لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

من ثقافتنا القومية الاجتماعية*

بقلم سهيل رستم

الفــردية:

لقد أولى الفكر القومي الاجتماعي اهتماماً كبيراً بها، واعتبرها مرضاً اجتماعياً، فهي نقيض نظرته الاجتماعية التي تقول بالمجتمع ووحدته ومصالحه وتقدمه وارتقائه، فألقي الضوء على مخاطرها في المجتمع وتضاربها معه، واعتبرها ألد أعداء النهضة القومية، ودعا إلى محاربتها ومكافحتها، فمفاهيم وقواعد النزعة الفردية تتناقض وتعاكس مفاهيم النظرة الاجتماعية وقواعدها، ولشدة خطورتها عالجها سعاده في أكثر من مقالة.

مع بداية أبحاثه في نشوء الأمم والمجتمعات عيّن سعاده موقع الفرد في الجماعة منذ بداية وجود البشرية، فقال في كتابه – نشوء الأمم – «الفرد ليس بداءة الاجتماع، ولا شأن له في تعيين الاجتماع وكيفيته، الموجه الجماعة، هي كل شيء في بداءة البشرية». وفي مقالته – النزعة الفردية في شعبنا – الجزء العاشر من آثاره، يعالج هذه النزعة ومفاهيم الأفراد الذين يحملونها، وسلوكهم في المجتمع، ويوضح صفات ذوي النزعة الفردية، فيقول: «صاحب النزعة الفردية يحسب كرامته الخاصة كما يراها هو، فوق كل الكرامات، وتدفعه شدة الإحساس بكرامته إلى سلوك مسلك الحدة دائماً وإلى حسبان كل حدة معاكسة لحدته، إهانة موجهة إليه لا يقبلها بل يفضل أن يدير ظهره لكل من لا يراعي إحساسه بذاته، مهما كانت العواقب وخيمة، شرط ألا تكون وخامتها عليه». وصاحب النزعة الفردية لا يفرق بينه وبين صاحب الاختصاص بشأن ما، ويعتبر أن رأيه دائماً هو الرأي الأصح والأصوب، بغض النظر عن مدى إلمامه بالموضوع المطروح. وعن هذه الحالة المرضية يقول سعاده في مقالته السابقة: «فالفرد الذي لا يتعود أن يسمع رأياً غير رأيه، وأن لا يشعر بالحاجة إلى الألفة والتفاهم، لا يحترم رأي أحد، ولا يشعر أنه مكلف أو مضطر للإصغاء إلى رأي غيره، ولماذا يجب أن يحترم رأي غيره ويصغي إليه؟ ولماذا يجب أن يتوهم أن هناك رأياً فوق رأيه مبني على علم وخبرة فوق علمه وخبرته؟».. ويتابع: «بعض الأفراد تصل بهم النزعة الفردية إلى حد لا يرون عنده فارقاً بين الاختصاص في فن من الفنون ومن لا علم له به، أو بين المعلم والتلميذ، والقائد والجندي أو الضابط الصغير».

وفي مقالته – عودة إلى النزعة الفردية – يبين سعاده موقف صاحب النزعة الفردية من الشأن العام والقضايا العامة في المجتمع، إذ يحسب صاحب النزعة الفردية نفسه دائماً أرفع منها، وأنها هي بحاجة إليه، فيقول: «ولما كانت النزعة الفردية تحمل الفرد على حسبان نفسه أن ذاته هي المبدأ والمعاد، فالنتيجة الحاصلة من هذه النظرة أن الفرد ينظر إلى المشاريع العمومية والأحزاب القومية نظرته إلى شؤون تحتاج إليه أو موجودة له»... ويتابع: «الشعور الغيري تجاه الأعمال الاجتماعية الحيوية تجعل الفرد يحسب نفسه غريباً عن العمل، إلا إذا كان العمل كله في يده يسير به كما يشاء». وفي مقالته النزعة الفردية أيضاً بيّن سعاده مخاطر هذه النزعة من قبل المؤهلين أو الصالحين للفكر والعمل، وتعارضها مع المجتمع ونظامه، وتطلعاته، فصاحب النزعة الفردية يعتبر نفسه محور حركة المجتمع، وإن الجماعة يجب أن تلتف حوله، فيقول: «النزعة الفردية تجعل الفرد وميوله غاية كل فكرة ونهاية كل عمل، ومتى قويت هذه النزعة في الأفراد، خصوصاً الأفراد الصالحين للفكر والعمل، وتملكت من نفوسهم، صاروا العدو الأول لكل غاية مجتمعية والقضية الكأواء التي تعترض نشوء النظام الاجتماعي العام، فطبيعتها مخالفة لطبيعة الاجتماع لأنها ترمي إلى جعل السيادة في الفرد نفسه وليس في المجتمع ونظامه، ولما كان الأفراد غير موجودين إلاّ في الجماعة، كانت النزعة الفردية التي تعد الفرد كل شيء في العالم أكبر عامل تفكك وهدم لكيان الجماعة الذي هو الكيان الإنساني الحقيقي منذ ظهر الإنسان على مرسح الطبيعة». وفي مقالته – مدرسة الأنانية ومحبة الذات – في الجزء (14) من آثاره يبين سعاده نظرة صاحب النزعة الفردية للمجتمع وعلاقته به، وموقعه السلبي الدائم، ومخالفته الدائمة لكل ما يطرح من قبل الآخر، فيقول: «إن مذهب الشخصية الفردية مذهب سلبية دائمة ومقاومة مستمرة تدفع الفرد دائماً إلى المخالفة والمقاومة من أجل تثبيت شخصيته وخشية أن يكون في قبوله لأي فكر أو حكم أو تقليد ما يمكن أن يشتم فيه أنه قبول لتقرير من المجتمع أو الدولة أو الله! خالف تعرف! هذه مزية الشخصية الفردية! خالف تعرف وخالف دائماً لتعرف دائماً، هذه هي القاعدة الذهبية لهذا المذهب الغريب».

وبموجب النظرة الفردية فإن الفرد يرى دائماً أن له حقاً على المجتمع، وليس للمجتمع أي حق عليه، وقضيته فوق قضية المجتمع، وأهم منها، وتجاه هذه النظرة يقول سعاده في مقالته السابقة: «لا يمكن بموجب هذه النظرة أن يكون هناك حق عام للمجتمع على الفرد، إن للفرد فقط حقاً خاصاً على المجتمع، الشخصية الفردية تقدر أن تلاحق المجتمع، ولا يقدر المجتمع على ملاحقة الشخصية الفردية».

ومن خلال نجاح الفرد في أعماله، ينظر إلى نجاحه وكأنه مقياس للنجاح العام، مع أن نجاحه غالباً ما يكون محدوداً، أو في مجالات محدودة، وعن هذه النظرة يقول سعاده في مقالته – النجاح القومي والنجاح الفردي – في الجزء (11) من آثاره: «النجاح الفردي على ما يعترضه من صعوبات نسبية حقيقية، هو نجاح محدود ومنحصر في نقاط قليلة ولا يمكن اتخاذه قاعدة أو مقياساً للنجاح القومي ولمقدرة الفرد على إحراز النجاح القومي العام... وقاعدة النجاح الفردي المطلق هي عدم الشعور بالمسؤولية إلاّ عن النجاح الخاص».

