|
نشر السيّد منير حيدر على موقع "منتدى
النهضة" "(؟)
ما سماه "ردًا على كتاب: "رسالة من جورج عبد المسيح إلى
منير حيدر" وبعنوان مطبوع بالحرف البارز " المطلوب قفزة
نوعية إلى الحاضر".
وما كنا نريد أن نعلّق على ما كتبه لولا حرصنا على
وضع الوقائع والحقائق أمام قرائنا من جهة، ومن جهة أخرى
لتسليط الضوء على الفارق الكبير بين من تتحكم فيهم أهواؤهم
ونزواتهم وأولئك الذين آمنوا بالعقل والقيم وما ينتج عنهما
من ضرورات التصويب حين ينحرف المسار. ونسارع إلى القول
إننا لن نخرج عن الهدف الذي من أجله كتبت الرسالة ونشرت،
وهو التصويب سبيلاً لتحقيق وحدة الفهم ووحدة الروح، وليس
الدخول في مسائل شخصية
لأن قضيتنا ليست "حلَّ مشكلةِ استياءٍ خصوصي، إنها حركةُ
إنشاء وبناء "، ولذلك لن
نقيم سجالاً معه، ولن نعلق على كل عبارة كتبها، رغم أن
بعضها حوى مفردات نابية، بل سيكون المُقال هنا لمرّة واحدة
فقط.
بداية نقول: يبدو أن السيّد منير حيدر يهوى
القفزات، فهو قد عنوَن ردّه:"المطلوب قفزة نوعية
إلى الحاضر"، وكتب في المتن: "أول فكرة قفزت إلى
ذهني... "، و "قفز أمامي جورج عبد المسيح بسلوكه
المعهود"، و "ندعو هؤلاء الرفقاء كي يقوموا بالقفزة
المطلوبة الى الحاضر"، فهو لو كان دقق في المدلولات
منطلِقا من النظرة القومية الاجتماعية، لما استعمل تعبيرًا
ليس من مفردات عقيدتنا القومية الاجتماعية، بل هو من
مصطلحات المعجم الماركسي، ف"القفزة النوعية" هي حاصل
"التراكم الكميّ" وفق ماركس، ومفهوم "القفزة" يقترب من
مفهوم الطفرة أيضًا، وهو يماثل مفهوم "التغيّر الفجائي".
ونلفت إلى أن الحركات البهلوانية، تعتمد على القفزة
والقفزات، والسيّد حيدر الذي يرى سلوك الرفيق عبد المسيح
المعهود "بهلوانيات" يقع في التفكير البهلواني حين يطلب
القفز.
ولنا مما كتبه الزعيم ما يساعد على توضيح اللفظة ويؤيّد ما
ذهبنا إليه فوق، حيث يقول مثلاً في مقالة "الضلال
البعيد"
من كتاب "الإسلام
في رسالتيه": "المهووس بالخلود مستعجل فأفسحوا له
المجال... يقتحم سياجات العقل،
ويقفز
من النوافذ إلى المجامع، ويدخل بلا استئذان.."
ويقول في مقالة "تعطيل الدستور في الشام": "هي لعبة سياسية
للقفز
فوق الأساس الحقوقي الدستوري."
وفي مقالة "آن للشباب أن يدرك" يقول: "فلا يحتاج الدجّال
إلى أكثر من عملية اقتباس بسيطة هيّنة أو عملية
قفز
فوق السياج متى كان الدجال السياسي من نوع الرياضي
البدني".
وفي مقالة "وانقلب السحر على الساحر" يقول: تلك الفئة
النايورجعية الخارجة على حقيقة اللبنانيين، بصحفها
الفرنسية والمتفرنسة، وتشكيلتها الفلنجية أو الكتائبية..
قفزت
بالانتحال والتقليد إلى حزب سياسي عقدي له «نظرة إلى
الحياة والكون»"..
وفي مقالة "صناعة العقائد المزيفة" يسخر الزعيم من إعلان
جريدة الكتائب عن صدور كتابين الأول موضوعه «الحزب
والإنسان» والثاني موضوعه «الحركة الكتائبية»، فيقول:"
الموضوعان في حد تسميتهما يدلان على
قفزة
رياضية صناعية في ميدان الاقتباس.."
ومما تقدم نجد أن القفز والقفزة يفيدان الاستعجال والتسرّع
والتطفل والالتفاف والانتحال والتقليد والاقتباس واللصوصية
(الدخول من النوافذ)...
وإذا تركنا لفظة "القفزة" المفردة وناقشنا مدلول العنوان
جملة، فإن عبارة "القفزة النوعية إلى الحاضر" تعني فيما
تعنيه أن المخاطبين ـ وفق نظر الكاتب ـ يعيشون في الماضي،
أي أنهم متحجرون. والحكم على الحزب بِ "التحجر" قديم مدوّن
في رسائل غسان تويني إلى الزعيم، وفي كتابات عديدة لأراخنة
آخرين، وهذا الحكم قد تسلل إلى عقول "أشخاص الإدارة
المركزية" آنذاك، ولا يزال مستمرًا، حتى اليوم، عند
الكثيرين للأسف.
إنّ عنوان الرد ومضمونه ليس إلا استمرارًا لذهنية "التحديث
والتطوير" أو ما سماه الزعيم: صبغة "الاستنباط" أو
"التجديد"، وحكمًا مبرمًا على من يعتصم بالعقيدة بالتحجّر.
(راجع رسالة الزعيم إلى غسان تويني، تاريخ 26 أيار 1946)
أما نحن فإننا نلتزم في عملنا خطوات سعاده الثابتة
والمكينة، خطوات متجذرة في ماضينا البهي المشرق، مدركة
حاضرها واثقة من مستقبلها؛ أو لنقل هي خطوات وحدة الحياة
ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً. وليثق السيّد حيدر أنّ من ينكر
أو يتجاهل ماضيه لن يخطو خطوة بنائية، بل يسترسل ويغيب في
دائرة "حاضره"، ويفنى في سوءاته، وكم من ذي مكانة و"حضور"
واسم لامع لاقى المصير نفسه.
يشير السيّد حيدر إلى ملاحظتين في تقديم الكتاب
لعمدة الإذاعة:
"الأولى كانت جزءًا من الرسالة أصلاً ومقدّمة لها "وقد
أصاب في ذلك كبد الحقيقة، ولكنّ العمدة ارتأت إثباتها في
مطلع التقديم؛ وهذا لا يضير الحقيقة، ولا يغيّر من واقع
الحال في شيء.
والملاحظة الثانية تتعلق بطلب العمدة المتكرّر للحصول على
دراسته التي قدّمها لمؤتمر ملكارت بعنوان "النقاط الأساسية
في دراسة نضال الحزب منذ تأسيسه حتى اليوم".
وهاكم بعض ما جاء حرفيّا في الملاحظة الثانية من
التقديم، لتسهل عملية المقارنة لمن أراد ذلك:
"كنا نودّ ان نضمّ "ورقة" السيّد منير حيدر إلى ردّ الرفيق
عبد المسيح عليها ولكن:
- لم نعثر على تلك الورقة بين موجودات الرفيق عبد المسيح.
- ولم نستطع الحصول عليها من التنظيم الآخر الذي يحمل اسم
الحزب، بالرغم من محاولات ووعود.
- ولم نفلح في الحصول عليها من صاحبها الذي اتصلنا به
مرارًا. فصرّح بأنه فقدها أثناء الحرب في لبنان.
