لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

على حافة الإنهيار (1)

إلى أين يتجه اللبنانيون؟  الجواب بإختصار: الى الهاوية طبعا! إذ لم يعد يفصلهم عنها سوى مساحة صغيرة ضيقة.

صحيح أن الوضع في لبنان يمر في درجة الغليان وهو يقترب بسرعة من الإنفجار، لكننا وبالرغم من ذلك نؤكد وجود مساحة ضيقة يستطيع اللبنانيون إستعمالها لإلتقاط الأنفاس وتحكيم العقول ومراجعة الحسابات، لمنع حصول الإنهيار، الذي يحمل لهم كثيرا من الدمار والهلاك والموت، وينزل عليهم لعنات الأجيال ولعنات التاريخ.

ليس أمام اللبنانيين سوى مساحتين إثنتين يلجأون إليهما: المساحة الأولى هي مساحة واسعة من الهلاك والدمار والخراب والموت، يرضخون فيها لتحريض شهوات بعضهم، ولإثارة أحقاد بعضهم، وخضوعهم الى كثير من الإيحاءات الأجنبية والعدوة، ويطمرون فيها كل أحلامهم في مستقبل زاهر لهم ولأبنائهم من بعدهم.

 أما المساحة الثانية، فهي المساحة التي يمكن أن يلتقوا فيها، مجردين من تأثير شهواتهم وأحقادهم وجهلهم ورغباتهم المشبوهة، واضعين على بساط البحث جميع همومهم ومخاوفهم ومحاذيرهم وكل أفكارهم وآرائهم النابعة من ذواتهم، والبعيدة عن تأثيرات وإيحاءات ومخططات وتوجيهات أية جهات أجنبية أو عدوة.  ثم يعكفون على بحث كل شؤونهم ومسائلهم وكل ما يشغل بالهم، على ضوء المنطق والعقل وفهم الواقع التاريخي والواقع الإنساني، وجميع ضروريات الإجتماع الإنساني ومصاحباته.

ليس صحيحاً أن حروب لبنان الداخلية العبثية تنشأ بفعل الإرادات الأجنبية، بل بسبب غياب الإرادة الموحدة عند اللبنانيين أنفسهم وميوعة إراداتهم الإنقسامية وسهولة خضوعها للإرادة الأجنبية وتوجيهاتها.

فقدان الإرادة العامة عند شعب من الشعوب هي دليل على حالة التخلف والبدائية التي يمر فيها ذلك الشعب.  اللبنانيون ليسوا إستثناءً: إن إنعدام الإرادة العامة عندهم هي دليل على بدائيتهم وإنحلالهم وجهلهم.

إن تقدم شعب من الشعوب لا يقاس بعدد حملة الشهادات من أبناء ذلك الشعب، ولا بما يملكون من قصور ومنازل فخمة، ولا بما يقودون من أنواع السيارات، أو ما يتوفر لحياتهم من أسباب الراحة ووسائل التكنولوجيا وغيرها من تقديمات هذا العصر، بل إن تقدم أي شعب من الشعوب يقاس بمقدار ما عند ذلك الشعب من إرادة واحدة وجهوزية نفسية وعقلية تسمح له بإدراك حقائق حياته والتخطيط لمستقبله، والعمل بجد وتصميم لتنفيذ خططه وضمان مصالحه ومستقبله.

اللبنانيون يملكون القصور والبيوت والفنادق والمطاعم والمقاهي والسيارات، ويملكون أجهزة التلفزيون والفضائيات واجهزة الهاتف والكومبيوتر وكل نتاج العصر التكنولوجي، ولهم مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم، ولهم مكتباتهم وجرائدهم ومجلاتهم، وغير ذلك من متطلبات الحياة العصرية،  لكنهم بالرغم من جميع مظاهر الحياة العصرية هذه، يغرقون في حالة رهيبة من التخلف والجهل:

بين اللبنانيين عدد طاغٍ من الطائفيين والطوائفيين، والطائفية والطوائفية حالتان رجعيتان، متخلفتان،

بين اللبنانيين عدد طاغٍ من المذهبيين، والمذهبية حالة رجعية، متخلفة،

بين البنانيين عشائريون وقبليون، والعشائرية والقبلية حالتان رجعيتان، متخلفتان،

بين اللبنانيين كثيرٌ من الإنتهازيين والمستغلين، والإنتهازية والإستغلال حالتان رجعيتان، متخلفتان،

بين اللبنانيين كثيرٌ من الفرديين والأنانيين والمصلحيين، وهذا كلها حالات رجعية متخلفة،

بين اللبنانيين إنعزاليون، إنغلاقيون، ظلاميون، وهذه حالات في أساس التخلف والرجيعة.

