لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

العد العكسي للفتنة العارمة – إستحالت القفز فوق الواقع

25/06/2007

في تصريح صحفي له، وتعليقاً على الوضع في لبنان، تساءل بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث: "حتى متى، ولماذا؟" ثم أردف: "إذا أحببنا بعضنا، سننجح وسننتصر كلنا، ومعاً نعيد الأمن والأمان والاطئنان والثقة الى قلوب اللبنانيين".

يبدو أن تساؤل البطريرك غريغوريوس الثالث "حتى متى، ولماذا" هو، على الأرجح، من قبيل تساؤل العارف المغلوب على أمره، فلا يجد ضرورة لسرد الأسباب وشرحها.  لذلك هو يقفز فوراً الى تقديم الحل الشافي والناجع لعذاب شعبنا في لبنان، كما في كياناتنا الأخرى: "محبة بعضنا".  البطريرك غريغوريوس الثالث يدرك تماماً إستحالة الخلاص من آتون الفتن والقهر والعذاب وقتل مستقبل الشباب ودفعهم الى اليأس والإحباط، إذا لم يصل شعبنا أن يحب بعضه بعضاً. لكن البطريرك هنا أيضاً لا يقول كيف يمكن أن يتوصّل شعبنا الى أن يحب بعضه بعضأً.

المحبة تأتي من الوضوح والفهم والوعي لحقيقة الحياة الواحدة (وليس المشتركة) والمصير الواحد (وليس المشترك) والإيمان بضرورة الحفاظ على هذه الحياة والعمل على تحسينها وأرتقائها.  هذا يعني أن يكون عند الشعب شعورٌ قوي بشخصيته القومية العامة وإدراكٌ كاملٌ للعناصر المكوّنة لها.  بدون هذا النوع من الوضوح والفهم والوعي والإدراك والإيمان يصعبُ أن يصلَ شعبُنا الى محبة بعضِه بعضاً.  وبدون توصُّلِ شعبنا الى محبة بعضِه بعضاً، يستحيل له تجنب الفتن والمشاكل، ويصعب عليه بناء أي مستقبل مستقرٍ وآمن. 

من الواضح لكل مراقب وفاهم لواقع شعبنا وطبيعة البيئة الثقافية-النفسية-العقلية المسيطره عليه والمُتَمَلِكة به، أن توصل شعبنا الى محبة بعضِه بعضاً، دونها صعاب كثيرة.  هذا لا يعني أن هناك إستحالة في التوصل إليها.  بل هذا يعني أن الحل لا يمكن أن يحصل بدون رغبة أصيلة وإرادة حرّة مخلصة في إيجاد مثل هذا الحل.  عندما تتوفر الرغبة الأصيلة والإرادة الحرة المخلصة، عندها نستطيع أن نستبشر أننا في الإتجاه الصحيح.  إن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، يقول مثل صيني.  ما يقلقنا ويرعبنا أننا لا نرى كثيرين ممن عندهم هذه الرغبة وهذه الإرادة  لإتخاذ مثل هذه الخطوة وفي الإتجاه الصحيح.

ما هي الخطوات الصحيح لمعالجة وضعنا والتوصل الى حلول عملية، جدّية، مستمرة، ثابتة متواصلة ومتتابعة؟

الجواب هو:

·        العمل على فهم واقعنا وحقيتنا بكل دقائقها وتفاصيلهما، وذلك بعقلانية وموضوعية وعدم محاولة القفز فوق حقائق التاريخ والإجتماع والجغرافيا.

·        تحديد العوامل والأسباب المعطِّلَة لمسيرة حياتنا.

·        الإتفاق على سياسة مرحلية وإستراتيجية في كيفية مواجهة ومعالجة كل هذه المشاكل والأسباب.

·        الإتفاق على طبيعة الحياة المستقبلية التي نبتغيها لشعبنا وكيفية العمل على تحقيق مثل هذه الحياة.

·        إتخاذ القرارات بإردات حرة غير خاضعة لأي ضغوطات أو توجيهات أو إيحاءات من أية جهة خارجية على الإطلاق.

