|
يصادف الثامن من تموز هذا العام الذكرى الثامنة والخمسين
لاستشهاد مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة.
وتتزامن هذه المناسبة مع الظروف الأليمة والصعبة التي
تعيشها تلك الأمة التي حلم أنطون سعادة يوماً بوحدتها
وتقدّمها ونهوضها حتى أمسى ذلك الحلم مرتوياً بدماء
أبنائها المفترض فيهم أن يشكلوا عصباً لمشروعه وجسراً تعبر
عليه قيم النهضة القومية الاجتماعية لتحقيق مبادئها في
العز والتقدم والفلاح.
غير أن رياح الصراعات الداخلية والنزاعات الإقليمية
والمصالح الدولية سارت باتجاه معاكس لما تشتهيه سفن النهضة
وأشرعة الإبحار القومي، وغدا هيجان الصراعات الطائفية
والمذهبية ممسكاً بدفة القيادة حيث ارتسمت على خريطة
المنطقة وقائع التصادم والتصدّع والانشطار بعيداً عن
المصالح الوطنية والقومية العليا.
فهل أخفق فكر سعادة بعد 75 عاماً على تأسيسه للحزب الذي
اعتبره أداة لانتصار مشروعه؟
هل تفتقر نظريته الاجتماعية والسياسية إلى قواعد التحليل
العلمي والمنطقي؟
هل يعاني مشروعه السياسي الاستراتيجي في العلمنة والوحدة
والإنماء قصوراً في فهم التحديات والمتطلبات؟
أو هل تشكّل الأداة السياسية/الحزب/لتحقيق مشروعه عقبة
أمام تقدّمه كابحاً لانطلاق مسيرة النهوض؟
بعض عناوين للنقاش. كيف لا والوطن ينام على سيفه ويصحو على
جراحه.
كيف لا... والقبائل تنهش في أحشائها وأحشاء أبنائها خمس
مرات في اليوم بديلاً عن فروض العبادة.
كيف لا... وغِيلان الطوائف يحكمون بلداننا من قبورهم
ويرسمون أقدارنا من نعوشهم ويشرفون على حياتنا بأسماء
أولادهم.
هذه العناوين تستفزّ النقاش دون أدنى شك خاصة أمام أولئك
الذين حملوا همّ الوطن في حلّهم وترحالهم وبقي جلدهم رغم
المسافات والبحار ملتصقاً بخريطة الوطن، وآمالهم معلقة
بأشرعة الوطن، لعلها يوماً تمارس فعل الإبحار إلى شواطئ
الأمان.
ولن يكون بالطبع ممكناً الإجابة على هذه الأسئلة خارج
دائرة النقاش. غير أن ذكرى الاستشهاد تشكل محطة لاستثارة
نقاش من هذا النوع بهدف إعادة التأكيد على أن أمراضنا
الداخلية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد هي أحد أهم مراكز
الجذب للتدخلات الخارجية وفرض الإرادات الأجنبية، وأن
محنتنا في النظم الطائفية والمذهبية وارتهاننا للخارج
يسهّل "للفوضى البناءة" وأخواتها تمرير مشاريعها وتحقيق
مآربها، وإن إلقاء التهم على الخارج وتحميله تبعات كوارثنا
ومصائبنا يعفينا من مغبة التصدّي لمهام الانخراط الجدّي في
تحصين مجتمعنا وتوفير مقومات مناعته اقتصاداً واجتماعاً
وتربية وإنماءً وأمناً... وإسهاماً في النقاش الذي لا مفر
منه باعتباره واجباً وطنياً بامتياز وحقاً من حقوقنا
المدنية نقول:
أ ـ أن الحكم على فكر سعادة إخفاقاً أو نجاحاً لم يتيسّر
له بعد فرصة تقييم جديّة باعتباره خارج دائرة التطبيق ولم
يتمكن بعد من إقامة نموذجه الاجتماعي والقومي في الإدارة
والاقتصاد والإنماء ناهيك بمشروعه الوحدوي الهادف إلى
مواجهة الإخطار المحدقة، في محيط هائج مخضّب بالصراعات
الإقليمية والدولية.
ب ـ أما على صعيد نظريته الاجتماعية والسياسية، ففي
اعتقادي بأنه كان منحازاً إلى القواعد العلمية والمنهجية
وما توصلت إليه من نظريات فلسفية وعلمية حكمت مسار نتاجه
الفكري السياسي والأدبي، وقدمت رؤية غنية منطلقة من
معاينات ومشاهدات ومقاربات علمية تمتلك مقومات متماسكة في
مناهجها وتحليلاتها.
ج ـ في إطار مشروعه السياسي الاستراتيجي، شكّل سعادة قطعاً
مع الماضي وتمرداً على الواقع وشجاعة أدبية ومادية على
مواجهة التحديات وتعرية الوقائع ونقدها بأسلوب تميّز
بالجرأة وتحصّن بالعلم مستفيداً من كاريزما شخصية قيادية
وظفّها في إطار مشروعه القومي النهضوي بعيداً عن النخبوية
والانزلاق أمام المصالح الخاصة والنوازع الضيقة والمحدودة.
وخلال مسيرته التي غطت عقوداً ثلاثة قصيرة، تعمّق سعادة
بملاحظاته وقراءته للواقع الذي عاش فيه حيث نما ذلك
متداخلاً مع النقد لمفاصل الخلل والوهن والضعف في البناء
الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
وما حربه الشعواء ضد الإقطاع وتحالف رأس المال وحربه
الضروس على الطائفية ومخاطرها ومعاقلها ورموزها إلا دليلاً
على عمق إدراكه للواقع المهترئ والمتعفّن حيث جاءت كتاباته
ومداخلاته ونشاطاته السياسية الحافلة، وطناً ومغترباً
فعودة إلى الوطن، تأكيداً قاطعاً على استيعابه لجوهر
الأزمات التي تعصف بالوطن وعلى إصراره لضرورة التصدي لتلك
التحديات حتى بالثمن الباهظ الذي يترتب على قراره في
المواجهة، حيث يدرك كل من يحيط بتجربة سعادة ورحلته
النضالية جسامة التضحيات التي عاناها والمشقات التي كابدها
خاتماً “رسالته” إلى شعبه وأمته بدمائه على رمال بيروت
التي أحبّ فجر الثامن من تموز عام 1949.
كثيرون هم الذين عارضوا سعادة وحاربوه وناهضوا أفكاره ولم
يطلّعوا على تراثه الفكري فلسفة وسياسة وأدباً ولم
يتعرّفوا على تجربته النضالية. وهكذا استشهد سعادة مرتين:
الأولى نفذها الذين عرفوه وضاقوا ذرعاً بأفكاره وأحلامه
وطموحاته فنفذوا فيه حكم الإعدام عبر اغتياله وتصفيته
غيلةً.
والثانية كانت على يد الذين تجاهلوه وأداروا الظهر ولا
يزالون لفكره ومبادئه وقيمه فرفضوا أن يشاركوه في بناء
الهوية الوطنية الموحدة لكل أبناء الوطن. وها نحن اليوم
نشهد معهم هياكل الأوطان في لبنان وفلسطين والعراق نبكي
على الأطلال بعد كل جولة عنف وننحي باللائمة على نفوسنا
بأننا لم نبن وطناً ولم نتوحد شعباً ولم نتقدم خطوة في
مسالك النهوض والارتقاء.
إن الحالة التي وصلت إليها بلداننا وشعوبنا لا تتحمل
مسؤوليتها القوى الطائفية فقط صاحبة المشاريع الطائفية
والحصص الطائفية والانتخابات الطائفية ومشاريع الإنماء
الطائفية والدساتير الطائفية وشهادات الولادة الطائفية.
فالطائفية دافعت عن نفسها وكما يقول نصري الصايغ في كتابه
الجديد “لست لبنانياً بعد": “إن الطائفية تستدعي أهلك
وأختك وأقاربك إلى الإقامة داخل المذبحة والانتظار على
الرصيف الطائفي ليقضي الثأر أمراً كان مكتوباً."
فالحالة تلك مسؤولة عنها أيضاً قوى قدّمت نفسها على أنها
قوى علمانية غير طائفية غير أنها لم تستطع حتى تاريخه من
تحقيق الاختراق المطلوب في الجدار الطائفي المتماسك ولا
استطاعت بلورة وصياغة مشروعها وإقامة تحالفاتها. لا بل على
العكس تماماً إذ كانت تقوم بـ“مجاملة” الطائفية والنوم في
مخدعها حيناً و"مضاجعتها سراً" أحياناً أخرى والاستفادة من
فتاتها وفضلاتها الأمر الذي أضاع بوصلة برامج الأحزاب
الوطنية وأعاق عليها فرص النهوض والتمايز عن القوى
الطائفية وحدّ من قدرتها على بناء المشروع الوطني
الديمقراطي الذي خاطبت به المواطن عبر أدبياتها.
وبهذا يمكن القول أن الأداة السياسية لتحقيق المشروع
النهضوي الذي دعا سعادة إلى إقامته، لم تتمكن من إحداث
التغيير المطلوب في الواقع الاجتماعي إن على مستوى بلورة
مشروعها وإقامة تحالفاتها أم على مستوى الجاهزية لمواجهة
التحديات وتنكّب المسؤوليات للاضطلاع بمهام هذه المواجهة.
ولعل ما يشهده الوطن من تهديد لمقومات وجوده واستنزاف
لموارده وطاقاته وإمكاناته سيحوّل هذه المناسبة ومثيلاتها
إلى مدخل لتفعيل الحوار بين أبناء الوطن الواحد لبناناً
وفلسطيناً وعراقاً من أجل بناء استراتيجية الخروج من
المأزق الدائر تمهيداً لصياغة رؤية مشتركة لطبيعة التحديات
ومهام النهوض.
|