لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

الفرق بين السياسة والاجتماع في كتاب نشؤ الامم لسعادة

بقلم شحاده الغاوي (24/7/2008)

من رسالة الى الرفيق طه 

... ولكن دعني اليوم  أكتب إليك عن نقاط التباين ، ولا أقول الخلاف ، وإن كانت قليلة وليست جوهرية.

أولا: في كتاباتك شيء من التسرّع ناتج عن أعصاب مشدودة، وبدورها ناتجة عن ألم وحرقة على ماحلَّ بنا وبقضيتنا العظيمة المقدسة.  وفي كتاباتك أيضاً مبالغة في بعض الأمور تقلل من رصانة وأهمية ماتكتب مثلاً:

تقول: "لايمكن مطلقاً إستبدال كلمة الزعيم سؤاء في قسم العضوية أو المسؤولية بالمراجع العليا... فالزعيم هو الكتلة الدستورية ، هو المشرِّع وواضع أسس النهضة وصاحب الدعوة"

أنا لاأوافق على هذه ال "لايمكن مطلقاً " فيما يتعلق بالزعيم ، بل أوافق عليها واؤكد عليها فيما يتعلق بسعادة.

الزعامة هي المسؤولية الدستورية التي حملها سعادة وحده بعدما أسس وشرَّع ودعا، وكونها مسؤولية دستورية فقد أدى لها قسماً هو قسم الزعامة "أنا أنطون سعادة أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي أن أتولى زعامة الحزب......" . وكون الزعامة مسؤولية دستورية فهي تنتهي، إنها مدى الحياة فقط ، إنها محدودة زمناً .... "على أن يكون واضع أسس النهضة زعيما للحزب مدى حياته...."

ليس الزعيم هو من أسس وشرَّع ودعا بل سعادة هو من فعل ذلك، وأن التأسيس والتشريع والدعوة كانت قبل ان صار سعادة زعيماً، إنه صار زعيماً لأنه أسس وشرَّع ودعا وليس العكس.

الفرق  موجود وواضح دستورياً وقيمته كبيرة اليوم خاصة في موضوع فلسفة التعاقد الفردي التتابعي مع سعادة في حياته وبعد مماته ، وليس مع الزعيم.

سعادة يبقى هو صاحب الدعوة في حياته وبعد مماته، فكما تعاقد الأعضاء معه، في حياته، دون أن يكون موجودا أمامهم ، تعاقدوا معه بعد مماته دون أن يكون موجوداً أمامهم.

أما الزعيم فقد مات ولم يعد للحزب اليوم عملياً زعيم. للحزب اليوم صاحب دعوه ومؤسس ومشرع هو سعادة، ولكن ليس للحزب زعيم.

انا مثلك لاأقبل أن نستبدل سعادة بالمراجع العليا من حيث أنه صاحب الدعوة والمؤسس والمشرع، أما الزعيم كسلطة، أما الزعامة، فيجب إستبدالها بالمراجع العليا بلى.

وعبارة المراجع العليا، كسلطة، قد أوردها سعادة نفسه، خلال حياته، في قسم المسؤولية:" ..... مطيعا لأوامر رؤسائي التي يخولهم الدستور والقوانين النافذه إصدارها، متحملاً مسؤولياتنها تجاه الزعيم والمراجع العليا.... وتنفيذ خطط الحزب المقررة من قبل الزعيم والمراجع العليا ..."

إن الذي يؤمِّن لي، لنا، ضمانة أن نبقى على ماأراده لنا سعادة، الزعيم، أن نكون، هو عبارة: "التي يخولهم الدستور والقوانين النافذه إصدارها". إن دستور سعادة، دستور عهد الزعامة، وقواعده وأسسه هو الضمانة وهو البوصلة التي تجنبنا الإنحراف والضياع، وكل تعديل للدستور لايأخذ بمصادر التعديل التي هي الدستور نفسه والعقل والعقيدة، هي تعديلات غير شرعية، هي باطلة.

الزعامة تنتهي، اما الذي يبقى فهو الدستور والعقيدة والعقل، يعني الأسس والقواعد التي بناها سعادة الذي تعاقدنا معه هو وحده، في حياته وبعد مماته، بحضوره أو بغيابه.

أما قسم العضوية، فأنا مع تعديله ليصبح . " ... وأن أسهر على مصلحته وأؤيد كل ماشرَّع زعيمه وأؤيد سلطة مراجعه العليا الدستورية التي يخولهم دستور عهد الزعامة ممارستها..."

