعة والسوريين)، أما باطنياً فهو يحتفظ لنفسه بحق التشجيع على قتلهم في الوقت المناسب، حيث إستنبط سابقاً طريقة للقتل ينتاب فيها شعور عند المقتول مشابها للشعور الناتج عن "عقصة نحلة".  أو هكذا على الأقل هي النتيجة التي تصورها الجنبلاطيون خلال إرتكابهم لجرائهم ضد المسيحيين في الشوف وعاليه.

بعض اللبنانيين لم يترددوا ولا يترددون في جعل العناصر المكونه للمناخ النفسي المشار إليها أنفاً، فلسفةً سياسية لهم.  الراحل بيار الجميل- الجد – لم يتردد في جعل الخوف شعاراً فلسفياً-سياسياً له. إذ كان دائماً يردد:"ما فيك تقول للذي يخاف: ما تخاف!".  هذا الخوف الذي كان يعبّر عنه، حسب إعتقاده بإسم المسيحيين جميعاً، هو خوف المسيحيين من جميع الطوائف والمذاهب المحمدية على إختلافها وتشعباتها.

والخوف من الآخر قاد بيار الجميل الى جزء آخر من "فلسفته" وهو مقولة "أن قوة لبنان في ضعفه". لقد أراد بيار الجميل لبناناً ضعيفاً ومسيحيين أقوياء على بقية اللبنانيين.  كيف يكون المسيحيون أقوياء وكيف يقضون على الخوف الذي يدّعيه بيار الجميل عندهم؟  بالإعتماد على الأجنبي والعمالة الى الصهاينة.  ألم يكن طريق العمالة هو الطريق الذي سلكه بيار الجميل؟ أليس بسبب هذه العمالة قام بالدور المطلوب منه في عملية إغتيال أنطون سعاده؟  ألم تتطور هذه العمالة مع ابنه بشير الى أن حرباً مكشوفة على كل اللبنانيين وكل يحمل رفضاً للدولة العبرية؟  ألم يرتكب بشير الجميل وصحابته المجزرة تلوَ المجزرة بدءً من السبت الاسود، توقّفاً في عينطوره، مروراً في تل الزعتر، وصولاً الى صبرا وشاتيلا، وإنتهاءً بكفرمتى؟  طبعاً، لا ننسى مجزرة الأكوامارينا ضد الوطنيين الاحرار وغدره بطوني فرنجية وعائلته وبعدها يتولى سمير جعجع تصفية داني شمعون وعائلته.

"مين خلف ما مات"، يقول أحدُ الأمثال الشعبية الشائعة. و"فرخ البط عوّام" يقول مثلٌ شائع آخر. من هنا لا نستغرب أن يكون أمين الجميل ابن أبيه. لم يتعلم أمين الجميل إطلاقاً من الأحداث ولم يستفد من التجارب الكثيرة التي مرّ بها. لم تدفعه تلك التجارب الى التأمل والتقييم وإعادة الحسابات.  الحسابات الوحيدة التي ربما أجراها أمين الجميل هي في كيفية التموضع من جديد وترسيخ نفسه من جديد بعدما قاد اللبنانيين الى الخراب والدمار.  

في تصريح له لشبكة الجزيرة، تعليقاً على أحد التفجيرات التي حصلت في لبنان، يطالب أمين الجميل وقف "الإعتداءات على المسيحيين" ويهدد في حال عدم إيقافه بإتخاذ الموقف المناسب لتحقيق ذلك.  المعادلة عند أمين الجميل واضحة:  ليس هناك لبنانيون، بل هناك مسيحيون وسنة وشيعة ودروز ومذهبيون آخرون.  وليس هناك لبنان، بل هناك مناطق مسيحية ودرزية وشيعية وزواريب وشوارع سنية الى جانب أزقّة يوجد فيها فلسطينيون وجماعات أخرى.  إعتداء بمتفجرة في شارع مسيحي يعتبر من قبل أمين الجميل وأمثاله إعتداءً على المسيحيين وليس إعتداءً على لبنان واللبنانيين.  وإعتداء بمتفجرة في زاروب سني هو بالنسبة لهؤلاء إعتداء على السنيين وليس إعتداءً على لبنان واللبنانيين. وقس على ذلك ما يحصل في باقي الشوارع والزواريب.

يبدو أن أمين الجميل نسيَ أنه جرّب كلَّ الحيل والطرق الموجودة والموصوفة في الكتب في الفتنة التي فجّرتها عائلته بتخطيط وتدريب وتوجيه صهيوني تحت ستار محاربة الغرباء-الفلسطينيين.  إذا لم ينسَ ذلك فلا بدَّ أن يكون ذهنه المًنشّط بالمخدّرات الصهيونية والأميركية قد تفتق عن حيلة جديدة بدأت خيوطها تتضح مع إغتيال المغدور رفيق الحريري.

ما نستطيع أن نأكّد عليه أن أمين الجميل وغيره من الطائفيين الأخرين أمثال وليد جنبلاط وسمير جعجع وسعد الحريري وكلّ ما إصفى حولهم من خِدَمٍ وفراشين وقوادين، لم يتّعظوا ولم يأخذوا العبرَ من فتنة بقيت مشتعلةً على مدى عقدين من الزمن أودت بحياة 200 ألف ضحية ودمّرت لبنان وأفلست اللبنانيين.

الغريب أن هؤلاء يريدون أن يغرسوا في أذهان الناس أنهم يحبون الحياة وأنهم يعملون على وحدة اللبنانيين في معرض إثارتهم للطائفة الشيعية وشتائهم للسوريين (الشاميين) ومحالتهم إلغاء جميع الذين لا يتوافقون مع إنجرارهم للإرتماء في أحضان الصهاينة والأميركيين.  هم يتوهمّون أنهم يستطيعون أن يقنعوا الناس بمصدافية ليست لهم.  ثقوب ذكية يظنون أنه يمكنهم بناء دولة يكونون أسيادها وتكون خاضعة للدولة العبرية ومركزاً لقهر الشاميين والتآمر على كل بلدان الشرق الاوسط.

لو كان اللبنانيون، موالون ومعارضون، نهضويون وعلمانيون، قابلين للإتعاظ والإستفادة من التجارب والعبر، لكانت مرحلة ما بعد الطائف مناسبة لتأسيس عقلية وتفكير جديدين لهم، ينبذون معها كل ما في نفوسهم من بذور الفتنة والهلاك، ويبدأون معها بناء دولة الديمقراطية والعدالة والقانون والأمن والمساواة.  لكنهم بدل ذلك، وبسبب ما هو يطغى عليهم من مناخ نفس، تسابقوا الى تناتش المغانم والمصالح دون أي وعيٍ منهم الى المصير الذي ينتظرهم نتيجة ذلك السلوك.

 هل يعقل أن يكون هناك من يظن أن السرقة والنهب والتشبيح والإستزلام والتقويد والعمالة والتسلط والرشوة وتقاسم المغانم هي طريق الى بناء وطن أو دولة؟  أليست هذه الامور بالضبط هي ما قام به جميع هؤلاء "السياسيين" في لبنان، بإستثناء قليل ومحدود؟  ألم يشترك هؤلاء جميعهم في نهب أموال المهجّرين ونهب الأموال التي إستدانتها الدولة؟ ألم يكن هؤلاء جيمعهم مسؤولين عن إغراق لبنان تحت عبء الديون الهائلة؟ ألم يستزلم قسم من هؤلاء الى أجهزة المخابرات المسيطرة في مرحلة ما بعد الطائف، ويخضع القسم الآخر الى العمالة للمحور الصهيوني/الأميركي؟

اللصوص والسارقون والقتلة والسماسرة واصحاب التعصبّات الطائفية وأصحاب الغايات الشخصية غير مؤهلين وغير قادرين على بناء دولة.  هم أصلاً، في خلفية تفكيرهم وفي أعماق نفوسهم، لا يريدون بناء دولة ولا يؤمنون بحكم القانون.

أن تبني دولة يعني أنك تدرك أهمية القانون والمؤسسات في تنظيم حياة المجتمع والناس وتعرف ما يجلبه هذا الأمر من خير وعدالة وإنصاف.  أن تبني دولة يعني أنك تضع نفسك في تصرّف القانون وأحكامه وتساوي نفسك في الحقوق والواجبات مع الآخرين.

اللصوص والسارقون لا يؤمنون بالدولة؛  فالدولة تلاحق اللصوص والسارقين.

القتلة لا يؤمنون بالدولة؛ فالدولة تعاقب القتلة والمجرمين.

أصحاب التعصبّات الطائفية لا يؤمنون بالدولة؛  فالدولة تساوي بين أبنائها وهم لا يفهمون المساواة ولا يؤمنون بها.

أصحاب المصالح الذاتية لا يؤمنون بالدولة؛ فالدولة تراقب هؤلاء وتلاحقهم بسبب ميلهم لإرتكاب جميع أنواع التجاوزات والمخالفات والتلاعب على القانون في سبيل تأمين مصالحهم الذاتية.

السماسرة لا يريدون بناء الدولة؛ فهم يتاجرون بالناس وبالوطن والمتاجرة بالناس وبالوطن جريمة وخيانة يعاقب عليها القانون.

القوادون لا يريدون بناء دولة؛ بل هم ماهرون في تأسيس المواخير وأسواق الدعارة دليلاً إزدهار مهنتهم وبراعتهم فيها.

البيئة النفسية والمناخ النفسي عند اللبنانيين، وإستطراداً كل شعبنا، هو الباب العريض التي تدخل منه الإرادات العدوة والأجنبية.  لا يمكن للإرادات العدوة والأجنبية، مهما كانت قوية وعاتية، ومهما كانت تتمتع به من إمكانات، أن تؤثِّر على شعبٍ ما إذا كان ذلك الشعب موحّداً في عقليته وروحيته وأخلاقه وإرادته.  إن نقول إن الفتنة ستشتد إشتعالاً، فذلك لأن الإرادات العدوة والأجنبية تجد سهولة متناهية في شراء العملاء والخونة، فهؤلاء أكثر من أن يحصوا في لبنان.

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
أتى هاديا ورحل بطلا
مقالات سابقة
من حنايا الذاكره
العد العكسي للفتنة العارمة (4)
العد العكسي للفتنة العارمة (2)
مقالات 2007
أبو واجب
توضيح لا بد منه
مجزرة في عالم التعتيم والنسيان
الذاكرة الضعيفة
مناقشة هادئة لوثيقة 14 آذار
السر الحزبي
أجهلة هم أم عملاء؟
الشهيد فادي الشيخ