ووفق هذه المواصفات لأصحاب النزعة الفردية، فإن سعاده يعتبرها مرضاً اجتماعياً خطراً لأنها تسخر الأغراض العامة لأغراضها الشخصية، وسيطرتها، دون أي اعتبار للمصلحة الاجتماعية، أو لمصلحة الأمة. فيقول في مقالته – مجموع أشخاص يساوي قضية شخصية – في الجزء (16) من آثاره: «الفردية غير المسؤولة هي من أسوأ أمراض المجتمع النفسية، ومن أكبر قضاياه الاجتماعية والسياسية، فإذا تحكمت هذه الفردية الهدامة في مصير الشعب وسخرته لأغراضها الشخصية، ومفرداتها التحكمية قادته إلى الخراب والذل، وسيطرة الأفراد الخطرة على الأمم هي تلك السيطرة التي يصل إليها الأفراد عن طريق ونية المطامع الشخصية في سانحة المشاكل السياسية – تلك السيطرة التي تعني للفرد غايته العظيمة فهي ليست واسطة لقضية جماعية أسسها وبناها الفرد، بل غاية تتخذ القضية الجماعية واسطة لها، إنها ليست سيطرة قضية الأمة بواسطة الفرد الذي يحمل قضية الأمة، بل سيطرة قضية الشخص الذي يحمّل الأمة كلها أعباء قضيته الخصوصية».

وفي مقالته – صناعة العقائد المزيفة – الجزء (16) من آثاره، يعتبر سعاده أن الأمة ابتليت خلال عصور الانحطاط بأمراض اجتماعية كان أخطرها نمو المصالح الفردية، الخصوصية، فيقول: «إن أعظم بلية حلت بالأمة السورية نتيجة عصور الانحطاط بعامل فقدان السيادة القومية هي بلية الأمراض النفسية والانحطاط المناقبي، وقيام المصالح الخصوصية والغايات الفردية مقام مصلحة الأمة والغايات القومية».

ونتيجة إدراك سعاده لمخاطر النظرة الفردية على الأمة فإنه ألح على القوميين الاجتماعيين كما على المجتمع السوري بضرورة مكافحتها كمرض اجتماعي منذ بداية تأسيسه الحزب، ففي مقالته – تشبيه – عام 1937. في الجزء الثالث من آثاره قال: «إن المنافع الخصوصية المستعجلة لا يمكن أن تكون أساساً للسياسة القومية وحفظ المصالح العامة». وفي خطاب أول آذار عام 1938 يحدد موقع الفرد من القضية القومية فيقول: «إن الحزب السوري القومي الاجتماعي يقول إن الأفراد يسخرون للقضية القومية لا القضية القومية للأفراد». وفي مقالته – اختبارات، مبادئ، أشخاص، عام 1938. في الجزء الرابع من آثاره، يعلن أن النهضة بما جاءت به هي حرب على المثالب التي منها المنافع الشخصية، فيقول: «جاءت النهضة القومية بتعاليم جديدة تغير وجهة النظر، وتقيم الحرب بين الجديد المهاجم والعتيق المدافع، بين الحياة القومية الظاهرة فيها مصالح أمة حية، وبين النظرة الخصوصية الممتزجة فيها الرغبات الفردية بالمصالح القومية».

وفي مقالته – النزعة الفردية في شعبنا – عام 1942، يعتبر أن النزعة الفردية خطرة كالاحتلال ويطالب بمكافحتها. فيقول: «يجب على القوميين الاجتماعيين مكافحة النزعة الفردية مكافحتهم للاحتلال الأجنبي». وفي مقالته – عودة إلى النزعة الفردية – عام 1942، أيضاً، يقول: «قلنا ونكرر القول بوجوب مكافحة النزعة الفردية، مكافحة شديدة على نسبة شدة خطرها، فهي من ألد أعداء نهضتنا».

ونرى الآن أنه بعد مضي أكثر من سبعين سنة على تنبيه سعاده لمخاطر النزعة الفردية وضرورة مكافحتها، أننا لا زلنا بحاجة إلى الاستمرار في هذه المكافحة، وربما بجهد أكبر، إذ إنها لا زالت متفشية في بعض مجتمعنا، وإن كانت على درجة أقل من المجتمعات الأخرى. 

* نشرت في العدد رقم 377 من "البناء" الدمشقية .

في : 28/05/2008