الله على مسافة واحدة
من جميع الاديان
) ندوة في جامعة اللويزة ـ لبنان ـ
7/12/2002(
غريغوار حداد
التحاور العقائدي، بعد محاولات
كثيرة، أصبح يراوح مكانه، أكان ذلك بين الأديان الثلاثة
التوحيدية وباقي الأديان, أو بين الإسلام والمسيحية
بالذات، في العالم، وفي لبنان.
هذا الواقع، هل يمكن تبريره
إنطلاقًا من النظرة الإيمانية؟ أي، نحن المسيحيين
والمسلمين, هل نجد في عقيدتنا واجب الكفّ عن محاولة
التحاور العقيدي؟
أجل على ما يبدو.
وسأكتفين، لضيق الوقت، بمقاربتين. 
1- جميعنا مؤمنون لا أدريون
المسيحيون والمسلمون مؤمنون
بالله.
ولكنهم يؤكدون أنهم لا يعلمون
شيئًا عن ذات الله، أو جوهره، وأن الكلمات الموحاة أو
المنزلة التي تعبر عن أسمائه وصفاته وأعماله جميعها كلمات
بشرية لا تصل إلى حقيقة الله الكاملة.
- يقول الإنجيل عن الله:
"الله لم يره أحد قط. الإبن
الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر" (يوحنا 18:1)
"لا أحد يعرف الآب إلا الإبن
ومن يريد الإبن أن يكشف له" (متى 27:1)
وهذه المعرفة ناقصة كما يقول
بولس الرسول:
"إن علمنا ناقص، ونبوءاتنا
ناقصة. فمتى جاء الكامل أبطل الناقص. الآن ننظر كما في
مرآة وفي إبهام. أمّا حينئذ (في الأبدية)، فوجها لوجه.
الآن أعلم علمًا ناقصًا. أما حينئذٍ فسأعلم كما عُلمت" (1
كورنتس 9:13-12)
وعلم اللاهوت المسيحي، الذي
تطوّر عبر التاريخ، من خلال المجامع المسكونية وآباء
الكنيسة وأبحاث اللاهوتيين، أصبحت ذروته في ما يُسمى
"باللاهوت النافي" (apophatique)،
الذي يعتبر أن كل ما يقال إيجابيًّا في الله يجب أن نزيد
عليه دائمًا نفي الإيجابي، على انه لا يصف عمق كيان الله
أو صفاته أو أعماله. وإن كلمات المسيح ابن الله، الذي
"أخبر" أو كشف عن حقيقته تبقى عاجزة عن المعرفة الفعلية
لله.
- ويقول القرآن:
"الله ليس كمثله شيء" (الشورى
11)
"لا تدركه الأبصار" (الأنعام
103)
"ولا يحيطون بشيء من عمله إلاّ
بما شاء" (البقرة 255)
"وما كان ليطلعكم على الغيب"
(آل عمران 179)
"سبحان الله عمّا يصفون"
"قل (أيها النبي): إنما العلم
عند الله. إنما أنا نذير مبين" (الملك 26)
"ويسألونك عن الروح، قل: الروح
من أمر ربي. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" (الإراء 85).
ويقول أنس بن مالك في الآية
القرآنية: "الرحمن على العرش استوى" (طه 5)
- "الإستواء معروف،
- والكيفية مجهولة،
- والإيمان به واجب،
- والسؤال عنه بدعة".
ويُنهي العلماء المسلمون عادةً
أبحاثهم بالقول: "والله أعلم!"
يمكن القول إذًا، إنطلاقًا من
موقف إيماني, لا من موقف شك أو لا مبالاة:
- إن المسيحيين والمسلمين هم
مؤمنون لا أدريون,
- إن المسيحيين لا أدريون في
عقائدهم، وبالوقت ذاته مؤمنون بها،
- وإن المسلمين لا أدريون في
عقائدهم، وبالوقت ذاته مؤمنون بها،
- إنهم جميعًا لا يملكون
الحيقيقة المطلقة عن الله، بل إن الحقيقة المطلقة لا
يملكها أحد، فالملك لله وحده.
- وأنه لا يحق لهم من ثم, أن
يحكموا على إيمان الآخرين، بل عليهم أن يحترموا الآخرين،
لا كأفراد فقط، بل كمؤمنين بديانتهم، لهم حق الإختلاف وهو
أحد الحقوق الإنسانية الذي غالبًا ما كان مرفوضًا عبر
التاريخ.
- ولذلك لا يحق لأحد أن يسمي
الآخرين كافرين، بل الواجب عليه اعتبارهم مؤمنين لا
أدريين.
2- الله على مسافة واحدة من جميع الأديان
المقاربة الثانية التي تقتضي الكف عن التحاور العقيدي،
تنطلق من بعض صفات أو أعمال الله، كما وصلت إلينا من خلال
الإنجيل والقرآن، وأهمها أن الله خالق وعادل ومحب.
• فالله الخالق، لا ضرورة
للإستشهاد بالآيات للتأكيد على عمله هذا. ولكن من الضروري
الإيمان الحقيقي.
- بأنه خالق جميع البشر:
من إنجيل يوحنا هذه الآية:
"به كُوِّن كل شيء، وبدونه لم
يكن شيء واحد مما كُوّن" (يوحنا 3:1) ولفظة الشيء هنا تعني
"الكائن"، ومن ثم تشمل كلَّ إنسان.
ومن بولس الرسول:
"الله خالق الجميع" (أفسس 9:3)
ومن القرآن:
"يا أيها الناس إتقوا ربَّكم
الذي خلقكم من نفسٍ واحدة" (النساء 1)
"لقد خلقنا الإنسان في أحسن
تقويم" (التين 4)
والخلق يعني علاقة دائمة مع كل
مخلوق. فالله إذًا هو في علاقة دائمة مع كل إنسان.
والله خالق عادل، لا سيّما في
ما يتعلّق بخلاصه أي بحياته الأبدية.
فمن بولس الرسول:
"الله يريد أن جميع الناس
يخلصون ويبلغون إلى معرفة الحق" (1 تيموتاوس 4:2)
"فماذا نقول: أو يكون عند الله
ظلم؟ حاشا وكلاّ" (روم 14:9)
ومن بطرس:
"في الحقيقة، علمت ان الله لا
يحابي الوجوه. بل إن كل من اتقاه في كل أمّة، وعمل البرّ،
يكون مقبولاً عنده" (أعمال الرسل 34:10و35)
ومن القرآن:
"إن الله لا يظلم الناس شيئًا،
لكن الناس أنفسهم يظلمون" (يونس 44)
"ولكل أمة رسول، فإذا جاء
رسولهم, قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون" (يونس 47)
ومن أسماء الله الحسنى:
"الحَكَم العدْل".
• والله الخالق العادل محبّ
لجميع البشر، بدون أي استثناء.
من إنجيل يوحنا
"فلقد أحبّ الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك
كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. فإن الله لم
يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم, بل ليخلص به العالم"
(يوحنا 16:3و17)
ومن رسالة يوحنا الأولى:
"ونحن قد عرفنا المحبة التي
لله فينا، وآمنا بها. إن الله محبّة. فمن ثبت في المحبّة
ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 34)
ومن أسماء الله الحسنى في القرآن: "الودود"
"إنه يُبدئ ويعيد. وهو الغفور الودود" (البروج 14)
• فالله الخالق والعادل
والمحبّ، لا يمكنه إلا أن يكون على مسافة واحدة من جميع
الناس فردًا فردًا، ومن جميع الديانات التي كانت منذ بدء
علاقة الإنسان بالله, ومن جميع الديانات الموجودة حاليّا
في العالم.
يجب أن يكون تكافؤ للفرص عند
الأفراد والجماعات، أكانت قبائل أو شعوبًا بدائية او
متطورة.
لذلك, كل ما يوجد في الديانات
الموحّدة، اليهودية والمسيحية والإسلامية، من آيات تعلّم
غير ذلك تكون على تناقض مع مفهوم الله الخالق والعادل
والمحب، ومن ثم يجب إعادة النظر في فهمها، لئلا يبقى هذا
التناقض.
وهناك آيات إنجيلية وقرآنية
تؤيّد هذا المفهوم لنظرة الله الواحدة تجاه جميع الديانات.
ففي الإنجيل يقول يسوع المسيح:
"الحق الحق أقول لكم: إن
كثيرين يأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم
وإسحق ويعقوب في ملكوت السّماوات" (متى 11:8)
ويقول بولس الرسول:
"الأمم الذين ليس عندهم
الناموس (أي الشريعة)، إذا عملوا طبيعيًّا (بالفطرة) بما
هو في الناموس، فهؤلاء الذين ليس عندهم ناموس هم ناموس
لأنفسهم، إذ يُظهرون أن ما يفرضه الناموس مكتوب في قلوبهم،
وضميرهم يشهد وأفكارهم تشكو مرة وتحتج أخرى" (روم 14:2-16)
وفي الإسلام آيات قرآنية
عديدة:
"لكل جعلنا منكم شرعة
ومنهاجًا.
ولو شاء الله لجعلكم أمّة
واحدة. ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات.
إلى الله مرجعكم جميعًا،
فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (المائدة 48)
"يا أيها الناس، إنا خلقناكم
من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا،
إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن
الله عليم خبير" (المجرّات 13)
"ولو شاء الله ما أشركوا
وما جعلناك عليهم حفيظًا".
(الأنعام 107)
"وقل الحق من ربكم
فمن شاء فليُؤمن. ومن شاء
فليكفر" (الكهف 29)
3- التحاور العقائدي المطلوب
أولاً هو داخل كل ديانة
إنطلاقًا من هاتين المقاربتين، يمكننا أن نصل إلى بعض
الإستنتاجات:
بسبب إيماننا ولا أدريتنا
العقائدية،
وبسبب إقتناعنا بعدالة الله
ومحبته لجميع البشر للعالمين، لا للمسيحيين فقط أو أولاً،
ولا للمسلمين فقط أو أولاً،
يجب أن يطمئن قلبنا على صعيد
الإيمان ومتطلباته.
يمكننا أن نؤمن الإيمان العميق
بمتطلبات ديانتنا التي ولدنا فيها, وبالوقت ذاته علينا أن
نقبل أن الله قابل بباقي الديانات، ويتعامل مع المؤمنين
بها من دون أيّ تفرقة أو تمييز أو امتياز.
فلا شعب خاصًّا بالله، ولا حزب
خاصًّا بالله.
جميع المؤمنين إخوة.
بل جميع المؤمنين وغير
المؤمنين، "عيال الله".
ويمكن تصوير العلاقة بين
الأديان على شكل دائرة:
محور الدائرة هو الله.
وجميع الأديان هي الأشعة
المنطلقة من المحور.
فالأشعة لا تلتقي بينها،
وكأنها خطوط متوازية.
ولكنها تلتقي في نقطة الدائرة
أو محورها.
ولكي تلتقي يجب أن تتقدم كل
ديانة إلى المحور، أي يجب أن نميّز كل ديانة بين ما هو
مطلق وما هو نسبيّ.
والمطلق هو الله: أن يكون هو
الأول والآخر والمحور لكل مؤمن ولكل جماعة مؤمنة.
والمعروف أن في كل ديانة
تيّارات مختلفة، يختصرونها عادة بتيّارين واسعين: التيار
المحافظ والتيار التغييري. ولكن الأهم هو التمييز في
التيارين بين ما الذي يعتبر الله هو المطلق –لا إله إلا
الله- وما هو النسبي.
ولذلك، فالتحاور يجب أن يكون
هدفه الإقتراب أكثر فأكثر من الله.
مع الإقتناع أن الوحدة
العقائدية لن تتم إلا في الأبدية.
"الخطان المتوازيان هما
الللذان لا يلتقيان إلا إذا شاء الله"، هكذا يحدّدون
الموازاة في علم الهندسة.
وهذا صحيح على صعيد الأديان.
4- التحاور من خلال الأهداف
المشتركة
يقول أحد الكتّاب الفرنسيين: "الحب ليس أن ينظر كلّ حبيب
إلى حبيبه، بل هو أن ينظرا معًا إلى اتّجاه واحد".
هذا ما يجب أن يتم بين
المؤمنين بديانات مختلفة إذا أرادوا أن يقتربوا بعضهم من
البعض الآخر.
- الهدف الأول هو الذي ذُكر
سابقًا: الله، المطلوب الإقتراب منه أكثر فأكثر، بل الحياة
فيه ومعه، ما دام هو الذي يأخذ مبادرة الإقتراب منّا.
قال أحد الصوفيين، أبويزيو
البسطامي:
"غلطت في ابتدائي في أربعة
أشياء: توهّمت أني أذكر الله وأعرفه وأحبّه وأطلبه. فلما
انتهيت رأيت:
- ذكره سبق ذكري
- ومعرفته سبقت معرفتي
- محبّته أقدم من محبتي
- وطلبه لي أولاً حتى طلبته.
- والهدف الثاني هو الإنسان،
كل إنسان لا استثناء ولا تمييز عرقي أو ديني أو ثقافي أو
إجتماعي... هو الإنسان وخدمته في جميع حاجاته.
وإيماننا المسيحي والمسلم يؤكد
لنا أن الهدفين يتلاقيان.
نجد في الإنجيل، عن يوم
الدينونة:
"كنت جائعًا فأطعمتموني
وعطشانًا فسقيتموني، وكنت غريبًا فآويتموني، ومريضًا
فعدتموني، ومحبوسًا فأتيتم إليّ... كلما فعلتم ذلك بأحد
إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه" (متى 21:25-40)
ونجد في الأحاديث القدسية:
"إن الله عز وجل يقول: يا ابن
آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب
العالمين. قال: اما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما
تعلم أنّك لو عدته لوجدتني عنده؟
يا ابن آدم، أستطعمتُك فلم
تطعمني. قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين. قال:
استطعمتك عبدي فلان، فلم تطعمه! أما علمت أنك لو أطعمته
لوجدتني عند؟
يا ابن آدم، استسقيتك فلم
تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال:
استقاك عبدي فلان، فلم تسقه! أما علمت أنك لو سقيته
لوجدتني عند؟
www.gregoirehaddad.com |