|
اللبنانيين وأحلام العصافير
يتلاقى اللبنانيون مع باقي
الناس من شعوب الأرض في كون الأحلام جزء لا يتجزأ من
حياتهم، لكنهم يختلفون عما عداهم من الناس في أن أحلامهم
تختلف في نوعيتها وطبيعتها ومنطلقاتها وأبعادها عن أحلام
بقية الناس. الإختلاف الأول، يكمن في طبيعة مصدر تلك
الأحلام، أما الإختلاف الثاني، فهو يكمن في كيفية ترجمة
تلك الأحلام وما يكون لتلك الترجمة من نتائج وإنعكاسات في
مستقبل حياتهم.
تنطلق الأحلام عند الأفراد
والجماعة من شعوب الأرض المتحضّرة من واقع تلك الشعوب
وحقيقة حياتها، لذلك يظهر ذلك الواقع وتلك الحياة في أذهان
الناس وتصوراتهم وخيالاتهم وعقولهم بشكلٍ أسمى وأرقى وأبهى
وأكثر إشعاعاً، وفيها تتكشف الحياة لهم عن آفاق جديدة تتوق
نفوسهم الحالمة الى بلوغها والتمتع بجمالها وطبيعتها.
لذلك هم يعكفون على تلك الأحلام، بإرادة عقلية،
فاحصة،مدقّقة، باحثة، فينظرون في سبل تحويل تلك الاحلام من
مجرد أحلام الى واقع ملموس، محسوس يدبُّ بالحياةِ وينبض
بالحيوية.
على عكسِ الناسِ من شعوب
الأرض المُتحضِّرة، فإن أحلامَ اللبنانيين لا تنطلق من
واقع حياتهم ولا تَبني عليه، بل تنطلقُ من أوهام وإفتراضات
تعكسُ إهتراءَ هذا الواقع وعفونته. لذلك فإن أحلامهم هي
أحلام مبعثرة، متنافرة، متباعدة، لا يمكن أن يجتمع حولها
عقل أو تتوحدَ حولها إرادة.
واقع اللبنانيين هو وليدُ
ثقافةٍ أنتجتها الظروفُ التي عاشوها عبرَ قرونٍ طويلةٍ من
االزمن، خضعوا فيها لأنواع متعددةٍ ومتشعبةٍ من القهرِ
والتسلطِ والظلمِ والإرهابِ والخوف، إقترنت برغبةٍ جامحةٌٍ
عندهم للعيش والبقاء، فخلقت عندهم نفسية وعقلية تتّسمان
بالمساومة والتدجيل والتلوّن والتكيّف والتقلب، حسب
مقتضيات الظروف الآنيّة التي تحيط بهم.
قبل الشرح والإستطراد، لا بد
أن نوضح الى أن كلامنا عن أحلام اللبنانيين تحديداً، لا
يعني أننا نرى فرادةً عند اللبنانيين في هذا الشأن، دون
غيرهم من أبناء شعبنا، وأنه لا يوجد عندنا كلام مماثل عن
بقية شعبنا في مختلف كياناته، بل أن هذه المبادأة، يفرضها
الوضع الذي يعيشه اللبنانيون ويمر به لبنان. إن ما يحيق
ويحيط باللبنانيين اليوم من أخطار وإفتراقات مصيرية،
تضيفهم الى حالة الرعب والظلم التي يعانيها أبناء شعبنا في
فلسطين والعراق، يخيفنا جداً ويرعبنا كثيراً، فنحاول أن
نساهم، بما لنا من إمكانات محدودة، في مواجهة تلك الأخطار.
قلنا إن القهرَ والتسلطَ
والظلمَ والإرهابَ والخوف، هم طابعُ حياة شعبنا، في لبنان
وغير لبنان، لقرون طويلة من تاريخهم. مُدّمِرات الحياة
هذه، عرفت أنواعاّ وأشكالا متعددة: فهناك القهرُ والتسلطُ
والظلمُ والإرهاب الناتج عن الأجنبي، أقادماً كان من الشمال
أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، لا فرق. وهناك أنواع التسلط
والظلم والإرهاب والخوف التي ترافق وتصاحب النوع الأول،
وهي تتعدد بتعدد ما هنالك من إنقسامات وعصبيات مختلفة من
شعبنا، أكانت دينية، أم طائفية، أم مذهبية، أم عشائرية، أم
إثنية، أم كيانية، أم عائلية، أم إقطاعية، أم فردية، الى
ما هنالك من عناصر التفرقة والهلاك في مجتمعنا.
في مناخ من هذا النوع،
الكلُّ يضمرُ شراً بالكل، والكلُّ يكذبُ ويدجلُّ ويتشاطرُ
على الكل، والكلُ يحقدُ على الكل، والكلُّ يتآمر على الكل،
والكلُّ يريد الإستئثار بمصالح الحياة دون الكل، لذلك يسعى
كلُّ فريقٍ وكلُّ مجموعة، تحت أي إسم وجدت، الى الإستقواء
بالأجنبي وبالأعداء، لتحقيق مصالحٍ تتقزّمُ لتأخذ حجم ذلك
الفريق أو تلك المجموعة، وتعكس بئس تطلعاتهم وأفكارهم وما
رسموا لأنفسهم من أهداف.
إن مناخاً كهذا، لا بد أن
تنتفي فيه العقلية الواحدة والنظرة الواحدة الى الحياة،
وتنتفي فيه بالتالي الإرادة الواحدة التي هي شأن أساسي في
تحقيق أسباب الحياة ونوعيتها لأي شعب من الشعوب. إن
مناخاً كهذا ينتج إراداتٍ بديلةً، لينةً، طيّعةً، تأخذ شكل
الوعاء الخارجي الذي تنتهي إليه. إن مجتمعاً له مناخُ مثل
هذا المناخ، يحملُ عناصرَ الإنهيارِ والدمارِ بداخله،
تنفجرُ عند أبسط عاصفةٍ أو إرتجاجٍ من أي نوع.
اللبنانيون يحلمون بالعيش،
لكن حلمهم أن يعيش فريق دون غيره من الأفرقاء، ومجموعات
دون مجموعات أخرى، وأفراد دون أفراد آخرين.
اللبنانيون يحلمون بالحرية،
لكن الحرية التي يحلمون بها ليست واحدة، فبغياب الإرادة
الواحدة لا يمكن أن تكون هناك حرية واحدة. الحرية التي
يحلم بها اللبنانيون هي على قياس طوائفهم ومذاهبهم وما
يصاحبها ويتداخل معها من نفوذ يبنى على المال أو النفوذ
السياسي المتوارث، أو نفوذ مبني على الإرتهان للأجنبي والعمالة
له وخيانة الوطن والشعب.
فالمسيحيون يُريدون الحرية،
لكنها حرية يرسم طبيعتها وأبعادها، ويضع أهدافها، تحالف من
رجال دينٍ وصبيان سياسة ومشعوذون سياسيين، وهي حرية تجدُ أساسها في
الإستبداد والإنتقام المذهبيين، وشعور واهم عندهم بالتميّز
عن بقية شعبنا والتفوق عليها. والحرية هنا هي حرية هذا
النوع من المسيحيين قبل غيرهم ودون غيرهم.
والدروز يُريدون الحرية،
لكنها حرية ما يتحكم بهم من إقطاع سياسي متوارثٍ، يجمع
حوله لفيفاً من الإنتهازيين والحاقدين والمستغلّين
والمتاجرين الذين يستعملون الشحن الطائفي وسيلة لترسيخ
نفوذهم وتثبيت هيمنتهم. والحرية هنا، هي أيضا، حرية هؤلاء
قبل غيرهم ودون غيرهم.
والسنّة يُريدون الحرية،
لكنها حرية الذين يتحكمون بهم من أصحاب نفوذ وثروة ومال،
لا يجدون صعوبة، بما يملكون من قدرة على الرشوة وشراء
الضمائر، في جمعِ رجال دينٍ حولهم، من الذين يخلطون بين
الدين والسياسة وحب المال، حيث يوظفون خطابهم المذهبي
للترويج لهم حتى ولو كانوا من الطارئين على الوطن وعلى
العمل السياسي، سواءاً بسواء. والحرية هنا، ايضا وأيضا،
هي حرية هؤلاء قبل غيرهم ودون غيرهم.
والشيعة يريدون الحرية،
أهداف الحالة الطائفية عندهم لا تختلف عن أهداف الحالات
الطائفية الأخرى، لكن النموذج المقاوم التي قدمه حزب الله،
بما له من قيادة حكيمة، واعية، مخلصة، تحترم الشعب وتحترم
نفسها، وبما عنده من مقاتلين يرفضون العيش، ويطلبون الموت
متى كان الموتُ طريقاً لحياة شعبهم وعزته، يقدّم منحى
جديداً ونموذجاً قومياً رائعاً يجب التوقف عنده كثيرا،
ويعطينا أملاً كبيراً في تغيير العقلية المسيطرة على
حياتنا ومصالحنا القومية.
لأن مطلب العيش والحرية عند
اللبنانيين ينطلقان من تشعبات إنقساماتهم وعصبياتهم
وشهواتهم الطائفية وغيرها، يخضعون جميعهم لشعور كيانيٍ
مشتركٍ، يتوهّمون معه أنهم يستطيعون أن يفصلوا ما بين
حياتهم وحياة شعبنا الذي يعيش على إمتداد بقية أجزاء
وطننا. هم دائما يصفون ما يقومون به من تفجير أحقاد وثأر
وإقتتال فيما بينهم، بأنه حرب الآخرين على أرضهم. هم
يتوهمون أنهم يستطيعون أن يفصلوا حياتهم في لبنان عما يجري
في فلسيطن أو عما يجري في العراق أم عما يجري في بقية
كيانات وطننا السوري.
اللبنانيون – والكلام دائما
عن الطائفيين والكيانيين منهم - بما عندهم من أحلام
عصفورية، يظنون أنه يكفي أن تقتنع جميع طوائفهم بالعيش
المشترك تحت ضمانة وسيطرة الإرادة الأجنبية كي تكون لهم
حياة رغيدة ويكون لأبنائهم مستقبل باهرٌ. هم لا يدركون أن
ثمن ذلك هو أن يتحول لبنان، الى خنجر مسلط على بقية
شعبنا،
ومنطلقٍ لإلغاء وجودنا القومي ومحو آثاره بالكامل. إنهم
لا يدركون أنه لن تكون لهم إرادة مع وجود الأجنبي، بل ستكون
إراداتهم مدعوسة ومنتهكة من قبل الصهياينة ومن لف لفهم أو
عاضدهم.
إن أحلام العصافير هذه، دون
تحقيق إرادات صلبة تأبى الذلَّ الذي يرتضي به الطائفيون،
وتأبى الخنوع الذي يبشر بهم الجاهلون، وتأبى الإستسلام
الذي يدعو إليه العملاء الخائنون.
إن أغرب ما في هذه الاحلام
العصفورية، هو أن تنقاد إليها وتشترك فيها، أجيال من
الشباب، كان ينتظر منها أن تكون أكثر وعياً، وأعمق ثقافةً،
وأشد إرادة، وأكثر عزماً، فتعرف أن لا مستقبل لها إلا إذا
رفضت المجتمع القديم، بكل عصبياته الجزئية وكل ما ينطوي
عليه من قذارة وأوساخ. إننا ندعو أجيال الشباب هذه الى
الإنتفاض على الواقع الطائفي، والواقع الكياني،
والإحتكام الى صوت العقل، والتسلح بالوعي والمعرفة
والإرادة القوية، وبناء أنفسهم على أساس علماني لا يخلط
بين السياسة والدين ولا يسخر الدين للامور السياسية
الدنيوية. بهذا النوع من الوعي تستطيع أجيال الشباب أن
تضمن مستقبلها، وبغير هذا الأمر لن يكون لهم مستقبل على
الإطلاق، بل لن يكونوا سوى وقودٍ لحروب طائفيةٍ مهلكة
قادمة. |