لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

من لبنان، الى العراق مرورا بفلسطين: أدواتُ الجهلِ والإنتحارِ هِيَ هِيَ

لم يكن من السهل علي أن أشرح الى "كن هافورد" و "كريستين شوستر" وباقي الزملاء الذين كانوا يصغون إلى حديثنا، أسباب المآسي التي يغرقُ فيها شعبنا، من لبنان، الى فلسطين، الى العراق.  فإذا كانت هذه الأسباب "غامضة" على عقول اصحاب المآسي أنفسهم أو غائبة عنها، فكيف يمكنني توضيحها بشكل مفهوم ومقبول من بضعة عقول غربية؟  كيف يمكن أن أبرّر تلك المجازر التي أصبحت تشكل "خبزاً" يومياً عند شعبنا في العراق، وأعمال القتل التي تحصل في فلسيطن، ليس تلك التي يرتكبها الصهاينة بحقهم، بل تلك التي يرتكبها الفلسطينيون ضد بعضهم بعضا"؟  ثم كيف يمكن أن أفهم تلك العقول عينها طبيعة الأسباب التي تجعل الوضع في لبنان على كفوف العفاريت والشياطين، ومسألة تعرضه للإنفجار بين لحظة وأخرى؟

يسألونك عن أسباب تذابح السنة والشيعة في العراق وهل منع ذلك التذابح من الإمتداد والإنتشار هو بخلق دولة للسنة وأخرى للشيعة؟ يسألونك عن الفلسطينيين وعن تقاتلهم وأسباب عدم إعترافهم بالدولة العبرية.  يسألونك عن الحريري والسنيوره وحزب الله.  يسألونك عن الإرهاب والإسلام وطبيعة الرابط المزعوم بينهما وسببه.  ويتساءلون فيما بينهم إذا كانت أسباب كل ذلك تعود الى إختلاف قِيَم ومفاهيم أولئك الناس عن القيم والمفاهيم الغربية.    

هذه بعض نماذج عن الأسئلة التي تنهمر عليك وأنت تتحدث لأي مثقف غربي يستمد معرفته عن أوضاع شبعنا وبلادنا مما يُمطَرُ به من أخبار وتعليقات ودعاية وتشويه من قبل وسائل الإعلام الغربية المختلفة.  لذلك تجد نفسك أمام سلّة من المواضيع، إذا لم تعرف كيف تقترب منها بحذر وتعالجها بإختصار ووضوح، تفشل في إستغلال تلك الفرصة المتاحة لك للتعريف بقضيتك ومأساة شعبك أمام هذا النفر القليل من الناس.  إذ أن الفرص من هذا النوع لا تحدَث كل يوم في بيئة تغلب عليها المهنية التي لا تترك أوقاتاً كافية ومناسبة لأحاديث عامة يمكنك من خلالها التعريف ببعض همومك.

بدأت إيجابتي على ما أُمطِرتُ به من أسئلتهم بالتأكيد على أن الذي يجري في العراق لا ينفصل عما يجري في لبنان أو في فلسطين. قلت لهم إن هناك نوعين من الأسباب لتلك الأحداث: أسباب خارجية تتعلق بأطماع الغرب بمصالحنا وخططه ضدنا، وأسباب داخلية تتعلق بنا كشعب يعاني الكثير من التخلف والأمراض الإجتماعية.  أما الأسباب الخارجية، أكملت، فإنها تختصر بمسألتين: أطماع الأميركيين في ثروات منطقتنا وما بعدها، ووجود الدولة العبرية  وإصرار اليهود على سلب كل حقوقنا ومصالحنا وإخضاع شعبنا بشكل كامل لإرادتهم.

قلت لهم إن الأميركيين يستطيعون تقديم كل المبررات الفارغة لإعتداءاتهم على شعبنا ومصالحنا ويستطيعون أن يستمروا بجميع محاولات الإستغباء التي يحشدونها في تلك التبريرات، لكن حقيقة الأمر أنهم لا يستطيعون الإستخفاف بعقولنا لتصديق أكاذيبهم التي لا يقتنع بها سوى الأغبياء.  إن الأميركيين يشنون حرب الفناء ضدنا تحت ستائر واهية من الشعارات الكاذبة، مثل الديمقراطية ومحاربة الإرهاب.  فأي ديمقراطية هذه التي تحصد اكثر من مليون ضحية في العراق وتبقى الفلسطينيين في محنة متواصلة يعيشون حياة هي أقل من مستوى الحيوانات الدنيا؟ أي ديمقراطية يحاولون إرسائها في لبنان بعد تدمير هذا البلد الجميل؟

