|
العصبية
القومية في مواجهة السلفية المذهبية
أيها الرفقاء
والمواطنون المحترمون
تحية سورية قومية اجتماعية
لا يستطيع أحد أن
يقول أن السوريين القوميين الاجتماعيين قصّروا في واجبهم
تجاه تنامي ظاهرة السلفية المذهبية. فعقيدة الحزب السوري
القومي الاجتماعي كانت ولا تزال, أول من وضع أسساً لوحدة
المجتمع السوري, لا بل قاعدة لوحدة الحياة السياسية
والاجتماعية لعالم المستقبل لهذا المجتمع الواحد. واليوم
نجد أنفسنا مدفوعين للتذكير بهذه الحقيقة رغم تعمق
الانقسام المذهبي على المستوى القومي والعالمي. هذه الأسس
التي تقوم على تزكية مواضع التلاقي بين مذاهب الدين
التوحيدي, والتشديد على صفتها الجوهرية, وإهمال مواضع
الاختلاف والتناقض التي لا تقتصر على المذاهب المتنوعة, بل
على التناقضات داخل هذه المذاهب الواحدة نفسها.
التشديد على إبراز
التناقضات غير الجوهرية أدى الى انقسامات داخل المذاهب,
وأدى بالتالي الى نشوء "التكفيرية" التي لا تقتصر على
المذاهب المحمدية, بل وتطال المذاهب المسيحية منذ نشوئها
وحتى اليوم. فهذا المؤرخ الإنكليزي إدوارد غيبون الذي وضع
تاريخاً موسعاً لسقوط الإمبراطورية الرومانية, يقول إن
المسيحيين الأوائل ممن اعتنقوا الرسالة الجديدة, لم يعملوا
بموجب تعاليم المسيحية السامية, بل اختلفوا منذ اللحظة
الأولى على طبيعة السيد المسيح, وراح ضحية البدع المجامع
الدينية المسيحية الأولى في صراعها و"الآريوسية" مئات
الألوف من الضحايا.
وما نشهده اليوم من
انتشار الأصولية "المسيحانية" التي تسيطر على الذهنية
المهيمنة على الإدارة الأميركية المعاصرة, وتُمسك بمفاصل
السياسة الخارجية لأقوى وأعتى قوة عسكرية في عصرنا, إنما
تقوم على رؤية ضيقة للتوراة اليهودية وللوعد اليهوهي الذي
ألزم به مسيحيو الغرب مع أن المسيحية خلصت البشرية من ربقة
اليهودية وتحجرها في العلاقة الثنائية التي تختلف في
المسيحية عنها في اليهودية وفي تحول المسيحية الى دين
مسكوني بدلا من "الإمتياز الحصري" في العلاقة التي كانت
قائمة بين "يهوه, وإسرائيل". فنسمع اليوم في الغرب من يمثل
"يد الله" أو من "يخاطبه الله", وحاشا الله, في هلوسة
سلفية أو صرعات يذهب ضحيتها مئات الألوف من شعبنا في
العراق وفلسطين ولبنان ومن شعوب أفغانستان والباكستان
وغيرها.
أما في الشرق, فإن بروز
وتنامي السلفية المذهبية المحمدية وجد ما يبرره بعد ان لقي
شرقنا ما لقيه على يد الأوروبيين ابتداء من الحملات
الصليبية الأوروبية, مروراً بوعد نابوليون الشهير لليهود
"بإعادتهم الى أرض إسرائيل" وقد قام بحملته الى الشرق
تطبيقا لهذا الوعد, ثم وعد بلفور الشهير, ومن بعده
الانتداب الانكليزي والفرنسي على الهلال السوري الخصيب
الذي كان الخطوة الأولى في شل فاعلية الأمة السورية لتتقبل
تنفيذ "الوعد" بعجز وانحلال, تماماً كما تشل الأفعى ضحيتها
بسمها قبل أن تبتلعها, ونحن نشهد كيف كان نشوء الكيان
الاغتصابي اليهودي مبرراً لتفسخ مذهبي داخل أمتنا التي
خُطط أن تكون مجموعة كيانات مذهبية متقاتلة غافلة عن وحدة
حياتها ومصلحتها في الحياة.
ونحن اذا لم نذكر
الأصولية اليهودية, فهذا مما لا حاجة للتذكير به دائماً,
لأنه أصل ومنشأ كل تزمت ديني ومذهبي, ويتجاوز باقي
السلفيات لأنه في أساسه أنغلاق مذهبي لا يعترف بالآخر
ويقوم على مبدأ العنصرية الدينية والعرقية. ولا تندرج
اليهودية في إطار الحديث عن المذاهب التوحيدية. اليهودية
ليست "توحيدية " بخلاف ما يشاع, إنها ديانة "إقتصارية"
تحصر العلاقة بين "يهوه" و"شعبه المختار" معتبرة كل ديانة
أخرى "نجاسة" لا تقارن باليهودية وكل البشر مجرد "غوييم"
لا يجب مقارنتهم باليهود. فلا مجال لمقارنة اليهودية مع
الأصوليات المذهبية المسيحية أو المحمدية, لوجود فارق
أساسي: هو أن الأصوليات التوحيدية من مسيحية ومحمدية تعترف
بالآخر مع أنها "تكفره", أما اليهودية فتحتقر الآخر ولا
تخالطه مطلقاً.
وقد دلت الأبحاث
التاريخية الأوروبية الأخيرة على يد "مراجعي التاريخ"
أمثال المؤرخ طومسون ولمكه وكثيرين غيرهم, ان اليهودية لا
علاقة لها بالتوحيد الألهي, بل تقصر العبادة على واحد من
"الآلهة" دون غيره, خاصة اذا راجعنا سفر المزامير(المزمور
رقم 82) كما يعتبر هؤلاء المؤرخون أن صفات يهوه هي صفات
إله وثني طوطمي.
ذلك, فلا جدوى من
البحث بـ "اصولية" يهودية ولا أمل بتحولها الى ديانة
إنسانية عامة, وستبقى كذلك دون أن تتطور أو تتغير حتى تفنى
من داخلها, إن لم تفن على يد غيرها.
من الملاحظ بعد
التأمل في السلفية التوحيدية من مسيحية أو إسلامية,
إهمالها جوهر الدين والتعلق بالتفاصيل, وأحيانا "فبركة"
تفاصيل تافهة لا تمت الى الدين بصلة. فالخلاف على "طبيعة"
السيد المسيح لا يقدم ولا يؤخر في فلسفة المسيحية التي
تقوم على توليد روحية التسامح والمحبة للبشر من خلقه دونما
تمييز, وافتداء البشر بالسيد المسيح من أجل خلاصهم جميعاً.
لقد كانت "مسكونية" أو عالمية المسيحية ثورة على
"إقتصارية" اليهودية وكانت "العناية" الألهية بديلا من
صورة الإله "المنتقم, المفتقد ذنوب الآباء في أبنائهم حتى
الجيل الرابع" الأمر الذي كانت تقوم اليهودية عليه.
كان التنازل عن
الحق الفردي في سبيل الخير العام, بديلا من الأنانية التي
لا تشبع إلا من امتلاك كل شيء والإثرة, وحرمان الآخرين من
أرضهم التي تدر عليهم اللبن والعسل, وإعطائها للشعب الذي
"لم يزرعها ولم تطأها قدماه".
من هنا, أضحت السلفية
المسيحانية في الولايات المتحدة والغرب الأوروبي, غطاء
أوجدته اليهودية نفسها, لعودة المسيحية الى ما قامت من أجل
نقضه أصلاً. ولا تختلف المذاهب المسيحانية المتهودة عن
اليهودية, بل تعتبر هذه المذاهب أن خدمة أغراض اليهودية
واجب "إلهي".
أما الشاعر الكبير
أبو الطيب المتنبي, فقد لفته تمسك السلفيين بقشور الدين
المحمدي دون جوهره في أيامه, فقال مخاطبا هؤلاء :
أغاية الدين
أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
إننا نستطيع التعرف
على السلفي من خلال تمسكه بالمظهر والهيئة بدلا من التزام
جوهر المحمدية الذي يقوم – كما في المسيحية- على التخلق
بأخلاق المسلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, واحترام
أنبياء الله دون تفريق بين أحد منهم, بدءاً من إبراهيم
الذي "لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن حنيفا مسلما"
وانتهاء يالرسول الكريم. و"أن المؤمنين جميعا أخوة وأخوات
لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى" و"أن المسلم هو من
آمن بالله واليوم الآخر" ومن وحد الله لا من "احتكره" له
ولذريته. يعتبر السلفي المحمدي لنفسه "حق" إصدار الأحكام
وكأنه هو "يد الله" (تماما مثلما يدّعي بوش) متناسيا أن
"من آمن فلِنفسه, إن الله غني عن العالمين" ولا حاجة لله
به ليكون "أداته " أو يده.
إن خروج السلفيين
عن هذه القواعد الجوهرية المناقبية السامية, يميزهم عن
الاصوليين الحقيقيين الملتزمين بها. من هنا التمييز بين
"الأصوليين" و"السلفيين". وما يقوم به السلفيون من السنة
والشيعة على حد سواء, هو موقف سياسي لا ديني كما يعتقدون.
لم يكن لتنامي
السلفية المذهبية في أمتنا إلا نتيجة واحدة, هي خراب
النفوس والنصوص والدولة ووحدة الحياة والكراهية واستباحة
حقوق الغير وحيواتهم وأرزاقهم باسم الدين. ولقد أوكل
السلفيون لنفوسهم القيام بعمل الله عز وجل ولم يتركوا له
حتى حق محاسبة خلقه.
الفرق بين السلفية
والطائفية هو أن السلفية واضحة وصريحة في حين أن الطائفية
مستترة خبيثة. بين السلفية والطائفية تشابه في الإثرة
والكراهية الباطنية وادعاء التفوق والأفضلية, واختلاف
اساسي يتمثل في كون الطائفية تعترف بالغير (كمبرر لبقائها
واستمرارها), لأنها تحيا على الحاجة لوجود الغير من أجل
منافسته ومن أجل إعادة إنتاج ذاتها. وتشترك الطائفية
والسلفية والعرقية والإقطاع في تدمير التضامن القومي,
الرباط الضروري والأساسي لقيام مجتمع موحد العوامل
النفسية-المادية. لا يوجد في الأرض كلها مجتمع أحادي العرق
أو أحادي الأصول الإثنية, أو أحادي المذهب الديني, أو
أحادي التطلعات التطورية. فلا يزيد الإرتداد الى الأصوليات
السابقة إلا تباعداً وتباغضاً وتمايزاً وتفسخاً روحياً في
نسيج المجتمع الواحد.
نحن في عصر نلمس
فيه حاجتنا الماسة الى التلاقي على ما يجمع ونبذ ما يفرق
ويباعد. وقد يجادلك واحد من الناس قائلا إن الإلتزام
الديني يجمع ولا يفرق. وبالنظر الى الواقع وما يجري فيه,
نسأل: هل ان الذي يحصل بعد تنامي السلفية هو اجتماع أم
فرقة؟ إن مجرد النظر الى أرقام المغتربين قسراً من
الآشوريين العراقيين بسبب تنامي السلفية, يثير فينا الرعب
لرؤية هذه الجماعة من أهلنا, حاملة حضارة عمرها أربعة آلاف
عام, تضطر لترك موطنها الى بلاد الحضارة المزيفة, تتهاوى
امام أنظارنا. كما أن النظر الى أرقام الشهداء من جراء
الصراع السني-الشيعي في العراق, ونتائجه المدمرة تزيدنا
رعباً بعد تجاوزها السبعمائة الفاً. ولا يتعظ اللبنانيون
حيث تستدرجهم يد إله بوش الى استقدام دب الصراع المذهبي
الى كرمهم لتكتمل الصورة اليهوهية الدموية المجرمة.
نحن السوريين
القوميين الاجتماعيين نضنّ بكل نقطة دم تسيل إلا في معركة
العز ضد اليهود وأعوانهم من الأميركان والانكليز وتحالفهم
السام. ما كان الأميركيون أكثر صراحة ووضوحاً في هذا
المجال في إعلان نصرة فئة مذهبية من أبناء أمتنا على فئة
أخرى, ومدها بالمال والسلاح. تماماً كما هو البرنامج
اليهودي التلمودي المجرم الذي يشكل قاعدة عمل للتحالف
الغربي. وها هم بأنفسهم يضعوننا أمام الخيار الآخر، الذي
لا مفر منه, خيار الوحدة القومية الاجتماعية الذي يشكل
الضمانة ضد كل انقسام وتفسخ وتباعد. فهلا تخلينا عن نصرة
برنامجهم, وعن لهاثنا في ربح ما وراء الكون, لحساب هذه
الجنة السورية التي وصفها الله نفسه بـ "ارض اللبن
والعسل", لهذه الرقعة البرية، السماوية المناخ, الخصبة
التراب, فنحولها كلنا معاً الى جنة يخلد بها أبناؤنا
وأحفادنا في وئام العقيدة السورية القومية الاجتماعية
المحيية, فنكون، وبدلاً من أن نطلب الجنة لنفوسنا, كما
يفعل السلفيون، نطلبها لكل أفراد شعبنا وفئاته وإثنياته
القومية ومذاهبه التوحيدية, وتكون لنا مكافأتان وثوابان
بدلا من واحد فردي؟
اجاز نشر هذه الرسالة رئيس
الحزب الدكتور انطوان ابو حيدر
المركز في 30 حزيران
2007
عميد الثقافة
الدكتور أمين حامد
|