يقلقنا جداً أننا ندرك تماماً أن مثل هذا الحل يحتاج الى رجال أقوياء وأصحاب ضمائر وإرادات حرة، ليسوا مرتهنين لأي إرادة خارجية.  ويؤلمنا جداً أننا نعرف أن مثل هذا الطرح لن يجد كثيراً من الآذان الصاغية ولا من هو مستعد للعمل على هديه وتوجيهاته.  بالرغم من هذا الإدراك وهذه المعرفة نقول بإصرار وبصوت عالٍ إنه  ليس هناك من طريق الى خلاصنا سوى هذا الطريق، شاء جميع "الباعطين" في الشأن العام أو رفضوا.

ما هي حقائق "الواقع اللبناني" والعوامل والثوابت المؤثِّرة فيه والمحركة له؟

لنحاول الإيجابة على هذا السؤال فيما يلي:

·        أن لبنان-الواقع الجغرافي والسياسي -  أنشيء بقرار فرنسي-بريطاني لخدمة مصالح هاتين الدولتين.

·        أن لبنان لم ينشأ بسبب رغبة وإرادة واعية واحدة عند أبنائه.  فمن السخافة والخفَّة والإستخاف بالمدارك والعقول الإعتقاد أن إلتقاء أشخاص من طوائف مختلفة حول القبول بهذا "الترتيب" للكيان اللبناني هو تعبير عن إرادة الشعب في لبنان.  فأولئك الأشخاص إنما كانوا في المواقع التي كانوا يتمتعون بها لأسباب إقطاعية-سياسية-تَسَلُطِية-متوارِثة، توصلوا إليها عبر خضوعهم ومسايرتهم وعمالتهم للإستبداد العثماني ودول الإستعمار القديم.

·        أن لبنان-الجغرافيا هو جزء من الهلال السوري الخصيب.

·        أن لبنان-الشعب هو جزء من شعب الهلال الخصيب، وأي محاولة لإيجاد الذرائع والأسباب على أساسيٍ ثقافي-إثنيٍ هي نوع من التخريف والتجهيل وجهل لحقائق التاريخ والإجتماعي الإنساني.

·        أن المسيحيين، في لبنان وعلى امتداد الهلال السوري الخصيب، هم جزء لا يتجزأ من شعب الهلال السوري الخصيب، وأن المسيحية هي جزء لا يتجزأ من ثقافة هذا الشعب وحضارته.

·        أن المحمديين في الهلال الخصيب هم جزء لا يتجزأ من شعب الهلال السوري الخصيب، والمساهمة الضخمة التي قدمها هذا الشعب في ظل إنتشار الإسلام المحمدي هي موضع فخر لهم وهي جزء لا يتجزأ من ثقافة هذا الشعب وحضارته.

·        أن حضارة لبنان هي جزء من حضارة وثقافته هما جزء من حضارة وثقافة الهلال السوري الخصيب، وان هاتين الحضارة والثقافة ليستا إسلاميتين ولا مسيحيتين وإن كان الإسلام والمسيحية جزء لا يتجزأ منهما.  فحضارة السورية لم تبدأ مع المسيحية ولا هي بدأت مع الإسلام، إنما هي نتيجة عدة آلاف من سنين العطاء الحضاري لشعبنا.

·        أن لبنان لا يمكن أن يكون معزولاً عن مشاكل شعبنا في جميع كياناته ولا يمكن له تحييد نفسه عنها.

·        أن لبنان لا يمكن أن يتحمّلّ أعباء مسائل شعبنا القومية ولا يمكن له مواجهة نتائجها وحيداً.

·        أن لبنان لا يمكن أن يكون مصدر تهديد لأي كيان من كيانات الهلال السوري الخصيب أو قاعدة لتهديدات من هذا النوع.

·        أن لبنان الكيان-السياسي له ما يبرره اليوم، ولكن لا يجب، بأي شكل من الأشكال، أن يتحول هذا التبرير الراهن الى حجة لدفع لبنان الإنفصال عن محيطه الطبيعي والإرتماء في أحضان الأمركانيين والعبرانيين.

·        أن مسألة بقاء لبنان كياناً سياسياً ذاتياً أو مسألة أي وحدة سياسية مع غيره من كيانات الهلال السوري مسألة يقررها اللبنانيون على ضوء قناعات مبنية على المنطق والعقلانية والمصلحة العامة وليس على أي عقدِ أو خوف من أي نوع.

·        أن لبنان لا يمكن أن يجد الإستقرار والإزدهار والأمن في ظلِّ الطائفية والإقطاع السياسي والمصالح الشخصية والمحسوبيات والرشوة وغياب المساواة والعدالة والقانون.

لا يمكن أن يكون هناك أية مصداقية ولا أية إستمرارية لأي حل من الحلول لمشاكل شعبنا في لبنان، كما في غيره من الكيانات، إذا لم يكن مبنياً على أساس هذا الفهم للواقع اللبناني، كما لواقع شعبنا كله على إمتداد الوطن.  ولكن ما هي المشاكل التي يتداولها الناس ويتمترس وراءها "السياسيون اللبنانيون" في عملية نفاق وتكاذب تخفي أهدافاً لا علاقة بها بالأسباب التي يقدمونها او يسوقونها لتبرير مواقفهم، والتي تدفع الى خلق وضع ضاغط في لبنان أو تُستعملُ لخلق مثل هذا الوضع الضاغط الذي يصلُ في الظروف المناسبة الى حدود الفتنة والتقاتل وسفك الدماء؟  دعونا نستعرض هذه المشاكل:

·        مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين وما يحمله المخطط الصهيوني من أطماعٍ في بقية الهلال الخصيب ولبنان ليس إستثناءً.

·        محاولة الأمركيين والعبريين توطين الفلسطينيين في أماكن إقامتهم ولبنان واحد من هذه الأمكنة.

·        سلاح التنظيمات الفلسطينية في المخيمات وخارجها.

·        سلاح المقاومة "الإسلامية".

·        الإستمرار في إجترار الزعم في مسألة "الهيمنه والسيطره السورية" على لبنان بالرغم من مرور سنتين على  إنسحاب الجيش الشامي من لبنان.

لم يقترب اللبنانيون، ولا مرة، من هذا المشاكل بعقلانية ومنطق وتفكير عملي يستهدف المحافظة على المصلحة اللبنانية العامة.  لقد كان المحرك لكل جهة منهم المصلحة الشخصية أو الفئوية المتسترة بمصالح أو حقوق طائفية مزعومة.  الطوائفيون المسيحيون حاولوا التنصل من المسالة الفلسطينية تحت حججٍ واهية متعددة، إستهدافاً منهم لإبقاء لبنان تحت السيطرة الطائفية المارونية.  والطوائفيون السنة كانوا يتاجرون كذباً ونفاقاً بالمسالة الفلسطينية وبالعروبة، إستهدافاً منهم المحافظة على حصصهم كاملة في مزرعة الطوائف اللبنانية.  لا نذكر القيادات الطائفية الأخرى لأن معظمهم كانوا من الإقطاعيين المتحكمين في طوائفهم  وكان همهم ترسيخ إقطاعيتهم وإستمراريتها في تلك الطوائف.

لأننا نحاول التركيز على النقاط الموضوعية لأية محاولة إنقاذ للوضع في لبنان كما في غيره من كيانات وطننا، لا نريد ان ندخل نطاق معالجة كل مشكلة من المشاكل الآنفة الذكر تجنباً للتطويل لا نريده في هذا المقال.  حسبنا أن نكتفي ببعض الإشارات الضرورية للتدليل على خطل العقلية المتحكّمة في شؤوننا السياسية والإجتماعية والقومية العامة.  من هذه الإشارة، نخص مسألة محاولة توطين الفلسطينيين في لبنان.  نحن نرفض مسألة توطين الفلسطينيين من منطلق حرصنا أن يبقى مشعل إسترداد حقوقنا المغتصبة في فلسطين ملتهباً الى أن نبني لأنفسنا القوة القادرة على تحقيق هذا الامر. 

الطائفيون المسيحيون ينظرون الى هذه المسألة من زاوية التغيير الديموغرافي الطائفي والخوف من طغيان عدد السنيين على عدد المسيحيين في لبنان إن حصل مثل هذا التوطين.  لو كان الطوائفيون المسيحيون مدفوعين بالغيرة على حقنا المغتصب في فلسطين لما كانوا إستعملوا نفوذهم وهيمنتهم على مقدّرات الدولة في لبنان لمنح معظم أبنا شعبنا من الفلسطينيين المسيحيين الذي تشردوا الى لبنان، الجنسية اللبنانية.