قلت لهم إذا كان الأميركيون يملكون قوة طاغية، باغية، يستطيعون معها تدميرنا وإبادتنا، وإذا كنا نحن مغلوب على أمرنا لا نملك شيئا من أسباب قوتهم، فليس هذا معناه أنهم يستطيعون إستغبائنا، أو أن ذلك يجب أن يدفعهم على الإعتقاد بأنهم يملكون أهلية عقلية ونفسية تفوق ما نتمتع به في هذا المجال. نحن لسنا مبهورين بالأميركيين ولا نشعر بأية عقدة نقص تجاههم. أكثر من  ذلك، نحن نشعر بتفوق نفسي كبير عليهم من خلال مساهمتنا الهائلة في تقدم الإنسان وتطور الحضارة الإنسانية.   فبينما ساهمنا نحن على إمتداد تاريخنا الذي يعود الى آلاف السنين في تقدّم الإنسان وتطوير الحياة الإنسانية، نرى أن كل ما يفعله الأميركان اليوم هو تدمير هذه الحياة.  يحاول الأميركيين تغطية أطماعهم وساديتهم بأن الصراع هو صراع حضارة مسيحية غربية وحضارة إسلامية إرهابية متخلفة؟ فأي تخريف هو هذا التخريف وأي زيف هو هذا الزيف؟ 

قلت لهم إن قضيتنا قضية شعب قدم الكثير في سبيل الحضارة الإنسانية وإن ما قدمناه للإنسانية كان سبباً في إنبعاث ما يتمتع به الغرب من حضارة اليوم. ماذا كانت مكافئتنا من هذا الغرب؟ مخططات تقسيم وإعتداءات متواصلة علينا؟  من منكم لم يسمع بسايكس-بيكو أو وعد بلفور، وحديثا بخريطة الطريق وغيرها من الأعداد الكبيرة من الخرائط المتنوعة التي ترسم في دوائر المخابرات الأميركية/الصهيونية، وكلها توضع في إتجاه التلاعب بمصيرنا وقدرنا؟ 

قلت لهم عن أي صراع مسيحي-إسلامي يتكلم جورج بوش وجوقته؟ ماذا يعرفون عن المسيحية؟ بل أين هي المسيحية في الغرب اليوم؟ ماذا يعرف كل هؤلاء عن المسيحية؟  لكم أن تعتقدوا أن المسيح هو إبن الله ولغيركم أن يعتقد أن محمداً رسول الله، لكن ما أؤمن به شخصياً هو أن المسيحية هو جزء لا يتجزأ من تراثنا الحضاري وهو إنتاج لهذه الحضارة وبسببها وليس لأي سبب غيبي آخر. أما ما يسمونه الأميركيين من جماعات إسلامية إرهابية، فإن تلك الجماعات هي ذاتها التي خلقها الأميركيون انفسهم وأستغلوها في زمن الحرب الباردة لمحاربتهم.  قلت لهم لولا لو لم يجيّش الأميركيون جحافل التخلف والتعصب الديني الإسلامي ويحرضهم لمحاربة الإتحاد السوفياتي في أفغانستان، لكانت أفغانستان اليوم بلداً علمانياً مرتاحاً من جميع ما لاقاه من موت وخراب ودمار شردت شعبه وأعادته قرونا الى الوراء.

تساءلت أمامهم ما الذي يجعل الأميركيين يتبعون هذه السياسة من العدوان والتقتيل والآلام التي يخلقونها لنا ولغيرنا من الشعوب، كل ذلك من أجل أطماعهم المتعلقة بثروات الطاقة الموجودة في بلادنا وفي منطقتنا، كما عند غيرنا من البلدان؟  هل إن المواطن الأميركي يحصل على النفط اليوم، وبعد أن دمِّر العراق ودمِّر لبنان ودمّرت أفغانستان، بأقل ثمن من ذلك الذي كان يدفعه قبل تلك الإعتداءات المجرمة الغاشمة؟  هل إن تلك السياسة العدوانية نابعة من طبيعة الشعب الأميركي وقيمه، أم إنها صادرة عن تعاون بين سيطرة اليهود وجشع رجال الأعمال الاميركيين من أصحاب معامل السلاح وتجار النفط؟