ثم أن ليس الإنعزال بالضرورة والتحديد إنعزالاً كيانياً فقط، بل هو نزعة للإنفلات من الحياة المجتمعية والإنغلاق في حياة المذهب أو الطائفة أو الجماعة البدائية مهما كان نوعها. ثم أيضا أن الحالات المشار إليها آنفاُ، ليست محصورة في طائفة معينة أو مذهب معين أو مجموعة معينة، بل هي شامل لكل طوائف ومذاهب ومجموعات تقع تحت العنوان اللبناني!

هل يستطيع اللبنانيون الإنتقال من حالة التخلف الى حالة التقدم؟  هل يستطيعوا اللبنانيون أن يمنعوا عنهم كأس الموت والإنهيار؟  هل يستطيع اللبنانيون أن يعملوا لمستقبل أفضل لهم تسوده المحبة والإلفة والتعاون والإرادة الواحدة؟  هل يستطيع اللبنانيون أن يحولوا هزيمتهم الى إنتصار؟

الإحتمالات والأجوبة في مقالة لاحقة!

على حافة الإنهيار (2)

ما هي المشاكل والتحديات التي يواجهها اللبنانيون وعلى ماذا يختلفون؟

للإجابة على هذا السؤال، لا أرى فائدة من إستعمال عناوين عريضة، عامة؛ لذلك سأعمد الى التعريف بهذه المشاكل والتحديات والإختلافات بالدلالة المباشرة عليها، حتى يمكننا، في نهاية المطاف، من إقتراح حلول عملية لها، ووضع آلية مناسبة لتنفيذ وإنجاز تلك الحلول.

فيما يلي لائحة بالمشاكل والتحديات والخلافات التي نعتبرها في أساس إنهيار الوضع في لبنان، نوردها بدون ترتيب من حيث أهمية وتاثير كل منها على هذا الوضع.

·        غيابُ النظرةِ القوميةِ الواحدة،

·        غيابُ النظرةِ الكيانيةِ الواحدة،

·        الطائفيةُ والشكُّ والحذرُ والخوفُ عندَ كلِّ طائفةً من نياتِ وطموحاتِ وأهدافِ الطوائفِ الأخرى،

·        المذهبيةُ وصراعُ المذاهبِ وما يوجدُ عندها من كراهيةٍ وأحقادٍ تجاهَ بعضها بعضاً،

·        الصراعاتُ ضمنَ الطائفةِ الواحدة والمذهبِ الواحد،

·        هيمنةُ المتعصبينَ والمتطرفينَ من كلِّ طائفةٍ وكلِّ مذهبٍ على قراراتِ طوائفِهم ومذاهبِهم ودفعها بإتجاهاتٍ تعكسُ تعصبَّها وتطرّفَها،

·        فَشَلُ اللبنانيين في تأسيسِ دولةِ المواطنِ أو دولةِ المساواةِ بين المواطنين في الحقوق والواجبات، حيث إستبدلوا مثلَ هذه الدولة، بدولةِ المُحاصصةِ والمجاذبةِ والمُناتشةِ والتسوياتِ الفوقية،

·        إنعدامُ وجودِ نظامِ تربويٍ واحدٍ وتنشئةٍ وطنيةٍ واحدة، وترْكُ الأجيالِ الجديدةِ فريسةَ المذهبيين والطائفيين وما يغرقون فيه من ظلاميةٍ ورجعيةٍ وسلفية،

·        الفشلُ في إيجادِ مؤسسةٍ عسكريةٍ مستقلةٍ عن مجاذبات الطوائفيين، ومتماسكةٍ بشكلٍ يحفظُها من الإنهيار تحتَ أي ظرف من الظروف القاسية، تملك قوةً تقريريةً في الأحداث المفصلية،

