لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

لو أراد اللبنانيون حلاً لمشاكلهم!

الوضع اللبناني المتفجّر يدعونا الى التساؤل عن إمكانية إيجاد حلٍ، ليس لوقف الإنفجار فقط، بل لخلق إرضية ثابتة، مستقرة، يركن إليها اللبنانيون، لا تتأثر بأي عامل من العوامل المستقبلية المعاكسة، وتكون منطلقاً لحياة جديدة لهم.

لا يمكن إيجاد مثل هذا الحل الجذري بدون تحديد طبيعة الخلافات والمشاكل التي ترهق كاهل اللبنانيين وتضع مستقبلهم في مهب الرياح والأزمات. 

تاريخ الإقتتالات الداخلية الدورية بين اللبنانيين يُرينا أن الأسباب المعلنة لهذه الإقتتالات ليست واحدة أو متشابهة، بل غالباً ما تأخذ عناويناً من الظروف السياسية المصاحبة ومن ذاتية تلك الظروف.  لا نريد هنا أن ندعم فكرتنا بتعداد وتفصيل أسباب الإقتتالات العبثية الماضية، خاصة إبتداءً من عام 1860، مروراً بها جميعاً وصولاً الى الوضع المتفجّر القائم حالياً، وهو أخطرها بدون شك، وذلك لأننا نريد أن نبقى في حدود المحاولة لتبيان إمكانية إيجاد حلٍ ما لهذا الوضع.  لكننا لا بد ان نشير أن عناصر التأجيج والإثارة والتهييج هي واحدة في كل هذه الإقتتالات، وهي عناصر الطائفية والمذهبية وما يوجد بينهما من شهوات ومصالح شخصية وطموحات ذاتية.

نحن لا نعتقد أن أسباب الإقتتالات العبثية بين اللبنانيين هي طائفية أو مذهبية،  وهي إذا كانت كذلك لماذا نتعب إنفسنا في إيجاد حلٍ لها؟  إذ أننا نعتقد بقوة أن الطائفية والمذهبية ليستا حالتين إيمانيتين ولا علاقة لهما لا بالميسيحية ولا بالمحدية، بل هما حالتان كفرٍ ونقضٍ لهاتين الديانتين.  أكثر من ذلك، هما حالتان بدائيتان، متخلفتان، يتمظهران بالمعرفة والعقلانية بينما هما تعبير أكيد عن جهل وجاهلية الناس، وتعلّق الناس بوحشانية بدائية في الميول والتفكير والتعامل.  فإذا كانتا الطائفية والمذهبية هما سبب الإقتتالات الدورية بين اللبنانيين، فلا داعي لإيجاد حلٍ لها، بل يتوجب علينا تشجيعها ودفع اللبنانيين نحو الموت لأنهم لا يستحقون الحياة في هذه الحال. ليهرع السنيون الى قتل الشيعة، وليهرعا معاً لتقتيل الدروز والموارنة وكل أنواع الطائف المسيحية، وليتقاتل وليتذابح الدروز والموارنة مع بعضهما البعض، ليهرع الجميع الى قتل الجميع، ذلك أن أبواب السماء مشرعة لهم جميعاً، فليهرعوا جيمعاً ويمارس ما إستطاعوا من أعمال القتل والجهل، قبل أن تقفل تلك الأبواب في وجوههم.

لا نفع من إيجاد حلول مرتكزة على أن في لبنان تناقضات طائفية أو مذهبية، إذ أنه من العار، والعيب، والكفر والجهل، والإنحطاط، والرجعية، والظلامية، والبدائية، والتوحش، أن يكون الإنسان مذهبياً.  أن أختلف، أنا المؤمن بالقومية الإجتماعية،  مع شخص يؤمن بالشيوعية، فذلك مفهومٌ ومقبولٌ ومبررٌ، فكلانا ندّعي العمل لتأسيس حياة أفضل لمجتمعنا، وكلانا نتكلم عن أشياء ملموسة، محددة، نستطيع أن نشير إليها والى مواقفنا من كل منها.  أما أن يتكلم سني وشيعي، أو مسيحي ومحمدي، عن خلافات بينهما ثم يوصلهما ذلك الكلام الى الإقتتالات الدائمة، فذلك ضرب من ضروب العجب والتعجّب والإستغراب، ودليل على إنعدام الإيمان والإنغماس في الكفر. 

إن الوضع المتفجر في لبنان ليس نتيجة لمصاحبات هذه المرحلة من أحداث وتطورات، إنما هو نتيجة تراكمات من الفشل في إيجاد أسس ثابتة لحياة اللبنانييين.  لا أريد هنا أيضاً أن أستطرد في الشرح والتوضيح، كي أبقى في حدود ما رسمته هما من محاولة لتوضيح أسس حل ثابتٍ يعتمد اللبنانيون مرة والى الأبد.

لنبدأ من هنا: أنا كلبناني ماذا أريد؟

أنا أريد ما يلي:

·        أريد عملاً أستطيع بواسطته توفير الأسباب المادية لنفسي كي أعمل على بناء حياتي ومستقبلي بالطريقة التي أحلم بها.

·        أريد دولة أفتخر بها وأعتز بالإنتماء إليها، أمارس فيها حقوقي وواجباتي دون أية عوائق وعراقيل من أي نوع، وأكون فيها مساوياً في الحقوق والواجبات لأي ممواطن آخر.

·        أريد لدولتي جيشاً قوياً يستطيع أن يقوم في واجباته من حماية الشعب والوطن، فلا تكون دولتي معرضة للوصايات الأجنبية وحماياتها.

·        أريد مدرسةً وجامعةً وصيدلية ومستشفى ومكتبة ومعملاً ومصنعاً وشركات ومراكز رياضة وترفيه.

·        أريد أن أعبّر عن آرائي بشؤون دولتي تعبيراً يجعلني عضواً مقرراُ في تلك الشؤون، وأكون قادراً  أن أعكس آرائي من ضمن عملية ديمقراطية ملزمة لي ولجميع المواطنين.

·        أريد دولة تقوم على الإحترام والمحبة والتعاون والتعاضد والمساواة بين جميع المواطنين.

·        أريد دولة تقوم على العلمانية لا على الدين، وأريد أن يكون رجال الدين بعيدون عن الدولة، وأن ينحصر عملهم فقط في مواضيع العبادة والإيمان وفعل الخير.

·        أريد دولة تمنع نشؤ الأحزاب والتجمعات التي تقوم على أساس طائفي أو مذهبي أو عرقي وتخضع أي أعمال من هذا النوع الى المحاسبة والمعاقبة.

·        أريد دولة تقودها حكومة مختارة من قبل الشعب على أساس ديمقراطي صحيح، لا على أسس الإلتفاف حول الديمقارطية أو عليها، وأن يكون ذلك الإختيار على أساس برنامج تضعها الحكومة وتكون مسؤولة عن تنفيذها وتحاسب على ضؤ إلتزامها أو عدمه بهذا البرنامج.

·        أريد أن يكون الأشخاص الذين يعملون في مؤسسات الدولة مختارون على أساس الكفاءات والمؤهلات والمهارات وليس بسبب تركيبات أسمائهم وإنتماءاتهم الطائفية والمذهبية.

إذا كنت، كلبناني أعرف ما أريد، فأنا أعرف ما لا أريده أو أرفضه. 

·        أنا أرفض أن أكون عضواً في دولة مذهبية أو طائفية.

·        أنا أرفض دولة تتناهش فيها الجماعات الحصص والمصالح والفوائد.

·        أنا أرفض دولة يمكن أن يتجنب فيها المواطن على القانون أو يلتف عليه بأي شكل من الأشكال.

·        أنا أرفض دولة يكون فيها سيطرة إقطاعية أو مجموعية من أي نوع.

·        أنا أرفض دولة تعتمد الضعف طريقاً لحماية نفسها، وتكون مستعدة دائماً لتحمل اللطمات بدون حساب أو مراجعة أو إعتراض.

·        أنا أرفض دولة تعتمد على الإرادات الأجنبية والحمايات الدولية لبقائها وحماية نفسها.

·        أنا أرفض دولة تكون منطلقاً للإنقضاض على مصالح أخوتي ومواطني في الكيانات السورية الأخرى.

·        أنا أرفض دولة توفر الحماية لنفسها من خلال التحالف مع أعداء شعبنا ضد مصالح أخوتنا وأشقائنا.

·        أرفض أن أكون عضواً في دولة لا تستطيع أن تمنحني سوى جواز سفر وحقيبة.

هل  هناك ما يمنع قيام مثل هذه الدولة عند اللبنانيين التي نعرف ما نريده منها وما نرفضه لها؟

الجواب هو: لا يجب أن يكون هناك ما يمنع قيام مثل هذه الدولة.  إذا كان اللبنانيون جديرين بالحياة، وإذا كانوا مؤهلين لأن يبنوا حياة عزيزة كريمة لهم، وإذا كان بإمكانهم أن يقوموا بالقفزة النوعية من عصور الظلام والجهل الى القرن الحادي والعشرين، يمكنهم أن يحصلوا بعد ذلك على مثل هذه الدولة بمجرد أن يؤمنوا بها فيبدأوا خطوة الألف ميل لبنائها. 

لأننا واقعيون، ولأننا لسنا رومانسيين حالمين نقفز فوق الزمن وفوق الواقع، ولأننا لسنا سذّج، نعترف بأن هناك صعوبات جمة تقف في طريق بناء الدولة التي ننشدها ونريدها للبنانيين.  لكننا نؤمن بقوة أنه إذا ما توفرت الإرادة الواحدة والإتجاه الواحد عند اللبنانيين، بإمكانهم قهر تلك الصعوبات والتغلب عليها.

إننا سنتجاوز الكلام السخيف الذي يتدواله معظم اللبنانيين حالياً حول تغيير الحكومة وإنتخاب رئيسٍ بديل للجمهورية وإنشاء محكمة دولية لمحاكمة المسؤولين في إغتيال المغدور رفيق الحريري.  نقولها للجميع بالفم الملآن، إن هذه الأمور هي نوع من ذرّ  الرماد في العيون، وهي شاهد على إستمرار الكذب والتكاذب بين اللبنانيين.  الموالون يكذبون في أسباب موالاتهم، والمعارضون يكذبون في أسباب معارضتهم أو هم لا يعرفون المكان الذي يريدون أن يصلوا إليه من خلال معارضتهم، أو أن ليس عندهم تصور واحد لنوع الحل الذي يريدون أن يصلوا إليه.

ما هي مواضع الصعوبات التي تقف في وجه الحل الثابت للمسألة اللبنانية؟  الجواب:

·        غياب الإراداة الواحدة الموحدة عند اللبنانيين.

·        إختلاف اللبنانيين حول الكيان اللبناني وهوية هذا الكيان.

·        وجود الدولة العبرية وما لها من مطامع في لبنان وغير لبنان، ومسؤولية اللبنانيين في هذه المسألة.

·        الإرادات والمصالح والمخططات الأجنبية.

إن تشكيل إرادة واحدة عند اللبنانيين، يقتضي وضع نظرة مستقبلية مشتركة، يؤمنون بمباديئها جميعاً، ويعملون متعاونين على تطبيق تلك المباديء. 

ليس لنا قوة التحكم في الإرادات والمخططات الأجنبية، فمثل هذه الإرادات والمخططات هي من شأن أصحابها، وهي ستبقى قائمة ما بقيت المصالح والمطامح والمطامع الأجنبية وما بقيت العلاقات بين الدول على ما هي عليه. لكنه يمكننا حتماً أن نكشف الجزء الذي يتعلق بنا من تلك المخططات والوقوف في وجهها، وتعريت الإرادات التي تكمن لنا شراً ومحاربتها.  أما فيما عدا ذلك فهو عائد لنا، ولنا وحدنا.

لذلك نرى أن الحل المنشود لتأسيس مرحلة جديدة عند اللبنانيين، لا يمكن أن يكون خارج المباديء التالية:

·        الكيان اللبناني جغرافياً، وإثنياً، وثقافياً هو جزء من البقعة الجغرافية التي يطلق عليها الهلال السوري الخصيب.

·        الكيان اللبناني إنشيء بإرادات أجنبية، ولكن بتجاوب وقبول من أصحاب السيطرة السياسة بين اللبنانيين.

·        إن هناك خصوصية معينة للكيان اللبناني، تكونت بفعل الأحداث والتطورات السياسية ومصاحباتها، وبالتالي يؤكد اللبنانيون على هذه الخصوصية، ويمسكون بها، ما بقيت المبررات المنتجة لها موجودة.

·        يؤكد اللبنانيون على عدم الإعتراف بالكيان العبري وبعدم التعاون معهم تحت أي ظرف من الظروف وبأي شكل من الاشكال، ورفض أي إتفاقات جانبية معه.

·        يعمل اللبنانيون على تعميق مفهوم المقاومة بينهم، حيث تنشأ مقاومة تشمل جميع اللبنانيين، يكون دورها في دعم الجيش النظامي في أوقات الإعتداء على اللبنانيين.

·        إن وقف أعمال المقاومة ضد الكيان العبري، مرتبط بإحترام ذلك الكيان للهدنة الموقعة عام 1948.

·        لا تقوم عناصر المقاومة بأي نوع من أنواع الظهور بين المواطنين، بل تكون مهمتها التدرب والإعداد المتواصلين، للحفاظ على جهوزيتها وإستعداداتها.

·        عدم فرض أي نوع من أنواع الوحدة السياسية أو القومية على اللبنانيين.

·        عدم عمل أي فئة من فئات الشعب اللبناني على مقاومة التبشير الإعلامي لأي وحدة قومية منظورة للبنانيين وحفظ حقوق التعبير في هذا الشأن وأحترامه كلياً.

·        يمكن أن يكون هو وحدة سياسية أو قومية للبنانيين مع غيرهم من الكيانات كنتيجة لنشؤ إرادة وعقلية واحدة عند جميع هذه الكيانات، بحيث تأتي تلك الوحدة كنتيجة حتمية لهاتين الإرادة والعقلية.

·        يمنع رجال الدين من التدخل بشؤون السياسة والقضاء االبنانيين ويحصر عمل رجال الدين في مسألة العبادة والإيمان تحت طائلة المحاسبة والسجن.

·        ينتخب جميع أعضاء المجلس النيابي اللبناني على أسس البرامج السياسية وعلى أساس نظام الجبهتين التي يمكن أن تشكّلا من قوى السياسية العاملة.

·        تلغى كلياً مسألة التحاصص والطائفي في الدولة وتكون كل المسؤوليات والوظائف مبنية على أساس المؤهلات والكفاءات وتنافسها.

 أي حل يعتمده اللبنانيون لا يعتمد على الأسس الواردة أعلاه هو مشروع إنفجار جديد وإقتتال عبثي جديد في مرحلة مستقبلية قادمة.  ثم لن يكون لهم حل إذا لم يعتمدوا على أنفسهم وتركوا أمر مثل هذا الحل للإرادات الأجنبية.