|
الحزب الذي لم يعد هو الحزب
بعد
نيف وسبعة عقود من السنين التي مضت على تأسيس الحزب السوري القومي
الإجتماعي(الحزب من هنا وما بعد)، يبرز سؤال كبير يشغل أفكار كثيرين من
الناس، سواء أكانوا من المنتمين إليه والمؤمنين بقضيته أو كانوا خارج
دائرته أو دائرة تأييده. السؤال هو: أين هو هذا الحزب اليوم
وماذا بقي منه؟
طبعا، يوجد هناك كثيرون ممن لا يرون أي مبرر لطرح مثل هذا السؤال،
دلالة منهم على أن الحزب بخير، معترفين بوجود خلل في موضع منه أو في
آخر، يمكن معالجته وإصلاحه بخطوة بسيطة أو إجراء سهل. الخلاف بين
هؤلاء هو على إتخاذ مثل هذه الخطوة أو عدمها. ذلك أن معظم أصحاب
مثل هذا الرأي يعملون بعقلية التجاذب وشد الحبال لتأمين وضعية متينة
لهم في هيكلية قيادة الحزب بسبب إعتقادهم أن مثل هذه الوضعية تفتح
أمامهم ولهم أبوابا واسعة على صعيد المصلحة الشخصية. الحقيقة أن
معظم هؤلاء المتجاذبين هم من الذي تعرفوا على الحزب أو نشأوا فيه في
مرحلة إتخذ فيه هذا التجاذب طابع "العربشة" و"التسلل" و"التشاطر"
و"التسرق" و"القوطبة" و"التذاكي"، حيث تسلح المتجاذبون بما تيسر لهم من
تأييد ودعم من خارج الحزب. معظم "الطاحشين" للسيطرة على الحزب من
خلال السيطرة على قيادته لم يفعلوا ذلك بسبب أنهم برهنوا من خلال تاريخ
عملهم الحزبي أنهم أصحاب مؤهلات حزبية وقيادية يرغبون في توظيفها من
أجل الحزب، بل بسبب طموحات وأحلام شخصية غذتها عندهم عوامل الدعم
الخارجي لهم. إذا كانت عملية التجاذب قد أخذت سابقا شكل أجنحة
حزبية تتصارع وتتناهش بأشكال مختلفة تقررها الظروف والأوضاع المصاحبة
لهذا التصارع، فإنها تأخذ اليوم طابع الموالاة والمعارضة.
الموالون لهم دفوعهم وقناعاتهم، لكن المعارضين لا يذكرون لنا من سبب
لمعارضتهم سوى أنهم يشكون غياب الديمقراطية في الحزب. لا تكتمل
صورة الدمار الأخلاقي والنفسي الحاصل في الحزب إذا لم أذكر نماذج من
دفوعات الموالين وقناعاتهم. النموذج الأول يعبر عنه رأي سمعناه
من رفيق حملنا له تقديرا كبيرا في مرحلة سابقة بسبب ما كان له من مواقف
ونشاط. هذا الرأي يقول إن الحزب اليوم هو في وضع ممتاز؛ إذ
كيف لا يكون كذلك وممثله في الحكومة أسعد حردان هو من يعين رئيس
الجمهورية في لبنان!!! – حيث الشيء بالشيء يذكر، كنت لاحقا في نفس
اليوم الذي سمعت فيه رأي ذلك الرفيق أجلس مع صحفي صديق وهو في الحزب
الشيوعي، وكنا ندردش عمن سيكون رئيسا للجمهورية في المرحلة المقبلة،
فقال لي: "ليش تبعد؟ "التعليمه" مع أسعد حردان".
رأي آخر من آراء الموالاة الحزبية، هذه المرة جاء على لسان كمال نادر
وكيل عميد الإذاعة. في معرض حديثه عن سلامة الحزب وقوة وضعه،
لاحظ أنه تستطيع اليوم أن تذهب الى مجلس النواب وتقول "تحيا سوريا"
فتجد من يرد عليك التحية بمثلها!!! طبعا، كمال نادر لم يكن يمزح
في ذلك، فهو كان جديا جدا.
طبعا أيضا، هناك أشخاص في دائرة الحزب وفكره، يرون أن هناك مشلكة في
الحزب وأن هذه المشكلة ناتجة عن حاجة الحزب الملحة الى التطور، ليجاري
التطور الذي حصل خارجه ويرافقه، إن كان في محيطه المباشر أو على صعيد
العالم. مثل هذا الرأي تحمله أدبيات أو كتابات تطالعنا هنا وهناك
ومن وقت لآخر، كما سمعت مثله من أصحابه مباشرة. لكنني ما لاحظته
فيما قرأت وسمعت هو غياب التحديد والتعيين في نوع التطوير المطلوب.
فهل يقصد بالتطوير تطويرا في العقيدة والمبدأ أم تطويرا في الهيكلية
والشكل أو في طريقة التوجه والعمل؟
قبل الإستطراد في بحث الحالة الحزبية الراهنة وواقعها، لا بد أن نتذكر
معا تعريفنا ومفهومنا للحزب لنرى إذا كان هذا الواقع والمفهوم متطابقين
أو متنافيين.
في فكرنا القومي ومبدئياتنا القومية كما في شروحاتنا وأدبياتنا،
تستوقفنا التعريفات التالية للحزب:
1.
الحزب هو خطة نظامية
2.
الحزب هو "الأمة مصغرة" وهو " دولة الشعب السوري المستقلة"
3.
الحزب هو حركة صراع
4.
الحزب هو حزب القضية القومية التي بدونها يفقد سبب وجوده وأهميته.
أما الهدف الذي يعمل إليه الحزب فهو تحسين حياة الشعب السوري وجعلها
أجمل وأفضل وأسمى مع كل ما يعني هذا من حماة كل مصالح هذا الشعب مادية
كانت أم نفسية.
الحزب بهذا المعنى هو إعلان حالة حرب على كل ما هومتناقض مع أهدافه
ومعرقل لها. من هنا كان سبب الخطورة المرافقة للأعلان عن الحزب.
لقد كان مدى هذه الخطورة واضحا عند سعاده وضوحا كليا منذ اللحظة التي
فكر فيها بتأسيس الحزب وإطلاقه؛ وهو كان يعرف جيدا حجم القوى
المعادية والممانعة للحزب ويدرك فعاليتها وتأثيرها وجبروتها؛ لكن ذلك
لم يثنه عن المضي في تنفيذ ما قرره وخطط له. عظمة سعاده تأخذ
بعدها الأقصى ليس فقط من صحة قضيته وإدراكه لخطورتها والنتائج التي
ستترتب عليها، بل لأن تلك القضية شكلت المعنى الوحيد لحياته فما كان في
موضع القابل على المساومة عليها في أي مرة من المرات ولأي سبب من
الأسباب، بما فيها سلامته الشخصية.
هذا هو الحزب كما أراده سعاده وهذا هو الحزب للذين آمنوا بقضيته إيمانا
حقيقيا راسخا لا إشراك فيه ولا مخالطة وغير قابل للمساومة من أي
نوع ولأي سبب كان. هؤلاء إنما يفعلون ذلك ونصب أعينهم تلك الثروة
الهائلة من القدوة العظيمة التي أوجدها وأرساها سعاده. هؤلاء
المؤمنون الحقيقيون يصيبهم الخجل إذا شعروا أنهم في حالة من حالات
الأسترخاء أو التخاذل، أو عندما يصيبهم أي شك أو أي إحباط أو يأس.
ربما يكون الشعور بالخجل هو ما يميز المؤمنين الحقيقيين عن الدجالين أو
القابلين بالإشراك والمخالطة والمساومة. فالدجال لا يخجل، المشرك
لا يخجل، المتاجر لا يخجل، والنفوس الضعيفة لا تعرف الخجل على
الأطلاق.
واضح من مفهومنا للحزب والغاية من وجوده أنه لا يمكن أن يكون بالنسبة
لنا، تحت أية حالة من الحالات، أحد الأحزاب أو حزبا آخرا منها.
الحزب لنا هو القضية وهو الوجود. عندما يبطل أن يكون الحزب كذلك لنا،
تبطل الحاجة إليه ويبطل المبرر من وجوده.
بسبب مفهومنا هذا للحزب، نصعق ونصدم ونرتعب عندما ندرك حقيقة واقعه
الحالي والأنهيار الذي وصل إليه. ليست مأساة الحزب الحالية في
كونه في حالة عقم تكاد تكون شاملة، أو في أن يضم في قيادته أشخاصا
مفلسين أخلاقيا وفكريا وثقافيا، أو أشخاصا مرتهنين لمصالحهم الشخصية
وما يجره ذلك الى إرتهان لهم لقوى خارج الحزب، بل مأساة الحزب الحقيقية
تكمن في أن القوميين في معظمهم يتعاملون مع هذه الحالة بخفة ناتجة أو
عن قبولهم لهذه الحالة، أو عن عدم فهم للحزب وطبيعته، أو عدم
الرغبة في مواجهتها وتحمل نتائج المواجهة. ليس صحيحا أن كل من
أنتمى الى الحزب فعل ذلك بسبب إيمانه بشمولية قضيتة وصحتها؛ لقد جذب
الحزب كثيرين لسبب معين أو آخر ليس أقله أنه هو المتنفس الذي يكاد أن
يكون وحيدا لنبذ الطائفية والداعية الوحيد للعلمانية. مشكلة
كثيرين من هؤلاء الذين إنتسبوا إليه لسبب أو لآخر إعتقادهم أنهم
يستطيعون أن يوفقوا بين محدودية أيمانهم وطموحاتهم الشخصية وبين الحزب
وقضيته الشاملة. هم غالبا ما إعتقدوا أنهم يستطيعون أن يطوروا
الحزب بشكل يتوافق مع حجم تطلعاتهم الشخصية والذاتية. لذلك نرى
هذا التشرذم الهائل اليوم. مجموعات موالية كثيرة ومجموعات معارضة
كثيرة، وبين هذه وتلك تجد مجموعات ومجموعات من أنواع أخرى.
يصدمنا أكثر أن نرى أشخاصا كنا نعتقد أنهم يملكون إرادة صمود قوية
ونزاهة كافية وإيمانا بالقضية غير قابل للأشراك أو المخالطة، يتصرفون
الآن وكأنهم لم يعرفوا الحزب على الأطلاق. عند هؤلاء أصبح الحزب
بحجم مقاصدهم الشخصية. عندهم أصبح الحزب مقعدا نيابيا يتنافسون
عليه ليس مع القوى السياسية الأخرى، بل بين بعضهم بعضا. يختلفون
على هذا المقعد قبل أن يضمنوا أنهم يستطيعون الفوز به. لا يقول
أحدهم لماذا يعتقد أنه يجب أن يكون مرشحا للحزب لذلك المقعد وما
هي الأمور التي ينوي القيام بها لخدمة قضية الحزب إذا ما نجح، بل هو
يبرر أحقيته من أن تلك الجهة النافذة تريده هو دون غيره. لهذا
السبب يختلف أنطون وأنطون، ومحمود ومحمود، وحسن وحسن. إنها مأساة
أن ترى كل شخص في الحزب يطمح أن يكون نائبا وإن جهد كل من يعتقد منهم
أن له حظا ولو بسيطا في الترشيح ينصب على العمل بهذا الإتجاه وهذا
الحظ. أليس غريبا أن نرى أنه كان هناك أكثر من 15 مرشحا من
القوميين لمقعد ماروني في منطقة عالية-بعبدا في الأنتخابات اللبنانية
الماضية؟ ثم أليست النيابة بهذا الشكل وهذه الظروف دليلا على
خسارة الحزب نفسه؟ ما هو المثل الصالح الذي أعطاه أشتراك هؤلاء
في النيابة أو في الوزارة اللبنانية؟ كيف يمكن للقوميين أن يضعوا
رؤوسهم في الرمال وهم يسمعون كلام الناس عن "إنجازات" ممثليهم في
الحكومة اللبنانية؟ ماذا يجيبون الناس وهم يسمعونهم يتكلمون عن
حرق وزارة العمل وبالتحديد الطابق التي يحوي ملفاتها، ورائحة العفن
المنبعثة من تلك الوزارة؟ ثم ما هي الحسابات المستقبلية التي
يقوم بها القوميون مما يجعلهم يقبلون أو أن يسكتون عن هذه الحالة؟
هناك سؤال أكبر من كل الأسئلة المتقدمة: هل هناك قوميون يعتقدون أن
حزبهم بحاجة الى عملية نقدية شاملة وجذرية تحدد وتعين الأمور بشكل واضح
وغير قابل للشك أو السؤال؟ ثم هل هناك من يعتقد أنه يستطيع أن
يقوم بذلك؟
ليست الحالة الحزبية الحاضرة وليدة اليوم ولا الأمس، بل هي نتيجة
مؤامرة مستمرة إتخذت أشكالا متعددة ومتلونه منذ كان الحزب. إنه
من البراءة بمكان أن يعتقد أحد أن الحزب يمكن أن يترك وشأنه من قبل
الأعداء. ثم أن لا مكان لمثل هذا الإعتقاد وأمامنا كل هذه
المعلومات التي أصبحت عامة الآن، حول دور أعداء الحزب في كل الضربات
التي وجهت إليه. ألم يكن يهود الخارج المحركين الأساسيين ليهود
الداخل لأغتيال سعاده؟ ألم تكن أصابع اليهود وحماتهم وراء كل
ضربة أخرى وجهت الى الحزب؟ غير أن المحزن ليس مؤامرات الأعداء
ولا مخططاتهم الدائمة ولا رغبتهم المستمرة في القضاء على الحزب؛
المحزن والمخجل هو أن نرى أن أفرادا في صفوف الحزب يقعون فريسة سهلة في
أيدي هؤلاء الأعداء، فيكون تنفيذ المؤامرة بواستطهم وعلى أيديهم.
هذا حصل في عام 1955، وفي عام 1958، وفي عام 1961 وفي كل المرات التي
تلتها.
لقد نجح أعداء الحزب أخيرا في توصيل الحزب الى الحالة التي يريدونها
له. هذه الحالة التي تتمثل في فقدان الأخلاق والمناقب
القوميين، والتي تتمثل في الميعان الفكري والنفسي وفي تحويل إتجاهات
الصراع وأهدافه. أي حالة أكثر سوءا من حالة تعتقد فيها كل شرذمة
أنها تستطيع أن توظف ما هو متوفر من قوة للحزب في هذا الأتجاه أو ذاك؟
أي حالة أكثر سوءا من حالة يتجرأ فيها فرد على الدعوة الى التوفيق بين
سعاده ورياض الصلح موحيا أن هناك ما يجمع بين سعادة وإحدى أدوات
المؤامرة عليه؟ أن يتخلى أحد عن إيمانه القومي فهذا شأنه، أما أن
يهرطق وهو يدعي أن هرطقته تنطلق من موقع قومي ومصلحة قومية، فهذا أمر
يتعداه ويحاسب عليه.
قد يكون الأعداء نجحوا في تغييب الحزب عن إخلاقه ومناقبه وفكره
وثقافته، لكنهم لم يستطعوا القضاء على المخزون الفكري والنفسي الهائل،
والمخزون الكبير من القواعد الأخلاقية الجديدة الذي تركه سعاده
وتركه عدد كبير من المؤمنين به وبقضيته. هذا الفكر وهذه القواعد
الأخلاقية الجديدة ستبقى منارات يقتدي بها كل مخلص ومدرك وشريف من
أبناء شعبنا. يبقى أخيرا لشعبنا في مجموعه الخيار: أو أن
يبقى في حالة التخلف التي هو فيها أو أن يختار ذلك الفكر ويعتمد تلك
القواعد. |