·        ميلُ غالبيةِ الشبابِ المتعلم الى التعايش مع الواقع المذهبي والطائفي والإحتماءِ في ظلِّه من أجل إستجداء وظيفة أو مصلحة من أي نوع، والإنجرافِ الغريبِ مع هذا الواقع بحيثُ يقعُ هذا الشباب ضحيةَ ردّاتِ فعلٍ جاهلةٍ وموتورةٍ تجاهَ أيّ حادثٍ من الأحداث، وذلك بدون تدقيقٍ أو تحقيقٍ او إزعاجِ النفس في التأمّلِ والبحثِ عن الحقائق والأسباب التي تقف وراء هذا الحادث أو ذاك،

·        ضعفُ العلمانيين وإنغلاقُهم على أنفسهم وإكتفاؤهم بنقد المجتمع الطائفي من بعيد، بَدَلَ أن يطحشوا لمقارعةِ الطائفيين ومواجهتِهم في كل معتركاتِ ومجالاتِ الحياة المجتمعية العامة،

·        إسترخاءُ الأحزاب العلمانية في الأوقات العادية، وفشلها في وضع وتنفيذ خطط تخدم غاياتها الإساسية الكبيرة، وإستبدالها بتحالفاتٍ ظرفيةٍ تافهة، تحقق من خلالها بعضَ مصالحٍ شخصيةٍ لأفرادٍ منها على حساب تضحيات مواكب صفوفها النضالية المؤمنة ومواكب الشهداء فيها،

·        هجرةُ الشبابِ من لبنان تحت ضغوطِ إنعدامِ فرصِ العمل هناك، وطلباً لبناء مستقبل افضل لهم،

·         الأغتصابُ اليهودي لفلسطين وأطماعه في بقية أرضنا ومصالحنا، والإصرار على حماية أمن الدولة العبرية من خلال تخريب الأمن في لبنان وفي جميع كيانات وطننا على مدى الهلال السوري الخصيب،

·        الأطماع الأجنبية عامة، والغربية خاصة، والأميركية بالأخص، في موارد الطاقة في الشرق الأدني والأوسط وما وراءهما، والتحالف الكامل والشراكة الكاملة مع المخططات الصهيونية، ومساعدتها على تحقيق أهدافها ضدنا،

·        إنزلاقُ الطوائفيين والمذهبيين والمصلحيين الى الوقوع في الأحضان الصهيونية والغربية، للإستقواء على أخصامهم الداخليين، متوهمين أن بإمكانهم من خلال عمالتهم وخيانتهم وخضوعهم للإرادة الصهيونية، أن يمسكوا بمقدّرّات الشؤون اللبنانية وتنصيبً أنفسهم أسياداً على لبنان وعامة اللبنانيين،

·        فشلُ حكوماتِ الكياناتِ السورية الأخرى وجميعِ أنظمتها المختلفة من تقديم نموذج جيد او مقبول يمكن للبنانيين أن يقتدوا به إو ينجذبوا إليه.

ماذا في تفاصيل هذه المشاكل والتحديات والخلافات؟

الجواب في مقالة لاحقة.

على حافة الإنهيار (3)

ليس عند اللبنانيين نظرة واحدة الى الهوية القومية.  أكثر من ذلك، إن معظمهم يبنون ما يعتقدونه من نظرات قومية لهم، على مشاعر عصبية مختلفة من دينية وطائفية ومذهبية، نشأت وترسّخت عندهم في فترات من فقدان السيادة القومية وما رافق تلك الفترات من ظلم الأجنبي لكل الشعب، وظلم فئات الشعب لبعضها بعضاً، بإسم الدين مرة وبإسم المذهب وغيره من العصبيات الجزئية، مرات ومرات.

بينما تمحور الشعور القومي عند شعوب العالم المتقدمة حول دورات الحياة الطبيعة لتلك الشعوب، وتاسس مثل ذلك الشعور عند كل منها على أساس إشتراك الشعب الواحد في الحياة الواحدة، يحاول معظم اللبنانيين إن يفسلفوا تشرنقاتهم وإنغلاقاتهم، بسلسلة من التُرهات التي لا علاقة لها بالحياة القومية أو علم الإجتماع.

