لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

الحقيقة بدءا من لبنان (1)

نقلاً عن جريدة الديار 14/1/2006

في 14 شباط 2005 حصل اغتيال الرئيس رفيق الحريري على يد جهة عالية الإحتراف وبموادّ ‏وتقنيات متقدمة جداً التبست على أهم الأخصائيين. هذا في لبنان.‏

في واشنطن وفي الأسبوع نفسه، دارت أعنف المعارك الداخلية في المؤسسات العليا حول موضوع ‏‏«العمليات الخاصة» في الخارج، التي كانت تقوم بها عصابة البنتاغون من دون علم السفير ‏الأميركي في البلد مسرح العملية. ومن المعروف أنّ «العمليات الخاصة» هذه هي من النوع الذي ‏يشمل عملية اغتيال الرئيس الحريري.‏

في 24 شباط 2005، خرجت أخبار ذلك القتال الداخلي إلى العلن وتناقلته الصحف الأميركية. ‏السيد أرميتاج، الشخص الثاني في وزارة الخارجية، وغيره من المسؤولين، عددوا الجرائم ‏الموصوفة التي كانت تقوم بها عصابة البنتاغون في بلدان العالم. ونظراً لخطورة القضية، قرّر ‏السيد أرميتاج أن يخوض مع العصابة حرب موت أو حياة.‏

وفي خلال الأسابيع التي تلت ذلك، حُسِمت الأمور لمصلحة العصابة التي تمكنت من إبعاد معارضيها ‏في وزارة الخارجية ومن تعزيز موقع رجالاتها فيها وفي مراكز القرار الأخرى. فذهب السيد ‏أرميتاج إلى بيته وتعزز موقع السيد دافيد ساترفيلد، وهو رجل العصابة في وزارة الخارجية ‏وعميل إسرائيل في الإدارة العليا الأميركية كما تبيّن لاحقاً، وأُطلقت يده في منطقتنا.‏

وفي نهاية تلك الأسابيع الفاصلة، أي في النصف الثاني من شهر آذار 2005، بدأ مسلسل ‏التفجيرات في لبنان بثلاثة تفجيرات متلاحقة لا يفصل بينها إلا بضعة أيام، كان من شأنها أن ‏تصبّ الزيت على الوضع السياسي المشتعل وأن تفاقم في الحالة الإستقطابية.‏

بعد تلك التفجيرات وفي حمّاها، وربما بسببها، قرّر السفير الأميركي في لبنان، السيد فيلتمان، ‏أخذ إجازة لمدة ثلاثة أسابيع بحجّة «أسباب شخصية» فغادر لبنان في 23 آذار، قبل أن يأتي ‏السيد ساترفيلد في 27 آذار، ليقول الأمور بنفسه.‏

منذ ذلك التاريخ والتفجيرات والإغتيالات تتلاحق مع تلاحق الأزمات السياسية، وبوتيرة تتوافق ‏مع وتيرة صعود هذه الأزمات واستكاناتها. وقد قيل، بحق، في هذه التفجيرات والإغتيالات أنها ‏ذات مصدر واحد وأنها تتصل بعملية اغتيال الرئيس الحريري.‏

وما يزيد في الريبة، أنّ الساحة اللبنانية شهدت هذه العمليات في الوقت الذي باتت تعج ‏بالأجهزة الأميركية السرية والعلنية التي يشرف على إدارتها السيد ساترفيلد من قرب أو من ‏بُعد. فيما تبقى هذه العمليات مجهولة الفاعل حتى الآن، من دون أن يظهر خيط واحد لعملية ‏واحدة على الأقلّ.‏

وتزداد الريبة أكثر فأكثر وتقترب من حد اليقين، حين تخرج الصحف الأميركية بأنّ ساترفيلد ‏جاسوس إسرائيلي، وهو مصدر المعلومات لشبكة التجسس الإسرائيلية. ولعلّ هذا ساعد على ‏تعيينه في العراق بدلاً من أن يمنع ذلك. ووزارة العدل التي أفتت بأهليته، يرأسها زميل له ‏في العصابة سبق له أن أفتى بشرعية عمليات

التعذيب في السجون.‏

في عودة إلى شهر شباط 2005، نسأل: ما الذي يجمع شباط اللبناني بنظيره الأميركي؟ وهل كان ‏من باب الصدفة أن يلتقيا على الموضوع ذاته: تشتعل بيروت بعملية استثنائية في اليوم ‏نفسه الذي يحتدم فيه الشجار حول العمليات الخاصة في الدوائر العليا في واشنطن؟ وهل كان ‏من باب الصدفة أن يخرج السيد أرميتاج إلى الصحافة فيقول ما قاله عن الجرائم الموصوفة ‏التي ترتكبها العصابة في بلدان العالم، بعد تسعة أيام تماماً من عملية بيروت، وفي اليوم ‏ذاته (23 شباط) الذي ضربه الرئيس بوش لتسلّم ملف العمليات الخاصة للبت فيه؟ ألا ‏يستوقفنا أن تستبق عملية بيروت موعد القرار في واشنطن في شأن العمليات الخاصة، فتضع ‏مراكز القرار أمام الأمر الواقع؟ وفي الخلاصة الأخيرة، هل كان القصد من الإغتيال إصابة ‏عصفورين بحجر واحد: تأمين تطبيق القرار 1559 في بيروت وتأمين إستصدار قرار «العمليات ‏الخاصة» في واشنطن؟

تجاوزاً لشهر شباط ولجريمة اغتيال الرئيس الحريري، أو انطلاقاً منهما، نتوقف عند وضع لبنان ‏بعامّة وموقعه في المشروع المتقدم في المنطقة. تحوّل لبنان، بسحر ساحر، إلى موضوع الساعة في ‏العالم كله. في السياسة الأميركية، وفي الأمم المتحدة، وفي الصحف والإذاعات والتلفزيونات. ‏ومن المقلق أن تتزايد أزمات لبنان مع تزايد هذا «الإهتمام» به، وأن يزداد مصير لبنان ‏غموضاً كلما ازداد المشروع الدولي في المنطقة وضوحاً. لكنّ هذا الغموض آنيّ لن يصمد طويلاً ‏أمام الحقائق المرّة. فلبنان، في المشروع الحربي القائم، مقصود بذاته في المقام الأول. فهو ‏مقرّ للمشروع قبل أن يكون ممراً له إلى الجوار.

الحاجة إليه كممرّ هي من المتغيرات، أما كونه ‏مستهدفاً في ذاته فهو الثابت. ولعلّ خصوصية لبنان التي يتغنى بها كمصدر أمان له من دون أن ‏يتسلح بها بالفعل، هي بالذات مصدر الخطر عليه، لأنّ هذه الخصوصية من شأنها أن تبطل ‏‏«العمومية» التي رسمها المشروع الحربي الأميركي - الإسرائيلي للمنطقة بكاملها. من هنا نقول ‏إنّ عملية الإغتيال كان دافعها اغتيال لبنان. وكان على المحققين في هذه الجريمة أن يضعوا ‏هذا الدافع في المقدمة أو، على الأقلّ، بين الفرضيات والإحتمالات التي تتوجب متابعتها. لكن ‏التحقيق استبعد سلفاً هذا الدافع الأساس وانصرف كلياً إلى خيوط الأدوات المحلية والإقليمية. ‏مع أنّ هذا لا يمنع ذاك، بل يستوجبه. فالمايسترو

غير الأدوات. والمايسترو، هنا، قوة عظمى ‏تجتاح العالم بمشروع حربي ينذر ويهدد جميع الأطراف بتغيير خريطة حياتهم. فمايسترو على هذا ‏المستوى لا تنقصه أدوات في أعلى المستويات الإقليمية والمحلية تقف بدورها على هرم من ‏الأدوات والوسائل. ما يمنح المايسترو القدرة على تنفيذ عملياته بأدوات محسوبة على أطراف ‏أخرى. بذلك يستطيع المايسترو أن يتخفى، لكن مشروعه الإجرامي يدل عليه. فلو أنّ لجنة ‏التحقيق وضعت فرضية اغتيال لبنان من بين فرضياتها على الأقل، لما فاتها الآن مشهد المايسترو ‏وهو يتابع جريمته ويستكملها.‏

جريمة اغتيال لبنان لم تكتمل فصولاً. وهنا أعود إلى السيد دافيد ساترفيلد. فهو يجمع بين ‏يديه ملف المنطقة، وهو خبير فيها، ومسؤولية العمل الميداني، وهو الخبير في إدارة ‏‏«العمليات الخاصة». إنه الآن، رسمياً، الشخص الثاني في السفارة الأميركية في العراق، إلا أنه ‏يدير أهمّ «مختبر» عملياتي قابل للتصدير الى المنطقة. وهذا موضوع في غاية الخطورة يستوجب ‏العودة إليه. لن أتكلم هنا عن هذا الموضوع إلا في حدود

ما يتعلق منه بلبنان.‏

قلنا إنّ هذا الرجل خبير في «العمليات الخاصة»، وهو مصطلح معروف يعني عمليات سرية مهمتها ‏مساندة

العمليات الرئيسية. لكنها الآن جيش العصابة السري في العالم، وهي في العراق ‏القوة الأولى المقررة، فيما تحوّل الجيش الرسمي الى قوة مساندة لها. علماً أنّ هذا الجيش الرسمي ‏نفسه اخترقته العصابة بعقيدتها الحربية وبعناصرها الذين وضعتهم في مراكز القرار والإمرة. ‏وفي العراق الآن ما يزيد على خمسين ألف عنصر لهذا الجيش السري ومعظمهم من المجرمين المحترفين ‏يؤتى بهم تحت أسماء مختلفة، منها المرتزقة، والشركات الأمنية الخاصة، وقيادات الميليشيات، ‏وغير ذلك. وهم يستعينون بمئات الآلاف من العناصر المحلية. ويقومون بعملياتهم بإسم جميع ‏الأطراف ما عدا إسم أميركا.‏

ما يتعلق بلبنان في هذا الموضوع، هو أنّ عدداً من الشبان اللبنانيين هم الآن في العراق ‏يخضعون لدورات تدريبية وتستخدمهم العصابة في عمليات «تطبيقية». ونحن نعرف أنّ مهمة جيش ‏العصابة السري في العراق تقوم على أمرين: القيام بعمليات وتشكيل ميليشيات. ولعلّ ‏العصابة تريد تصدير النموذج العراقي الذي أنشأته، فهي حلت الجيش وادعت بناء القوى ‏الأمنية فيما كانت تقوم بتدريب الميليشيات وبتمويلها وتسليحها حتى صارت الميليشيات ‏الطائفية هي القوة الأمنية الرئيسية على ارض الواقع. ولعل ساترفيلد يرعى مباشرة ‏موضوع اللبنانيين هناك. فتكون مهمته في لبنان لم تنته بعد. هذا الكلام يأتي في سياق ‏قولنا إن جريمة اغتيال لبنان لم تكتمل فصولاً بعد. فهل يسمح اللبنانيون للعصابة أن تحوّل ‏لبنان إلى نموذج ثالث عن الشرق الأوسط الكبير بعد نموذجي فلسطين والعراق؟ أم أنهم سيقاومون ‏عصابة الشر ويكشفون للعالم بأسره الحقيقة حول اغتيال لبنان واغتيال المنطقة بكاملها، ‏فيكون لهم شرف كشف الحقيقة وشرف تعميم المقاومة في منطقتنا بدءاً من لبنان؟

إننا نضع ما تقدم بين يدي النيابة العامة التمييزية ونطلب ضمه إلى ملف التحقيق، آملين ‏أن تجد فيه مادة أولية كافية لإخراج تحقيق اللجنة الدولية من واحدية الإتجاه، وهو مسلك ‏غريب من جهتها ويطعن في مصداقيتها فضلاً عن أنه مسلك خاطئ قد يحرم التحقيق من الوصول إلى ‏الحقيقة.‏

ونحن نهيب بالنيابة العامة أن تأخذ في الإعتبار الأبعاد الوطنية والمصيرية المترتبة عن أي ‏خطأ أو نقص أو مسلك مسيء في هذه القضية. لا سيما أن الجهات التي تقوم بعملية اغتيال ‏لبنان ما زالت ماضية في مشروعها التدميري لبلدنا وهي مطمئنة إلى أنّ التحقيق لن يطاولها. ‏علماً أنّ هذا المشروع التدميري صار متقدماً وهو يقترب من خط الخطر المصيري على شعبنا.‏

المراجع

1- Quexada Donna, Pentagon Wants to End Ambassadorial Chief of Mission Powers, United for Peace of Pierce Country, February 23, 2005, http: ‎‎//www.ufppc.org/content/view/2324/2‏.‏

2- Tyson Ann Scott and Priest Dana, Pentagon Seeking Leeway Overseas, Washington Post, February 24, 2005‏.‏

http: //www.washingtonpost.com/wp-dyn/articles/A48522-2005 Feb 23.html‏.‏

3-The times of India onlines, the pentagon wants to freelance, February 24, ‎‎2005. www.timesofindia.indiatimes.com‏.‏

4- Barry O''Connel, Israeli Spy Ambassador David Satterfield, www.sw-asia.com/people/Israeli-Spy-Ambassador-David-Satterfield‏.‏

5-Guttman Nathan, Satterfield Named in AIPAC Idictment, The Jerusalem Post, August 18, 2005‏,‏

www.jonathanpollard.org/2005/081805a.htm‏.‏

6- Johnston David and Risen James, U.S. Diplomat Is Named in Secrets Case, New York Times, August 19,2005‏.‏

 

 

يوسف الأشقر