لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

رأيت وسمعت: خواطر من زيارة الى الوطن

 

هزيمة أميركا في العراق أو إنتصارها: نسبية الهزيمة والإنتصار

في أحاديث  لي مع أشخاص يحملون خلفيات فكرية متنوعة ومختلفة، كانوا جميعاً يصرّون على فكرة إنهزام أميركا وحلفائها في العراق.  أما  رأيي فكان ولم يزل مخالفاً لذلك الرأي مخالفة تامة.  هذا النوع من الإصرار والتأكيد على أن أميركا وحلفاؤها قد إنهزموا في العراق، نجده أيضاً في معظم المقالات الصحفية والتصريحات السياسية لناشطين سياسيين وحزبيين وكل الذي "يدلون بدلوهم" في هذا الشأن.

الفلسفة أو الحكمة أو الأسباب التي تقف وراء فكرة إنهزام أميركا وحلفائها في العراق تنطلق، بشكل رئيسي، من الأدبيات والتعليقات السياسية والصحافية التي تتناول هذا الشأن. الأسباب التي تتردد في كل مقال من هذه المقالات، بشكل جامع أو جزئي، وذلك حسب الغرض من المقال المعني وخلفيته، يمكن إختصارها بما يلي:

·        بقاء القوات الأميركية وحلفائها مشدودة الى سلاحها وعدم إستطاعتها الراحة أو الإسترخاء بسبب تعرضها الدائم لعمليات المقاومة العراقية.

·        الإرتفاع المستمر في الخسائر التي تتعرض لها القوات الأمريكية والإصابات التي تسجّل في صفوفها بشكل أسبوعي إن لم يكن كل يوم.

·        فشل الأمريكيين من تحقيق الجانب "الإيجابي" من أهدافهم المعلنة (بإعتبار أن الجانب السلبي كان يهدف الى القضاء على ما زعم من إمتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل) لحربهم ضد العراق، وهي تحقيق الديمقراطية والرخاء والسلام والإستقرار والأمن للشعب العراقي.

·        نمو حجم المقاومة العراقية وتصاعد وتيرة عملياتها.

الملفت والمؤسف في هذا الشأن، أن تكوين الرأي عند معظم الضاربين في الشؤون السياسية والقومية عندنا، يعتمد على ما تُمطِره علينا وسائل الإعلام الغربي، بوجهيه المعارض والمؤيد لمسألة من المسائل، من تحليلات وأفكار وتعليقات، دون إخضاع هذه الآراء الى عملية فحص ونقد وتحليل ومقارنة والتأكد من مصداقيتها وصحتها.  الضاربون في الشؤون العامة هؤلاء، غالباً ما يلتهمون ما ينتجه الإعلام الغربي من أفكار دون إخضاعها لعملية "هضم فكري" تساعد على تحديد صوابيتها ومصداقيتها، وبالتالي تمّكنهم من تحديد المسارات والإتجاهات المستقبلية للأحداث وإستباق نتائجها والتحضير لإمتصاص أو التعامل مع تلك النتائج بشكل إيجابي.

في بعض الأحيان، يصل هؤلاء، في معرض دعم فكرتهم التي تقول بإنهزام أميركا في العراق وتقديم الأدلة على هذا الأمر،  الى حدٍ يثير الضحك والشفقة والإستغراب لعمق ما يجهلون من وقائع ومعطيات.  هم، مثلاً، يستشهدون بنتائج هذا الإنتخابات الأميركية أو تلك، وسقوط الجمهوريين هنا ونجاح الديقراطيين هناك، الى ما هنالك من إستفتاءات للرأي العام الأميركي، التي تجريها الوكالات الإخبارية أو الوكالات المتخصصة.  هذا إن دلّ على شيء، إنما يدلّ عن ضحالة فهمهم للمجتمع الأميركي وطبيعته وطبيعة مؤسساته ووظائف تلك المسؤوليات والعملية المتعلقة بإتخاذ القرارات الكبرى والإستراتيجية فيه.

في أحد إستطلاعات التي أجرتها إحدى وكالات الأخبار الأميركية حول العراق، كانت إجابة أغلبية الناس الذين شملهم الإستطلاع على سؤال عن عدد ضحايا الشعب العراقي خلال فترة السنوات الأربعة التي مضت على بداية الحرب الأميركية ضد العراق، إن عدد ضحايا الشعب العراقي هو 9890 ضحية.  عندما نعلم أن عدد ضحايا الشعب العراقي نتيجة للعدوان الأميركي المستمر على العراق هو أكثر من 650،000  ضحية، ندرك جهل الرأي العام الأميركي للحقائق الخارجة عن نطاق حياته وإهتماماته اليومية.  ثم أن الذي لا يعرف السهولة التي تجري بها عملية التلاعب بعقلية وإتجاهات وشعور الرأي العام الاميركي وبالتالي سهولة تغيير مواقفه والتحكم بها، يفتقر حتماً الى المنطق الضروري للحكم في مسائل تتعلق بالولايات المتحدة الأميركية والمسارات المستقبلية لها أو النتائج المترتبة عليها.

ما يغيب عن أذهان هؤلاء الخابصين في المسائل العامة، أن مجتمع الولايات المتحدة، كغيرها من المجتمعات المتقدمة، هو مجتمع مؤسسات وأجهزة وهيئات ومراكز قوة وتأثير وضغط، وبالتالي فإن أي قرار إستراتيجي لا يتأثر بسهولة في بعض التغيير بقوة هذا الحزب أو ذاك. إن قوى التأثير في المجتمع الأميركي تملك من الإستمرارية والقوة والوسائل والخطط ما يكفيها للإلتفاف على أي وضع سياسي مستجد.  الولايات المتحدة هي بإختصار ال سي آي أي، ال أف بي أي، المؤسسات الكنسية الكبرى، رجال الأعمال من منتجي السلاح وشركات النفط، الخ... حيث يقف على كتف كلٍ منها اللوبي الصهيوني.

إن تحديد إنهزام أو إنتصار الولايات المتحدة في عدوانها على العراق، يتطلب فهماً كاملاً وصحيحاً للأسباب الحقيقية التي كانت المحرك والدافع لذلك العدوان.  لن نضيّع وقتاً هنا بترديد الأسباب المعلنة لذلك العدوان من قبل المسؤولين الأميركيين، إن كان ما كذبوا فيه عن أسلحة الدمار الشامل التي زعموا أن العراق يمتلكها، أو مسألة الديمقراطية والرخاء والسلام والأمني للشعب العراقي.  فكلنا يعرف تفاهة هذه الأسباب وبطلانها.

إن الأسباب الحقيقية وراء العدوان على العراق هو أولاً تدمير قدرات الدولة في العراق والقضاء على أي إمكانية مستقبلية للعراق بأن يكون له دولة قوية قادرة أن يكون لها موقف واضح وفاعل من قضية أمتنا ومسائلها، بصورة خاصة المسألة الفلسطينية وما يعنيه ذلك من عرقلة وتهديد للمشروع الصهيوني السيء الذكر. وثانياً لنهب ثروات العراق والإستئثار بها في معرض محاولة الأميركيين السيطره على مصادر الثروات النفطية في المنطقة الممتدة من البحر المتوسط الى حدود الهند والصين.

إذا كان هذا هو الهدف الحقيقي للعدوان الأميركي على العراق، وهو ما نعتقده ونجزمه بقوة، فأي سخافة وتراهة تلك التي تقول إن الولايات المتحدة قد إنهزمت في العراق.  ألم يدمر العراق الدولة، بغض النظر وجود طاغية على رأسها؟  ألم تّدمّرُ معظم البنى التحتية في العراق؟ ألم تُدمر نفوس العراقيين ويتم إيقاظ التنين المذهبي عند العراقيين إستهدافاً لحرب أهلية بدأت بالإشتعال فعلياً بينهم؟  ألم تتم السيطرة على ثروات العراقيين ونهبها لتصب كلها في حساب الأميركيين؟ من يدفع ثمن العدوان الأميركي على العراق وتدميره، أهي الولايات المتحدة أم هو الشعب العراقي المغلوب على  أمره والتائه في مستنقعات الصراعات المذهبية والإثنية؟  ثم هل إنسحاب إميركا العسكري من العراق، إذا ما حصل، يعني هزيمة للأميركيين؟  وهل إنسحاب الأميركيين لقواتهم من العراق يعني إلغاء لسيطرتهم وتأثيرهم على العراق وحياة العراقيين ومستقبلهم؟   هل عدم تمكن الأميركيين من "تنظيم الفوضى" التي أرادوا إطلاقها وفقدان السيطرة عليها يعني إنهزاماً لهم؟

معظم الخابطين في مسألة العدوان الأميركي على العراق، لا يتورعون عن المقارنة بين هذا العدوان والعدوان الأميركي على فيتنام، ثم يتوقعون أن يواجه الأميركيون في العراق نفس المصير الذي واجهوه من قَبل في فيتنام.  هنا يسقط هؤلاء من حساباتهم أيضا معطيات وحقائق لا يجوز إسقاطها عند قيامهم بمثل هذه المقارنة.  فالعراق ليس فيتنام والشعب العراقي ليس مثل الشعب الفيتنامي وتركيبته ومشاكله مختلفة عن تركيبة ومشاكل الشعب الفيتنامي.  ثم إن العراق بما يمتلكه من ثروات نفطية هو مختلف بالمقارنة مع الثروات التي تمتلكها فيتنام.  فإذا كانت حرب الأميركيين في فيتنام هي لإثبات قوتهم وتفوقهم وسيطرتهم وتسلطهم وساديتهم، فإن عدوانهم على العراق هو لنهب ثرواته وخيراته النفطية بصورة خاصة وتأمين السيطرة الكاملة عليها.  إذا كان الأميركيون مستعدين للإنسحاب من فيتنام تحت ضغط الخسائر الكبيرة التي كان المقاتلون الفيتناميون يلحقونها بهم والتي لم يعد الشعب الأميركي يتحمل وطأتها، وفشل مؤسسات القرار الأميركي على الإستمرار في إقناع الشعب الاميركي في الإستمرار بتحمل مثل تلك الخسائر، فإن الخسائر البسيطة التي يدفعها الأميركيون في العراق لا يمكن أن تجبرهم على الإنسحاب من العراق قبل التأكد من إستمرارهم في حصاد ما حققوه من أهداف في عدونهم عليه.

من هذا المنطلق نقول، إذا كان يحق لبعض الأميركيين الكلام عن هزيمة للجيش الأميركي في العراق، فإ هذا لا يجوز أن ينطلي أو ينسحب علينا لترديد مثل هذا الرأي.  إذ ماذا يعتقد هؤلاء الواهمين من الأميركيين؟  هل يعتقدون بإمكانية أن يعتدي جيشهم على الشعب العراقي ثم ينتظرون أن ينثر العراقيون الورد في طريقه؟ ثم أي قيم هي تلك التي يتكلم عنها هؤلاء التي تقوم على إبادة الناس وقتل الشيوخ والأطفال وإغتصاب وقتل النساء، وأي رد ينتظرونه بعد ذلك؟

هل يعني هذا الكلام إستسلاماً للنتائج التي حققها العدوان الأميركي على العراق والركون إليها؟  طبعاً لا.  لكن الكلام عن هزيمة للأميركيين كلام مبكر جداً الآن ولا يجوز قبل إن توجد أسبابه وإمكانياته ومتطلباته.  من هذه الأسباب أن نرى مقاومة عراقية أصيلة لا تقوم على أسس مذهبية وأن تشمل جميع الشعب العراقي وتكون موجهة تحديداً ضد المعتدين الأميركيين وحلفائهم.  إن مقاومة لا يحتضنها الشعب العراقي، كل الشعب العراقي بمذاهبه وخلفياته الإثنية، هي مقاومة لن يكتب لها النجاح.  إن التحدي الكبير للمقاومة هو أن تثبت جدارتها وقوتها من خلال منع المجازر اليومية التي تحصل في العراق وكشف وفضح منفيذيها.  هذا التحدي الكبير ينسحب على كل العراقيين من شيعة وسنة وإثبات وعيهم أو الإنجرار تخلفهم وغرائزهم وجهلهم وكفرهم بالدين والوطن.

ستبقى الهزيمة الى جانبنا حتى إشعار آخر يتسنى لنا عندها، إذا كان ذلك ممكناً أبداً، ترسيخ وحدتنا الإجتماعية والقومية، ونبذ كل الإنقسامات المبنية على أي عصبية من العصبيات الجزئية، والعمل بإرادة قوية واحدة لأهداف واحدة.  أي كلام عن النصر قبل الوصول الى هذه المرحلة هو هراء وأوهام.

قمة الصفحة

 

مرجعيات

الرفيق العزيز الذي إلتقيته في دمشق أصر على مفهوم المرجعيات في الحزب: عصام المحايري مرجع، منير حيدر مرجع، وعندما حاولت أن أنقل إليه أن لعصام محايري آراؤه ولمنير حيدر آراؤه، وأن هذه الآراء او تلك لا يمكن أن تقوم بأية حال من الأحوال موضع الكلمة الفاصلة، سألني بما معناه إن لم تكن الحال كذلك فكيف نصل الى الحقيقة الحاسمة إذاً (أتمنى أن أكون قد نجحت في نقل المعنى المقصود تماماً في تلك الإجابة)؟

لنفترض أنني جاريت رفيقنا العزيز في مفهوم المرجعية هذا، وسألته عن مرجعيات حزبية أخرى غير تلك التي ذكرها لي، فهل يمكن له أن يوافق، على سبيل المثال لا الحصر، على أن يوسف الأشقر مرجع، وهنري حاماتي مرجع، وإنعام رعد مرجع، وأسد الأشقر مرجع؟ فإذا كان جوابه بالإيجاب، فكيف يفسر الإختلاف بالأراء بين هؤلاء جميعاً وأية مرجعية نعتمد في حال كهذه وماذا يقرر أرجحية مرجعية على أخرى؟  وإذا كان جوابه نفياً، فمن يقرر وجود المراجع وأهلية أحدنا ليكون مرجعاً أو عدم صلاحيته لمثل هذه المرجعية؟

رتبة الأمانة، حتى بدون ما تعرضت له من سؤ إستعمال وإستغلال، لا تشكِّل مرجعية ولم يُقصَدُ بها على الإطلاق تشكيل مثل هذه المرجعية.  لكن كثيرين من القوميين تعاملوا معها على أنها كذلك، لذلك وُجِدَتْ تلك الهالة الغير مبررة التي كان يركن إليها القوميون في تعاملهم ونظرتهم الى الأمناء.  هي رتبة في أحلى حالاتها وفي دقة مراعاة أصول منحها، لا تعني سوى أهلية حاملها لدور قيادي في النهضة والحزب.  طبعاً، نحن نقول هذا القول وليس في ذهننا ما هو ماثل أمامنا من مهازل حوّلت رفقاء طيبين الى أمناء "عبيطين" أغبياء.  منذ بضعة أيام وأنا اقوم بكتابة مذكراتي ورد في ذهني إسم أحد الرفقاء الذين لم أعد اعرف عنهم شيئاً منذ مدة طويلة؛ لذلك إتصلت بأحد الرفقاء في بيروت وسألته عن الرفيق المذكور فأجابني أنه يراه من وقت الى آخر وهو لا يصدر عنه أي شيء يدل على أن العمل القومي يعنيه كثيراً.  لأني لم أقتنع بتلك الإجابة كلياً، إتصلت برفيق يعمل كعميد فيما يسمى "قيادة الحزب" ووجهت إليه نفس السؤال فأخبرني أن الرفيق المذكور هو عضو في "اللجنة المانحة" (أي اللجنة المانحة لرتبة الأمانة).  عندها تذكرت قصة أحمد الأسعد وأحد أزلامه الأميين الذي طلب منه مساعدته في إيجاد وظيفة له، فأبلغه أحمد الأسعد أنه يستطيع أن يوظفه كمدرّس في وزارة التربية.  ولما أعرب ذلك الشخص عن قلقه من أنه لن يستطيع النجاح  في الإمتحان لأنه لا يجيد القراءة أو الكتابة، أبلغه "البيك": "ومن قال لك أنك ستخضع للإمتحان؟ أنت ستكون في اللجنة الفاحصة!"   

لا، ليست المرجعيات مفهوماً قومياً إجتماعياً ولا يمكن لها أن تكون كذلك.  بل هي فكرة مناقضة تماماً لما هو متضمن في  جوهر ومفهوم النظام القومي الإجتماعي.  إذا أجيز لنا أن نتكلم بمنطق المرجعيات، نستطيع أن نقول إن هناك مرجعية واحدة لجميع القوميين.  هذه المرجعية لم تهبط عليهم من السماء، ولا هي فرضت عليهم فرضاً، بل إختارها كل واحد منهم بملء وعيه وقناعته وإرادته وإختياره.  هذه المرجعية هي مرجعية العقيدة القومية الإجتماعية، الموضحة والمنصوص عنها في المباديء الأساسية الثمانية، والمباديء الإصلاحية الخمسة التي وضعها سعاده.  فواحدنا (العضو في الحزب) قد دخل في عملية تعاقد مع المشرِّع، صاحب الدعوة،  بكامل وعيه، وكامل قناعته، وكامل إرادته، دون إكراه أو خوف أو تهويل أو ترغيب. وهو بهذا المعنى قد إختار تلك المباديء لتكون مرجعية له.  ثم أن هذه المباديء لا يشوبها إبهام أو مطاطية بحيث تكون مصدراً للإختلاف والتناقض، فالواحد من القوميين لا يملك، مثلاً، أن يؤمن بأن الوطن السوري وطن واحد بينما يؤمن قومي آخر خلاف ذلك.  إن أي تناقض من هذا النوع حصل في الماضي لا يدل على خلل في المبدأ بل خلل في شروط التعاقد من قبل القومي الذي أصبح لا يرى أن الوطن السوري وطناً واحداُ.  المشكلة هنا تكمن في أن ذلك القومي، بدل أن يطلب إحلاله من قسمه ليبدأ لنفسه نشاطاً جديداً في مكان آخر وبعيداً عن الحزب السوري القومي الإجتماعي يحاول أن يسحب إخلاله بقسمه وحنثه بذلك القسم وما يحمله من خلل مناقبي إخلاقي، على مجمل الحزب والقوميين.  معظم  الأزمات والتعثرات والمعرقلات التي طالت الحزب كانت من هذا القبيل، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.  لم تكن الخلفية الحقيقية لتلك الخلافات نتيجة قناعة صحيحة لأولئك الأفراد بعدم صحة مبدأ من المباديء التي سبق وتعاقدوا عليها مع صاحب الدعوة، بل نتيجة لغايات يعقوبية وشخصية لهم، وما إستعمالهم فكرة ما تتناقض عن الفهم العام سوى تغطية لتلك الغايات.  هذا ما حصل، مثلاً، مع نعمه ثابت في الأربعينات وهذا ما حصل مع أنعام رعد في أواخر الستينات وأوائل السبعينات.  لقد كان يدرك إنعام رعد أن القوميين لا يمكن إلاّ أن ينبذوه من صفوفهم بسبب مواقفه الجبانة والخيانية خلال التحقيقات والمحاكمات بشأن المحاولة الإنقلابية، وان المعاقبة لن تكون أقل من طرده من صفوف القوميين، لذلك راح يطرح مواضيع اليسار واليمين حتى دوّخ القوميين بها، كي يبعد تركيزهم على موضوع المحاكمة الحزبية ويظهر أن حقيقة الموضوع هي بين القوميين "المحافظين" والقوميين "اليساريين".  الغريب أن إنعام رعد هذا نجح في محاولته بسبب هبوب عواصف الاحداث العبثية على لبنان، فأرسى نوعاً من الشعوبية والفوضى في مناخات ومصاحبات مساعدة ومناسبة لها، حتى وصل الحزب بسبب كل ذلك الى الصورة التي يعرفها الجميع اليوم.

هل يعني ذلك أنه لا يجب أن يوجد خلافات في الرأي بين قومي وآخر؟  طبعاً، لا، فالإختلاف في الرأي بين قومي وآخر جائز ومرتقب وصحي ويدل على نشاط الفكر والعقل عند القوميين، لكن الإختلاف لا يمكن أن يكون حول القناعات الأساسية، فهذه لا يجوز فيها سوى القبول الكلي (فيكون التعاقد) أو الرفض الكلي (لا تعاقد أو إخلال به).  الإختلاف يكون جائزاً ومقبولاً عندما يكون حول الأساليب والطرق والآليات التي يمكن أن تتبع او تستعمل للوصول الى تحقيق تلك المباديء.  والإختلاف يكون جائزاً ومقبولاً أيضاً عند القيام بتفسيرات ضرورية لفكرة يحتاج تفسيرها الى نوع من الإجتهاد والتحليل والبحث وإعمال الفكر والعقل بشكل عام. فها أنا، مثلاُ، أختلف مع الرفيق العزيز المشار إليه في الرأي وأعبر عن رأيي في موضوع هذا الإختلاف.

يبقى السؤال الكبير: من يحسم في المسائل الفكرية أو غيرها من المسائل التي يجري حولها إختلاف في الرأي بين شخص وآخر؟  الجواب هو: العقل الجماعي، المؤسسات، المجتمع.

لم يتعامل القوميين مع فكرة المؤسسسات أو فكرة العقل الجماعي بفهم واضح وعميق لها.  فهم غالباً ما يتكملون كثيراً عن المؤسسات بسطحية تعكس غياب مثل هذا الفهم.  وهم، بدل ان يفهموا مؤسسة الزعامة مثلاً، من خلال ممارسة الزعيم لصلاحياته وكيفية وجدية وأساليب تلك الممارسة، ويحكمون عليها من خلال النتائج التي صدرت عنها،  دخلت الى أذهانهم فكرة أنه بما أن الزعيم شخص، فمؤسسة الزعامة يمكن أن يقوم بها أي شخص من الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يملكون نفس القدرة ونفس الأداء الذي كان يقوم به الزعيم (في الحقيقة أن بعض هؤلاء إعتقدوا أنهم ملكوا من قدرات ومؤهلات أبعد وأعمق وأوسع من تلك التي كان يمتلكها سعاده).  معظم القوميين اليوم هم أبعد من ان يكونوا على فهم صحيح لطبيعة المؤسسات وهذا واضح من خلال تعاملهم مع الواقع الحالي لهم.  كثيرون منهم يعتبرون ان مؤسسة عمدة المالية، مثلاً، تعني العميد-الشخص الذي يقوم بمهمة تلك العمدة.  حتى لو إدعى أحدهم أنه يؤمن عكس ذلك فإن التطبيق والممارسة يظهران بطلان إدعائه ويؤكدان جهله الكامل لما يجب ان يكون.

المؤسسات هي في إستمراريتها، هي في عقلها الجماعي. قد تبدأ مؤسسة ما من الصفر، ولكنها في مدلولها وجوهرها ومهمتها لا تنتهي بالصفر ولا تعود إليه، بل يكون عملها أرقام صحيحة تضاف الى أرقام صحيحة حيث يكبر الرقم بدون نهاية، وكل ذلك بفضل العقل الجماعي، والفكر الجماعي، والجهد الجماعي.  لقد كانت مؤسسة الزعامة المؤسسة الوحيدة التي يمكن أن نقول إنها كانت موجودة وقائمة ويمكن لنا أن نتحدث عن تأديتها الكاملة لمهمتها.  فسعاده، كونه مُطلِق الدعوة وصاحبها وواضع أسسها والمشرع لها، كان واعياً لمتطلباتها وحاجاتها، وكان دائم الحرص على أن تكون الخطوات والأساليب والأعمال التي عليه القيام بها صلبة وصائبة وصحيحة تجنباً للخطأ والفشل. لذلك كان حريصاً على معرفة آراءٍ متعددة في المسألة الواحدة، حيث يستفيد منها لإتخاذ القرار أو الموقف المناسب بشأنها.  وبهذا المعنى هو كان يمارس فكرة العقل الجماعي ويحاول غرس ذلك النهج في أذهان مساعديه ومن هم على إتصال به من القوميين.

ثم أن فكرة المؤسسات في الحزب السوري القومي الإجتماعي لا تتضمن فكرة الأكثرية والأقلية. هنا يمكن أن يعترض معترض ويسأل: ماذا عن إتخاذ القرارات في المجالس الحزبية، كالمجلس الأعلى مثلاً، ألا تكون القرارات نتيجة لتصويت يتضمن فكرة أكثرية موافقة تتفوق على أقلية مخالفة؟   الجواب هو أن ذلك صحيح في ظاهر الأمر وباطل في جوهره.  هنا يكمن معنى الديمقراطية التعبيرية. لنبقى في دائرة المجلس الأعلى  من أجل شرح هذه الفكرة.  يفترض في عضو المجلس الأعلى توفر شروط صارمة وواضحة ولا يجب أن يصل الى المجلس الأعلى من حيث المبدأ سوى من توفرت فيه مثل تلك الشروط.  عندها يكون العضو، عقلياً وثقافياً ومعرفياً وإيمانياً، في موقع القادر على والمؤهل للتعبير عن الموقف القومي والمصلحة القومية. عندما يكون أعضاء المجلس الأعلى جميعاً من هذا النوع، يتلاشى، بعد التأمل والبحث والمناقشة ودرس جميع جوانب الموضع وتشعباته والإحتمالات التي يمكن أن تكون مصاحبة له، أي إختلاف في الأراء في الموضوع المطروح، ويصبح التصويت مسألة تلامس الإجماع إن لم يكن إجماعاً كاملاً.  لأن المجالس العليا التي شهدها الحزب لم تكن في أي يوم من الأيام بهذا المستوى، شهد الحزب ما شهده من حالات التراجع والتقهقر والنكبات.  نظرة الى كيفية إلغاء المجلس الأعلى لدوره خلال رئاسة عبدالله سعاده فترة 1959-1961 تعطينا فكرة عن مستوى "المجالس العليا" تلك وما دخل عليها من "إستلشاقٍ" وتلاعب ومهازل وقصور عن فهم طبيعة المسؤوليات ومتطلباتها.

إن أية عملية تصويت يتخللها التهويل، أوالترغيب، أوالإثارة، أو اللعب على العواطف، أو المناورة أو الرشوة، أو الدعاية الكاذبة، أو غير ذلك مما هو معتمد ومبرر في الديمقراطيات التمثيلية، هو أمر غير جائز وغير مقبول وغير دستوري في الديمقراطية التعبيرية.  ثم أن فكرة المسؤولية في الديمقراطية التمثيلية هي سعي لموقع أو سلطة أو مصلحة أو مكافأة معينة للشخص المعين، بينما أن فكرة المسؤولية في الديمقراطية التعبيرية هي تكليف وواجب تحمل معنى التضحية من قبل حاملها في أكثر الأحيان.  لقد بقي القوميون في جميع مراحل عملهم بعد إستشهاد سعاده بصورة خاصة، بعيدين عن فهم الديمقراطية التعبيرية وبالتالي عاجزين عن تطبيقها.  لذلك دخل على ما إعتبروه تطبقاً لها خلل وآلاعيب أدت الى مشاكل وأزمات في الحزب، والى مواقف أوقعت الحزب في مطبات تاريخية معطلة لمسيرته وعمله.

وإذا كنت لا أقصد في هذا المجال الكتابة عن الآلية الممكنة للديمقراطية التعبيرية، لا بد من الإشارة الى أن الديمقراطية التعبيرية تبدأ مع عملية التعاقد التي يقوم بها الفرد مع المشرع صاحب الدعوة، تتمثل في إيمانه الواعي، المعرفي، الإدراكي، الإرادي، الإختياري، بالمباديء التي وضعها المؤسس لحركته ونهضته. أي إلتزام لا تتوفر فيه مثل هذه الشروط: الوعي، المعرفة، الإدراك، الإرادة، الإختيار، هو إلتزام باطل.  هنا ندرك مدى شعوبية وجهالة وإنتهازية وبطلان الشعار الذي طرحه إنعام رعد في السبعينات، من "عسكرة الحزب وعقدنة العسكر".  لقد أهمل القوميون في جميع مراحلهم هذا الشأن، فسعوا بدل ذلك الى الإنتشار الأفقي الذي يتجاوز مسألة الوعي والمعرفة والإدراك الصحيح، ليعتمد العاطفة والمشاعر والإثارة.  من هنا نشأت الإشكالات والمصاعب والمطبات بعد إستشهاد سعاده، حيث ضاع مفهوم الديمقراطية التعبيرية في ركام الإستبداد الشخصي والجهل والمصالح الشخصية والإنتهازية والإستغلال.  لقد وصل هذا النوع من الممارسة الى ما قمنا به وطبقناه في مؤتمر ملكارت الذي لم يكن سوى تعبير عن الكارثة التي كنا قد وصلنا إليها، حيث توالت الكوارث بعد ذلك اليوم لتنتهي الى ما إنتهت إليه.

بعض  القوميين الجهلة يستشهدون دائما في إنجازات مؤتمر ملكارت ويعتبرونه محطة مهمة من محطات تاريخ الحزب والقوميين، وهو لم يكن فعلياً، من خلال الإستغلالات والألاعيب التي مورست فيه، سوى دليل على قصور فهم القوميين لطبيعة حزبهم ودوره وكيفية تحقيق هذا الدور.  إن الذين يرون في الحزب مصالح شخصية ومنافع شخصية، يرفعون دائما لواء الديمقراطية التمثيلية، ظناً منهم أن بإستطاعة تلك الديمقراطية إيصالهم الى مبتغياتهم وشهواتهم عندما يرون أن مثل هذا الأمر ممكناً ومفيداً.  لذلك لا نستغرب أن عينة من هؤلاء كانت تكثر من نقيقها في المراحل السابقة في هذا الشأن، ثم نراها اليوم صامتة بعد أن لاحظت الجاذبية التي ترافق الوضع الراهن وغياب أية منافع مرجوة.  لم أعتبر ومنذ وقت طويل، أن لمثل كثيرين من هؤلاء أية علاقة بالنهضة أو بالعمل القومي، وهم لم يملكوا يوماً ولم يعطوا يوماً سوى النقيق والثرثرة.

قمة الصفحة

 

حديث سافلين

خلال وجودي في الوطن شاهدت صدفةً مقابلة تلفزيونية على قناة "المستقبل" إنشددت إليها، ليس بسبب ما كان يصدر عنها من تقييم ومنطق وإنارة ومعالجة دقيقة للمواضيع المطروحة، بل لأنه إتضح أنها مقابلة بين سافلين لم أرَ مثلهما في حياتي، حيث كان الكذب، والتحريض، والخسة، والعمالة، والسفالة، تفوحوا منهما بشكل ملفت للإنتباه.  لقد عرفت السافل الأول، فقد كان إسمه وصورته تملأ الأخبار والصحف عندما كان يعمل على إذلال اللبنانيين تحت إسم إستلام "ملفهم"، إذ لم يكن سوى عبدالحليم خدام، "ما غيرو".  لكنني لم أستطع أن أعرف فوراًً هوية الإعلامي الذي كان يُجري المقابلة بمهارة العميل السافل الحقير، فانا لم أكن مشاهداً منتظماً أو دائماً للإعلام التلفزيوني في لبنان.  لكنني بالنتيجة علمت أن ذلك الإعلامي لم يكن سوى علي حماده شقيق الحاخام مروان حماده، "ما غيرو".

الكلام عن العمالة والحاخامية يقودنا الى التعبير عن إندهاشنا الكبير للقوة التي تبرز بها العمالة في لبنان، إذ أنها تكشّر عن أنيابها بدون خجل أو خوف أو مراعاة، بل على العكس من ذلك، فهي تتبنى عملية الهجوم والشفافية وتحاول أن تعض وتؤذي أينما وكلما وجدت الى ذلك سبيلاً.  فمن الجنبلاطيين، الى الجعاجعة، الى الحريريين وكل من لف لفهم وإرتشى بأموالهم، جميعهم يمارسون العمالة بعدائية مدروسة، تتسم بالهجومية والإصرار وعدم إعتمادها أي قواعد أخلاقية رادعة.  لكل من هؤلاء المذكورين أدوارهم المميزة.

الجنبلاطيون الذين تخلوا عن كمال جنبلاط وما بناه من قواعد سياسية وما أعطاه من فكر سياسي على مدى نحو أربعة عقود من الزمن، ليلتزموا بعبثية وليد جنبلاط وما يتميز به من تهتكٍ وشرٍ وشراهة الى السلطة والمال، الجنبلاطيون هؤلاء، يريدون إشعال الفتنة في لبنان وهم على إستعدادٍ للتضحية بكل السنة وكل الشيعة.  فهم لا يفتأوون بالتحريض والقيام بأعمال هدفها إشعال الفتنة الطائفية في لبنان، حيث يعتقدون أنهم، مع الجعاجعة، في منأىً عن نارها، حيث يعمل السنة والشيعة على تدمير بعضها بعضاً، فيبقوا هم ويبقى الجعاجعة أقوياء ويحصدون "نتائج" تلك الفتنة المستقبلية.

لقد بدأ الجنبلاطيون يعدون الى مثل هذه الفتنة بإستقدام عناصر مجرمة منهم كانت قد هربت الى الخارج بعد الترتيب السياسي الذي حصل في لبنان بالوصول الى ما سمي "بإتفاق الطائف.  أحد هؤلاء المجرمين القتلة، عصام العنترازي المشهور ب"أبو سعيد العنترازي"، الذي إنغمست يداه في كثير من دماء السنة ودماء المسيحيين ودماء القوميين في بيروت.

لقد كان الجنبلاطيون يحلمون أن يكون يوم الخميس الذي حصل فيه حادث "الجامعة العربية" المشهور موعداً لإطلاق الفتنة.  لذلك هم عمدوا الى نشر القناصين ومارسوا أعمال القتل والذبح.  لقد كان الشهيد شمص أحد ضحاياهم في ذلك اليوم، وهم قتلوه ببشاعة تفوق تلك التي مارسوا فيها مذابحهم السابقة في مزرعة الشوف ورشميا وبحمدون وبقية قرى الشوف وعاليه.  فهم وأمام محطة الزهيري في وطى المصيطبه، التي لا تبعد عن الجامعة العربية أكثر ثلاث مئة متر، إنهالوا على الشهيد شمص بالسكاكين بشكل متتالْ الى أن قضوا عليه ثم رموا جثته في برميل للنفايات، وذلك في محاولة منهم لإجتذاب ردات فعلٍ كفيلة بإشعال الفتنة بدون أن يعود هناك أية مكابح تستطيع إيقافها.  إن حكمة المعارضة فوتت على الجنبلاطيين تحقيق مثل هذا الهدف الشرير.  لكنه خاطيء من يظن أنهم سيتوقفون عن محاولاتهم.  إذ أن سفالة وليد جنبلاط وشراهته الى السلطة والمال قد إنسحبت على جميع الجنبلاطيين بدون إستثناءات.  وهم يدركون جيداً أن تلبية شراهتهم سوى في حالات الفوضى.  لقد حدث هذا الأمر معهم بعد الإجتياح الإسرائيلي، حيث كانوا يرهبون الناس الذين كان يتشكل معظمهم من "بقية الدروز"، ويسرقون ويبتزون الأموال بكل ما تفتقت أذهانهم من طرق لتحقيق ذلك.  وهم فعلوا ذلك في ظل نظام عبدالحليم خدام وغازي كنعان الأمني، حيث عمدوا الى سرقة أموال المهجرين بشراكة مع آخرين.  يجدر الإشارة أنه لم يبق هناك من جنبلاطي لم يقبض (يسرق) مبالغ طائلة من صندوق المهجرين.  لكن الأمر الملفت والمؤسف والمثير للغضب هنا، هو أن الزمرة التي كانت تشترك في السلطة بإسم القوميين من نواب ووزراء وموظفين، لم تنبث ببنت شفة حيال تلك السرقات، بل تمتعت بما رمي لها من فتاتها، فصمتت وتجاهلت ما كان يحصل.  لم نسمع تلك الزمرة تتكلم سوى عن السلم الأهلي، لذر الرماد في العيون، وهم تغاضوا عن مخططات الحريري وعمالة السنيوره، رجل أمريكا في لبنان، فتركوا تلك المخططات الشريرة تمر بدون إعتراض.  إن إفقار لبنان وإغراق شعبه بالديون كي يدفع باللبنانيين الى الإستسلام في معرض محاولتهم التخلص من عبء تلك الديون، كان هو المعلم الأساسي من معالم المؤامره التي دفع رفيق الحريري الى تنفيذها.  إن عدم نجاح المغدور رفيق الحريري بالوصول الى تلك النتيجة كان سبب إغتياله من قبل الأمريكيين والعبريين.

ما يقال عن وليد جنبلاط يقال عن سمير جعجع، فهما وجهان لعملة واحدة، معدنها السفالة والحقارة والتهتك والعمالة، وغايتها السلطة والمال.  أما المال فهو يتدفق عليهما من ذلك المسكين سعد الحريري، لكن ذلك ليس كافياً لهما، فهما يريدون السلطة التي لم يحصلوا عليها بعد.  الى أن يحصلا على ذلك، فهما سيستمران في حوادث القتل وزرع المتفجرات والتحريض ونشر الفتن الى أن يتحقق لهما ما يريدان. أن السلاح يتدفق عليهما وهما يقومان بتدريب العناصر على مدار الساعة، كي يطمئنا أنهما يملكان قوة كافية تمكنهما من حصد نتائج الفتنة التي يعملان على تفجيرها.  الولد المسكين سعد الحريري يدفع الأموال ويرشي ويغري من يقبل الإرتشاء من أبناء الطائفة السنية، وهو أيضاً قد أصبح عنده عدد كبير من "المقاتلين"، ليس العدد الذي يقيم منهم بصورة دائمة في فندق "ماي فير" في منطقة الحمراء سوى عيّنة بسيطة عنهم.  هذا المسكين لا يعرف ما تقوم به يداه.  يظن بسبب ما يتمتع به من براءة وغباء أنه بهذا الأمر سيصل الى معرفة قاتل والده.  بل هو يظن بسبب ما يتمتع به من عباطة سياسية، أن كل ما تفعله أميركا والدولة العبرية وفرنسا غايته كشف حقيقة القاتل.  متى يحصل هذا الشاب على بعض الفطنة والنباهة السياسية فيدرك حقيقة ما يدور حوله بشكل صحيح؟

قمة الصفحة

 

فجوة بين الأجيال

كنت أقوم أمس بواجب تعزية عند الرفيق خليل عندما راح يتكلم عن "الفجوة العريضة" القائمة بين أجيال القوميين في معرض الدلالة على معاناة (ومأساة) العمل القومي الحاضرة.  هذا الكلام ذكّرني بحادثة عمرها أكثر من ثلاثين عاماً.  كنت أقوم في أواخر عام 1975 بتدريب مجموعة كبيرة من الأشبال ما بين سن العاشره والخامسة عشره، على أحدى طرقات (كانت الطرقات لنا في ذلك الوقت) صحراء الشويفات، على "النظام المنضم"، عندما مر بنا السيد أمين الجردي، وقد كان مالكاً كبيراً، فسألني: "مش حرام تدرب هالأولاد الزغار، شو راح يطلع من امرهم؟"  أجبته: "هؤلاء الأولاد سيكبرون ويصبحون رجالاً ونساءً، فمعركتنا طويلة جداً".  إستوعب السيد الجردي جوابي على سؤاله جيداُ وهز راسه بالموافقة بينما كان يقول: "معك حق".

الفجوة بين الأجيال التي تكلم عنها الرفيق خليل هي إحدى الدلالة الكبرى على وصول العمل الحزبي الى هذا الوضع المأساوي الذي يعاني منه.  في بيروت، كما في دمشق، كما في صافيتا، كما في حلب، لم يكن من الصعب أن أرى مثل تلك الفجوة وما يترتب عليها من نتائج.  أي عمل قومي، في أي متحدٍ من المتحدات، صغيرةً كانت أم كبيرة، لا يعالج هذا الأمر هو عمل مضمحل حتماً.  الأجيال المستقبلية لا تهبط من السماء، وهي لا تطلع من الأرض، وهي لا تولد من أرحام الأمهات، بل هي عملية إعدادٍ وتنشئة، مخطط لها ومدروسة ومستمرة، تحتاج الى مصادر مادية وطاقات فكرية.  إن خسارة معركة الأجيال هو خسارة أكيدة للعمل القومي وللقضية التي يتبوأ بها هذا العمل.

هذا الأمر يقودنا الى الكلام عن عملية تصحيح مسيرة العمل القومي ووضعها على خطها الصحيح وتفعيلها، ليكون لهذا العمل تأثيره في مجريات الأحداث في وطننا وتقرير إتجاهاتها. 

رداُ على تصوري للحاجة البنائية للعمل القومي، بحيث نعمل على توضيح الأسس النهضوية لهذا العمل لتصبح ثقافة واحدةٍ، موحِّدَةٍ لجميع الجهود المبذولة فيه، راح الرفيق يوسف يتكلم عن أهمية النظام والتنظيم والتركيز على القوانين الضامنه له، محاولاً دعم رأيه بنسخة قدمها لي عن "دراسة/إقتراحات"، صادرة عما يسمى "بمكتب المجلس القومي"، تتضمن "إقتراح تعديل بعض مواد القانون عدد (8) مع الأسباب الموجبة له". 

عندما أكدت للرفيق يوسف أن المسألة ليست مسألة قوانين ومواد وأشكال تنظيمية، بل هي مسألة أعمق من ذلك بكثير، "متهماً" إياه بعد حوار طويل، بعدم إستيعاب فكرة الحزب عند سعاده أجابني بأنه "يحمل شهادات مثل شهاداتي وقدرة على الإستيعاب مثل قدرتي".  وضحت للرفيق يوسف أن المسألة ليست مسألة شهادات جامعية أو غير جامعية، بل هي مسألة قراءة هادئة لفكر الحزب وأهدافه وطبيعته، بحيث نستطيع إستخلاص العبر من تاريخ نضالنا القومي ونتمكن من تحديد إطار تحركنا المستقبلي.  إذ أن مشكلة الحزب ليست "مشكلة هيكلية" كما عبّر عنها أحد الرفقاء الإعزاء في دمشق، ولا هي مشكلة "آلية إنتخاب أو إنبثاق السلطات" كما عبر عنها الرفيق بشار فادار في دراسته "أزمة حزب أم أزمة تنظيم" (هذا مع العلم أن تلك الدراسة ألقت أضواءً قوية على المشكلة الحزبية)، بل هي أولاً وأخيراً فهمنا الصحيح لطبيعة دورنا ومهمتنا القومية والقيام بهذا الدور بدون إخطلاطات أو أهداف جانبية، شخصية أو غير شخصية.  إن جزءً كبيراً من مشكلتنا يكمن في طريقة فهمنا وتعاملنا الخاطيء سابقاً مع كثير من الأمور والمعطيات.  لقد كانت الثقة العمياء التي أوليناها "لبطاركة" العمل القومي، دون فحص أو تمحيص أو التفتيش عن مبررات واقعية وعملية لموقفنا ذاك.  لو قمنا بأي نوع من التأمل والدرس بهذا الأمر بالذات، لتبين لنا أن أولئك "البطاركة" لم يكونوا سوى أشخاص عاديين مثلنا تماماً، يحتاجون ما نحتاجه من إعداد وتحضير ودراسة وتشاور ونصح وإنارة وتنويرٍ، وأنه لم يكن عندهم أي نوع من الحلول الجاهزة ولا يملكون أية "عصىٍ سحرية".  لم نكن ننظر الى جورج عبد المسيح أو عبدالله سعاده أو أسد الأشقر او عبدالله محسن نظرة واقعية تمكننا من فهم إمكانياتهم الواقعية وإدراك ما يمكنهم القيام به وما لم يكن بإمكانهم القيام به.  لم نتعامل معهم بقناعة أن لكل شخص محدوديته لأننا لم نتربى على مثل هذا التفكير وهذه العقلية، بل إعتبرنا أن إمكانياتهم بلا حدود وأختلفنا فيما بيننا عليها.  كنا نتكلم عن المؤسسات لكننا عملياً لم نكن نفهم معنى المؤسسات!  كنا نتكلم عن الإرادة العامة، دون أن نفهم كيف يُعبَّرُ عن تلك الإرادة!  كنا نتكلم عن العقل الجماعي، دون أن ندرك كيفية عمل ذلك العقل!.  كنا نقوم بأشياء كثيرة دون تمحيص وتقييم، بسبب مناخ العمل القومي الذي نشأنا فيه أولاً، وغياب أية عملية تنشئة صحيحة مدروسة تنبهنا الى الحذر من المسلمات وأهمية فعل العقل والتأمل الدقيق في مختلف الامور لإستنباط الحلول الضرورية لها.

إن غياب مثل هذه الثقافة والتربية قادنا الى منزلقاتنا الكبيرة والقاتلة، وهو المسؤول عن الجفاف الذي يصيب عملنا في الوقت الحاضر.  لذلك لا يرى قسم منا ضيراً في ان يخضعوا لسلطة لا  تملك سوى تفكير حضاني وثقافة إبتدائية، هذا بالرغم مما شاهدوه من كوارث نتيجة لعملها خلال العقود الثلاثة الماضية، خاصة في النصف الثاني من هذه الفترة.

إن إطلاق العمل القومي لا يكون سوى بفهم صحيح لطبيعة هذا العمل وإستهدافاته وحاجاته، والحرص على إبعاد أية إختلاطات عنه، وإستنباط الوسائل الأفضل له وإخضاعها للتقييم بشكل مستمر.  إن تغيير الإعتماد على القوانين والألية التي تنتج عنها الهيكيلية الحاضنة للعمل القومي، لا قيمة لها في غياب هذا النوع من الفهم لطبيعة العمل القومي.  ماذا يفيدنا تغيير أشخاص بأشخاص آخرين إذا لم نكن نملك ثقافة قومية عالية، وفهما قومياً عالياُ، ومعرفة قومية كبيرة، وتفكيراً قومياُ مبدعاً؟

لقد إستغربت تأكيد الرفيق يوسف على مسألة التنظيم الشكلية ووقوفه عندها بدل أن يرى الصورة الحقيقية لمأساة العمل القومي.  عندما سألت الرفيق يوسف عن عدد الرفقاء في مديريته، أجابني بأنه ليس هناك مديرية في ذلك المتحد (أحجب عن ذكر ذلك المتحد لأسباب آنية).  فأبديت دهشتي وإستغرابي في كيفية تكوين إستنتاجات معينة لنا في الوقت الذي يصدمنا فيه الواقع ويملي علينا الوصول الى إستنتاجات مغايرة.

ثم أن مشكلة العمل القومي ليس لكونه يملك إرثاً ثقيلاً من بعض محطات تاريخه، مما يقود الناس الى النفور منه، مما يبعث الى الحاجة لإنشاء حزب جديد على مجموعة مباديء ترتكز على المباديء الآساسية والإصلاحية.  لقد سمعت في حلب كلاماً من هذا النوع، أبداه رفقاء لا تنقصهم الثقافة ولا الإدراك ولا المعرفة،  إنما صُدِموا بالعقلية الحضانية للعمل القومي وخروج هذا العمل عن محوره الصحيح وإستهدافاته المفترضة.  إن معركة العمل القومي هي معركة الوصول الى الناس، كل الناس، بمعنى الوصول الى عقولها ومداركها وليس بالمعنى الذي يسوّقه كمال نادر.  والوصول الى عقل الشعب له أصوله وضرورياته وأساليبه، وهذه لا تتضمن البهلوانيات الخطابية الحماسية التي لا تثمن ولا تغني عن جوع. 

لذلك نحن نركّز تركيزاً قوياً على عملية إعادة البناء القومي، على قواعده المرسومة من قبل سعاده، وضرورة فهم هذه القواعد فهما أصيلاً، وإعمال العقل لإستنباط الطرق والوسائل والأساليب التي يمكنها تحقيق النتائج المرجوة لهذا العمل.  هنا، وهنا فقط، يكمن سر إطلاق العمل القومي المطلوب، وليس في البحث في حلول غير مجدية ولا ينتج عنها سوى إضاعة الوقت والجهد.

قمة الصفحة

 

تفكير حضاني، ثقافة إبتدائية

عندما يبدأ الرفيق سميح بالكلام يجب أن تتوقع أن تهبط عليك المواضيع المختلفة دفعة واحدة، إذ أنه يجمعها كلها في منطق خاص به.  لا خوف عليك ألاّ تدرك أو ألاّ تتفهم ذلك المنطق، لكنك حتماً ستصارع لترى فيه الفكر القومي الإجتماعي الملتزم.  "لبنان أنشيء بقرار، ولبنان يزول بقرار، ولبنان ليس له قرار"، يقول لك، لكنه لا متى وكيف يمكن أن يكون للبنان قراره المستقل، المنطلق من إرادة أبنائه.  هو إستسلم للواقع، ولا يملك سوى أن يضفي عليك المناخ الذي يعيش فيه.  ثم هو يرشقك بعِبَرٍ إستوحاها من الواقع الحاضر في لبنان لا تستطيع أن ترفضها.  مثل هذه العبر قوله: "كلما فشخت فشخة خارج البيت تخسر صديقاً وتصنع عدواً" لتبرير إنزوائه في منزله وعدم تعاطيه بالشأن العام.  هذا لا يعني إنني، بعكس الرفيق سميح، أؤمن شخصياً بحتمية النهوض والإنتصار، إذ إني لا أعتقد بمثل هذه الحتمية؛ لذلك أردد دائما أما الذين أتحدث إليهم بأن مثلي هو مثل المقامر الذي يقامر مرة ويخسر، ثم يقامر مرة أخرى للتعويض عما خسره في المرة الأولى فيخسر ثانية، ثم يستمر في المقامرة أملاُ في إستعادة خسارته.  لقد دفع القوميون خلال تاريخ نضالهم أثماناً باهظةً وهي هذه الأثمان الباهظة وهذا التاريخ ما يبقي على محاولاتي في عمل ما أراه أساسياً وضرورياً دون أن أهتم لما أخسره من أصدقاء أو ما أصنعه من أعداء.

دع الرفيق سميح جانباً، فأن مناخاً من التراخي والإستسلام يسيطر على معظم الإمكانيات القومية التي كان يمكن أن تكون منتجة جداً لو أن ظروف الإنتاج لم تُدَمّر وتغلق أمامها.  فالعقلية الإنتهازية، بما تتمتع به من تفكير حضاني وثقافة إبتدائية، إستمرت في تدمير الحزب بعد إستشهاد الزعيم، حيث كان لها تأثيرها الكبير على مدى العقود الأربعة الماضية، وقد وصلت اليوم الى أوج تأثيرها في وقتنا هذا الى حدود السقوط المريع.

التفكير الحضاني والثقافة الإبتدائية تلاحظها في كل جانب من جوانب العمل القومي في الكيانين اللبناني والشامي.  التفكير الحضاني هو الذي يرى في عنتريات كمال نادر الخطابية إنجازات قومية وعملاً قومياً رائعاً.  إن يبيع كمال نادر المواقف مثل أن يمجّد إنجازات الرئيس الراحل حافظ الأسد، دون أن يغفل إنجازات الرئيس بشار الأسد، ودون أن ينسى مهاجمة عرفات وسحقه سحقاً ذريعاً، كل ذلك في جوٍ من الإثارة والنشوة، يعتبر إبداعاً وإسلوباً إذاعياً رأئعاً.  هذا مع العلم أن كمال نادر كان يخضع لسلطة عرفات لعقدين من الزمن.  من نتيجة هذا الإسلوب أن أولاد الرفقاء الجنوبيين إختاروا الإبتعاد عن "الحزب" لم يرون فيه من تزلف وسخافة وبعد عن الواقع.

من مثل هذا التفكير الحضاني والثقافة الإبتدائية، وبما يغلفهما من إنتهازية ومصالح شخصية، أن يعمد جوزيف سويد الى الإهتمام بإرسال الناس الى الحج على نفقته الخاصة (أرسل الى الحج 22 شخصاً بنفقة 300 الف ليرة سورية للشخص الواحد- من أين أتت تلك الأموال) وإعتبار ذلك شأناً يخدم المصلحة القومية. ما علاقة العمل الحزبي بالحج أو عدم الحج، أم أن ذلك يخدم المصلحة الإنتخابية للشخص المذكور؟  من حضانية التفكير والثقافة والعلاقات أن يعمد جوزيف سويد نفسه الى الإعتداء بالضرب على نذير العظمه ثم تسوى المسائل وكأن شيئاً لم يحصل!

من نتائج التفكير الحضاني والثقافة الإبتدائية، أن النهضة فقدت شعبيتها في لبنان، وان القوميين أصبحوا مكشوفين للحقد الطائفي من جميع أنواعه وأشكاله.  ليس فقط أن الناس فقدت أي ثقة عندها بالقوميين ومستقبل عملهم، بل لقد اصبح القوميون مكسر عصاً لجميع الناس كباراً كانوا أم صغاراً.  الجنبلاطيون لا يخفون حقدهم على القوميين ولا مشاعرهم الراغبة بتصفيتهم إذا ما إستطاعوا الى ذلك سبيلاً.   إنهم يتناقلون ويتحادثون بهذه الرغبة وكأنها شأن عادي وبسيط يمكن لهم تحقيقها بسهولة.   ما ينطبق على الطائفيين الجنبلاطيين ينطبق على الطائفيين الجعاجعة وكل الطائفيين العملاء من جميع الأنواع، فكلهم يمتلكون مثل هذا الشعور والإستهداف.  هنا لا بد أن أعلن بإسم حركة البناء القومي ان هذه الحركة لن تكون متساهلة مع كل من تخوّل نفسه من جميع أشكال الطائفيين والعملاء، جنبلاطيين أو جعاجعة أو حريريين، أرتكاب حماقات يعتدون فيها على القوميين في أي مكان من الأمكنة وفي أي وقت، وهي ستقتص من أي معتدٍ إقتصاصاً مريعاً. 

الرفيق جهاد لا يخفي نقمته على هذا التفكير الإبتدائي وهذه الثقافة الإبتدائية.  روى لي، أنه كان في مكتب أحد "العمد" ليقدم له نسخة من أحدث كتاب كان قد أنجزه من سلسلة الأبحاث التي يقوم بها مشكوراً.  بينما هو جالس في مكتب ذلك "العميد"، دخلت عليهم رفيقة تبيع بطاقة لحفلة عشاء.  إشترى منها ذلك "العميد" بطاقة واحدة حيث أعطاها مئة دولار واعادت له ثمانين دولاراً، فشكرها ثم خرج من الغرفة دون أن ينبث للرفيق جهاد ببنت شفة تنم عن شكره لجهد ال أوعلى النسخة "المقدمة" له، إذ أن الثقافة والمعرفة والبحث ليس من شأنه ولا من طبيعته أو إختصاصه.  بالنسبة لذلك "العميد" الغبي، سهرة "العشاء" تستحق العشرين دولاراً التي دفعها أما نسخة الكتاب الذي كلف صاحبه جهداً أمتد شهوراً تتبعها شهور، وتحمل كلفة طباعته لا تستحق شيئاً، فهو رجل "معدة" لا  رجل فكر، والرجل لا يؤآخذ على تصرفه ذاك لأنه مبدأي جداً.

إن حركة البناء القومي تأخذ على عاتقها محاربة هذا التفكير الحضاني وهذه الثقافة الإبتدائية وتعلن أن لا مكان لهما بعد اليوم، فالنهضة لن ترضى عن الفكر الراقي، الخلاق والمبدع بديلاً.

قمة الصفحة

 

الشباب الذي يحب الحياة

جميع اللبنانيين يحبون الحياة. جميعهم ينتابهم شعور قوي جداً بأنهم تعبوا وليس بمقدورهم أن يتحملوا أكثر مما تحمّلوا حتى اليوم.  معظمهم ليس عندهم أية خطط أو حسابات مستقبلية ولا يستطيعون حتى التفكير بأية خطط مستقبلية.  هم يتدبّرون أمورهم من يوم الى يوم ومن ساعة الى ساعة.

قلّة من الشباب اللبناني، والبالغين أيضاً، لا تتمنى أن تنقل تهاجر خارج لبنان الى أي مكان في العالم.  الغريب أن هذه الجموع أنفسها هي التي تغذي الحركات السياسية والطائفية والمذهبية الموجودة في لبنان.  يظن معظم الشباب اللبناني أنه قادر الى تأمين مناخ ووضع يعكس حبه للحياة من خلال فهم الواقع من منظار يتوهم فيه أن لبنان يمكنه عزل نفسه عن بيئته ويجد الحلول المناسبة له بعيداً عنها.  مثل هذا الشباب غالباً ما يمني النفس بضمانات أميركية لتحقيق ذلك.

الشاب الذي جلس الى جانبي في الطائرة التي أقلتني من بيروت الى البحرين هو نموذج عن الشباب اللبناني الحاضر.  لقد كان مسافراً الى الدمام.  قال إنه يعمل منذ مدة عند جورج أفرام.  لاني كنت أعرف أن جورج أفرام قد مات، سألته عمن يدير أعماله الآن، فأجابني:"أولاده".  سألته: "الى أي فريق سياسي كان ينتمي جورج أفرام؟"  أجابني: "لقد كان عونياً لكن أولاده يدعمون سمير جعجع؟"  سألته: "وأنت شو رأيك بعون؟"  أجابني: "هبلة.  لقد كنت أؤيد تحركاته عندما كان يسعى لإيجاد قرارات دولية حاسمة بشأن اللبناني، ولما حصلنا على مثل هذه القرارات وقف ضدها".  هذا الشاب يقدم نموذجاُ مهماً عن شريحة كبرى من الشباب في الطائفة  المسيحية.  هم أيدوا عون المشاغب، الراكض وراء التأييد الأمريكي/الإسرائيلي له، وعندما إكتشفوا أن ميشال عون له كرامته الوطنية ويعرف كيف يكون له حسابات وطنية غير طائفية خاصموه وإرتدوا عليه.  أصبح سمير جعجع، المشاغب، العميل، المجرم أكثر قبولاً لهم من ميشال عون.  المأساة في الأمر أن هذا الشاب لا يريد أن يبقى في لبنان لمساعدة سمير جعجع، بل هو هاجر حيث سيعمل أن تنضم إليه عائلته بعد شهور قليلة.  هل يدرك الشباب مغزى هذا النوع من التفكير والمنطق المتحكم بهم؟  هم يريدون أن يعيشوا ويحبون الحياة، لكنهم يسعون الى ذلك بأن يكون طائفيين يؤيدون أشكالاً مثل جعجع وجنبلاط وسعد الحريري الذين يلهبون المشاعر الطائفية في الوقت الذي يتحدثون فيه عن العيش والحياة.

قلتُ إن معظم اللبنانيين يرغبون في الهجرة وأنا شخصياً آخر شخص يحق له أن يلومهم على هذه الرغبة.  الامر ليس هنا.  الأمر أن القلة التي ترتاح الى البقاء في لبنان هي القلة التي تعرف كيف تعيش ضمن أجواء الفوضى والإقتتال وتنتظر مثل تلك الأجواء لزيادة ثرواتها ونفوذها وتسلطها.  الجنبلاطيون والجعاجعة والطائفيون السنيون يقعون في هذه الخانة.  الصديق القديم أسعد (لا، لا أعني أسعد حردان) هو من ضمن هذا الصنف من الناس.  لقد أتى الى مكتب أخي غاضباً على يوم الثلاثاء المشهور، مستكبراً إغلاق الطرقات العامة، شاتماً الذين قاموا في قطع الطرق، مؤكداً أن مصلحة طائفته هي فوق كل مصلحة.  طبعاً، لأن أخي لا يملك سوى منطق "شقعتلوا، سبيتلوا"، فهو لا بد أنه حاول أن يقنع الصديق أسعد بكميات من هذا المنطق.  لذلك عندما أتصل بي الصديق أسعد مطمئناً الى سلامة وصولي الى الوطن، إشتكى لي على أخي، مكرراً إستكباره لعملية قطع الطرقات.

لقد أعادني الصديق أسعد سنين الى الوراء.  هو كان موظفاً في الجمارك اللبنانية، موظفاً "شاطراً، يأكلها من قلب السبع".  ذلك "السبع" كان يتمثل في يوم من الأيام بمنظمة فتح.  كان من خلال وجوده في مطار بيروت "يمرر" لهم أشياء وأشياء، وهم يدفعون له مبالغ ومبالغ.  كان يعتبر عمله ذاك من ضمن تأييده للعمل الفدائي وليس لانه كان موظفاً فاسداً.  لقد كان صديقي أسعد "مبدئياً" جداً.  عندما خرجت المنظمات من لبنان بعد العدوان (الإجتياح) الإسرائيل على لبنان كان الصديق أسعد قد أصبح يملك ثروة متواضعة لكنها لم تكن كافية بالنسبة له بعد.  لكن صديقي أسعد ذكي جداً، شاطر جداً، لا يترك أية فرصة تضيع من بين يديه، بل يخطفها كما تختطف الطيور البحرية طعامها من قلب الماء.  حدث أنه تعرف الى أشخاص يضاربون في العملة، يراقبون تقلباتها، يشترون ويبيعون، يزيدون ثرواتهم ثروة.  بين هؤلاء كان يوجد مواطن أردني.  حدث أن ذلك المواطن كان ينقل في السادس من شباط عام 1984 حقيبة فيها 32 مليوناً من الدولارات الأميركية.  كان البار (الروشة) الذي كانوا يجلسون فيه ممتلئاً بالرواد.  عندما إبتدأ القصف على الروشه من قبل الجيش اللبناني لإنقاذ فرقة الجيش التي كانت على الروشة تتمركز في منطقة الروشة بقيادة الطحان، دخل الى ذلك البار أحد جنود الطحان برشاشه مما أخاف جميع الرواد فيه. لكنه "لهبله"، والتعبير هنا للصديق أسعد، خرج دون أن ينتبه الى تلك الحقيبة الثمينة بعد أن إطمأن الى أن ليس هناك ما كان يهدده في ذلك البار.  كنت أروي هذه القصة في مكتب أخي أمام نواف الصديق "الحربوق" نواف.  لذلك طلبت منه ألا يسألني عن مصير ذلك الشخص الأردني ولا عن مصير أمواله.  لكن "الحربوق" نواف حاول أن يبني إستنتاجاته الخاصة. فأنا لم أكن أملك حقيقة مثل تلك المعرفة.  ما أعرفه هو أن صديقي أسعد قد أصبح ثرياً جداً بعد ذلك الوقت.  من يدري، ماذا سيكون حظ صديقي أسعد في مناخات متفجرة جديدة يلعب فيها دور الحريص جداً على طائفته ومصيرها؟

قمة الصفحة

مقبرة اليهود

كنت في منطقة الحمراء عندما أعلمت سائق التاكسي التي توقفت أمامي أن مقصدي هو منطقة العدلية حيث كان يجري الإعتصام المقرر من قبل "المعارضة اللبنانية".  وافق على نقلي الى هناك شرط أن أدفع له أجرة راكبين فقبلت فوراً.  سائقوا التاكسي في لبنان يعملون في ظروف صعبة وهم ينقلون الركاب في أي إتجاه بأرخص الأسعار لتأمين لقمة العيش.  ربما كانت أجور التاكسيات، الى جانب بعض أسعار الخضار، هي الخدمات والسلع الوحيدة التي يمكن للمواطن المواطن العادي أن يتحملها دون أن يرهق ميزانيته. كل ما عدا ذلك هو أكثر كلفة من مثيله في سدني وربما في مدن غربية أخرى حيث الحد الأدنى هو أعلى بكثير لمقارنته مع الحد الأدنى في لبنان، الذي هو نقطة عار تميز الحكومات التي توالت بعد إتفاق الطائف.  الهاتف، الكهرباء، الغاز، أسعارها أكثر بكثير من مثيلاتها في سدني.  ما لم أستطيع فهمه أو إستيعابه هو كيف أن الفستق الحلبي و"الكاجو" الإيراني يباع في سدني بأربعة عشر دولاراً للكيلو الواحد، بينما لا تستطيع شراءه في بيروت بأقل من أربعة وعشرين دولاراً أوسترالياً.  هل سبب ذلك سياسة السنيوره المالية والإقتصادية التي أغرقت البلد في مستنقعات الحاجة والفقر المدقع؟

في طريقنا الى العدلية وعلى "طريق الشام"، في الطرف المجاور منها للخيم المنصوبة من قبل المعارضة، صعد الى السيارة راكب آخر حيث جلس في المقعد الخلفي، حيث كنت أجلس شخصياً في المقعد الأمامي.  يبدو أن ذلك الراكب كان على معرفة مسبقة بالسائق، لذلك بدأ يدردش معه الى أن وصلنا الى قرب محلة يوجد فيها مدافن لبعض الطوائف والعائلات، حيث سأل الراكب السائق: "هل صحيح أنه يوجد مقبرة لليهود هنا؟"  هنا تدخلت شخصياً وقلت:"مقابر اليهود منتشرة في كل لبنان!".  لم ينتبه السائق الى تعليقي لذلك أجاب على سؤال الراكب بقوله: "نحن كان عنا يهود كثير... كانوا ساكنين بوادي أبو جميل.... فلوا بعد بأحداث ال 75-76 ... ما بقي منهم إلا عيلة ثرية جداً من رجال الأعمال سكنت في منطقة الدوره... بقوا هونيك معظم الأحداث، بس  القوميين خطفوا أحد أبنائهم، دفعولهم فدية كبيرة حتى تركوه.... هاجروا بعدها وما عادوا رجعوا." 

لا أخفي أنني دهشت لذلك الحديث – المصادفة.  كنت أظن أن تلك مسألة ليست بذلك الشيوع الذي تتوقع أن يتردد الحديث عنها في سيارة عامة تنقلك بالصدفة.  تذكرت عندها قصة ألبير طبيلي.  إحتجزته عناصر أسعد حردان ربما لأن حاسة "الشم" للدولارات الأمريكية عن أسعد بدأت تتنامى وهو كان يعرف أن ألبير ذاك من عائلة ثرية جداً. بعد تلك الحادثة هرعت العائلة لتكليف السيد جريس نعوم الخراط، الذي كان مستخدماً عندها وهو كان على معرفة ببعض أشخاص في "الحزب"، للقيام بما يكفل إطلاق إبنها.  إتصل السيد الخراط بمفيد القنطار عارضاً عليه مبلغ عشرة ملايين دولار مقابل الإفراج عن ألبير.  حمل مفيد القنطار العرض الى "قيادة الحزب" حيث أبلغته أنها ستدرس المسألة وتأخذ القرار المناسب بشأنها.  بعد أيام قليلة من ذلك الأمر أفرج عن ألبير مقابل ما أشيع بين القوميين عن فدية بلغت مليون دولاراً(!) دفعت "للحزب".  طبعاً، نحن لا نريد بحث أخلاقية عملية الخطف، لكننا بدون شك نطرح الأسئلة الكثيرة حول حيثيات الإفراج ومصاحباتها بما فيها الجهات المشتركة في عملية المساومة والأموال التي قبضت والأموال التي صُرِّحَ عنها. هل صحيح أن أسعد حردان أَدخَلَ إيلي حبيقة بالموضوع ولماذا؟ ماذا كان دور عبدالحليم خدام وغازي كنعان؟  كيف "تقلصت" العشرة ملايين دولاراً التي عرضت العائلة دفعها الى مليون واحد إعترف أسعد حردان بقبضه؟  كم كانت حصة حبيقة وكم كانت حصتا عبدالحليم خدام وغازي كنعان؟  هل هناك جهات أخرى إشتركت بالموضوع ولا نعرف عنها أو دورها؟ 

هذا الأمر يقودنا الى موضوع أكثر أهميةً وأعمق دلالةً، يتعدى القلعطة والوساخة التي رافقت ذلك العمل: كيف يرضى القوميون أن يقودهم أشخاص من هذا النوع أغرقوا أنفسهم بالمفاسد والوساخة والقلعطة؟ كيف يبقى القومي قومياً وهو يسلم نفسه ويخضع لقيادة من هذا النوع؟  متى يستفيق القوميون من سباتهم وتجاهلهم لوضع حد لهذه المفاسد والإنتفاض عليها لإعادة الحزب الى طريقه الصحيح؟   متى ينتفض القوميون على "الشبيحة" والفاسدين والمفسدين والموظفين والوصوليين والأميين والإنتهازيين الذين تاجروا ويتاجرون بدماء الشهداء وجهود القوميين ويستغلونها لمصالحهم الشخصية؟  أي نتيجة ينتظرها القوميون  لنضالهم فيما لو إستمروا على هذا المنوال وهذه العقلية؟  إن حركة البناء القومي تعلن براءتها من كل الأعمال والأفعال التي لا تعكس حقيقة النهضة ومصلحة الأمة، وهي تلفظ وتنبذ جميع الفاسدين والمفسدين وأصحاب المصالح الخاصة من صفوفها.  إنها تدعو القوميين الحقيقيين الإصلين لنبذ هؤلاء من صفوفهم ولفظهم أيضاً.

أمام العدلية لم يكن من الصعب أن أميّز مناصري حزب الله، كما لم يكن من الصعب علي أن أعرف أن مرتدي اللون البرتقالي هم من أنصار التيار العوني، فعشية اليوم السابق ليوم الإعتصام كان يروى أمامي أن طفلة قريبة لي علّمها والدها الجنبلاطي أن تعلق على اللون البرتقالي بقولها:"بحب اللون وبكره عون"! كان تقديري أن مرتدي اللون الفستقي هم من أنصار "تيار المرده" حيث أكدّ لي صحة ذلك التقدير أحد شباب "التيار العوني". 

في الإعتصام شعرت أن الأناشيد التي كانت تبثُّ من سيارة تلفزيون المنار ليست كافية للتعبير عن ذلك الحشد المتنوع من المواطنين، كما لم تكن الكلمات التي كانت تذاع من قبل ممثلي الإتجاهات في ذلك الإعتصام في مستوى تحرك من ذلك النوع.  شعوري أن جميع الناس في لبنان يعيشون في مآزق خطيرة جداً لا يعرفون كيف يخرجون منها، وهم يخبطون خبطاً في معظم عملهم وخطواتهم بإنتظار مفاجأة ما تهبط عليهم من السماء أو تنطلق من باطن الأرض. الموالاة تغلفها العمالة والسفالة والحقارة، والمعارضة تمتلكها تناقضات قد تستطيع تجاهلها في الحاضر، لكنها لن تستطيع العيش معها في المستقبل ما لم تتم معالجتها في العمق.

قمة الصفحة

مأساة ومعاناة

ربما إنعكست بعض مأساة وطننا في ذلك الشعور المتناقض الذي ينتابني قبل زيارتي له وبعد أن أزوره. في طريقي الى الوطن يملء ذاتي شعور من الحنين والفرح والشوق واللهفة الى رؤية الناس فيه والتمتع برؤية طبيعته وأرضه، أما في طريق العودة فلا أحمل سوى الألم والحزن والمرارة والتحسُّر والغضب.  أخطر ما في هذا الأمر أنني أتوقع تلك النتيجة سلفاً لكنني في كل مرة أمني النفس بآمال وأحلام وتمنيات بأن تكون تجربتي الحديثة مختلفة عمّا قبلها.

مبعث هذا الشعور المتناقض ليس بقاء الناس على ما هم عليه الآن، بل في حالة تقهقرهم وتراجعهم في كل شيء.  تلاحظ أن كل شيء هناك يتجه من سيء الى أسوأ.  الأخلاق، القيم، التربية، الثقافة، العلاقات، كلها في تراجع مخيف.  يزيد من حزنك وألمك ومرارتك وتحسّرك عندما تقارن ما تختبره في الوطن مع ما تعيشه من واقع مختلف كلياً في بلد إغترابك.

في مطار سدني يستقبلك مسؤولو الجمارك والأمن العام كما يودعونك: يبتسمون لك ويمازحونك وهم يقومون بما نيط بهم من مهمات.  تعرف معهم ما عليك من واجبات وما لك من حقوق.  في مطار بيروت، كما في العبودية، أو المصنع أو جديدة يابوس، يستقبلك موظفو الأمن العام والجمارك بالعبوس والشك، فتشعر أنك متهم ومدان ومطلوب في جرم لا تعرف طبيعته.  ربما كان هذا النوع من سلوك موظفي الدولة هو سمة تجمع جميع موظفي دول العالم الثالث.

في مطار سدني أجبت موظفة الجمارك على سؤالها الروتيني لي بأذا كنت أحمل مبلغاً نقدياً يفوق العشرة آلاف دولارأ: "أتمنى لو كنت أملك مثل ذلك المبلغ".  فإذا بها تعلق بروح مرحة: "لو كنت شخصياً أملك مثل ذلك المبلغ لما رأيتني هنا". 

في العبودية كتبت على البطاقة الخاصة التي قدمتها الى موظف الأمن الشامي أن إسم العائلة "حيدر".  لكنه لاحظ أن هناك كلمة "حسن" تسبق كلمة "حيدر" فسألني غاضباً: "شو إسم عيلتك أخي؟"  لاحظت خطأي وطلبت منه أن يعيد لي البطاقة للتصحيح، فرماها أمامي ووقف يطفيء غضبه بسيكارة أشعلها.  عندما أعِدتُ إليه البطاقة مصححة، جلس على كرسيه وكأنَّ ما مجّهُ من دخان سيكارته قد هدّأ من روعه قليلاً إذ قال ممازحاً بسماجة ملحوظة: "منيح اللي ما كان في محمود كمان".

في بيروت كما في دمشق، رأيت الفوضى المخيفة في قيادة السيارات، حيث لا يتحكم فيها أي نظام أو قواعد أو أصول. الفوضى هي الأصل والقاعدة لها، فإذا قررت أن تقود سيارة في دمشق أو بيروت، وجب عليك أولاً أن تجيد قاعدة تلك الفوضى.

في بيروت كما في دمشق رأيت سادية الموظف ورأيت كيف يعامل المواطنون بلا إحترام ولا إهتمام وفي بعض المرات بإهانات ملحوظة.

في بيروت كما في دمشق ليس هناك ثقافة من أي نوع: لا ثقافة علاقات إنسانية، لا ثقافة وطنية ومواطنية، لا ثقافة بيئية، لا ثقافة تربوية، لا ثقافة صحية، لا ثقافة نظام وقواعد وأصول لكل ما يتعلق بحياة الناس وراحتهم وتعاملهم.  لم أختبر ما هناك في بغداد وما هناك بين شعبنا في فلسطين، وليس لي حاجة الى ذكره.

بعد كل هذا الشعور يعمق الحزن ويتأصّل  وتزداد المرارة والخيبة والمعاناة ليبقى السؤال الأهم: متى يستفيق شعبنا ويتخلص من أمراضه المتنوعة ليبني حياته من جديد؟

قمة الصفحة

Back صفحة رئيسة Up Next

صفحة رئيسة
Up

مأساة ومعاناة

مقبرة اليهود

الشباب الذي يحب الحياة

تفكير حضاني، ثقافة إبتدائية

فجوة بين الأجيال

حديث السافلين

مرجعيات

نسبية الهزيمة والإنتصار