قلت لهم إن الدولة العبرية تشكّل الجانب الآخر من الأسباب الخارجية، حيث نشأت هناك شراكة إميركية/يهودية في كل الإستهدافات المرسومة بحق شعبنا وبلادنا.  إن بلادنا لن تعرف الراحة ما لم يكن هناك حل نهائي لهذه المسألة الناتجة عن إستئصال شعب ومحاولة تركيز شعب آخر مكانه.  ثم إذا كانت بلادنا لن تعرف الراحة بسبب ذلك فاي غباء يبعث على الإعتقاد أن العالم الذي ساعد في مأساتنا سيكون مرتاحاً دوننا؟  إستطردت: أن أي حل يرصد بقاء الدولة العبرية وإستمرارها، هو تصميم على نشوب حروب مستقبلية قادمة.  قلت لهم: إننا نرفض الدولة العبرية، بنفس القوة التي نرفض بها أية دولة دينية أو إثنية أخرى، ذلك أن الحل الوحيد لمأساة شعبنا ومشاكل بلادنا هو في مساعدتنا على إنشاء دولة علمانية، التي يمكن بواسطتها وحدها، دون غيرها، من إحداث إستقرار دائم في بلادنا ومنطقتنا، وإزالت أسباب ما يشهده من عدم إستقرار ناتج عن هذه القضية.

تساءلت أمامهم كيف تقبل العقول السليمة أن يتحمل شعبنا كل هذه الآلام والمظالم بسبب ما يوجد من عقدة عند اليهود في إنشاء دولة لهم.  فإذا كان الغرب حريصاً على مساعدة اليهود في إنشاء دولة مستقلة لهم، فلماذا لا تكون تلك الدولة في أوستراليا مثلاً؟  لم يمارس شعبنا تمييزاً خاصاً ضد اليهود خلال تاريخه الطويل، سواء ما قبل نشؤ المسيحية أو بعد بروز الإسلام.  إن أي نتائج تاريخية معينة حصلت لليهود خلال تاريخنا القديم لم يكن بسبب تمييز بقية شعبنا ضدهم، بل بسبب ما قام به اليهود أنفسهم.  أما وضع اليهود في بلادنا خلال القرون الماضية، فقد كان أفضل بكثير من أوضاع الأقليات المذهبية والإثنية الأخرى، ومعظمها إسلامية، ولم يتعرضوا للمظالم التي تعرضت لها تلك الأقليات أنفسها.  ثم أننا نحن لسنا مسؤولين عما قد يكون إرتكبه الإلمان أو الغرب ضد اليهود.  فلماذا يراد لنا تحمّل نتائج ما فعله غيرنا مع اليهود؟

أما ما يتعلق بمعاناة شعبنا من أسباب داخلية – تابعت – فأنا لا أخفي عليكم أننا نعاني من حالات جهل وتخلّف وبدائية طائفية ومذهبية وإثنية وعشائرية ونفعية، تفسح في المجال الواسع للأميركيين ولليهود وغيرهم للدخول الى عمق حياتنا وضربنا بعضنا ببعض.  ليس صحيحاً أن الأميركيين يحاولون منع التذابح بين الشيعة والسنة في العراق، بل إن الصحيح هو أنه، وأن كانت عمليات القتل والمذابح التي تحصل ضد السنة والشيعة هناك تتم بأيد عراقية، فالصحيح أيضاً هو أن كل ذلك يجري بتحضير وتحريض من المخابرات الاميركية/الصهيونية.  وإن ما يجري في العراق يجري مثله في لبنان، ومثل ذلك ما هو حاصل في فلسطين.

أكملت: بالرغم من كل تقدم، فإننا لسنا من الغباء في شيء لنعتقد أن ما يصيبنا هو نتيجة لإعتداءات الغرب والصهيونية علينا، بل إن سببه الرئيسي هو ما أشرت إليه من أسباب تخلفنا، وبالتالي فإن مسؤولية ما يجري لنا هو بشكل أساسي مسؤوليتنا نحن، وإن كان هذا لا يلغي الجرائم الاميركية/الصهيونية بحقنا.