|
على حافة الإنهيار (4)
إن البحث عن فرص وقف التدهور في لبنان وإمكانية منع الإنفجار
فيه، إنما هو كالبحث عن أبرة صغيرة في أرض وعرة وظلام دامس.
لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن العثور على تلك الأبرة بالرغم من
وعورة الأرض وصعوبة الرؤية.
بالرغم من كل الصورة القاتمة، وكل ما حصل حتى الآن، يستطيع
اللبنانيون إذا ما لجموا شهواتهم الهائجة ورغباتهم الجامحة،
وإذا ما دفنوا أحقادهم المتفجّرة، ثم إذا ما إعتمدوا على
أنفسهم، وأستعملوا عقولهم المعطّلة، وأيقظوا ضمائرهم النائمة،
وأطلقوا كراماتهم المهدورة، فهم إذا ما إتجهوا مثل هذا
الإتجاه، يمكنهم، بدون شك، وقف التدهور أولاً ومن ثمَّ، القضاء
على كل ما يهدد مستقبلهم من أخطار داخلية.
لا يمكن أن يبحث أي حل للوضع في لبنان من ضمن عقلية الطوائف
والطوائفيين، والمذاهب والمذهبيين، ولا من ضمن الأنانيات
والمصالح الفردية. إن أي حل عملي يمكن له أن يثبت ويستمر
ويحقق الغرض المطلوب لا يمكن إلا أن يكون من خلال عقلية عامة،
تنظر الى اللبنانيين كشعب واحد، له مصالح واحدة ومستقبل حر
واحد.
لا نستطيع أن نضع حلاً لمشاكل اللبنانيين من خلال تداولات
وتخطيطات غلاة الطائفيين المسيحيين، وما يحملونه من أحقاد
وشهوات ورغبات، ولا نستطيع أن نضع حلاً لهذه المشاكل من خلال
تداولات وتخطيطات المسيطرين على الوضع الطائفي الدرزي وما
عندهم من أحقاد وشهوات ورغبات، ولا نستطيع أن نضع حلاً لمشاكل
اللبنانيين من خلال الوظيفة التي يؤدّيها الطارئون على الساحة
السنية والمسيطرون عليها عبر ما يملكونه من ثروات، ومن خلال
تحويه هذه الساحة من جيوب ظلامية، سلفية، رجعية.
إذا أراد اللبنانيون منع الإنفجار، فليفتحوا آذانهم جيداً،
ويصغوا جيداً، وليستعملوا عقولهم لفهم ما نقوله لأنه الطريق
الوحيد لخلاصهم ولا طريق لهم سواه.
إن التوصل الى حلول يفرض فهماً صحيحا لطبيعة المشاكل التي
يعاني منها اللبنانيون. إن تبسيط تلك المشاكل وحصرها في مسائل
ناشئة وطارئة، هو خبط في الظلام لا يمكن أن يكون منه أية نتيجة
إيجابية. فالكلام عن نزع سلاح حزب الله، وإكتشاف قتلة رفيق
الحريري من خلال إنشاء محكمة دولية، الى تشكيلات حكومية
مختلفة، هو كلام سطحي أن دلّ على شيء، فإنه يدلُّّ على أن
اللبنانيين لا يفهمون مشاكلهم، أو أنهم يتعمدون عدم فيهم تلك
المشاكل لأغراض في الأنفسٍ اليعقوبية.
لقد نشأت أحداث 1860، وأحداث 1958، وأحداث 1975 ولم يكن هناك
حزب الله ولا سلاح له، ولم يكن هناك رفيق حريري. صحيح أنه في
العام 1975 كان هناك سلاح فلسطيني، وصحيح أنه سقط خلال تلك
الأحداث أشخاص غير طارئين على السياسة، بل أن بعضهم نشأ من رحم
النضال المبكر كالراحل معروف سعد، لكن الصحيح أيضاً أن وجود
سلاحٍ بأيدي أية فئةٍ من الفئات له أسباب دفعت إليه، ومعالجة
هذه الامور تكون بمعالجة الاسباب الموجبة إليها.
ثم لماذا لم يهب الفرنسيون والأميريكيون وكل من إصطف معهم وصفق
لهم، للدعوة لإنشاء محكمة دولية عندما أغتيل كمال جنبلاط، أو
رشيد كرامي، أو طوني فرنجية، أو رينيه معوض، أو داني شمعون، أو
غيرهم كثيرون من اللبنانييين الذين عملوا في الحياة العامة،
حتى لا نذكر عشرات المجازر والمذابح التي إرتكبها مجرموا
الطوائف؟ لماذا يكون دم الحريري هو أغلى من دم كمال جنبلاط أو
رشيد كرامي؟ لا نسأل هذا السؤال لأنه لم يؤلمنا إهراق دم رفيق
الحريري أو أننا لا نريد إكتشاف قتلته، بل أننا نقول هذا
الكلام لكي نضع المسائل في نصابها الصحيح. إن الكذب والتكاذب
لا يؤديان الى حلول بل يعقّدان المشاكل ويقطعان الطريق على أية
حلول.
