لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

 

 

      

ملاحظة:  بينما كنت أقوم بتطبيق التصحيحات للأغلاط اللغوية والإملائية التي قام بها مشكوراً الأمين بحق الرفيق ياسين عبد الرحيم للكتاب الذي ننوي إصداره قريباً، لاحظت الفائدة التي يمكن أن تقدمها هذه المقالة لبعض الرفقاء الغيارى على مصلحة الحزب، لذلك إخترت أن أعيد التذكير بها.

مشكلة القوميين – مشكلة الحزب

 يعيش القوميون اليوم في الوطن وعبر الحدود حالة خاصة لا يحسدون عليها.  كثير من الكلام الجاري حول هذه الحالة يحددها بأنها مشكلة ديمقراطية ومشكلة تسلط وهيمنه وفرض الرأي الواحد.  أحد الأمناء ممن نعز وممن حضروا المؤتمر القومي الأخير، قال لي إن الحزب مخطوف.   فهل صحيح أن مشكلة القوميين هي مشكلة ديمقراطية ومشكلة تسلط أو أن الحزب مخطوف؟  لا أعتقد ذلك.  

 لقد كان ردّي على الأمين العزيز أن الحزب ليس مخطوفا، فلا أحد يستطيع أن يخطف الحزب، بل إن القوميين هم في حالة ضيعان وتشتت نفسي، كما هم في حالة ميعان فكري وأخلاقي تجعلهم عاجزين عن بناء حزبهم بشكل صحيح وقوي.   ذلك أن الحزب بحاجة الى البناء من جديد، وأن هذا البناء لا يقوم به سوى المؤهلين أخلاقيا ونفسيا وفكريا وليس الذين تشوهت أخلاقهم ونفوسهم وتفكيرهم فأصبحوا خارج النهضة في الواقع وإن كانوا يتقولون بقول الحزب وينطقون بأسم الحزب.  لا يكفي أن أدعي بأنني مليونيرلأكون مليونيرا، فكيف أكون مليونيرا وحسابي في البنك لونه أحمر فاقع؟  لقد أفلس هؤلاء أخلاقيا ونفسيا وفكريا، وهم غير مؤهلين بصورة من الصور لبناء الحزب، والتعويل عليهم ومطالبتهم بذلك، هو نوع من السراب ومن التفكير المتمني الذي يبعد عن الواقع كثيرا.   

 في رأينا أن العقلية الأخلاقية والنفسية والفكرية السائدة بين القوميين هي المشكلة الأساسية وراء انهيار الحزب بالصورة المشهودة والملموسة.  يرى بعض القوميين أن مشكلة الحزب تعود الى سنوات قليلة، وأن قبل هذه السنوات كانت مشكلة الحزب مشكلة تشرذم قضي عليها بوحدته الحاصلة منذ سنوات.  هذا النوع من الآراء لا تنقصه الدقة فحسب، بل هو بعيد جدا عن الحقيقة والواقع.  ذلك أن مشكلة الحزب لم تبدأ قبل سنوات، بل إن مشكلته الحديثة بدأت في أواخر الستينات.  قبل خروج المساجين القوميين من السجن في أوائل العام 1969، وفي مرحلة العمل "السري"، كنا نتطلع بحماسة  الى خروج هؤلاء الرفقاء ظنا منا أن ذلك سيتوج عملنا الذي كان قد أصبح قويا، ولكنه كان يحتاج الى إمكانات أكبر من الإمكانات التي كانت متوفرة لنا وعندنا لمواجهة ذلك النمو الواسع.  عندما خرج هؤلاء من السجن، وبعد النشوة العارمة التي عمت القوميين، بدأ بعضهم ممن تخوف من عملية المحاسبة بشأن المحاولة الإنقلابية بالحرتقة الفكرية وتشويه النفوس، وخلق حالة ميعان فكرية تتسلح بتزلفها الى المقاومة والى ما دعى باليسار اللبناني، لتقوية نفسها ضمن الحزب والتفاف على أي أحكام حزبية مقبلة.  كان يمكن للحزب خلال مؤتمر ملكارت وبعده، أن يحل مشاكله ويرسي مسيرته على قواعدها الصحيحة والسليمة، لكن بدل ذلك رأينا أن الطفيليات التي لا تنمو  الا في بيئة آسنه، حرصت على خلق حالة حزبية آسنه عملت على تقويتها بصورة مستمرة.  وعندما خذل القوميون هذه المحاولات، لجأ هؤلاء لإنشاء تنظيم سري سمي بالتنظيم "الثوروي" القومي، ونجحوا بجر بعض الأشخاص الذين لا ينتمون أخلاقيا إليهم كالرفيق الراحل عبدالله سعاده، مستغلين أسمه وموقعه بين القوميين.  هم أيضا لم ينجحوا في استقطاب التأييد الكافي لهم، لكنهم نجحوا بدون شك في تعطيل الجهد الحزبي العام، وتعطيل التكامل الحزبي بحيث واجه القوميون استحقاقات مرحلة ما بعد عام 1975 بهزال وضعف، جعلهم يدفعون أثمانا باهظة في مرحلة العبثية التي كان هؤلاء من مؤججيها، دون أن يكون بمقدورهم أن يكونوا أكثر من أداة فيها.  

لقد كانت بطولات بعض القوميين، مع ما "هبط" على هؤلاء المشعوذين من أموال، مركبا لهم للإستقواء ونشر الفوضى الفكرية والميعان الفكري وركوب التيار العبثي، ظنا منهم أنهم وصلوا الى نعيم السلطة الممثلة ب"شراكة"  الحركة "الوطنية" والمقاومة الفلسطينية.  في هذه المرحلة تعزز التشويه الفكري وأصبح كثيرون من المنفعلين إيجابيا مع تلك الحالة المخلوقة غريبين في طرحهم وتفكيرهم، قابلين ما  طفا و"فاش" على سطح تلك الحالة الشاذة من شعارات وأفكار غريبة عن جوهر النهضة وروحها.  لقد نظر القوميون المجروفون مع هذا التيار، مثلا، الى ذلك الشعار العبثي "عسكرة الحزب وعقدنة العسكر" كشأن فكري مهم صادر عن تفكير قيادي خلاق، يوازي ما قام به أشخاص مثل ماوتسي تونغ وتشي غيفارا وأمثالهم.  لم يدرك هؤلاء القوميون ولم يعرفوا أن ذلك الشعار لم يكن الا ترسيخا للعبثية وكغطاء لأستخدام مرتزقة تحمل السلاح تحت شعار الزوبعة، إيهاما للحلفاء، بأن ناشري العبثية أولئك يملكون قوة عددية كبيرة، تفسح لهم المحافظة على ما أفرزته تلك المرحلة من منافع ومواقع لهم. 

هكذا نرى أن حالة الميعان والضياع بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود ورسخت في النصف الثاني من السبعينات، حيث لم تأت الثمانينات ألا وحالة الميعان والتشويه والفساد شاملة معظم المتعاطين سياسيا باسم الحزب. فقد انتقلت العدوى الى معظم هؤلاء، وأصبحوا جميعا غرباء عن العقيدة القومية الأجتماعية والأخلاق القومية الإجتماعية والنهج القومي الإجتماعي. لذلك كانت ترتكب الموبقات الكبيرة والكثيرة،  المعروفة وغير المعروفة، المعلنة وغير المعلنة، بدون خوف من المحاسبة لأنه لم يعد هناك من هو قادر على المحاسبة. 

لقد ظن كثيرون من القوميين أن مشكلة الحزب تكمن في تشرذمه وأنقسامه، دون أن ينعموا التفكير في أسباب هذا التشرذم والإنقسام.  وكانوا يظنون أن المشكلة تنتهي بإلغاء التشرذم النظامي الشكلي وتوحيد الأجنحة المتخاصمة.  أما نحن فكنا نرى عمق المشكلة، وعمق المأساة، وأن الحمى التي ضربت الحزب لا تعالج "بقشور بطيخ" الوحدة الحزبية.  لذلك عندما كان يكتب لي أخي مبشرا بقرب توحيد الحزب، كنت أكتب له مجيبا أنه سيان كان الحزب موحدا أو منقسما فالنتيجة واحدة ولن يتغير شيء لان معالجة القشور لا تعني معالجة للجوهر.  إذ أن المطلوب كان دائما وسيبقى إعادة بناء الحزب من جديد، بناء لا يأخذ في الإعتبار إلاّ الاسس القومية المبدئية التي وضعها الزعيم.   

