لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

هل نحن مجتمع واحد أم قطعان بشرية

قانون الإنتخابات والتوازن والتعايش

بقلم شحاده الغاوي(26/5/2008)

 

يعتقد البعض أن مشكلة مشاكلنا هي "فقدان الديمقراطية"، ويعتقدون أن الديمقراطية تعني إنتخابات وأن الإنتخابات تعني ديمقراطية.

إن أغلب السياسيين في لبنان، من هم في الموالاة أو في المعارضة على السواء، هم من هذا البعض.  ونجد الكتاب والمحللين والمعلِقين الصحافيين والمثقفين أيضاً ضمن هذا المفهوم عينه، فهم يطالبون ويضغطون ليكون قانون الإنتخابات" متوازناً" يكفل "صحة التمثيل" (الطائفي) فلا يأتِ نواب مسيحيون بأصوات المسلمين، أو العكس، وكل ذلك من أجل الديمقراطية وعلى إيقاع المساواة بين مفهومي الديمقراطية والإنتخابات، وأيضاً المساواة بين مفهومي قانون الإنتخاب وصحة التمثيل.

الحقيقة أنه يصعب على ثقافة أو عقيدة الإنتخابات أن تتساهل في ما تعتبره حقها في أن تكون هي الديمقراطية وأن تكون الديمقراطية هي (على وزن "أنا الدولة والدولة أنا").

فكما يصعب أن يقبل أصحاب عقيدة الإنتخابات بالرأي القائل إن الديمقراطية هي شيء آخر كلياً وإن الإنتخابات لا يمكن أن تحتكر معنى الديمقراطية، فإنه يصعب أيضاَ على أصحاب شعار "قانون إنتخابي يضمن صحة التمثيل" العادل والمتوازن (بين الطوائف) التساهل والقبول بأن ألتوازن، وقوانينه كلها، مهما كانت، مخالف لمعنى المجتمع ومصالحه وإرادته.

لذلك كان أنطون سعاده وحيداً منذ سنة 1935 عندما رأى عدم جدوى الإنتخابات، مهما كان قانونها، في التعبير عن الإرادة العامة وانتاج ديمقراطية  وسلطة ديمقراطية، ولا زال سعاده وحيداً اليوم رغم مرور   أكثر من نصف قرن على غيابه استشهاداً على أيدي الديمقراطية اللبنانية عام 1949.

سعادة الديمقراطي بامتياز لم يكن، وليس هو، ضد الإنتخابات بالمطلق كمظهر من مظاهر الديمقراطية أو كإسلوب من أساليبها او كشكل من أشكالها، وإنما رآى أن شرطاً أساسياً أولياً كان مفقوداً، ولا يزال مفقوداً اليوم، يجب توفره كي لا تكون الإنتخابات شكلاً دون مضمون أو مسرحية تهريجية تفعل تزويراً للديمقراطية وتشويهاً لها.  وهذا الشرط كان أبعد بكثير من مجرد قانون إنتخاب جيد يضمن صحة التمثيل، ويكفل التوازن، ويؤمن التعايش والعيش المشترك، ويصون الحدود بين الطوائف، ويحافظ على السدود بين تخوم المذاهب.

فما هو هذا الشرط ولماذا يستمر غائباً حتى اليوم؟

إنه مسألة وجود المجتمع نفسه الذي سنطبق الإنتخابات عليه، ووعي هذا المجتمع نفسه!

إنه وجود الهيئة الإجتماعية الواحدة التي تنظر إلى نفسها وحدة حياة أي وحدة مصالح إجتماعية، إقتصادية، نفسية، أي كيان مادي-روحي واحد.

إذا لم يكن الشعب موجوداً ولم يكن المجتمع قائماً يعبِّرُ عن وجوده وعن نفسه باستمرار، إذا لم يكن يشعر بمصالحه العامة الواحدة وشخصيته وهويته وينبثق هن هذا الشعور-الوعي ما نسميه "إرادة عامة"، فماذا يبقى من معنى للديمقراطية والعدالة، وأي دورٍ مسرحيٍ تهريجيٍ سيكون للإنتخابات وقوانينها، كيفما كانت هذه القوانين، لدى شعب منقسمٍ على نفسه عامودياً وفي مجتمعٍ متفسِّخٍ ملتبس الهوية لدرجة كبيرةٍ؟

لا شك أن السلطة والسلطة الديمقراطية، وأن العدالة والعدالة الإجتماعية، والإقتصادية، والسياسية كلها، إنما هي لتحقيق مصالح الناس، والناس هم المجتمع والشعب المشمول بسلطة الدولة، وهذا يعني أن القيم كلها، كل القيم هي قيم مجتمعية، المجتمع مصدرها والمجتمع غايتها، ومصلحة المجتمع هي المقياس الأول والأخير لما هو حق أو خير أو جمال، ولا معنى لقيم مطلقة نظرية لا تجد تحقيقاً لها في مجتمع واحد معين موجود بالفعل.

هذا هو الشرط السابق الذي يجب توفره ليكون للإنتخابات معنى وجدوى، ولأن تكون مظهراً من مظاهر الديمقراطية الحقيقية، وشكلاً من أشكالها، وإسلوباً تعبِّرُ به الديمقراطية عن نفسها.

يجب أن يكون الشعب موجوداً بالفعل، موجوداُ كهيئة إجتماعية واحدة، شاعرة بهويتها، واعية لمصالحها الواحدة في الحياة.

هذا هو الشرط الضروري ليكون الفعل الإنتخابي فعلاً حيوياً معبِّراً عن إرادة حقيقية واعية مصممة مقرِّرة.

إن الدولة في لبنان منذ نشأتها سنة 1932 على يد الجنرال غورو، وحكوماتها كلها، مروراً بالميثاق والطائف وقطر، لا تؤمِن بشيء اسمه الشعب اللبناني ولا بشيء اسمه مجتمع مدني واحد في لبنان، ولا ينفي ذلك بعض المظاهر الشكلية مثل كون خطابات رؤساء الجمهورية كانت تبدا بعبارة "ايها اللبنانيون" وتنتهي ب"عاش لبنان".

ولم تكن الدولة نفسها تؤمن بوحدتها وبوحدة سلطاتها بل كانت شراكة وتوافق وتسوية، ولا الشعب بدوره يؤمِن أن الدولة هي واحدة وهي له كله أو هي كلها له.

كانت الدولة في لبنان وحكوماتها كلها، ولا زالت، وكل سياسيين لبنان ومعظم أحزابه السياسية وتياراته السياسية، تنظر إلى اللبنانيين ك"شعوبٍ" متعايشة وأجنحة طائفية وعائلات روحية، وتتعامل معهم على هذا الأساس.  لم تكن الحكومات  اللبنانية تتعامل مع الفرد اللبناني إلاّ عبر مرجعيته الدينية الطائفية المذهبية، وذلك في كل مجالات مصالحه  السياسية والإقتصادية وحتى القضائية والعائلية والأحوال الشخصية، بل كانت تجبره على المرور بتلك المرجعيات في كل أمر من امور علاقته مع دولته او مع مواطن آخر.

والأفظع من ذلك ان الشعب اللبناني نفسه، على صعيد قواه وحركاته السياسية، هو بدوره لا ينظر إلى نفسه نظرة أرقى من نظرةالدولة وحكوماتها إليه.

إن الشعب في لبنان ليس مختلفاً ومنقسماً فقط في السياسة وفي أية سياسة هي الأجدى والأنفع له، ولو بقي في هذه الحدود لكان ذلك أمراً طبيعياً مقبولاً كما في جميع شعوب العالم ودوله.   ولكننا نرى حالة فريدة عندنا نجد فيها اللبنانيين مختلفين حتى حول "من هم" أي على هويتهم القومية، وهذا اختلاف بل انقسام عامودي حادّ ومدمِّر أصبح يحق معه السؤال عن فلسفة قيام دولة في لبنان وعن دورها ووظيفتها في الأساس.

إن الجميع ممن في السلطة والمعارضة على السواء يتكلم على توازن ومشاركة وتعايش وعيش مشترك لا عن مجتمع واحد وكيان إجتماعي واحد.

إن المجتمع الواحد يعني تفاعل إجتماعي مادي روحي يؤدي إلى وعي الجماعة لوحدة مصالحها ووحدة حقوقها، وأن وحدة المصالح ووحدة الحقوق تعني وحدة الحياة، فأين ذلك مما يتكلمون عنه في لبنان؟

إنهم لا يتكلمون فقط عن حقوق ومصالح الطوائف والمذاهب بل يتكلمون عن "انتزاع" هذه المصالح والحقوق انتزاعاً، ولا يتورعون من اعتبار ذلك انتصارات وانجازات.

إنه قد يكون إنجازاً فعلياً أن نرفع حالة طغيانٍ من فئة على أخرى، أكانت طائفة أو طبقة، ضمن المجتمع الواحد، وهذا مطلوب.  إنه مطلوب أن نرفع الطغيان والحيف ولكن ليس على قاعدة  صراع المصالح الداخلية للمجتمعات المتعايشة كما هو حاصل اليوم على مسرح السياسة اللبنانية، بل على قاعدة رفع الحيف لصالح وحدة المجتمع ووحدة حقوقه ووحدة مصالحه الإجتماعية والإقتصادية.  إن التكلّم على مجتمع مسيحي ومجتمع مسلم، اي على مجتمعين وليس على مجتمع واحد، على حقوق الشيعة والسنة والدروز والأرمن وليس على حقوق الناس، حقوق الشعب، حقوق الوطن، إن هذا الكلام يؤدي إلى الكلام على تعدد الثقافات والحضارات ويضيع معه ويزول معنى الوطن والمجتمع والدولة ويصبح الباب مفتوحاً على كل ريح.  وما دام الوضع هكذا فإي إنتخابات وأي عدالة وأي نزاهة وأي ديمقراطية سوف يكون لها معنىً مفيداً!

إن إجراء انتخابات حرة، نزيهة، شفافة، ممتازة... إلى آخر المفردات المتداولة في مواسم الإنتخابات في لبنان، ومهما كان قانون الإنتخاب، نسبياً أو أكثرياً أو دائرة فردية أو قضاءً او محافظةً او دائرة واحدة، أن تطبيق ديمقراطية الإنتخابات على الشعب اللبناني بحالته الراهنة، على هذه المادة المبعثرة الفاقدة شعورها بكيانها الإجتماعي الواحد سيكون له نتيجة واحدة وحيدة هي: نقل صورة الواقع الشعبي المبعثر إلى فوق وتكوين سلطة سياسية هي بدورها مبعثرة صورة طبق الأصل عن الشعب بل عن "الشعوب و"المجتمعات" اللبنانية التي تمثلها.  وعندما تكون السلطة السياسية على هذه الصورة ستكون حتماً سلطة مشلولة عاجزة عن تكييف وتغيير وإصلاح أحوال الشعب نحو الأفضل.

هذا ما قاله وعناه وحذّر منه سعادة منذ سنة 1935 في "الخطاب المنهاجي الأول".  وهنا نقترب في هذه المداخلة من مسألة الديمقراطية التمثيلية والفرق بينها وبين الديمقراطية التعبيرية التي جاء بها سعاده وصارت تنتمي إلى نظرة النهضة القومية الإجتماعية لمسألة الديمقراطية ولمجمل المسألة الإجتماعية السياسية.

في الديمقراطية التمثيلية الشائعة يمكننا أن نتصور قانون إنتخاب مثالي، جميل جداً، عادل، متوازن... إلخ، ونتصور إنتخابات حرّة، نزيهة، سليمة، نظيفة... إلخ، فماذا ستكون النتيجة؟  ستكون ما يلي:

بما أن الشعب تنخره الطائفية وقد تحوّلت مذاهبه الدينية إلى أحزاب سياسية وأديانه إلى جبهات داخلية حامية، فسينتخب هذا الشعب نواباً طائفيين ويصنع مجلس نيابي أعضاؤه يسعى بعضهم لتأمين حقوق الشيعة وبعضهم الآخر حقوق الموارنة والدروز والسنة و.... ستزول من الحكم صورة الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.

وبما أن الشعب لم يتحرر من الإقطاع ونفوذ العائلات ومن صورة الولاة والرعايا فسينتخب إقطاعيين وزعماء عائلات وعشائر وهؤلاء سيعززون في الحكم نفوذ العائلات وحقوق وحصص العائلات والإقطاعات والولاة... وستزول من الحكم  صورة الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.

وبما أن الشعب منهك وكاد أن يفقد معنى الحرية والعزّ والكرامة وليس له ضمانة من دولة واحدة هي كلها له، وله كله بالتساوي، فإنه يصبح بضاعة يشتريها أصحاب الرأسمال المتوحِّش المجرم المتآمر مع الرأسمال الأجنبي  فسينتخب هؤلاء الرأسماليين ليصيروا رؤساء حكومات سوف تعزّز هيمنة هذا الرأسمال وسوف تحميه وتسن له القوانين التي يريدها ويرتاح إليها دونما النظر إلى الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.

وبما أن الشعب هكذا فسينتخب أشخاصاً مثله، على صورته ومثاله في أوضح صورة للديمقراطية التمثيلية وأعدل صورة!

وهل لمجلس تشريعي مؤلف من إقطاعيين وطائفيين وزعماء عائلات وعشائر واصحاب شركات عالمية قابضة ينتظر منه "تكييف" حياة المجتمع وتغيير اوضاعه إلى الأحسن وإنشاء شيء جديد صالح فيه؟

أم أن هذا المجلس سيكون مرتبطاً بمراكز القوى الوضعية في المجتمع وتابع لها وخادم لمصالحها و"حقوقها" ومنافعها الفئوية الكاسرة المتفارقة مع المصلحة العامة للشعب؟  إنه سيكون ضامناً لبقاء هذه القوى ومعززاً لوجودها وإبقاء المجمع خاضعاً لها.

لذلك قلنا ونقول إنه لا يكفي الشعب اللبناني مجرّد قانون جيد للإنتخابات ولا تنفعه عملية تمثيل أوضاعه ومشاكله وانقساماته في سلطاته السياسية العليا فتكون هذه السلطات مثله، على صورته ومثاله، بكلّ علله وعاهاته وامراضه.

إن لبنان واللبنانيين بحاجة إلى أنطون سعاده ونظرته إلى الحياة، إلى الإجتماع والإقتصاد والسياسة، بحاجة إلى ديمقراطية سعادة التعبيرية حيث السلطة لا يكفي أن تكون ممثلة للشعب حتى ولو كان الشعب موحّداّ إجتماعياً، بل معبرة عن إرادته (حتى ولو كانت هذه الأرادة كامنة وغير ظاهرة في الوعي) وقادرة على تحقيق تلك الإرادة وجعلها نافذة.

وثمة في لبنان من يعتبرون أنفسهم مثقفين وقادة رأي فيعزون مشاكل الشعب والسلطة في لبنان إلى فقدان الديمقراطية ويقدّمون وصفة الديمقراطية و"صحة التمثيل" علاجاً لكل شيء، بينما يفوت هؤلاء أن أمراً أهم وأدهى وأسبق من فقدان الديمقراطية يعاني منه الشعب، هو يقف وراء فقدان الديمقراطية وفقدان غيرها ووراء أزماته وانقساماته واهتراء أوضاعه كلها، هذا الأمر هو "فقدان الوجدان القومي" أي فقدان الشعب لشعوره بوحدته ووجوده وشخصيته الإجتماعية والوطنية الواحدة، أي عدم تنبهه لوحدة حياته أي وحدة مصالحه وحقوقه ومصيره.

إن الشعب اللبناني يحتاج إلى نهضة قومية إجتماعية بهذا المعنى تعيده إلى نفسه وتحرره من المرجعيات الطائفية الإقطاعية العائلية.  عند ذلك لا يعود مهماً كثيراً إذا ما اعتمد هذا القانون الإنتخابي أو ذاك، لأن القانون سيتحرر من غرض تأمين المصالح السياسية لهذا الإقطاعي أو ذاك، وسيتحرر الشعب من جدل الإقطاعيين ودجلهم ومماحكاتهم ومصالحهم، وسيحدِّق الشعب أكثر فأكثر في مباديء احزابه السياسية وبرامجها السياسية والإقتصادية والإجتماعية وسينتخبها على هذا الأساس ويبني ديمقراطيته الحقيقية.

إن الديمقراطية لا تصنع شعباً، بل إن الشعب هو الذي يصنع الديمقراطية الحقيقية. 

فهل نحن شعب؟ ام نحن قطعاناً بشرية؟

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
خالد ولو رحل
رسالة الى الرفيق منير حيدر
نشؤ الامم كتاب علمي
في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي
الحوار الإسلامي المسيحي
ماذا يعني لي شرفي وحقيقتي ومعتقدي
فلسفة الإنسان الجديدة:الإنسان المجتمع
مداخلة على "حقيقة الفرد للرفيق حنا
هذه هي الديمقراطية التعبيرية
حدث معي في "هذا الحزب"
ملحق "هذه هي الديمقراطية التعبيرية"
قضية الإنتماء والحرية الصراع
قيادات لا تتحمل أبطالاً
قانون الإنتخابات والتوازن والتعايش
الفرق بين السياسة والإجتماع في كتاب نشؤ الأمم
نسبة كتاب نشؤ الأمم الى الفلسفة القومية الإجتماعية
مقالك رائع
شوقي خيرالله وحرب طواحين الهواء
عودة الى مقالة مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين