|
لم يتعود الرفيق
فادي الشيخ الغياب الطويل عن الوطن والأهل، فهو كان يعشق
وطنه وكان يحب أهله. كان يحمل الوطن في قلبه أبداً وكان
وطنه الموضوع الأول الذي يشغل عقله باستمرار.
في إغترابه كان يمثل
الصورة التي يريدها لوطنه: محبة وإندفاع وإخلاص وتسامح
وتضحية ودماثة خلق. من كان يعرفه كان يعرف أنه قومي
إجتماعي يؤمن بعقيدته وقضيته إيماناً صادقاً ويجسدها في
تعامله مع رفقائه ومع المواطنين على أكمل وجه.
نميل أحياناً إلى
إفتراضاتٍ حول الأخرين توحيها ما يكون لنا من معرفة
ومعطيات. فنحن على سبيل المثال، نفترض أن هذا الشخص
أو ذاك يتبع روحياًً هذه الديانة أو تلك، إستناداً إلى إسم
ذلك الشخص، الأسم الاول أو الإسم الثاني على حد سواء. مثل هذا الإفتراض كان
يحصل عند الرفقاء الذين لم يتعرفوا على الرفيق فادي الشيخ
سوى في إغترابه، إذ كانوا جميعاً يفترضون أنه يتبع الديانة
المسيحية روحياً وذلك إستناداً إلى اسم عائلته "الشيخ"
الذي يحمله كثيرون من أصحاب الإيمان المسيحي. لقد بقي الرفيق إحسان ثلاث سنوات على
إعتقاد ذاتي بأن الرفيق فادي الشيخ مسيحي بسبب استنادٍ من
هذا النوع. حتى عندما زاره
في بيته ورأى آية قرآنية معلّقة على أحد جدران المنزل،
إفترض أن وجودها هناك أنما يعود إلى إنفتاح الرفيق فادي
الشيخ على جمالات الديانة المحمدية وآياتها المعبِّرَة.
عندما إلتقى الرفيق
إحسان الجمل الرفيقَ سمير الأسمر في إحدى المرات، وكان
اليوم يومَ عيدٍ رمضانيٍ، وكان الرفق سمير الأسمر نفسه
منفذاً عاماً في ملبورن، وسأله إن
كان قد إتّصل بالرفيق فادي الشيخ مهنئاً بالعيد، أجابه
الرفيق سمير الأسمر الذي كان قد مضى على تعرّفه بالرفيق
فادي الشيخ عدة سنوات: "وهل الرفيق فادي الشيخ محمديٌ؟!"
هكذا كان الرفيق
فادي الشيخ، لا يخلط بين إيمانه الروحي الذي كان له هو دون غيره،
وإيمانه بقضيته ووطنه التي كان حريصاً على أن يشرك بها جميع
الناس.
بعد إحدى عشرة سنة
لم يتمكن خلالها الرفيق فادي الشيخ من زيارة الوطن، قرر
أنه لم يعد يستطيع التسويف أو التأجيل، إذ أن إشتياقه
لأهله وحنينه لوطنه كانا يشتعلان بداخله. فهو إشتاق إلى
تكحيل عينيه بمشاهد طبيعة وطنه، وإلى تنشق هوائه، وإلى
شمِّ رائحة ترابه، وإلى مشاركة مواطنيه همومهم وأفراحهم.
لقد قرر الرفيق فادي
الشيخ زيارة لبنان وهو مطمئِنٌ أن فلذة أكباده، فوزي ابن
السابعة من العمر، وهبة إبنت الخامسة، وفراس الذي لم يبلغ
الثلاث سنوات بعد، هم في يدي والدتهم الأمينة، تراعهم
وتحيط بهم خلال غيابه عنهم الذي أراده أن لا يطول ابدأً
لقد قرر الرفيق فادي
الشيخ زيارة وطنه وهو لا يعرف أن لبنان أصبح أسيراً
للظلاميين، جماعات التكفير والهجرة، جماعات أسامة بن لادن
وسعد الحريري ومحمد علي الجوزو، ولم يُدرك أن علمانياً،
يؤمن بوحدة شعبه، ويؤمن بقضية شعبه لم يعد مرغوباً فيه
هناك من قبل أوكار الجهالة والعمالة والخيانة تلك.
أكثر من ذلك لم يكن
الرفيق فادي الشيخ يدرك ان زيارته إلى مركز حزبه في بلدته
ليطمئن للإلتقاء رفقائه هناك الذين كان يشتاق إليهم، ستكون
موعداً لإمتزاج دمائه بتراب أرضه.
إلى الشهيد فادي
الشيخ وإلى كل الشهداء الذي سقطوا معه وقبل على أيدي
عصابات الخيانة والظلامية والتآمر والعمالة والذل والعار،
عهداً من كل المؤمنين الصادقين بقضية أمتنا، بأنهم لن
يهدأوا أو يناموا قبل تطهير أرض الوطن من كل هذه الأرجاس
والنفايات البشرية.
لك ولرفقائك الخلود
يا رفيق فادي الشيخ، ولزوجتك وأولادك الصبر,
عهدنا أن نعمل دائما لتحيا سوريا. |