ثانيا: بين السياسة والإجتماع.

أنت تقول : "ضرورة الفصل بين المؤسسات السياسية والإجتماعية"  وأيضا "قسم سعادة المؤسسات في دستوره إلى قسمين، مؤسسات  تهتم بالشأن السياسي وأخرى بالشأن الإجتماعي للأمة والوطن ...."

وأيضا : "وإنه يمنع منعاً باتاً دمج أيه مؤسسة سياسية بأخرى إجتماعية". وذلك إستناداًَ إلى ماذكره سعادة في كتاب نشؤ الأمم عن ضرورة إبقاء الفرق واضحاً بين السياسة والإجتماع، وعن تسخيفه لكون كل فرد من أفراد  المجتمع شريكا فعلياً في إدارة الدولة.

أقول: فلنقرأ نشؤ الأمم جيداً وبتمعن وعمق ونتابع تسلسل أفكار سعادة ومنهجيته العلمية الرصينه الراقية ، فماذا نرى؟

نرى أن سعادة كان يستعرض نماذج عن أنواع الدول التي قامت في التاريخ ويعرفنا عليها  ثم يبدي حكمه عليها بناء على الحقائق العلمية التي قام عليها الإختبار والبرهان تاريخياً.

ومن هذه النماذج هو نموذج "الديمقراطية الشعبية المباشرة" التي قامت في أثينا في عهد بركلس وكان الشعب فيها ليس فقط مصدر السلطة بل صاحب السلطة المباشرة، كان الشعب "شريكاً فعلياً في إدارة, إدارة, إدارة الدولة، الجمهور كان كل فرد فيه يتدخل ، يحق له أن يتدخل في شؤون الإدارة كان الجمهور " يعبث" بالدولة, "يستبد" بها. يقول سعادة :

 "... ولكن الحقوق السياسية في المدينة السورية البحرية لم تقع قط في ورطة إستبداد الجمهور بواسطة تدخل الأفراد كما حدث في أثينا المدينة الإغريقية لعهد بركلس الذهبي حيث كان يحق لكل فرد أن ...."

"إن العقل السوري قد إكتفى من التجربة الإغريقية للحكم الشعبي، بواسطة الشعب أجمع ، بالمشاهدة ، إنه لخيال .... أن يكون كل فرد شريكاً فعلياً في إدارة الدولة. إن المدينة السورية ظلت محافظة على الفرق بين السياسة والإجتماع واضحاً  وهذا الفرق هو مامكن الدولة من إطِّراد تقدمها."

"إن محاولة الجمهورية الإغريقية ألغت الدولة أو كادت تلغيها وإن الإسلوب الذي جرت عليه الدولة في تقدمها وإرتقائها هو الإسلوب الذي إرتقى في قرطاجة إلى الديموقراطية  ووضوح الحقوق المدنية والحقوق الشخصية مع بقاء الدولة شيئاً متميزاً عن الشعب، مؤسسة لايمكن أن تعرَّض لعبث الجمهور".

إذا لو تمعنا في مايقوله سعادة في نشؤ الأمم وعما كان يتكلم نعرف ان سعادة لايقول أبداً "بضرورة الفصل بين المؤسسات السياسية والمؤسسات الإجتماعية" بل يقول بإبقاء الفرق بين السياسة والإجتماع واضحاً.

الفصل يعني أن لاعلاقة، سعادة لم يقل ذلك. أليست السياسة شأناً إجتماعياً؟ السيت السياسة للمجتمع؟ السياسة ليست للسياسة، السياسة دون المجتمع والإجتماع لامعنى لها. السياسة هي فن خدمة الأغراض القومية يعني أغراض القوم، يعني أغراض المجتمع.

سعادة يقول عن الدولة إنها شان ثقافي – سياسي – إجتماعي – كالتالي:

"وبديهي إن الدولة شأن ثقافي بحت لأن وظيفتها العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه ... فهي إذاً شأن من شؤون المجتمع المركب لاوجود لها إلاَّ فيه ، وهي لذلك شأن سياسي بحت ، ومع ذلك فهي ليست شأناً لا إجتماعياً فكما الدولة لاوجود لها إلاّ في المجتمع كذلك السياسة لاوجود لها دون الإجتماع". العلاقة إذا دائما موجودة وكلما تطورت الدولة ، وكلما تطور الإجتماع أصبحت العلاقة أوضح وأصبح الفرق أوضح أيضاً ففي الماضي السحيق في الدرجة البدائية المنحطة في تطور الدولة والمجتمع، كان المجتمع وكانت الدولة شيئاً واحداً، وسعادة يقول في هذا تحت عنوان واقع الدولة مايلي:

"ففي رجوعنا إلى أوائل عهد الدولة نظل نتوغل في الماضي لننحدر في مراقي الثقافة حتى نبلغ نقطة تلتقي عندها السياسة بالإجتماع كانهما شيء واحد ففي الشعوب التي لاتزال قيد الفطرة، بالنسبة إلى الشعوب الثفافية نجد نقط الإتصال بين الدولة والمجتمع في الطوطمية ..."

أما إن سعادة قد قسم المؤسسات في دستوره إلى قسمين فهذا صحيح ولكن ليس قسم سياسي وقسم إجتماعي بل قسم مركزي وقسم محلي.

المركزي يههتم بالسياسة والإجتماع، والمحلي أيضاً يهتم أيضاً بالسياسة والإجتماع ولكن بالسياسة المحلية، إنه محلي.

أنا أفهم قصدك، إنك تحاول تخطئة أن تمتد مهمة مجلس المنفذية إلى مايسمى المجلس القومي – البدعة – إلى التدخل في إنتخابات أو في إنتقاء أعضاء المجلس الأعلى. أنا مثلك أرى هذه الخطاء الفادح لكن حجتي غير حجتك.

أنا حجتي ليست ضرورة الفصل بين الإجتماع والسياسة بل حجتي هي مبدأ الأهلية والتعبير بدلاً من التمثيل.

أنا أخالف الأمين هنري حاماتي، كمثل، في هذا الموضوع. هو يقول بالتعبير على الصعيد المركزي-القومي، وبالتمثيل على الصعيد المحلي، وهو يسوق مسألة الفرق بين السياسة والإجتماع لتأييد فكرة أن الأفراد في المجتمع لايجب أن يتدخلوا, تصويتاً، في إختيار القيادة المركزية القومية (طبعاً مع ضرورة ان يكونو راضين عنها ومؤيدين لها لصون مبدأ الديموقراطية). انا مثله، ومثلك، اقول بأن افراد المجتمع- الحزب لا يجب ان يتدخلوا، تصويتاً، في اختيار القيادة المركزية،  ولكن سببي ليس هو الفرق بين السياسة والإجتماع، لان الفرق بين السياسة والإجتماع هو مسالة ليس لها علاقة بمسألة إختيار القيادة وطريقتها، إنها تعالج موضوع آخراً مختلفاً. انها تعالج حق او عدم حق جميع افراد الشعب في ادارة الدولة.  الأشتراك في الادارة هوغير الأشتراك في اختيار الادارة.

إن سببي أنا ، إن السبب الذي أراه أنا، هو مبدأ الأهلية ومبدأ ان الحق لايكون عددياً يختزنه العدد ويفنى فيه، ومبدأ التعبير بدلاً عن التمثيل. وتفصيل ذلك لا شك انك قرأته في دراستي حول الديموقراطية التعبيرية.

نعم يجب إبقاء الفرق بين الإجتماع والسياسة واضحاً، نعم يجب أن لايتدخل أفراد المجتمع- الحزب في إدارة الدولة – الحزب هذا اصبح بديهياً اليوم، لم يكن بديهياً في أثينا في عهد بركلس الذهبي، ليس بديهياً في ليبيا اليوم حيث "اللجان الشعبية " التي هي الحاكم الفعلي، حسب الكتاب الأخضر، ولكنه بديهي عندنا وعند جميع دارسي علم الإجتماع والسياسة ولا أحد يقول غير ذلك اليوم.

يمكن أن يقول لنا المنحرفون: أن المجلس القومي المنبثق عن إنتخابات من ثلاثة مراحل، لايتدخل في إدارة الدولة-الحزب، ليس شريكاً فعليا في إدارة الدولة-الحزب ، ومعهم حق !! إنه يشترك فقط في إختيار القيادة.

إن حجتنا تكون ضعيفة عندما نستند في رفضنا لدور المجلس القومي – البدعة في إختيار القيادة المركزية إلى مسألة الفرق بين السياسة والإجتماع، لأن الإشتراك في إختيار القيادة لايعني الإشتراك في عمل هذه القيادة في إدارة الدولة الذي يعنيه عدم الفرق بين السياسة والإجتماع.

إن حجتنا تكون قوية عندما نقول ان افراد الحزب اهلياتهم ليست متساوية، ليسوا كلهم مؤهلين لفهم القضايا القومية والسياسية العليا والمناقشة فيها ثم اختيار الادارة العليا على اساس هذا الفهم وهذه المناقشة. المؤهلون فقط لهم الحق بذلك.  وعندما يكون المؤهلون فعلا مؤهلين، اي مؤهلين عن استحقاف، عن امتحان، فان جميع القوميين، وليس فقط اكثريتهم، يقبلون بدور المؤهلين ويثقون بهم وبدورهم بل ويحترمونهم جزيل الاحترام، وهذا هو جوهر الديموقراطية.   إن حجتنا تكون قوية ومفحمة عندما نستند إلى مبدأ الأهلية ونظرة سعادة إلى الإنسان حيث الحق إنساني إجتماعي لاعددي وحيث الأفراد إمكانيات متنوعه مختلفة الدرجات والاهليات والمؤهلات، عندما نستند إلى مبدأ التعبير بدلا من التمثيل وعندما نفهم معنى التعبير والفرق بينه وبين التمثيل.

حاماتي يقول "مثلا " بالتعبير والتمثيل معا، التعبير على الصعيد المركزي-القومي، والتمثيل على الصعيد المحلي، مستنداً إلى أن مجلس المنفذية، المحلي، هو مجلس تمثيلي، دون ان ينتبه، برأيي، أن التمثيل في المجلس التمثيلي لاعلاقة له بمدأ " تمثيل الإرادة العامة. إن التمثيل في المجلس التمثيلي هو تمثيل لكل مديرية برفيق واحد. كل هيئه مديرية تنتخب ممثلاً عنها ليمثلها في المجلس، المجلس يمثل المديريات ولايمثل "الإرادة العامة ". ليس كل ماقرأنا كلمة تمثيل يجب أن نفهم إنها تعني الديمقراطية التمثيلية. التمثيل في الديمقراطية التمثيلية هو غير التمثيل في المجلس التمثيلي المحلي إنه مختلف كلياً.

إن سعادة يقول بالتعبير بديلاً، بديلاً عن التمثيل، ويقول بالتعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة في مسألة الديمقراطية، ولم يحصر مبدأه بالصعيد المركزي القومي ويستثني الصعيد المحلي. إن مسألة لجان المديريات ومجالس المنفذيات هي مؤسسات محلية لاعلاقة لها بموضوع "الإرادة العامة" وتمثيلها أو التعبير عنها. أما الديمقراطية التعبيرية فهي للدولة كلها، للمجتمع كله، إنه مبدؤنا الجديد، فلماذا نكون أحياناً مترددين!!!  أني أقول لك ماأقول وأعرف أنك توافقني على الموضوع الأساسي، على الفكرة الأساسية، وإذا كان لكل واحد منا إسلوبه وعباراته، طريقته بالتعبير، فهذه ليست مسأله كبيره، ولكن أحببت أن أضع بعض النقاط والفواصل.... والملاحظات آمل أن تأخذها، كما أتوقع، بروح علمية .

إن لك مقالاً رائعاً  قرأته لك منذ سنه تقريباً ، أو أكثر ، هو فلسفة التعاقد ، لقد إستفدت منه كثيراً في درسي وفهمي لسعادة.

وأنا أحب أيضاً أن تطَّلع على دراسة لي بعنوان: "هذه هي الديمقراطية التعبيرية" وبخاصة العنوان الفرعي : الفرق بين التعبير والتمثيل.  

شحاة الغاوي 

سيدني في 25/4/08

Back ] صفحة رئيسة ] Up ]

صفحة رئيسة
Up
رسالة الى الرفيق منير حيدر
نشؤ الامم كتاب علمي
في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي
الحوار الإسلامي المسيحي
ماذا يعني لي شرفي وحقيقتي ومعتقدي
فلسفة الإنسان الجديدة:الإنسان المجتمع
مداخلة على "حقيقة الفرد للرفيق حنا
هذه هي الديمقراطية التعبيرية
حدث معي في "هذا الحزب"
ملحق "هذه هي الديمقراطية التعبيرية"
قضية الإنتماء والحرية الصراع
قيادات لا تتحمل أبطالاً
قانون الإنتخابات والتوازن والتعايش
الفرق بين السياسة والإجتماع في كتاب نشؤ الأمم