الطوائفيون المسيحيون يمرون اليوم في مأزق لا يحسدون عليه.  فهم ظنّوا أنهم وجدوا ضالتهم في تحالفهم مع سعد الحريري، المستقطب لقسم كبير من السنة، مستغلين العواطف والمشاعر المتولِّدة بعد إغتيال رفيق الحريري.  فهم، الطوائفيون المسيحيون، يشعرون الآن بحرارة الموقف كما هو بعد مسألة إعتداءات منظمة "فتح الإسلام".  فهم يدركون الآن أن "فتح الإسلام" وكل ما شاكلها من المنظمات الأصولية السنية إنما نمت بتمويل حريريِ وبإيعاز أميركي، على مدى السنوات العشرين الماضية.  فخلق التوازن المحلي مع حزب الله يتطلب في قاموس الأمركيين/الصهاينة إنشاء مثل هذه المنظمات الأصولية السنية.  فإذا كان الطوائفيون المسيحيون يخافون "السوريين"، وإذا كانوا يخافون "حزب الله"، فما قولهم في هذه الأصولية السنية التكفيرية التي يعاني منها المسيحيون العراقيون الأمرين؟

لم "يهبط" رفيق الحريري على لبنان صدفة أو عبثاً.  لقد وجد الأمركيون/الصهاينة في رفيق الحريري ضالتهم المنشودة.  فمن هو أكثر قدرة من رجل أعمال ناجح، أجاد المتاجرة في كل شيء، شريكة حياته الأولى ليست إستثناءً، من العمل بإشرافهم على تحقيق خططهم في توطين الفلسطينيين؟ لقد صوّر الأمركيون/الصهاينة لرفيق الحريري الدور التاريخي الذي يستطيع أن يلعبه لإنقاذ لبنان والدور الذي يمكن أن يقوم به في عملية إحلال السلام في "منطقة الشرق الأوسط"، مقدِّمينَ له جميع أنواع التشجيع والدعم والوعود الكثير بالمساعدة والمستقبل الباهر.  عندما فشل رفيق الحريري في تنفيذ التوطين بالسرعة المطلوبة منه، وعندما فشل الأمركيون/الصهاينة في إقناع الشاميين في تجريد حزب الله من سلاحه والخضوع للشروط الإسرائيلية، قرروا أن المهمة الموكولة الى رفيق الحريري تحتاج الى وضع دراماتيكي أشد، وأن رفيق الحريري يستطيع أن يفعل بموته ما لم يستطع ان يقوم به وهو حي، لذلك لجأوا الى إغتياله.

توطين الفلسطينيين في لبنان لم ينتهِ بموت رفيق الحريري، بل أنه حقيقة قد بدأ مع ذلك الفصل المحزن، الذي إن دلّ، إنما يدُلُّ على سادية الأميركيين وعدم رحمتهم حتى مع الناس الذي يثقون بهم ويتعاملون معهم ويعتمدون عليهم.

نحن نعتقد جازمين ان سعد الحريري لا يدرك حقيقة الدور المطلوب منه، وهو لا يعرف الى معترك يحاول الأمركيون جرّه إليه؟  هو يعتقد أنه يقوم بدور مستقلٍ من وحي قناعاته، طلباً لجلاء الحقيقة في مقتل والده، وهو يصدِّق أن الأمركيين/المتصهينين حريصون فعلاً على كشف حقيقة مقتل والده ومعاقبة المسؤولين عنها!  هو لا يعرف حقيقة مدى الإستغلال الذي يمارس عليه من قبل الأمركيون/الصهاينة وكيفية حصوله، وهو لا يدرك أن هؤلاء قد يصلوا يوماً الى قرار بإنهاء دوره، بشكل لا يختلف كثيراً عن إنهاء دور والده. هنا يبرز مأزق الطوائفيين المسيحيين، فهم من جهة يعلنون رفضهم للتوطين ويخافون منه، ومن جهة اخرى يعتمدون على الأمركان/الصهاينة لتحقيق مآربهم ويضعون يدهم بيد نفس الأدوات التي يستعملها الأمركيون/الصهاينة لتحقيق التوطين وغيره من الأهداف التي تخدم الدولة العبرية.

إن مواقف "السياسيين" اللبنانيين لا يقلّ تناقضاً في مسألة سلاح حزب الله عنه في مسألة توطين الفلسطينيين.  هم لم يكونوا خائفين من سلاح حزب الله في مرحلة النهب والسرقة التي تلت إتفاق الطائف.  لقد كانوا، وفي ظلّ هيمنة مخابراتية غبية، مطمئنين الى ذلك السلاح الذي لم يعترض طريق سرقاتهم ولصوصياتهم ونهبهم.  لكنه فجاة إكتشفوا أن ذلك السلاح مضرٌ بمصالحهم رغم أنهم لم يقدموا أي دليل على كيفية تهديد هذا السلاح لمصالحهم أو لما يدعونه من حرص على مصلحة اللبنانيين! 

من سخافة الحجج وغبائها او إستغبائها أن معركة التحرير قد إنتهت ولم يعد لبنان محتاجاً الى هذا السلاح.  الغباوة تكمن هنا أن الإحتلال قد حصل أصلاً بسبب غياب هذا السلاح، وهو سيعود في الظرف المناسب في غياب السلاح الرادع له.  ثم ما هو هذا المنطق الغريب للمطالبين بنزع سلاح حزب الله عندما يلجأوون هم أنفسهم الى تنظيم الميليشيات والعصابات ويستوردون السلاح من كل حدب وصوب؟  لن يطول الأمر قبل أن يكتشف هؤلاء خطر الإنجرار في ركاب الأمركيين/الصهاينة وخطر ما فعلت أيديهم! إذ لم تكن "فتح الإسلام" ليست الظاهرة الأولى لنتائج عملهم وهي حتماً لن تكون الظاهرة الأخيرة.

نحن نعتقد أن إعلان حزب الله على لسان قيادته أن بقاء سلاح المقاومة مرتبط في تحرير مزارع شبعا هو خطأ تكتيكي كبيرٌ. وهو ربما كان في هذا الإعلان يراهن أن الدولة العبرية لن تنسحب من هذه المزارع.  ولكن ماذا لو إنسحبت الدولة العبرية من مزارع شبعا عبر مخطط مدروس لإحراج حزب الله؟

نشؤ مقاومة وطنية في لبنان، في المستوى الذي أسسه حزب الله، هو ضرورة مستقبلية لأي دولة لبنانية حريصة على الحفاظ على إنجازاتها ومصالحها.  لذلك ما يجب التركيز عليه في هذا الشأن هو كيفية تطوير هذه المقاومة وتحويلها من مقاومة إسلامية-شيعية الى ثقافة تشمل جميع اللبنانيين.  إن خلق قناعة من هذا النوع، وبناء ثقافة داعمة لها، تنمّها وترسِّخها، وتعمّمها، هو المنطق الوحيد السليم والمقبول.  طبعاً، هذا لا يمكن أن يحصل في ظل التشاطر والتكاذب والإرتهان الى الخارج، بل يتحقق عندما يتوفر الإدراك المطلوب لحاجاتنا الوطنية والقومية، وعندما تتحرر الإرادات من أي إرتهان لأية جهة خارجية.

في دولة السيادة والنظام والقانون والديمقراطية، لا يمكن القبول بوجود السلاح في أيدي الناس أو الجماعات بدون قرارِ وتخطيط وموافقة منها.  إن معالجة سلاح المقاومة في لبنان، المتمثل أساساً بسلاح حزب الله، يأتي بحثه بعد تأسيس مثل هذه الدولة وليس في ظل بهلوانيات وليد جنبلاط وسمير جعجع وسعد الحريري.  

في دولة السيادة والنظام والعدل والقانون والكرامة الوطنية والقومية يكون وجود السلاح في أيدِ غير أيدي قوى الدولة المسلحة أمراً شاذاً لا مبرر له.  أما أن يبحث نزع سلاح حزب الله بعد أن أثبت فعاليته في وجه العدو الصهيوني وفي ظل المخططات الأمركية الصهيونية هو غباء وإستسلام وفقدان للشعر باي شرف أو عزة أو كرامة.

لا نقصد من الإشارات المتقدِّمَة معالجة تفصيلية لمواضيعها، حسبنا أن ندلَّ، كما ذكرنا سابقاً، على خطل العقلية التي تعالج بها مشاكلنا والتنبيه الى خطورتها.  لذلك نكتفي بهذا الحد لنعرض خاتمة بعض ما هو منطقي وغير منطقي، ما هو عملي وغير عملي، ما هو مقبول وما هو مرفوض، في أي حلٍ من الحلول المنشودة لمشاكلنا:

·        لا يمكن أن يكون هناك حل يصبح معه لبنان،  قاعدة أمركية/صهيونية ومركزاً لتصفية القضية القومية وترسيخ السيطرة اليهودية على كامل الهلال الخصيب والعالم العربي.

·        لا يمكن القبول في أية دولة طائفية أو دويلات طائفية، إن كانت هذه الدولة أو الدويلات، مسيحية أو سنية أو شيعية أو درزية أو يهودية.

·        لا يمكن القبول بأية هيمنة طائفية من أي نوع ولا يمكن القبول بإستفراد أي طائفة

·        لا يمكن أن تقوم دولة في لبنان على مفهوم العداء "للسوريين" أو الفلسطينيين أو أي فئة أخرى من فئات شعبنا.

·        لا يمكن أن يقوم دولة في لبنان على الكراهية والحقد، بل على "محبة بعضنا بعضاً" كما جاء على لسان البطريرك غريغوريوس الثالث.

·        تلزم الدولة اللبنانية بإتفاق هدنة 1948 مع الدولة العبرية في غياب سياسة قومية واحدة يتحمل فيه كل شعبنا مسؤولياته كاملة في هذا الشأن.

·        سلاح المقاومة يبقى من ضمن السياسة الدفاعية للدولة اللبنانية حيث يعمل كما اشرنا سابقاً الى تعميم ثقافة المقاومة.

·        إعادة النظر في ترتيب وتنظيم "اللاجئين" الفلسطينيين بحيث يستطيعون ممارسة حياة إنسانية لأئقة وحيث ينعمون بحماية الدولة اللبنانية العتيدة، وحيث يعمل الى نزع سلاح المنظمات الفلسطينية بالتراضي، لأن هذا السلاح أثبت عدم فعاليته في إستعادة حقنا المغتصب أو حماية الفلسطينيين أنفسهم، وبالتالي منع تحويل المخيمات الفلسطينية الى بؤر لتكوين وتشكيل وإنشاء الخلايا الإصولية التكفيرية الحاقدة.

·         تعمل الدولة العتيدة على إسترداد ما تستطيعه من أموال الدولة التي سرقت عى مدى العشرين سنة الماضية حيث تخضع جميع السارقين الى المحاسبة كائنا من كانوا.

·        لا قيمة لأي حلٍ لا يفسح في المجال لبناء دولة السيادة والديمقراطية والعدالة والمساواة وحكم القانون.

طبعاً لا ندعي ونحن نكتب في هذه العجالة إحاطتنا بجميع النقاط والجوانب ولكن حسبنا أننا ألقينا ضؤً قوياً على كيفية مواجهة مشاكلنا وقضايانا.  إن أي إعتقاد غير هذا الإعتقاد هو قفز فوق الواقع وتجاهلاً لحقائق التاريخ والجغرافيا والإجتماع البشري، وهو بالتالي مشروع إنتحاري جديد، يحمل في طياته تفجيرأً جديداً ومزيداً من الخراب والدمار وإدخال شعبنا في نفق مظلم لا نهاية له.

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
صناعة التاريخ
رأيت وسمعت
قفزة الى الحاضر
الشباب المثقف الدرزي والتحدي الكبير
العد العكسي للفتنة العارمة (1)
العد العكسي للفتنة العارمة (2)
العد العكسي للفتنة العارمة(3)
العد العكسي للفتنة العارمة (4)
العد العكسي للفتنة العارمة:إستحالة القفز فوق والواقع
صناعة التاريخ
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
صورة من الرعب
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
الحوار البنّاء
متى يصبح اللبيب لبيباً
الدروس المفيدة
عندما تحلم الأقزام وتتكلم الصعاليك