إن عملية البناء لا يمكن أن تتم الا من قبل المؤهلين أخلاقياً وعقدياً ونفسياً وثقافيا. عبثا أن يؤتمن سارق على مال أو ثروة، وعبثا أن  يطلب الى الفاسدين الإصلاح، وعبثا أن يعتمد في إرساء الأخلاق القومية على من فقد هذه الأخلاق، وعبثا أن  ننتظر إرساء الفكر القومي وترسيخه ممن لا يعرف الفكر القومي ولا قدرة عنده على استيعابه وفهمه.  هذا يجعلنا نختلف مع كثيرين ممن يحاولون معالجة الحالة القومية الإجتماعية الراهنة.  فنحن لا نعارض أشخاصا لمجرد معارضة الأشخاص، ولا نرفض أشخاصا لمجرد رفض الأشخاص، وليس عندنا أي سبب شخصي يدفعنا الى ذلك، لكن ما نرفضه هو العقلية الأخلاقية المريضة التي غزت كثيرا من النفوس حتى بين المعارضين.   

لا فائدة من بحث شأن الديمقراطية في الحزب قبل البحث في الشأن الأخلاقي العقدي المبدئي أو على ضوء هذا الشأن الأخلاقي العقدي المبدئي. كل الأنظمة وكل القوانين وكل الدساتير لا فعالية ولا عدالة وصحة لها إذا لم تكن مدعومة ومؤسسة على الأخلاق التي تضمن حسن التطبيق وسلامته.   لغيرنا أن يرى أن المشكلة الحزبية هي مشكلة ديمقراطية، أو مشكلة تسلط فردي أو مشكلة أشخاص، اما نحن فنرى أن المشكلة الحزبية كانت وما زالت مسألة عقلية أخلاقية بالدرجة الأولى وكل ما يأتي بعدها هو مجرد تفاصيل.  أذكر أن الراحل بيار الجميل كان يردد دائما إن المسألة لا تكمن بالنصوص، بل تكمن في النفوس.  وربما كان هذا القول من الحقائق القليلة التي كان فيها ذلك الرجل مصيبا.  

أن مسألة الدستور ومسألة انبثاق السلطات هي مسائل يمكن معالجتها بسهولة ويمكن وضع التصور العملي ووضع الأسس المتينه لها، لكن كل ذلك يكون عبثا في حالة الميعان الأخلاقي والفكري وغياب الهيئة الصالحة لمعالجة هذا الوضع. لذلك نرى أنه إذا أراد القوميون الخروج بحق من هذه الحالة، فعليهم أن يدركوا أن ذلك لا يتم بالطرق الروتينية الساذجة التي تعودوا عليها؛  بل يتم  بجهد المؤمنين الشرفاء القادرين، بما عندهم من أخلاق ومعرفة ومهارات ، وبتكثيف هذا الجهد وتوسيع نطاقه، لبعث الحزب من جديد، والسير به الى حالة الخطة النظامية التي أنشيء من أجلها.  أن مثل هذا الحل لا يشكل حالة إنشقاقية، فحالة الإنشقاق تعني أن المنشق والمنشق عليه هم من جوهر واحد وطينة واحدة، بينما المطلوب هو عكس ذلك ومناقض كليا له.  الصالح يرذل الفاسد ولا ينشق عنه.  إذا كان الفاسدون في موقع التسلط، فما ذلك الا بسبب غياب المحاسبة والقدرة عليها.  إن أي مؤسسة، صغيرة كانت أوكبيرة، متواضعة أو عظيمة، مهددة دائما بالإنهيار إذا لم يكن عندها آلية للمحاسبة أو قدرة عليها.  ماذا يكون من أمر أية دولة إذا لم يكن فيها قضاء عادل يحاكم ويحاسب؟ 

المطلوب من القوميين الحقيقيين لا الذين يدجلون بأسمهم، أن يتخلوا عن السذاجة الفكرية، وندعوهم للتحلي بالفكر العملي الخلاق والمبدع، كي يبدأوا مسيرة الألف ميل في عملية البناء الحزبية.  إننا ندعوهم للتحاور بهدوء ومثابرة ودرس الوسائل العملية لعملية البناء هذه.  إننا ندعوهم الى مقاطعة الفساد والفاسدين؛ ذلك ان الفساد والفاسدين يستقوون بالمتعايشين معهم والقابلين بهم وهم لولا ذلك لما استطاعوا أن يستمروا في فسادهم وشركهم وعمالتهم.  أن القبول بالتعاطي مع هؤلاء، يعني أنهم يقبلون في أن يكونوا مطية للفساد ووقودا له.   إننا نؤكد أن القرار هو قرار المؤمنين الحقيقيين وليس قرار المشركين الفاسدين.  لذلك ندعو المؤمنين بحق، بالقضية القومية الأجتماعية وعقيدتها وجوهرها، أن يتعاضدوا ويبذلوا كل جهد ممكن للبدء بعملية بناء الحزب من جديد.  أي معالجة غير هذه، هي في رأينا مضيعة للجهد والوقت.

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة