|
أزمة الحزب: خروقات مستمرة لنظام الفكر
والنهج
(2004)
لا
نقصد تكرار أنفسنا إذا أستمرينا في الكلام بشكل دائب عن الطريقة
المبسطه التي ينظر فيها العديدون من القوميين الإجتماعيين في "المعارضة
والموالاة" الى مشكلة حزبهم، ليختصروها على أنها مشكلة ديمقراطية:
غيابها الكبير أو وجودها السليم. ثم يبدو بشكل صارخ من التصاريح
أو الأدبيات أو الممارسات التي تصدر عن معظم هؤلاء، أن ما يعنونه في
الديمقراطية هي الديمقراطية التمثيلية التي سفهها سعادة وأعتبرها
غير صالحة لتحقيق مباديء الحياة الجديده. لذلك قدم الى الحزب
والى الامة مفهوم الديمقراطية التعبيرية كأساس ديناميكي متكيف يستطيع
أن يلبي حاجة النهوض بألامة وتأسيس حياتها الجديدة. عندما يحاول
هؤلاء القوميون إقناعنا بهذا التبسيط، أي في عدم وجود الديمقراطية في
الحزب أو أن الديقراطية في الحزب سليمة وبخير، وذلك حسب من يكون صاحب
الرأي "معارضا" أم "مواليا"، إنما يقدمون لك برهانا على إغفالهم
لأساسيات الفكر القومي الإجتماعي وخروجهم عن دائرته أو عدم فهمهم أو
عدم رغبتهم في فهم للفكر والعقيدة القوميين الإجتماعيين. إنهم
ينطقون بالكفر عندما يظنون أنهم يحاضرون في الإيمان.
إن هذا التبسيط للمشكلة الحزبية هو، برأينا، نتيجة لمناخ إنتقائي يسيطر
على كثيرين من الذين أقبلوا الى الدعوة القومية الأجتماعيه خاصة خلال
العقود الثلاثة الماضية. في هذا المناخ الأنتقائي، يميل كثيرون
الى االتمسك ببعض أساسيات الفكر القومي وتجاهل أو إسقاط البعض الآخر من
هذا الفكر. طبعا، الميل الى الأنتقائية عند بعضهم ليس جديدا في
تاريخ الحزب، إذ أن حالات عديدة منها حصلت خلال قيادة سعاده الشخصية
وفي حياته، فكان على سعاده أن يبذل جهدا إضافيا لمعالجتها والقضاء
عليها. إن هذه ظاهرة خطيرة إذا ما إستمرت لا تؤدي الا الى مزيد
من الضعف والتقهقر. ليست العقيدة السورية القومية الإجتماعية سوق بازر
ننتقي منه ما نشاء ونترك ما نشاء، أنها أساس متكامل لعملية النهوض
القومي ولتأسيس حياتنا الجديدة. إذا كان هناك من تعجبه فكرة دون
أخرى من أفكار الحزب، يمكنه أن يبنى على ما أعجب به من ألأفكار خارج
الحزب، فيكون صادقا مع نفسه ومع مجتمعه، لا هادما في موضع البناء.
طبعا، إن ملاحظاتنا فيما تقدم لا يعني أنه ليس هناك آراء وأدبيات
لرفقاء آخرين تظهر فهما عاليا لمسألة النظام في الحزب السوري القومي
الإجتماعي (الحزب من هذه النقطة وما بعد) وتتناولها في الجوهر والأساس.
لكن يبدوا أنه في مثل هذا المناخ من الميعان والضجيج، لا تلقى هذه
الأفكار ولا تحدث التأثير المطلوب لأنها تحاور العقل، والعقل قد يضعف
أو يتعطل في أوقات الميعان وزمن الضجيج.
ما هي مشكلة الحزب؟
هل في الحزب مشكلة نظام؟
هل في الحزب مشكلة دستور؟
في مقالات سابقة لنا، أكدنا على أن مشكلة الحزب الأساسية هي مشكلة
أخلاق بالدرجة الأولى. إذ لا يمكن أن يكون هناك نهضة أو أن يكون
هناك حزب إن لم يقوما على أخلاق ومفاهيم العقيدة القومية الإجتماعية.
طبعا هناك مشكلة نظام شكل ومشكلة دستور في الحزب، لكن هذه المشكلة، كما
كررنا دائما، سهل حلها أذا ما سادت الأخلاق القومية الإجتماعية وكانت
هي المحرك والأساس في التعامل والتعاطي والأهداف. التحلي
بالأخلاق القومية الإجتماعية يعني أننا نملك فهما صحيحا لأسس العقيدة
والنهضة القوميين الإجتماعيين. لذلك فهي تفرض فهما شفافا سليما غير
ضبابي للنظام القومي الإجتماعي. لقد أكد سعاده دائما أن النظام في
الفهم القومي هو نظام الفكر والنهج ومن ثم نظام الأشكال التي تخدم
وتعمل على تحقيق الفكر وترسيخ النهج.
على ضؤ هذا الفهم للنظام القومي الإجتماعي، نستطيع أن نفهم الواقع
القومي فهما أفضل وأشمل. من خلال هذا الفهم ، نحن نوافق على أن
النظام مخروق في الحزب وأن الدستور معطل؛ لكن هذا الخرق وهذا التعطيل
لا يتمان فقط من قبل الذين يسيطرون على ما هنالك من مؤسسات الأمر
الواقع والمفروض، بل إنه يتخطاهم الى كثيرين من معاريضهم ومن القوميين
المتحمسين لهم أو ضدهم. ذلك أن جوهر وأساس هذا التعطيل والخرق
ناتج عن غياب أو تغييب الفهم الصحيح لمفهوم النظام القومي الإجتماعي
وضروراته الأخلاقية.
قد يميل بعض الذين يحاولون تبسيط المشكلة كما تقدم، الى الإعتقاد من أن
هذه المشكل هي بنت الساعة أو أنها تعود الى سنوات قليلة على أبعد
تحديد. أما نحن فلنا إعتقاد آخرمبني على تجربة غنية في العمل
الحزبي ومعاناة كبيرة عايشناها وتحملنا عبئها. هذا الإعتقاد ينظر
الى الوضع الدستوري الحاضر على أنه نتيجة لخروقات دستورية مستمرة
وقفز مستمر فوق الدستور وقوطبة دائمة عليه بدأت من وقت طويل.
سنبدي فيما يلي أسباب إعتقادنا هذا، مسجلين مشاهداتنا وملاحظاتنا،
إيمانا منا أنه ليس هناك من جدوى في معالجة الواقع الحزبي الحالي دون
النظر في مجمل تاريخ معاناتنا الحزبية في هذا الخصوص وأخذ العبر منها.
أشرنا في مقالة سابقة أنه كان يمكن أن يكون للحزب بعد مؤتمر ملكارت
وضعا دستوريا صحيا يؤمن إنبثاق السلطات بشكل سليم لا تشوبه شائبة من
الناحية النظرية. لكن ذلك لم يحصل لأن النظام، أي نظام شكل، لا
يمكن أن يكون فاعلا وسليما إذا لم تحمله وتحافظ عليه أخلاق جيدة.
لقد لمسنا خلال سير أعمال المؤتمرمدى فساد الأخلاق عند بعض
الأعضاء، إما من خلال الطريقة التي كانوا يعبرون بها عن آرائهم خلال
المؤتمر (مثلا، أحد الذين كانوا يعارضون الإبقاء على رتبة الأمانة
قال:" أمين؟ تفوه"! علما أن والده الأمين كان يجلس الى جانبه) أو من
خلال عمليات "التطبيق" التي كانت تستعمل فيها أساليب رخيصة مثل الحرص
المتواصل الى دعوة بعض المشاركين في المؤتمر الى الغداء من قبل الذين
كانوا يحاولون دفع المؤتمر بإتجاه معين. لقد كان هناك بعض النجاح
لهذا الاسلوب، على الأقل في حالة واحدة، ذلك أن أحد الأمناء ممن أحيطوا
بدعوات التكريم هذه، صوت الى جانب الرأي الذي يقع خارج قناعاته، مما
قاده الى الندم كثيرا فيما بعد.
بعد مؤتمر ملكارت، كانت هناك قوطبة مستمرة على مقرراته من قبل بعض
الذين رأوا أن تلك المقررات ستحدث ضررا لأشخاصهم وموقعهم في الحزب وفي
المجمتع وتعرقل تحقيق ما إنغرس في نفوسهم من أهداف شخصية مزمنه.
عندما وضعت مقررات ملكارت موضع التنفيذ وأنتخب أول مجلس قومي ومن ثم
المجلس الأعلى، كان يمكن أن يبدأ الحزب مرحلة بناء قومي قوي يكون له
فيها دور فاعل ومؤثر في توجيه الأحداث والشؤون القوميين. لكن ذلك
لم يحدث. ذلك أنه عندما كنا نعمل بثقة وأيمان وحماس وتوقعات
عالية، لم نكن نحسب حسابا لأصحاب الخصوصيات هؤلاء وألاعيبهم ولا تصورنا
المدى الذي يمكن أن يصلوا أليه في كيدهم وخساستهم وحقارتهم. لذلك
كان تركيزنا على عملية البناء والنمو دون أن ننتبه الى عملية الهدم الا
بعد أن أصبحت قوية وظاهرة. أنطلاقا من تلك الثقة، كان
أختيارنا لأعضاء اول مجلس أعلى ينتخب على أساس مقررات مؤتمر
ملكارت، دون البحث في سيرهم الذاتية ودون مطالبتنا جميع المرشحين
لعضوية المجلس الأعلى بتقديم مثل هذه السير وشرح الأسباب التي جعلتهم
يترشحون لتلك العضوية وما يتوخون عمله في حال نجاحهم. كان الشك غير
مسموح به عندنا وفي نفوسنا. سرعان ما تبين أن بعض أولئك الأعضاء
في المجلس الأعلى لم يكونوا سوى قنابل موقوته معطلة للعمل
القومي وناشرة للتفلت والميعان. ذلك أنه ظهر أن من وصفوا بالشباب
في ذلك المجلس كانوا خاضعين فكريا لذلك التشويه الحاصل من قبل بعض
الذين كانوا يخافون على رؤوسهم من قررات المحكمة الحزبية العتيدة
الناظرة في المحاولة الأنقلابية، فشرعوا للقوطبة على تلك المقررات
بشراسة وقوة. لذلك، فبدل ان يكون الجهد منصبا ومركزا على عملية
البناء الحزبية المتينه، كانت تجري تحت سطح الوحدة الحزبية عملية زرع
الأسافين في الحزب مما تسبب في عرقلة العمل الحزبي وإضعافه. كانت
واحدة من نتائج تلك الحالة أن عددا من القوميين آثر العمل مع منظمات
وأحزاب خارج الحزب وبعضهم ترك الحزب نهائيا.
كان من نتائج القوطبة على مقررات المحكمة الحزبية، وبعد فشل أولئك
المقوطبين على السيطرة على مؤسسات الحزب بالرغم من كل محاولاتهم، أن
أنشأ هؤلاء التنظيم السري الذي وزعت منشوراته على القوميين تحت أسم
"التنظيم الثوري القومي". كانت إجتماعات ذلك التنظيم تتم في بيت
نقولا طراد في اليرزه، وكان المحرك والمنظر الأساسي له أنعام رعد لأنه
كان أكثر الخائفين من مقررات المحكمة الحزبية وتأثيرها على مستقبله
وطموحاته الخاصة. إننا نستغرب كيف أن إنعام رعد بالرغم من ثعلبته
وكيديته، أستطاع أن يقنع رفقاء مثل عبدالله سعاده ومنير خوري بالسير في
ركاب ما كان يخطط ويعمل له! هما حتما لم يكن لهما نفس
الأستهدافات، بدليل مواقفهم السابقة لذلك الأمر، ولما أتى بعده في
مراحل لاحقة.
لقد حاول أنعام رعد أن يظهر أن المشكلة في الحزب مشكلة يمين ويسار.
فالرجل كان ذكيا في التلوّن مع مقتضيات المرحلة التي يكون فيها؛
لذلك رأى أن التقرب من اليسار الشيوعي وسيلة للتعويض عما كان فقده من
أحترام بين القوميين بسبب مواقفه المخزية في الأعتقال بعد المحاولة
الأنقلابية وخلال المحاكمات المتعلقة بها. عدد كبير من قادة
الأحزاب والمنظمات الشيوعية نظر بإستحسان وإرتياح الى ما كان يقوم به
أنعام رعد من عملية تخريب فكري وتنظيمي في الحزب. من بين
هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر، كان القياديان في تنظيم العمل الشيوعي
محسن أبراهيم ومحمد كشلي. في أحدى السهرات في منزل محمد كشلي،
وكان إنعام مدعوا مع آخرين الى تلك السهرة، أشاد محمد كشلي بإتجاهات
إنعام الفكرية الجديدة وكتاباته المعبرة عن تلك الأتجاهات، لكنه أظهر
أسفه أن تلك الأتجاهات لا تعم القوميين بأكلمهم. كان جواب إنعام
أن خمسة وثمانين بالمئة من القوميين هم معه ويؤمنون بآرائه وأنه ومن
معه بصدد عملية تغيير في الحزب والسيطرة على مؤسساته القيادية.
لم يلق ذلك الرأي موافقة من محمد كشلي الذي أجاب أنعام:"مع إحترامنا
لرأيك أخ إنعام أنا أرى من خلال فهمي المتواضع للحزب القومي، أن هناك
خمسة وثمانين في الماية من القوميين هم مع النظام، وأنت معك خمسة عشر
في الماية، هذا إذا كان معك أي نسبة". أجابه أنعام:"لا، لا، أنتظر
وبتشوف." طبعا، كان على محمد كشلي أن يتنظر بضع سنوات حتى يرى
التطبيق العملي لعملية التخريب تلك.
لم ينجح التنظيم "الثوروي" القومي ومات في مهده بعد محاولات يائسة.
لكن ذلك لم يعن أن تلك المجموعة لم تستمر في مخططاتها وحرتقاتها متحينة
الفرص والظروف المناسبة. هم بدون شك نجحوا في إغراق الحزب
بالدوران حول نفسه، حيث كانت محاولاتنا للخروج من ذلك الوضع تأخذ كثيرا
من وقتنا وجهدنا، اللذين كان يمكن أن يوظفا في موضع آخر وبشكل أكثر
إنتاجا. لقد لجأ أولئك الى آلاعيب ومقالب لا يمكن أن تعتقد أن
أشخاصا تعرفوا الى العقيدة والأخلاق القومية الإجتماعية يمكن أن يلجاوأ
إليها أو يستعملونها. واحدة من تلك المحاولات اليائسة، أنه عندما
أنتخب يوسف الأشقر، العضو في المجلس الأعلى، رئيسا للحزب في خريف
1973، أثار هؤلاء عدم قانونية إنتخابه بسبب عدم أنتظار فترة الخمسة عشر
يوما قبل إقفال باب الترشيح والتي نص عليها القانون. وافق يوسف
الأشقر على الأخذ بذلك الرأي وإعادة الأنتخاب والعودة الى عضوية المجلس
الأعلى. لكن جواب أولئك كان أن يوسف الأشقر لم يعد عضوا في
المجلس الأعلى لأنه أصبح رئيسا للحزب. وعندما وافق يوسف الأشقر
أن يكون رئيسا، إعترض أولئك على أن أنتخابه غير قانوني. بقي يوسف
الأشقر أكثر من شهرين بعد الأعلان رسميا عن إنتخابه رئيسا للحزب
قبل أن ينهي ذلك الجدل مع أولئك ويستطيع ان يقوم بمسؤولياته بصفته
رئيسا للحزب.
لم تكن الفرص تخون أولئك المتربصين، بل كانت أحيانا تأتيهم على طبق من
فضة. لقد أتتهم مثل تلك الفرصة عندما أتخذ يوسف الأشقر قراره
الغريب بالأستقالة من رئاسة الحزب. لم يبهرنا ذلك القرار، بل
أثار سخط كثيرين من الذين وضعوا ثقتهم بشخص يوسف الأشقر وقدرته على
قيادة الحزب في تلك المرحلة الدقيقه وتثبيت دوره فيها. عندها
تنادى بعض الأعضاء في المجلس الأعلى الى أنتخاب عبدالله سعاده، بشكل
غير قانوني وفاضح، رئيسا للحزب. كان رد القوميين بأن تنادت
غالبية المنفذين العامين الى التمركز في مركز الحزب في جل الديب ومنع
عبدالله سعاده من أستلام مسؤولياته. لقد أصبحنا في مأزق حقيقي.
لم أر إنتخاب عبدالله سعاده دستوريا ولم يكن طبعا تحرك المنفذين
دستوريا ايضا. فكل الخطوات كانت خطوات "من قريبو" لإستحالة تثبيت
الوضع الحزبي على قواعده الدستورية الصحيحة بينما كانت المعطلات لهذا
الأمر قوية وسائرة على قدم وساق. لذلك عملت على إقناع المنفذين
العامين بترك المسألة لي كرئيس للمجلس القومي، حيث أقتنعوا بسهولة إذ
لم يكن عندهم أو في أذهانهم أي خطة عملية بديلة. لم تكن دعوتي
الى نحو 150 رفيقا للأجتماع في المركز على مدى يومين تتوافق مع نظام
الشكل أيضا، بل كانت بدون شك من ضمن الحرص على نظام النهج ووقف
التدهور. خرجنا بعد ذلك الأجتماع بتكليف الرفيق نواف حردان
بالرئاسة حيث توافق وجوده آنئذ في الوطن مع أنفجار تلك الأزمة الحزبية.
عندها شهد الحزب أنشقاقه الثاني (أنشقاقه الأول كان عام 1957).
أذ أن نسبة قليلة من القوميين رأت أن تعمل مع الرفيق عبدالله سعاد الذي
كان يجتمع مع مؤيديه في بيت كامل حسان في بشامون.
جاءت حركة الشهيد أبي واجب لتشكل مظهرا آخرا من مظاهر القلق الحزبي
ومحاولة لأصلاح الحزب وتوحيده. شخصيا لم أر فيها أكثر من محاولة
مخلصة، بينما بنى عليها الشهيد ابو واجب توقعات أكثر من ذلك
بكثير، فأستقطب معه كثيرين من الرفقاء، بعضم كانوا من الرفقاء المنضوين
في جناح عبدالمسيح. كان إغتيال ابي واجب عملية مدروسة جيدا لما
كان يشكله من إمكانية إستقطاب لكل الرفقاء المخلصين والمؤمنين بقدرة
نهضتهم وعقيدتهم والرافضين للمساومة على نهضتهم وعقيدتهم وحزبهم.
بعد أبي واجب سيطرت العفوية والمبادرة الذاتية في العمل المنفعل
بالأحداث، وقيادة الأمين الياس جرجي للفريق الذي كان يقوده أبو واجب لم
يكن الا محاولة للبقاء والأستمرار. إذ أنه لم يكن عندنا خطط على
مستوى ما هو مقبل من أحداث بدأت ملامحها تظهر في الأفق. حتى أن
إغتيال ابي واجب لم يمكن أن يكون لولا معرفة مغتاليه أنه لن تكون لهم
محاسبة ولن يخضعوا لأي محاسبة مستقبليه. لقد كان واضحا
وبظل واقعنا الحزبي ذاك، أن ما كان يجول في الأجواء وما كان يحمله
المستقبل هو أقوى منا جميعا وأكبر حجما. لذلك نظرنا نحن نحو
الشام لنجدة الوضع في لبنان بينما بنى أنعام رعد، الذي حل محل
عبدالله سعاده في التنظيم الآخر، أحلامه على دعم ما سمي "بالحركه
الوطنيه" له وما توفر له ولتلك الحركة من دعم مالي ليبي. لقد
أظهر إنعام رعد عبقرية حقيقية في تلك المرحلة في بناء تراكم حزبي
مستخدما في ميليشيا الحزب مواطنين لا علاقة لهم بالحزب، تحت شعار
"عسكرة الحزب وعقدنة العسكر". كثيرون من أولئك المواطنين لم
يعنيهم الحزب ولا عقيدته أكثر مما كان يعنيه لهم معاش التفرغ الذي
كانوا يتقاضونه. لقد شهدت تلك المرحلة العبثية تجاذبا بين
القوميين وغيابا شبه كل للمنطق والعقل والأخلاق القومية. لذلك
سبق الحديث عن الوحدة الحزبية العتيدة إعادة العمل في رتبة الامانه عند
الفريقين وبدأت التسابق على منح رتبة الامانه بدون حساب، حتى ليصح أن
نقول إن رتبة الأمانة أصبحت تباع "بالكيلو". ومنذ ذلك الوقت الى
الآن إستمرالنظر الى رتبة الأمانه من زاوية التنافس والقوطبه والهيمنه.
يذكرنا أنتخاب اللجنه المانحة لرتبة الأمانه حديثا بنادرة نقلت عن أحد
الأقطاعيين السياسيين البائدين في لبنان. ذلك أن احد أنصار ذلك
السياسي جاءه يوما يريد وظيفة. كان جواب الأقطاعي أن الوظيفة
لمناصره موجودة وهي عبارة عن وظيفة مدرس في التعليم الرسمي.
إنتفض طالب الوظيفه ظنا منه أن "البيك" يسخر منه، إذ كان لا يجيد
القراءة أو الكتابة، ثم سأل البيك: "كيف بتتوقع أن أنجح بالفحص وأنا لا
أعرف القراءة أو الكتابة؟" أجابه البيك: "من قال لك أنك ستخضع
للفحص؟ أنت ستكون من اللجنه الفاحصة".
رتبة الأمانه أنتهكت منذ زمن طويل يعود الى بعد أسشهاد سعاده مباشرة.
وهي منذ ذلك الوقت كانت تنتهك وبأستمرار. إن فهم معظم القوميين
العام لهذه الرتبة والغرض منها هو فهم مغلوط أو مجزؤ أو خاطيء.
في مناخ هذا الفهم المشوه أصبح العمل في هذه الرتبة عملا عقيما لا معنى
له ولا قيمة. إذا كان المقصود من رتبة الأمانه أن تكون وسيلة
لتطبيق الديمقراطية التعبيرية، فإنها أصبحت الآن مظهرا من مظاهر الخروج
عن الدستور والخروج عن النظام القومي الروحي والشكلي. ليست رتبة
الامانة وسيلة وحيدة لتطبيق الديمقراطية التعبيرية وليس تطبيق هذه
الديمقراطية مرهونا بهذه الرتبة. العودة الى نظام النهج والفكر
لا يتطلب أمناء، بغض النظر أذا توفر في الأمناء الحاليين شروط تلك
الرتبة أم لا؛ ما يتطلبه تطبيق الدستور وإرساء الحزب على نظام
الفكر والنهج وخلق نظام الشكل المناسب، هو قوميون مؤمنون بنظام النهج
والفكر أيمانا كليا راسخا واعيا لا إشراك فيه، وقوميون مستعدون للبذل
والعطاء لا البقاء في أوضاع صامتة أو متفرجة. في رأينا أن هناك
كثيرين ممن تتوافق فيهم هذه الشروط، ولا يبقى عليهم الا أن يثقوا
بأنفسهم وبقدراتهم. في رأينا أيضا، أن التعويل على هذه القيادة
من أجل الأصلاح هو تعويل في غير محله؛ فالعقم لا ينتج خصبا، والجهل لا
يتنج علما، والفساد لا يصدر عنه صلاح. إن هذه القيادة هي أضعف من
أن تستوعب عملية إعادة بناء الحزب المطلوبة حتى ولو كانت راغبة فيها،
وليست معرقلة لها. يبقى السؤال هل يستطيع القوميون الأرتفاع الى
المستوى المطلوب؟
|