ثم أن التشرنق والإنغلاق لا يقتصر على فئات من المسيحيين، بل أنه يشمل جميع الطوائف والمذاهب الأخرى.  ذلك أن هناك ميولٌ قويةٌ عند القوى المتسلطة في كل طائفة، نحو الإنعزال، وذلك لإعتقادها بحق، أن أي نوع من أنواع الوحدة الوطنية أو القومية، هو تهديد لما تتمتع به من إمتيازات، التي لا بد أن تخسرها في وجود أي مشروع قومي أو وطني.

  ليس غلاةُ الموارنه ومن يؤازرهم أكثرَ إنعزالية وإنغلاقاُ من غلاة الدروز.  وليست إنعزالية الموارنه أو الدروز أشدَ وأفتك من إنعزالية السنة، التي غالباً ما ظهرت تحت شعارات إنفلاشية، وترجمت في أعمالٍ مدمرةً للمستقبل القومي، لم تكن لتحصل بدون تعاون الإنعزالية السنية اللبنانية مع الإرادة الأجنبية، وسهولة رضوخها لتلك الإرادة.  مثلنا الصارخ الأول على هذا الأمر هو إغتيال سعاده، الذي لم يكن ممكنا أن يحصل لو لم يكن رياض الصلح الأداة الأولى في يد المؤامرة البشعة والمذهلة.

واللبنانيون غير متفقينَ على الكيانية أيضاً! وهم أيضاً لا يفهمون الكيانية سوى من خلال إنغلاقهم وتشرنقهم ضمن الطوائف والمذاهب والعصبيات الجزئية. بالنسبة لبعض منهم، لا يهم أن يكون الكيان اللبناني ممتداً من النهر الكبير شمالاً، الى حدود الإغتصاب الصهيوني لعام 1948 ومن البحر غرباً الى المصنع شرقاً، أو أن يكون ذلك الكيان ممتداُ من نهر البارد شمالاً، الى نهر الليطاني جنوباً، ولا بأس من التنازل عن بضعة كيلو مترات شرقاً او غرباً أو أي إتجاه من الإتجاهات. فالكيانية عندهم هي لا أكثر من كيانية مصالح الطوائفيين والمذهبين ولا علاقة لها بمفهوم آخر للكيان وللوطن. وكل ما ينطبق على هذا البعض، ينطبق على بقية المجموعات الطوائفية والمذهبية والمصلحية.

لم تنتطلق فكرة الكيان اللبناني بسبب مبررات إثنية وجغرافية، إذا أن الواقع والعلم يسفّهان بشكل قاطع أيةِ تخرّصات من هذا النوع.  وهي لم تنطلق فقط من عوامل القهر والظلم والخوف التي عانت منها الأقليات الدينية والمذهبية من الأكثرية المذهبية، ومن حكم إستبدادي عثماني بإسم الدين، بل هي فكرة بعثها المستعمر المحتل الذي أدرك أهميةَ عزفِه على أوتار الخوف والحقد عند مختلف المجموعات الطائفية والمذهبية.  وهي طبعا قد لاقت آذانا صاغية عن جميع المتسلطين ضمن تلك المجموعات المذكورة.

إن فكرة الكيان اللبناني لم تستطع أن توحّد اللبنانيين حولها، ولم يمكنها أن تلغي عوامل الخوف والأحقاد والكراهية التي تضمرها كل طائفة للطوائف الأخرى أو كل مذهب للمذاهب الأخرى.  لذلك لم يكن الإلتقاء على فكرة الكيان من أجل بناء دولة تتساوى فيها حقوق الأفراد والجماعات، وتبنى على المحبة والشعور بالمسؤولية الكيانية والوطنية، بل كان إلتقاء حول تناتش وتناهب ما توفّر من المصالح، في علميات سادها التكاذب والحقد والكراهية والتشاطر والتذاكي حيناً، والإستعلاء والإستقواء، أحياناً أخرى.

لذلك، فعندما كان يحصل أيُ خلل في عملية التناتش والمحاصصة، وفي ظلّ أية ظروف أو أوضاع دوليٍة أو قومية عامة مناسبة للإنفجار أو  مُشَجّعة له، إنفجر الوضع في لبنان، ليولّدَ من الأحقاد والكراهيات الظاهرة والمكبوته، أعمالَ قتلٍ وتقاتلٍ إجراميين، عبثين، مع ما يرافقهما من مجازر بربرية رهيبة ومريعة.  في هذه الأجواء، يصبح الجيران الذين كانوا يحتسون القهوة أو يتناولون وجبات الطعام مع بعضهم بعضا بالأمس، أعداءً يتسابقون ويتبارون في إرتكاب الأعمال الإجرامية الخسيسة بحق بعضهم بعضاً.

 إن كل الكلام شهدته الساحة اللبنانية منذ عام 1943 عن الوحدة الوطنية وما شابهها من معنى، إنما كان كلاماً فارغاً ليس له مدلول حقيقي على أرض الحقيقة والواقع.  إذا أن المجموعات اللبنانية على إختلافها، لم ترد أن تعطي للكيان فرصته العملية، بتأسيس وحدة وطنية تتعاطى مع الواقع بفهم واضح وعقلانية مدركة  شفّافة، كفيلةً بأن تولّدُ إرادة واحدةً عند اللبنانيين، بحيث يتكاتفون ويتعاونون في عملية البناء وحماية الوطن، ويرفضون جميعاً الوقوع في براثن الأعداء وما لهم من مشاريع وخطط وأطماع. 

لم يرفض أنطون سعاده فكرة وجود مبررات من نوع ما لإنشاء الكيان اللبناني، رغم إقتناعه أن إنشاء ذلك الكيان لم يكن ضرورياً.  فإذا كانت هناك مسائل مثل العلم والثقافة والحرية الفردية والديمقراطية، وهي من الشعارات التي رفعت من أجل تسويقِ الكيان اللبناني، ناهيك عن عوامل الخوف والظلم التي أشرنا إليها سابقا، بررت نشوء الكيان اللبناني، فلا شيء يمكن تبرير أن يكون ذلك الكيان شوكة في خاصرة الوطن القومي أو ممراً الى الإعتداء والحرب عليه.  وهو لا يعني إطلاقاً إنفلاتاً من المسؤولية القومية.

ربما كانت المسألة القومية هي أحد الأسباب الرئيسية الأولى، التي ساهمت في إشعال فتيل الأحداث العبثية كل مرة كان يتعرض فيه نظام المناتشة والمحاصصة الى خلل من أي نوع. لكننا هنا، وبالرغم من تحميلنا الطوائفيين والمذهبين والمصلحيين اللبنانيين من المتاجرة بهذه المسألة وتحقيق ما يمكن أن يحققوه لإشخاصهم من مصالح، في الوقت الذي كان يمكنهم أن يقودوا فيه عملية النهوض القومي، فإننا نحمّل الإنظمة العربية قاطبة، وبصورة خاصة أنظمة الكيانات السورية، وبالأخص، النظام المصري، ناصرياً كان أو ساداتياً أو كل من أتى بعدهما.  كان يمكن أن يكون حكم عبد الناصر المنطلق العملي لتحقيق مصالح العالم العربي قاطبة،  لو توفر عنده فهما إستراتيجياً حقيقياً ومعرفة دقيقة في علمية النهوض القومي، وعملية بناء الأوطان وتحصينها.  على العكس من ذلك، فإن عقلية تلك المرحلة، قد نقلتنا كل مرة من نكسة الى آخرى، حيث كانت كلٌّ هذه النكاسات، تزيد من إنهيار وضعنا القومي، وتلقي بظلِّها الثقيل على الوضع في لبنان بصورة خاصة.

إن ما لا يدركه كثيرٌون من قيادات الطوائفيين والمذهبيين والمصلحيين في لبنان، أن محاولة تغطية شهواتهم ورغباتهم وطموحاتهم، تحت شعار الإنفلات من المسألة القومية، ومحاولة عزل لبنان وفصله عن المسألة الفلسطينية، إنما هي وهم قاتل لن يؤدي سوى الى مزيد من الخراب والدمار والمجازر، وأنه ستقضي على كل ما عندهم من مصالح وتطلعات، دون أن توفّرَ أحداً على حساب أحدٍ.

لذلك يصيبنا الهلع الكبير والخوف العظيم ونحن نرى تلك القيادات الطوائفية، التي بنت لنفسها خبرات كبيرة في الإجرام والتقتيل والعمالة وخيانة بعضها بعضاً الى جانب خيانتها الشعب والوطن، مدعومة من ثرواتٍ مشبوهة، تجتمع كلّها تحت مظلةِ الصهيوني/الأميركي/الفرنسي. ذلك أن هذا النوع من الإستظلال يُعمي العيونَ ويُغلقُ البصائر ويعطّلُ أعمال العقول، فلا يرى هؤلاء معه سوى مصالحهم الواعدة،  فلا يحصدون بالنهاية منه سوى الإنتحار والموت.  إن هؤلاء، بفشلهم برؤية الواقع على حقيقتهم، وإستمرارهم في الإنزلاق في المخططات الصهيونية/الأميركية، إنما يرتكبون جريمة نكراء لم ير تاريخنا لها مثيلاّ من قبل، ويصعب أن نتصور لشعبنا وجودا آخراً ليشهد مثلها من بعد.  إنها ستكون جريمة فظيعة بحق الشباب والكهول والأطفال وكل الناس من كل الأعمار في كل أجيالها الحاضرة والقادمه.  إنها ستكون جريمة هائلة، مريعة، بحق شعبنا، كل شعبنا، لأنه لن يبقى لنا شعب.

إننا نتوجه الى الشباب في لبنان، بصورة خاصة، لنقول لهم أنكم أنتم ستكونون وقود الإقتتالات العبثية المستقبلية، وأنتم ستكونون نارها ورمادها! إن الذين يحرضونكم محاولين تعطيل مدارككم، ويشعلون قلوبكم بالحقد والكراهية، إن هؤلاء، لهم دائماً، أبواب خلفية يهربون منها هم وعائلاتهم، لكنكم أنتم ليس لكم مهرب أو ملجأ أو خلاص سوى تحكيم عقولكم ورفضكم الإنصياع الى تحريض المحرضين، وأحقاد الحاقدين.

كيف نرى الخلاص في لبنان، وما هي آلياته؟

الجواب في مقالة لاحقة!

على حافة الإنهيار (4)

إن البحث عن فرص وقف التدهور في لبنان وإمكانية منع الإنفجار فيه، إنما هو كالبحث عن أبرة صغيرة في أرض وعرة وظلام دامس.  لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن العثور على تلك الأبرة بالرغم من وعورة الأرض وصعوبة الرؤية. 

بالرغم من كل الصورة القاتمة، وكل ما حصل حتى الآن، يستطيع اللبنانيون إذا ما لجموا شهواتهم الهائجة ورغباتهم الجامحة، وإذا ما دفنوا أحقادهم المتفجّرة، ثم إذا ما إعتمدوا على أنفسهم، وأستعملوا عقولهم المعطّلة، وأيقظوا ضمائرهم النائمة، وأطلقوا كراماتهم المهدورة، فهم إذا ما إتجهوا مثل هذا الإتجاه، يمكنهم، بدون شك، وقف التدهور أولاً ومن ثمَّ، القضاء على كل ما يهدد مستقبلهم من أخطار داخلية.

لا يمكن أن يبحث أي حل للوضع في لبنان من ضمن عقلية الطوائف والطوائفيين، والمذاهب والمذهبيين، ولا من ضمن الأنانيات والمصالح الفردية.  إن أي حل عملي يمكن له أن يثبت ويستمر ويحقق الغرض المطلوب لا يمكن إلا أن يكون من خلال عقلية عامة، تنظر الى اللبنانيين كشعب واحد، له مصالح واحدة ومستقبل حر واحد.

لا نستطيع أن نضع حلاً لمشاكل اللبنانيين من خلال تداولات وتخطيطات غلاة الطائفيين المسيحيين، وما يحملونه من أحقاد وشهوات ورغبات، ولا نستطيع أن نضع حلاً لهذه المشاكل من خلال تداولات وتخطيطات المسيطرين على الوضع الطائفي الدرزي وما عندهم من أحقاد وشهوات ورغبات، ولا نستطيع أن نضع حلاً لمشاكل اللبنانيين من خلال الوظيفة التي يؤدّيها الطارئون على الساحة السنية والمسيطرون عليها عبر ما يملكونه من ثروات، ومن خلال تحويه هذه  الساحة من جيوب ظلامية، سلفية، رجعية.

إذا أراد اللبنانيون منع الإنفجار، فليفتحوا آذانهم جيداً، ويصغوا جيداً، وليستعملوا عقولهم لفهم ما نقوله لأنه الطريق الوحيد لخلاصهم ولا طريق لهم سواه.

إن التوصل الى حلول يفرض فهماً صحيحا لطبيعة المشاكل التي يعاني منها اللبنانيون. إن تبسيط تلك المشاكل وحصرها في مسائل ناشئة وطارئة، هو خبط في الظلام لا يمكن أن يكون منه أية نتيجة إيجابية.  فالكلام عن نزع سلاح حزب الله، وإكتشاف قتلة رفيق الحريري من خلال إنشاء محكمة دولية، الى تشكيلات حكومية مختلفة، هو كلام سطحي أن دلّ على شيء، فإنه يدلُّّ على أن اللبنانيين لا يفهمون مشاكلهم، أو أنهم يتعمدون عدم فيهم تلك المشاكل لأغراض في الأنفسٍ اليعقوبية.

لقد نشأت أحداث 1860، وأحداث 1958، وأحداث 1975 ولم يكن هناك حزب الله ولا سلاح له، ولم يكن هناك رفيق حريري.  صحيح أنه في العام 1975 كان هناك سلاح فلسطيني، وصحيح أنه سقط خلال تلك الأحداث أشخاص غير طارئين على السياسة، بل أن بعضهم نشأ من رحم النضال المبكر كالراحل معروف سعد، لكن الصحيح أيضاً أن وجود سلاحٍ بأيدي أية فئةٍ من الفئات له أسباب دفعت إليه، ومعالجة هذه الامور تكون بمعالجة الاسباب الموجبة إليها.

ثم لماذا لم يهب الفرنسيون والأميريكيون وكل من إصطف معهم وصفق لهم، للدعوة لإنشاء محكمة دولية عندما أغتيل كمال جنبلاط، أو رشيد كرامي، أو طوني فرنجية، أو رينيه معوض، أو داني شمعون، أو غيرهم كثيرون من اللبنانييين الذين عملوا في الحياة العامة، حتى لا نذكر عشرات المجازر والمذابح التي إرتكبها مجرموا الطوائف؟  لماذا يكون دم الحريري هو أغلى من دم كمال جنبلاط أو رشيد كرامي؟  لا نسأل هذا السؤال لأنه لم يؤلمنا إهراق دم رفيق الحريري أو أننا لا نريد إكتشاف قتلته، بل أننا نقول هذا الكلام لكي نضع المسائل في نصابها الصحيح.  إن الكذب والتكاذب لا يؤديان الى حلول بل يعقّدان المشاكل ويقطعان الطريق على أية حلول.

إن دماء رفيق الحريري، مثلها مثل سلاح الفلسطينيين، مثلها مثل سلاح حزب الله، ومثل كل ما شابهها من مسائل، إنما تستغل من قبل اليمين الأميريكي وأسيادهم الصهياينة. فاليهود والأميريكيون لن يتوانوا عن إفتعال مشاكل أخرى في كل مرة يريدون تحقيق أهداف معينة لهم.  وهم لن يتوانوا في مرحلة قادمة أن يدعوا لإنشاء محكمة دولية للنظر في إغتيال سعد الحريري أو غيره من الأشخاص الذين يعتقدون أن إزالتهم من الطريق تساعدهم على تحقيق أغراضهم الأمبرالية السادية المجرمة. في حال كهذه لن يكون عند جاك شيراك سوى التباكي على صديقه وإبن صديقه، حيث ستزرف عيونه الكثير الكثير من دموع العاهرات.

حان الوقت لكي يفهم اللبنانيون وأن يدركوا ويعوا!!

لقد حددنا في حلقة سابقة طبيعة المشاكل التي يعاني منها اللبنانيون، لذلك لن نعود الى التطويل وتكرار تلك ما ذكرناه سابقاً.  لكننا هنا سنحاول إختصار تلك المشاكل بعناوين رئيسية التي منها، ومنها وحدها، يمكن الإنطلاق الى حلول جوهرية، تنتزعُ فتيلَ أيةِ فتنةٍ داهمة، وتقتلع من الجذور أسباب الإنفجارات الدورية، التي لا تحمل للبنانيين سوى الموات والخراب والدمار.

يمكن أن نحصر مشاكل اللبنانيين بما يلي:

·        فشلهم في تاسيس دولة الحقوق والواجبات بالتساوي لجميع اللبنانيين

·        غياب الإرادة عند معظمهم لإنشاء مثل هذه الدولة

·        فشلهم في إنشاء قوة ذاتية لهم تكون العامل الأول في الدفاع عن مصالحهم وحماية وطنهم.

·        فشلهم في التعامل بمسؤولية وإيجابية مع مسائل بيئتهم القومية، والتعامل مع تلك المسائل بسياسة أشبه ما يكون بسلوك النعام وغرس الراس في الرمال عند هبوب العواصف.

إن أسباب المشاكل التي تكلمنا عنها بإسهاب سابقاً، ما هي سوى العناصر التي منعت إنجاز الدولة المواطنية التي هي للجميع بدون تمييزٍ أو خلفياتٍ أو تبريراتٍ أو تكاذبٍ أو تعدٍّ من قبل أحد على حقوق أحد.

هل فات اللبنانيين القطار وأصبح الوقت متأخراً   جداً  لإنشاء مثل هذه الدولة؟

الجواب، ممكن أن يكون كلاّ!  لكن هذه ال"كلاّ" مشروطة بما يلي:

·        إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تنشأ بعقليات مثل عقليات سمير جعجع ووليد جنبلاط ومن والاهم وكثيرين ممن يعارضونهم. وإن كان من حق الجميع أن يشارك في بناء الدولة شرط التخلي عن كوابيس العقليات التي إعتمدوها في عملهم السياسي العام حتى الآن.

·        إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تكون دولة طائفية أو مذهبية، أو دولة تحت أي عنوان من عناوين الطائفية والمذهبية، أو أن تكون مجموعة "فيدراليات" طائفية أو مذهبية.

·        إن تمنع تلك الدولة رجال الدين من التدخل في السياسة منعاً قاطعاً جازما.  إما أن يكون المواطن رجل دين يخاف الله ويمارس عبادة الله وإيمانه به، أو أن يختار أن يكون رجلاً سياسياً علمانياً، يهتم بقضايا المجتمع والناس.

·        إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تكون دولة متفاهمة أو متعاونة أو مهادنة للدولة العبرية.

·        إن الدولة المنشودة لا يمكن أن تكون دولة مخاصمة لدول بيئتها القومية أو منعزلة عنها أو منفلتةً من المشاركة معها في مسؤولياتها القومية.

·        إن تلك الدولة لا يمكن أن تخضع لأي إرادة أجنبية مهما كانت عاتية كمثل الإرادة الأميريكية/الصهيونية.

·        إن الدولة المنشودة دولة تقوم على الشفافية الديمقراطية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ولا توزّعُ فيها المناصب على أساس محاصصة من اي نوع.

·        إن الدولة المنشودة تستنفر كل ما عندها من إمكانيات لبناء قوة رادعة لها تستفيد من تجارب الحروب الأهلية ومن العمل المقاوم.

إن مثل هذا الحل وحده يكفل للبنانيين البدء من جديد ببناء حياتهم ومستقبلهم، وعلى أساس هذا الحل وحده يستطيعون إستنفار كل قواهم المقيمة والمغتربة، ويكسبون مصداقية تدفع جميع الدول والشعوب الصديقة على مساعدتهم ودعمهم.

حسبنا أننا بلغنّا، أما الإهتداء، أما التعقل، أما الوعي، فهذه مسائل يقررُّها اللبنانيون أنفسهم.