لكلّ ذلك ارتأت عمدة الإذاعة أن تعوّض عن ورقة منير حيدر
بإثبات "بيان وتوصيات" مؤتمر ملكارت" الذي عقده التنظيم
الآخر نهاية عام 1969. . . . "
لا بدّ من التوضيح أولاً أنّ "الاتصال" قد يكون
بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وليس من الحتمي أن
يكون مباشرًا لكي يسمى اتصالاً. فهل ذكرت العمدة أن
الاتصال تمّ بطريقة مباشرة لكي ينفي السيّد حيدر ذلك. هذا
مع العلم أنه يذكر في المقطع الأول مما كتبه أنّ أحد
الرفقاء الذي "لا يخضع نظاميًا لتلك العمدة [أي عمدة
الإذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي] اتصل به وحدّثه
عن رغبة العمدة في طبع رسالة عبد المسيح إليه وسأله ما إذا
كان يملك نسخة عن دراسته إلى المؤتمر". فأخبره بالضبط ما
أورده عن أن "الدراسة احترقت مع جملة ما احترق من أوراق
وكتب ومستندات عندما أصيبت غرفة نومه بقذيفة مباشرة عام
1983". وهذا ما أكّدت عليه العمدة.
إن الرفيق المحترم المذكور، طلب الدراسة من منير
حيدر، ولمّا لم يتمكن من الحصول عليها بسبب فقدانها، طلب
من السيّد حيدر أن يستذكر ما كان قد كتبه في دراسته وإن
باختصار، وقد وافق أوّلاً ثمّ عاد وأحجم عن ذلك. وما على
السيّد حيدر إلاّ أن يعود إلى الرفيق نفسه ليستوضحه أمر
طلب عمدة الإذاعة منه أن يحصل، إذا أمكن، على دراسة منير
حيدر، لإثباتها في الكتاب كمادّة مقارنة. وهل المسألة
مسألة رفيق في "التنظيم" أو خارج التنظيم؟
إشارة إلى أن العمدة حاولت عن طريق رفقاء آخرين في
الكيان اللبناني وفي منطقة الخليج العربي الحصول على
الدراسة من السيّد حيدر، قبل أن يحاول الرفيق المشار إليه
الحصول عليها. ولم تكتفِ العمدة بالحصول على دراسته، بل
حصلت منه، بواسطة الرفيق نفسه على الرسالة عينها-موضوع
الكتاب، للمقارنة، خشية أن تكون هنالك تعديلات غير مثبتة
في نصّ الرسالة التي كانت في حوزتها.
وهنا لا بد من التساؤل:
هل سأل السيّد حيدر نفسه لماذا تصرّ عمدة الإذاعة على
الحصول على دراسته؟
ألم يخبره الرفيق ـ الوسيط أنّ العمدة تريد أن تثبت
الدراسة ضمن الكتاب ليسهل على القارئ المتابعة والمقارنة؟
ثمّ ألم توضح العمدة ذلك في تقديمها، كما هو مثبت آنفًا؟
من جهة أخرى، نحن نريد أن نؤكّد له أننا لم نطلب رأيه أو
رأي غيره في نشر رسالة الرفيق عبد المسيح له، وهي وإن كانت
موّجهة إليه في الأصل إلاّ أنها في أبعادها تتجاوزه إلى
كلّ من صفت سريرته وشفّت نفسيته وارتقى إلى مستوى العمل
الجدي لمصلحة أمته. كما أننا لم نطلب إليه بواسطة أيّ كان
أن "يساهم [ الصواب يُسهم ] في كلمة تنشر في رسالة من عبد
المسيح إليه"، بل ما أردناه يندرج فقط في إطار حرصنا على
احترام القارئ الذي يشكّل دائمّا مدار اهتمامنا؛ الأمر
الذي يفترض أن يفخر به السيّد حيدر إذا كان واثقًا مما
كتبه، بعيدًا عن تبريرات واهية لا تقدّم ولا تؤخّر.
أما بالنسبة لتأخير إرسال الرسالة من العام 1970
إلى العام 1972، فإن السيّد حيدر يحاول أن يعيده إلى حادثة
فرديّة لا ندري مدى صحتها. والخبير بالشؤون الحزبية في
الحزب السوري القومي الاجتماعي يعرف حقّ المعرفة أن قرار
السماح لعميد بتفيذ أمر ما، أو منعه من تنفيذه، إنما يعود
إلى رئيس السلطة التنفيذية الذي هو رئيس الحزب. وهذا ما
حصل فعلاً انطلاقًا من مناقشات معمّقة أفضت إلى القرار؛
وهكذا كان القرار، بالتريّث أوّلاً ثم بإرسال الرسالة فيما
بعد.
إنّ حرص عمدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي
على أن تكون الدراسة في مجمل مضمون الكتاب، إنما هو من أجل
الأمانة العلمية التي ربما يخشاها السيّد حيدر لأمر ما لا
يجهله العارفون بمقاصده.
وإننا نؤكّد من جديد على أننا إن تمكنا من العثور في
موجوداتنا الحزبية على الدراسة أو من الحصول عليها من أي
مصدر، فسنضعها بين يديه، وسننشرها في طبعة جديدة.
يقول السيّد حيدر إن
عبد المسيح
"ذكر أنه كان يكتب إليّ بالرغم من المشاغل (مشاغله)" ثم
يقول عن نفسه:
"كنت
منهمكًا في العمل الحزبي الى جانب دراستي الجامعية والعمل
الليلي الذي كنت أقوم به"...و" كنت شخصيًا لا أجد وقتًا
للنوم سوى ساعات قليلة يوميًا." وهنا نتساءل: إن الانهماك
هو الانشغال الشديد والاستغراق في الشيء، فمن يدرس في
النهار ويعمل في الليل (درس وعمل خاص) وينام ساعات قليلة
كم يبقى له من الوقت ليصرفه في العمل الحزبي؟
وإذا كان السيّد حيدر مأخوذ الوقت، فهذا لا يعطيه جواز
مرور لكي يستلب جهود الآخرين وأتعابهم وأعمالهم ، "فيحسد
عبد المسيح على ما كان يملك من أوقات فراغ".
ومن غير الطبيعي والمعقول أن نتحدّث عن فراغ في
أوقات عبد المسيح فهو الذي لم يكن لديه دراسة جامعية
وقتذاك (أنجزها في مطلع الثلاثينيات)، ولم يكن يعمل عملاً
ليليًا خاصًا، كانت مشاغل الحزب "مشاغله"، وهو الذي كان
حركة وفعلاً دائمين في سبيل العقيدة والحزب والنهضة ويشهد
له بذلك القاصي والداني، الخصم والصديق، إلاّ إذا كانت
الكتابة البنّاءة برأي السيّد حيدر تسلية ومضيعة للوقت،
وعلى هذا القياس نتساءل: هل كلّ ما سجّله المبدعون في كل
علم وفن وفلسفة، وفي صدرهم سعاده ـ المعلم، هو إضاعة للوقت
وتبديد للجهد وإهدار لحيوية القوة العاقلة؟؟؟!
وإذا اعتبرنا كل ما تقدّم من مظاهر العبث وهدر الطاقة،
فهلا أرشدنا "الرفيق الضنين" إلى مَواطن التأسيس
والبناء؟
يكفي عبد المسيح شهادة سعاده له، زكاها غير مرة حتى تاريخ
استشهاده. ويكفيه أنه التزم بقسمه التزامًا تامًا، وتحمّل
ممن كان يفترض فيهم أن يكونوا رفقاءه في الصراع، من
التجنّيات والمؤامرات ما لا يتحمّله إلاّ السوري القومي
الاجتماعي الذي منحه الزعيم أوّل رتبة للأمانة عن جدارة.
يقول السيّد حيدر: "ما زلت حتى الآن أحاول فك لغز
ما عناه الرفيق جورج عبد المسيح «بمسؤوليته المشتملة في ما
هو إنبثاق عن نظام الوجود الأساسي»"، ويسأل: " فما هو نظام
الوجود الذي يقصد وما علاقة نظام الوجود هذا بمسؤوليته
التي يعلنها عن رسالة يكتبها الى أي شخص؟ وكيف يمكن لتلك
المسؤولية
أن
تكون منبثقة عن «نظام الوجود الأساسي»؟ "، ولكي لا يبقى
السيّد المذكور حائرًا، سنحاول "فك لغز" ما عناه الرفيق
عبد المسيح بهذه العبارة، وهو برأينا متيسر لأي دارس يبذل
جهدًا متواضعًا لفهم العقيدة القومية الاجتماعية
وأسسها...فعبارة عبد المسيح تعني أن منطلقه في كل ما يقول
ويفعل، يصدر عن النظرة القومية الاجتماعية الجديدة التي
أثبت المعلم مفاهيمها وشروحاتها في أكثر من مقالة وخطاب،
أبرزها مقالته الموسومة بِ "نظرة سعاده إلى الإنسان" (راجع
كتاب: شروح في العقيدة ص 161)، حيث يقول: "إن الإنسان
الحقيقي هو المجتمع لا الفرد"... وإن "المجتمع
هو الوجود الإنساني الكامل والحقيقة الإنسانية الكلية،"
وإن الفرد "مجرد إمكانية إنسانية".
إن المجتمع بنظر سعاده هو الإنسان الكامل، وواقع الإنسانية
هو واقع مجتمعات، وهذا ما عبّر عنه عبد المسيح فلسفيًا بِ"
نظام الوجود الأساسي".
أما عن علاقة المسؤولية، مسؤولية الفرد تجاه نظام الوجود،
فهي واضحة في المقالة عينها، حيث يقول المعلم: " إذا غلط
امرؤ في استنتاج أو تأويل أو في حسّ ما، فيصلح غلطه
باستنتاج امرئ آخر، أو تأويله أو حسّه
الصحيح"...فالمسؤولية في معناها العميق تنطلق من قاعدة أن
الإنسان الكامل هو المجتمع لا الفرد، الذي قد يخطئ فيصوِّب
خطأه فرد آخر. والرفيق عبد المسيح ينطلق من هذا المرتكز
الفلسفي ـ الأخلاقي، فيؤدي واجبه القومي في التصويب
والتصحيح، وهو مرتكز أساسي وجوهري يأتي قبل أي وظيفة أو
رتبة حزبية إدارية.
ولم يوفق السيّد حيدر في اتهام الرفيق عبد المسيح
بأنه " حاول أن يعطي [ لعملية البحث عن الحقيقة ] بعدًا
غيبيًا باستعمال كلمة "تكشّف" في عبارة : "نظام الوجود
الذي تكشف للعقل السوري.." لأن استنتاجه فيه الكثير من
الابتسار والتسرّع وعدم الدقة، وبرهاننا أن هذه العبارة
تنفي بذاتها أي بعد غيبي في عملية البحث عن الحقيقة، لأنه
متى كان العقل ـ الشرع الأعلى في عقيدتنا ـ هو الأساس
والمقياس في البحث والغوص، لا يبقى مكان للغيب أو
للماوراء.
ولقد استخدم الرفيق عبد المسيح كلمة " الكشف" بالمعنى
الفلسفي الذي هو الإبداع، فسعاده المعلم هو بمعنى من
المعاني، الكاشف أي مبدع النظرة القومية الاجتماعية إلى
الحياة والكون والفن..ولعلّ حساسية السيّد حيدر تجاه هذه
اللفظة تخفّ كثيرًا عندما يعود إلى تراث المعلم ليراها
واضحة بارزة دالة في أكثر من مكان. فهو يقول على سبيل
المثال:
"بديهي، إذن، ألا نتمكن من فهم قضية الحزب السوري القومي
الاجتماعي كلها بكامل أجزائها وفروعها وما
تتكشف
عنه من مناقب وأهداف سامية وما تتعرض له في سيرها من مثالب
في الحياة، إلا بالدرس والتأمل الطويل. إن قضية من هذا
النوع
تتكشف
عن كل هذه الأهداف الخطيرة تحتاج إلى دراسة منظمة متسلسلة
لا تجمعها محاضرة واحدة أو كتاب واحد بل هي تستمر، ويستمر
الفكر يتغذى منها ويتفتح على شؤون العالم مطلقًا، ويظل
مجتمعنا يجد في هذا التفتح وهذا الاستمرار مراقي إلى ذروة
الحياة الجيدة التي تليق بالإنسان الراقي ويليق الإنسان
الراقي بها." (المحاضرة الثانية)
وأيضًا: "ما قلتُه.. لا يغني عن درس تحليلي عميق هادئ
يوضَع كتابة..ويوضح بصورة أكمل وأجلى ما تعني هذه التعاليم
وما
يتكشف
عنها للأمة واتجاهها الجديد.. (المحاضرة الثالثة)
أما بالنسبة للقسم الباقي مما كتبه السيّد حيدر، من مثل
اتهامه الرفيق عبد المسيح بهوس العظمة، وحديثه عن الرفقاء
"الذين
«أغلقوا
الدعوة»
على أنفسهم" فأقلّ ما يقال فيه، إنه انحدار مؤسف بعيد عن
السويّة القوميّة الاجتماعية، واختلال في المقاييس يتدنّى
عن المستوى الفكري المطلوب لأي دارس أو باحث؛ وهذا تأكيد
إضافي على ما ذكره له الرفيق عبد المسيح في رسالته له من
أنه "يكتب إلى منير حيدر موضحًا ومنبهًا إلى ما يتطلبه
البحث من أي دارس". ويتضاعف التأكيد حين يعلّق السيّد حيدر
على هذا القول بما يلي: "فهل يعقل أن يكون هناك من يعرف ما
يتطلبه البحث من أيّ دارس سوى جورج عبد المسيح؟ هل يعقل أن
تكون هناك حقيقة غير تلك التي يراها جورج عبد المسيح؟ هل
يمكن أن يكون هناك استنتاج صحيح غير تلك الاستنتاجات التي
يأتي بها عبد المسيح؟"
إزاء تعليقه نحن نسأل بدورنا أهل الاتزان والتفكير
المنطقي السليم: هل تساؤلات السيّد حيدر يمكن أن نصنفها في
خانة الاستنتاجات العقلية، أم هو أسلوب العاجز عن برهنة
الحقيقة؟ هل التنبيه إلى ضرورة الالتزام بشروط ومنهجية
البحث يعني التفرّد بالمعرفة؟ وهل يعني أن عبد المسيح يحصر
الحقيقة في دائرته الشخصية، أو يحصر صحّة الاستنتاجات في
شخصه؟
هل يمكن للرفيق حيدر أن ينكر أن معركة سرحمول هي من تاريخ
الحركة البطولي، وأنها من أروع الأيام القومية المجيدة،
التي لا ينسى القوميون ذكرها كيوم عماطور، ويوم بكفيا..؟!
وهل تدوين وقائع هذه المعركة كما حصلت بدقة، لحفظ مرحلة من
تاريخ الحركة من العبث والتشويه هو اعتداء على القائد
الخالد هانيبعل وطمس لذكره؟؟!!
إذا كان السيّد حيدر يريد أن يُسقِط ما في ذاته على
الآخرين ليريح نفسه ممّا تعاني، وإذا كان تشرنق في إشاعات
سخيفة لقنه إيّاها مَن تآمر على الحزب السوري القومي
الاجتماعي وما زال، آملاً أن تتحوّل هذه الأضغاث إلى حقائق
ثابتة تقلب الصورة وتشوّه المفاهيم، فإننا، رغم الافتراء
والتجنّي والإساءات، نريد لهم الخروج من مستنقع الشك
والعمل السياسي التقليدي المستعجل، إلى رحاب الثقة وميدان
العمل القومي الهادئ عبر غرس العقيدة في النفوس طريقا
وحيدة للانتصار القريب المنال إذا صحت العزائم.
لتبقَ الاستعانة بالقوّة العاقلة سبيلنا إلى الفهم
والجهاد والانتصار
المركز في 8 حزيران 2007 عميد الإذاعة
الحزب السوري القومي
الاجتماعي
نايف أبو جاد
|