إن دماء رفيق الحريري، مثلها مثل سلاح الفلسطينيين، مثلها مثل
سلاح حزب الله، ومثل كل ما شابهها من مسائل، إنما تستغل من قبل
اليمين الأميريكي وأسيادهم الصهياينة. فاليهود والأميريكيون لن
يتوانوا عن إفتعال مشاكل أخرى في كل مرة يريدون تحقيق أهداف
معينة لهم. وهم لن يتوانوا في مرحلة قادمة أن يدعوا لإنشاء
محكمة دولية للنظر في إغتيال سعد الحريري أو غيره من الأشخاص
الذين يعتقدون أن إزالتهم من الطريق تساعدهم على تحقيق أغراضهم
الأمبرالية السادية المجرمة. في حال كهذه لن يكون عند جاك
شيراك سوى التباكي على صديقه وإبن صديقه، حيث ستزرف عيونه
الكثير الكثير من دموع العاهرات.
حان الوقت لكي يفهم اللبنانيون وأن يدركوا ويعوا!!
لقد حددنا في حلقة سابقة طبيعة المشاكل التي يعاني منها
اللبنانيون، لذلك لن نعود الى التطويل وتكرار تلك ما ذكرناه
سابقاً. لكننا هنا سنحاول إختصار تلك المشاكل بعناوين رئيسية
التي منها، ومنها وحدها، يمكن الإنطلاق الى حلول جوهرية،
تنتزعُ فتيلَ أيةِ فتنةٍ داهمة، وتقتلع من الجذور أسباب
الإنفجارات الدورية، التي لا تحمل للبنانيين سوى الموات
والخراب والدمار.
يمكن أن نحصر مشاكل اللبنانيين بما يلي:
·
فشلهم في تاسيس دولة الحقوق والواجبات بالتساوي لجميع
اللبنانيين
·
غياب الإرادة عند معظمهم لإنشاء مثل هذه الدولة
·
فشلهم في إنشاء قوة ذاتية لهم تكون العامل الأول في الدفاع عن
مصالحهم وحماية وطنهم.
·
فشلهم في التعامل بمسؤولية وإيجابية مع مسائل بيئتهم القومية،
والتعامل مع تلك المسائل بسياسة أشبه ما يكون بسلوك النعام
وغرس الراس في الرمال عند هبوب العواصف.
إن أسباب المشاكل التي تكلمنا عنها بإسهاب سابقاً، ما هي سوى
العناصر التي منعت إنجاز الدولة المواطنية التي هي للجميع بدون
تمييزٍ أو خلفياتٍ أو تبريراتٍ أو تكاذبٍ أو تعدٍّ من قبل أحد
على حقوق أحد.
هل فات اللبنانيين القطار وأصبح الوقت متأخراً
جداً لإنشاء مثل هذه الدولة؟
الجواب، ممكن أن يكون كلاّ! لكن هذه ال"كلاّ" مشروطة بما يلي:
·
إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تنشأ بعقليات مثل عقليات سمير
جعجع ووليد جنبلاط ومن والاهم وكثيرين ممن يعارضونهم. وإن كان
من حق الجميع أن يشارك في بناء الدولة شرط التخلي عن كوابيس
العقليات التي إعتمدوها في عملهم السياسي العام حتى الآن.
·
إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تكون دولة طائفية أو مذهبية، أو
دولة تحت أي عنوان من عناوين الطائفية والمذهبية، أو أن تكون
مجموعة "فيدراليات" طائفية أو مذهبية.
·
إن تمنع تلك الدولة رجال الدين من التدخل في السياسة منعاً
قاطعاً جازما. إما أن يكون المواطن رجل دين يخاف الله ويمارس
عبادة الله وإيمانه به، أو أن يختار أن يكون رجلاً سياسياً
علمانياً، يهتم بقضايا المجتمع والناس.
·
إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تكون دولة متفاهمة أو متعاونة
أو مهادنة للدولة العبرية.
·
إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تكون دولة مخاصمة لدول بيئتها
القومية أو منعزلة عنها أو منفلتةً من المشاركة معها في
مسؤولياتها القومية.
·
إن تلك الدولة لا يمكن أن تخضع لأي إرادة أجنبية مهما كانت
عاتية كمثل الإرادة الأميريكية/الصهيونية.
·
إن الدولة المنشودة دولة تقوم على الشفافية الديمقراطية التي
تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ولا توزّعُ فيها
المناصب على أساس محاصصة من اي نوع.
·
إن الدولة المنشودة تستنفر كل ما عندها من إمكانيات لبناء قوة
رادعة لها تستفيد من تجارب الحروب الأهلية ومن العمل المقاوم.
إن مثل هذا الحل وحده يكفل للبنانيين البدء من جديد ببناء
حياتهم ومستقبلهم، وعلى أساس هذا الحل وحده يستطيعون إستنفار
كل قواهم المقيمة والمغتربة، ويكسبون مصداقية تدفع جميع الدول
والشعوب الصديقة على مساعدتهم ودعمهم.
حسبنا أننا بلغنّا، أما الإهتداء، أما التعقل، أما الوعي، فهذه
مسائل يقررُّها اللبنانيون أنفسهم. |