|
هزيمة أميركا في العراق أو
إنتصارها: نسبية الهزيمة
والإنتصار
في أحاديث
لي مع أشخاص يحملون خلفيات فكرية متنوعة
ومختلفة، كانوا جميعاً يصرّون على فكرة إنهزام أميركا
وحلفائها في العراق. أما رأيي فكان ولم يزل مخالفاً
لذلك الرأي مخالفة تامة. هذا النوع من الإصرار والتأكيد
على أن أميركا وحلفاؤها قد إنهزموا في العراق، نجده أيضاً
في معظم المقالات الصحفية والتصريحات السياسية لناشطين
سياسيين وحزبيين وكل الذي "يدلون بدلوهم" في هذا الشأن.
الفلسفة أو الحكمة أو الأسباب التي تقف
وراء فكرة إنهزام أميركا وحلفائها في العراق تنطلق، بشكل
رئيسي، من الأدبيات والتعليقات السياسية والصحافية التي
تتناول هذا الشأن. الأسباب التي تتردد في كل مقال من هذه
المقالات، بشكل جامع أو جزئي، وذلك حسب الغرض من المقال
المعني وخلفيته، يمكن إختصارها بما يلي:
·
بقاء القوات الأميركية وحلفائها مشدودة الى
سلاحها وعدم إستطاعتها الراحة أو الإسترخاء بسبب تعرضها
الدائم لعمليات المقاومة العراقية.
·
الإرتفاع المستمر في الخسائر التي تتعرض
لها القوات الأمريكية والإصابات التي تسجّل في صفوفها بشكل
أسبوعي إن لم يكن كل يوم.
·
فشل الأمريكيين من تحقيق الجانب "الإيجابي"
من أهدافهم المعلنة (بإعتبار أن الجانب السلبي كان يهدف
الى القضاء على ما زعم من إمتلاك العراق لأسلحة الدمار
الشامل) لحربهم ضد العراق، وهي تحقيق الديمقراطية والرخاء
والسلام والإستقرار والأمن للشعب العراقي.
·
نمو حجم المقاومة العراقية وتصاعد وتيرة
عملياتها.
الملفت والمؤسف في هذا الشأن، أن تكوين
الرأي عند معظم الضاربين في الشؤون السياسية والقومية
عندنا، يعتمد على ما تُمطِره علينا وسائل الإعلام الغربي،
بوجهيه المعارض والمؤيد لمسألة من المسائل، من تحليلات
وأفكار وتعليقات، دون إخضاع هذه الآراء الى عملية فحص ونقد
وتحليل ومقارنة والتأكد من مصداقيتها وصحتها. الضاربون في
الشؤون العامة هؤلاء، غالباً ما يلتهمون ما ينتجه الإعلام
الغربي من أفكار دون إخضاعها لعملية "هضم فكري" تساعد على
تحديد صوابيتها ومصداقيتها، وبالتالي تمّكنهم من تحديد
المسارات والإتجاهات المستقبلية للأحداث وإستباق نتائجها
والتحضير لإمتصاص أو التعامل مع تلك النتائج بشكل إيجابي.
في بعض الأحيان، يصل هؤلاء، في معرض دعم
فكرتهم التي تقول بإنهزام أميركا في العراق وتقديم الأدلة
على هذا الأمر، الى حدٍ يثير الضحك والشفقة والإستغراب
لعمق ما يجهلون من وقائع ومعطيات. هم، مثلاً، يستشهدون
بنتائج هذا الإنتخابات الأميركية أو تلك، وسقوط الجمهوريين
هنا ونجاح الديقراطيين هناك، الى ما هنالك من إستفتاءات
للرأي العام الأميركي، التي تجريها الوكالات الإخبارية أو
الوكالات المتخصصة. هذا إن دلّ على شيء، إنما يدلّ عن
ضحالة فهمهم للمجتمع الأميركي وطبيعته وطبيعة مؤسساته
ووظائف تلك المسؤوليات والعملية المتعلقة بإتخاذ القرارات
الكبرى والإستراتيجية فيه.
في أحد إستطلاعات التي أجرتها إحدى وكالات
الأخبار الأميركية حول العراق، كانت إجابة أغلبية الناس
الذين شملهم الإستطلاع على سؤال عن عدد ضحايا الشعب
العراقي خلال فترة السنوات الأربعة التي مضت على بداية
الحرب الأميركية ضد العراق، إن عدد ضحايا الشعب العراقي هو
9890 ضحية. عندما نعلم أن عدد ضحايا الشعب العراقي نتيجة
للعدوان الأميركي المستمر على العراق هو أكثر من 650،000
ضحية، ندرك جهل الرأي العام الأميركي للحقائق الخارجة عن
نطاق حياته وإهتماماته اليومية. ثم أن الذي لا يعرف
السهولة التي تجري بها عملية التلاعب بعقلية وإتجاهات
وشعور الرأي العام الاميركي وبالتالي سهولة تغيير مواقفه
والتحكم بها، يفتقر حتماً الى المنطق الضروري للحكم في
مسائل تتعلق بالولايات المتحدة الأميركية والمسارات
المستقبلية لها أو النتائج المترتبة عليها.
ما يغيب عن أذهان هؤلاء الخابصين في
المسائل العامة، أن مجتمع الولايات المتحدة، كغيرها من
المجتمعات المتقدمة، هو مجتمع مؤسسات وأجهزة وهيئات ومراكز
قوة وتأثير وضغط، وبالتالي فإن أي قرار إستراتيجي لا يتأثر
بسهولة في بعض التغيير بقوة هذا الحزب أو ذاك. إن قوى
التأثير في المجتمع الأميركي تملك من الإستمرارية والقوة
والوسائل والخطط ما يكفيها للإلتفاف على أي وضع سياسي
مستجد. الولايات المتحدة هي بإختصار ال سي آي أي، ال أف
بي أي، المؤسسات الكنسية الكبرى، رجال الأعمال من منتجي
السلاح وشركات النفط، الخ... حيث يقف على كتف كلٍ منها
اللوبي الصهيوني.
إن تحديد إنهزام أو إنتصار الولايات
المتحدة في عدوانها على العراق، يتطلب فهماً كاملاً
وصحيحاً للأسباب الحقيقية التي كانت المحرك والدافع لذلك
العدوان. لن نضيّع وقتاً هنا بترديد الأسباب المعلنة لذلك
العدوان من قبل المسؤولين الأميركيين، إن كان ما كذبوا فيه
عن أسلحة الدمار الشامل التي زعموا أن العراق يمتلكها، أو
مسألة الديمقراطية والرخاء والسلام والأمني للشعب
العراقي. فكلنا يعرف تفاهة هذه الأسباب وبطلانها.
إن الأسباب الحقيقية وراء العدوان على
العراق هو أولاً تدمير قدرات الدولة في العراق والقضاء على
أي إمكانية مستقبلية للعراق بأن يكون له دولة قوية قادرة
أن يكون لها موقف واضح وفاعل من قضية أمتنا ومسائلها،
بصورة خاصة المسألة الفلسطينية وما يعنيه ذلك من عرقلة
وتهديد للمشروع الصهيوني السيء الذكر. وثانياً لنهب ثروات
العراق والإستئثار بها في معرض محاولة الأميركيين السيطره
على مصادر الثروات النفطية في المنطقة الممتدة من البحر
المتوسط الى حدود الهند والصين.
إذا كان هذا هو الهدف الحقيقي للعدوان
الأميركي على العراق، وهو ما نعتقده ونجزمه بقوة، فأي
سخافة وتراهة تلك التي تقول إن الولايات المتحدة قد إنهزمت
في العراق. ألم يدمر العراق الدولة، بغض النظر وجود طاغية
على رأسها؟ ألم تّدمّرُ معظم البنى التحتية في العراق؟
ألم تُدمر نفوس العراقيين ويتم إيقاظ التنين المذهبي عند
العراقيين إستهدافاً لحرب أهلية بدأت بالإشتعال فعلياً
بينهم؟ ألم تتم السيطرة على ثروات العراقيين ونهبها لتصب
كلها في حساب الأميركيين؟ من يدفع ثمن العدوان الأميركي
على العراق وتدميره، أهي الولايات المتحدة أم هو الشعب
العراقي المغلوب على أمره والتائه في مستنقعات الصراعات
المذهبية والإثنية؟ ثم هل إنسحاب إميركا العسكري من
العراق، إذا ما حصل، يعني هزيمة للأميركيين؟ وهل إنسحاب
الأميركيين لقواتهم من العراق يعني إلغاء لسيطرتهم
وتأثيرهم على العراق وحياة العراقيين ومستقبلهم؟ هل عدم
تمكن الأميركيين من "تنظيم الفوضى" التي أرادوا إطلاقها
وفقدان السيطرة عليها يعني إنهزاماً لهم؟
معظم الخابطين في مسألة العدوان الأميركي
على العراق، لا يتورعون عن المقارنة بين هذا العدوان
والعدوان الأميركي على فيتنام، ثم يتوقعون أن يواجه
الأميركيون في العراق نفس المصير الذي واجهوه من قَبل في
فيتنام. هنا يسقط هؤلاء من حساباتهم أيضا معطيات وحقائق لا
يجوز إسقاطها عند قيامهم بمثل هذه المقارنة. فالعراق ليس
فيتنام والشعب العراقي ليس مثل الشعب الفيتنامي وتركيبته
ومشاكله مختلفة عن تركيبة ومشاكل الشعب الفيتنامي. ثم إن
العراق بما يمتلكه من ثروات نفطية هو مختلف بالمقارنة مع
الثروات التي تمتلكها فيتنام. فإذا كانت حرب الأميركيين
في فيتنام هي لإثبات قوتهم وتفوقهم وسيطرتهم وتسلطهم
وساديتهم، فإن عدوانهم على العراق هو لنهب ثرواته وخيراته
النفطية بصورة خاصة وتأمين السيطرة الكاملة عليها. إذا
كان الأميركيون مستعدين للإنسحاب من فيتنام تحت ضغط
الخسائر الكبيرة التي كان المقاتلون الفيتناميون يلحقونها
بهم والتي لم يعد الشعب الأميركي يتحمل وطأتها، وفشل
مؤسسات القرار الأميركي على الإستمرار في إقناع الشعب
الاميركي في الإستمرار بتحمل مثل تلك الخسائر، فإن الخسائر
البسيطة التي يدفعها الأميركيون في العراق لا يمكن أن
تجبرهم على الإنسحاب من العراق قبل التأكد من إستمرارهم في
حصاد ما حققوه من أهداف في عدونهم عليه.
من هذا المنطلق نقول، إذا كان يحق لبعض
الأميركيين الكلام عن هزيمة للجيش الأميركي في العراق، فإ
هذا لا يجوز أن ينطلي أو ينسحب علينا لترديد مثل هذا
الرأي. إذ ماذا يعتقد هؤلاء الواهمين من الأميركيين؟ هل
يعتقدون بإمكانية أن يعتدي جيشهم على الشعب العراقي ثم
ينتظرون أن ينثر العراقيون الورد في طريقه؟ ثم أي قيم هي
تلك التي يتكلم عنها هؤلاء التي تقوم على إبادة الناس وقتل
الشيوخ والأطفال وإغتصاب وقتل النساء، وأي رد ينتظرونه بعد
ذلك؟
هل يعني هذا الكلام إستسلاماً للنتائج التي
حققها العدوان الأميركي على العراق والركون إليها؟ طبعاً
لا. لكن الكلام عن هزيمة للأميركيين كلام مبكر جداً الآن
ولا يجوز قبل إن توجد أسبابه وإمكانياته ومتطلباته. من
هذه الأسباب أن نرى مقاومة عراقية أصيلة لا تقوم على أسس
مذهبية وأن تشمل جميع الشعب العراقي وتكون موجهة تحديداً
ضد المعتدين الأميركيين وحلفائهم. إن مقاومة لا يحتضنها
الشعب العراقي، كل الشعب العراقي بمذاهبه وخلفياته
الإثنية، هي مقاومة لن يكتب لها النجاح. إن التحدي الكبير
للمقاومة هو أن تثبت جدارتها وقوتها من خلال منع المجازر
اليومية التي تحصل في العراق وكشف وفضح منفيذيها. هذا
التحدي الكبير ينسحب على كل العراقيين من شيعة وسنة وإثبات
وعيهم أو الإنجرار تخلفهم وغرائزهم وجهلهم وكفرهم بالدين
والوطن.
ستبقى الهزيمة الى جانبنا حتى إشعار آخر
يتسنى لنا عندها، إذا كان ذلك ممكناً أبداً، ترسيخ وحدتنا
الإجتماعية والقومية، ونبذ كل الإنقسامات المبنية على أي
عصبية من العصبيات الجزئية، والعمل بإرادة قوية واحدة
لأهداف واحدة. أي كلام عن النصر قبل الوصول الى هذه
المرحلة هو هراء وأوهام.
قمة الصفحة |