|
العلمانيون: أين هم وما هو
الدور الذي يقومون به؟
13/12/2006
تحت
ستار المسائل المطروحة في لبنان كأسباب للوضع المتفجِّر هناك،
تبرز الصراعات الطائفية كأقوى عنصر من عناصر التغذية لذلك
الوضع لإبقائه متأججاً، من أجل إحراق مراكب التعقّل والعودة الى
أي صيغة تعايش مقبولة من جماعات التصارع في لبنان، ودفع ذلك
الوضع الى الإنفجار الفعلي. فَتَحْتَ مظلة إنشاء محكمة دولية
لمحاسبة قتلة المغدور رفيق الحريري، الى مسالة إنتخاب رئيس
جديد للجمهورية، الى تشكيل حكومة جديدة، تعملّ "المنافخُ"
الطائفية الى جانب غيرها من "منافخ" التأجيج الرجعي بقدرةٍ
إنتاجية قصوى، مما يضمن دفع الوضع المتفجّر الى الإنفجار
الفعلي.
طبعاً، نحن لا نريد الكلام هنا عن القوى
الخارجية والعدوة التي تعمل في ظلام الأزمة وفي أنوارها
المشّعة بكل إصرار، وصفاقة، وتصميم، ولؤم، كي توصل الوضع
المتفجّر الى الغايات المرسومة له من قبلها. لقد كان لنا كلام
سابق في هذا المجال، لا نريد تكريره أو الإستطراد فيه الآن،
حسبنا أن نشير الى أن أي تأثير فعليٍ على المخططات التي تستهدف
مصالحنا من قبل الدوائر الأجنبية والعدوة، إنما ينبع من قدرتنا
الذاتية على مجابهتها ومقاومتها.
لذلك سينحصر كلامنا هنا حول عناصر قداراتنا
الذاتية التي يجب تحريكها لمنع الإنفجار والقوطبة على المخططات
الأجنبية والعدوة ومقاومتها ومنعها من تحقيق أهدافها. إذ أن،
من لبنان، الى فلسطين، الى العراق، يبدو أن إسلوب القوى
السادية المعادية هو واحد: دفع شعبنا الى الإقتتال والتقاتل
والتذابح، خاصة الإقتتال الطائفي الذي متى بدأ فعلياً يستحيل
أن يتوقف قبل هلاك المتقاتلين وإشباع غرائزهم وأحقادهم من
بعضهم بعضاً وعلى بعضهم بعضاً.
من التسليمات المنطقية المبنية على تجارب
المجتمعات الناهضة والمتقدمة، أن العلمانية هي عنصر أساسي من
عناصر نهوض تلك المجتمعات، لا يمكن أن يتغافل عن تبنّيها أو
إعتماده أي مجتمعٍ يدّعي التقدم والنهوض. فقد نشاهد نهضات
عمرانية وصناعية وتكنولوجية في هذا البلد أو ذاك، لكن ذلك لا
يعني أن ذلك المجتمع قد ضمن لنفسه نهضة حقيقية، تتناول أسس
عقليته وتفكيره ونفسيته، ما لم يرسي حياته على قواعد العلمانية
والديمقراطية.
هذا يدفعنا الى التساؤل عن الشرائح العلمانية
على إمتداد شعبنا في جميع كياناته، وبخاصة في الكيان اللبناني
الذي نحن بصدد معالجة وضعه المتفجر. لن نتساءل إذا كان هناك
علمانيون في لبنان أم لا، فذلك نوع من الظلم الذي لا نقبل به،
فمثل هؤلاء موجودون بالفعل، إن كان على صعيد فردي متناثر، أم
على صعيد جماعات منتظمة في أحزاب عقائدية، أو مجموعات.
لا يمكن إطلاقاً أن نتساءل عن وجود علمانيين في
لبنان، لكننا نستطيع بقوة أن نتساءل عن دور هؤلاء وعن طبيعة
العمل أو الأعمال التي يقومون بها فعلياً، ليكون لهم دورٌ
تقريريٌ في مواجهة التدهور وبالتالي تقزيم وتحجيم القوى
الطائفية مقدمة لإلغاء دورها.
لقد فشلت الأحزاب العقائدية على مدى عدة عقود
من الزمن في تحويل أنفسها الى قوة علمانية، ليست ضاغطه فحسب،
بل قوة تملك القرار الأول والأخير في كل ما يخص مصالح شعبنا
ووطننا. لذلك بقيت تلك الأحزاب أحزاباً ذيلية، تستظل قوىً
طائفية أو رجعية، طلباً لتأمين نوع من الحماية لأنفسها، أو
محاولة لأن يكون لها دور الى جانب تلك القوى الطائفية
والرجعية، مهما كان ذيلياً أو هامشياً.
لقد وضع سعاده الأسس النهضوية التي تضمن لشعبنا
سبل التقدم والإرتقاء، وعمل على إطلاق مشعل العلمانية غير
مبالٍ بأي قوة طائفية أو رجعية وبالرغم من جميع تلك القوى
الطائفية والرجعية. إن نجاح سعاده في إستقطاب كثيرين من أبناء
شعبنا، في جميع كيانات سايكس-بيكو، مما آثار الخوف في قلوب تلك
القوى الرجعية والطائفية، وأدخل الرعب في قلوب الإرادات
الأجنبية والإرادات الصهيونية العدوة. إذا كان قرار إغتيال
سعاده قد أتُّخِذ في الدوائر الأجنبية/الصهيونية، فإن أدوات
التنفيذ قدمتها تلك القوى الرجعية والطائفية.
لقد فشل الحزب السوري القومي الإجتماعي بعد
سعاده على تحويل نفسه الى القوة العلمانية التي أرادها سعاده
له، والتي وحدها يمكن أن تعطي شعبنا المناعة والقوة الضروريتين
لمجابهة المخاطر الآتية من الخارج، ومقاومة قوى التخلف
والرجعية في الداخل.
لم يكن وضع الحزب الشيوعي بأفضل من وضع الحزب
السوري القومي الإجتماعي، فهو أيضاً كان دائماً يستظل قوى
رجعية وطائفية، طلباً للحماية من جهة، وإعتقاداُ منه من جهة
أخرى أنه قادر في المحصّلة النهائية من التأثير على قواعد تلك
القوى وجذبها إليه. إن وصول الحزب الشيوعي الى إعلان الحقيقة
الضمنية التي كان يعرفها منذ زمن طويل بعدم تقدمية "التقدميين
الإشتراكيين" – طبعاً دون أن نغفل بهلوانية وكراكوزية منير
بركات _ هو إعلان يدل على أن عمل ونضال الحزب الشيوعي في حاجة
لسلوك مسلك جديد ووضع قواعد جديدة له.
إن لجوء العلمانيين الى الإستظلال في أفياء
القوى الطائفية والرجعية تحت أي شعار وبدون حسابات واقعية
وبدون خطط ومباحثات تضمن تحقيق تطلعاتهم، إنما هو نوع من
الإنتحار للقوى العلمانية والقضاء على أحلامهم في أيجاد مجتمع
علماني ناهض وفاعل.
إن عنوان المقاومة والحفاظ عليها وتعميقها
ونشرها لتشمل كل شعبنا، على الرغم من غلاوته وسموه وضرورته، لا
ينفي ضرورة التمسك بمباديء العلمانية ووضع شروطها وإراداتها
على طاولة اي تحرك أو عمل يهدف لتحقيق ما هو معلن من مطالب
وطنية وقومية.
لقد كان دعم القوى العلمانية لقوى "المقاومة
الفلسطينية" في أواخر الستينات وبعدها دعماً غير مشروط. لم
يغير دعم تلك القوة من حقيقة أن تلك "المقاومة الفلسطينية"
كانت قوة رجعية، طائفية، دون أن نسقط في حسابات العناصر أو
نغفل عناصر المقاومة الصحيحة والحية، التي كانت توجد في تلك
المقاومة.
لقد كانت "المقاومة الفلسطينية" تشكّل تحدياً
لدولة المحاصصة اللبنانية، وكانت تثير بشكل خاص، إعتراض وخوف
وقلق العناصر الطائفية المسيحية، وكانت بسبب ممارساتها الخاطئة
في جنوب لبنان، تثير نقمة شيعية أيضاً، لكننا من جهة أخرى أن
الطائفيون السنيون كانوا يحضنون تلك المقاومة، لا لشيء بل
لأنهم إعتبروا أن سلاحها هو سلاح سنيٌ بالدرجة الأولى. لذلك
لا نتسغرب أن تكون القوى الطائفية السنية متكالبة الآن على نزع
سلاح "المقاومة الإسلامية" لأنها تعتبر أن سلاحها هو سلاح
شيعي.
نحن نملك قناعة جذرية كاملة بأن صراع العلمانية
والعلمانيين لا يمكن أن ينفصل أو يتمايز عن الصراع القومي بكل
ما يتطلبه هذا الصراع من أسباب القوة والمقاومة، ونحن مقتنعون
كلياً أن أي فصل بين العلمانية وهذا الصراع هو ضرب من ضروب
الأوهام. لكننا نعتقد بقوة أيضاً، أن زمن تجيير قوى العلمانية
الى حسابات غيرها بدون تخطيط وشروط وتفاهم كلي ودور كامل لها،
هو أمر غير مفيد أيضاً.
لقد آن الأوان، كي يتحرك العلمانيون، أكانوا
افراداُ لا يحملون سوى أفكار ليبرالية بسيطة أو مبسطة، أو
جماعات عقائدية قومية أو غيرها، لتشكيل قوة ديناميكية فاعلة
تفرض نفسها على أرض الواقع ويكون لها فيه دور حقيقي مميز.
أليس هذا هو الوقت الذي يجب أن يؤمن فيه هؤلاء
العلمانيون أنهم يجب أن يكونوا جزءا لا يتجزأ من المقاومة
اللبنانية، بل أن يكونوا جزءً هاما منها، يستطيع أن يكون له
نفس الدور ونفس المستوى من الصمود الأسطوري الذي قدمته
"المقاومة الإسلامية" خلال الهجمة العدوانية
الصهيونية/الأميركية في حرب تموز؟
إذا كان هناك مثل هذه القوة العلمانية فعلاً،
وإذا كان هناك من إرادة عندها كي تصبح شريكاً أساسياً في
المقاومة اللبنانية، وإذا كان عندها إستعداد للصمود والبذل
بنفس المستوى الذي قدمت نموذجه الجديد "المقاومة الإسلامية" في
دفاعها الأخير عن شرف الأمة وكرامتها وعزتها، فماذا يمنعها من
أن تتقدم بمقترحاتها وشروطها وطلباتها كي تكون جزءا متكاملاً
مع تلك "المقاومة الإسلامية"، فتخلق بذلك البعد العلماني لها
الذي يخرس أي صوت طائفي آخر؟
لم نسمع من هذه القوى العلمانية صوى أصوات تشبه
النقيق حتى الآن، فمتى نسمع هديرها وزمجرتها ونعرف تعيش في
عرين وليس في مستنقعات؟ |