|
رداً على كتاب:"رسالة من جورج عبد المسيح الى منير حيدر":
المطلوب قفزة نوعية الى الحاضر
أصدرت "عمدة الإذاعة" في التنظيم الذي
يرأسه الرفيق أنطون أبو حيدر كتاباً يتضمن رسالة كان
الرفيق جورج عبد المسيح قد أرسلها إلي في العام 1972، مع
"بيان وتوصيات مؤتمر ملكارت".
في تقديم الكتاب ملاحظتان: الأولى كانت
جزءً من الرسالة أصلاً ومقدمة لها وسيأتي التعليق على
مضمونها لاحقاً؛ أما الثانية فمن وضع عمدة الإذاعة
المذكورة، تشرح فيها عدم تمكنها من الحصول على نسخة من
الدراسة التي كنت قدمتها شخصياً الى مؤتمر ملكارت تحت
عنوان: "النقاط الأساسية في دراسة نضال الحزب منذ تأسيسه
حتى اليوم". بالنسبة لهذه الملاحظة تذكر عمدة الإذاعة
المشار إليها أنها إتصلت بي مراراً للحصول على الدراسة تلك
الرسالة التي قدمتها لمؤتمر ملكارت. لتوضيح هذا الأمر
أقول إن العمدة المذكورة لم تتصل بي مباشرة على الإطلاق،
لكن أحد الرفقاء، من الذين على إتصال دائم بي ولا يخضع
نظامياً لتلك العمدة، إتصل بي مرة وحدثني عن رغبة تلك
العمدة في طبع رسالة عبد المسيح إلي وسألني ما إذا كنت
أملك نسخة عن دراستي الى المؤتمر أو إذا كان عندي ما أقوله
بهذا الخصوص. أجبت الرفيق المذكور أن طباعة رسالة عبد
المسيح إلي لا يثير حماسي وأن النسخ التي كنت أملكها من
دراستي الى المؤتمر إحترقت مع جملة ما إحترق من أوراق وكتب
ومستندات، عندما أصيبت غرفة نومي بقذيفة مباشرة عام 1983.
لذلك فالكلام عن إتصالات متكررة من قبل تلك العمدة بي هو
كلام غير دقيق وأستغربه كلياً.
عندما وصلتني رسالة الرفيق جورج عبد
المسيح، كانت أول فكرة قفزت الى ذهني مباشرة هي أن الرفيق
جورج عبد المسيح لا بد أنه لم يكن لديه ما يفعله، لذلك كان
يملك الوقت الكافي لكتابة مثل تلك الرسالة الطويلة جداً.
وعندما بدأت أقرأ تلك الرسالة فعلياً، بصورة خاصة، عندما
وصلت الى الجملة الثانية في مقدمة تلك الرسالة، قفز أمامي
جورج عبد المسيح بسلوكه المعهود (حتى لا أقول
ب"بهلوانياته" المعهودة) الذي لم يعرف أن يغيره طوال
مسيرته الحزبية. فهو ذكر أنه كان يكتب إلي بالرغم من
المشاغل (مشاغله)، وهو إنما يفعل ذلك كي "يكتب الى منير
حيد موضحاً ومنبهاً الى ما يتطلبه البحث من أي دارس،..).
فهل يعقل أن يكون هناك من يعرف ما يتطلبه البحث من أي دارس
سوى جورج عبد المسيح؟ هل يعقل أن يكون هناك حقيقة غير تلك
التي يراها جورج عبد المسيح؟ هل يمكن أن يكون هناك
إستنتاج صحيح غير تلك الإستنتاجات التي يأتي بها عبد
المسيح؟ طبعاً، جورج عبد المسيح وحده يملك حق وضع علامات
التقدير. فهو يكتب الرسالة ثم لا يرسلها إلي (هو لا يذكر
لماذا. لكن حقيقة الأمر كان بسبب سؤ تفاهم حصل بيننا، ونلت
فيه شخصياً "نطحة" من رأس الرفيق جورج على شفتي. ما يجب
إثباته أيضاً هو أني كنت المباديء في تلك الحادثة وأن
مسؤوليتها تقع علي كلياً، لذلك جاءت "نطحة" الرفيق عبد
المسيح لتوقظني مما كنت أحاول فعله، فله الشكر)، ثم هو
يعطيني علامة تقديرية بعد ذلك بسنتين فيقرر إرسال رسالته
إلي.
لم أكن أجرؤ حتى على التفكير برد أكتبه على
تلك الرسالة، فلقد كنت منهمكاً في العمل الحزبي الى جانب
دراستي الجامعية والعمل الليلي الذي كنت أقوم به. الحقيقة
أقول، إني كنت أحسد عبد المسيح على ما كان يملك من أوقات
فراغ فيما كنت شخصياً لا أجد وقتاً للنوم سوى ساعات قليلة
يومياً.
لم أر في رسالة عبد المسيح الي ما أضاف
شيئاً الى معرفتي، فهو غالباً ما يردد مقتطفات من سعاده،
وعندما يريد أن يقول شيأً من عندياته يغرق في الغموض
والمعميات والتمغيط والكلام الذي يريد إيهامك به أنك أمام
مفكر، وفيلسوف، وعالم، يجب أن تجتهد وتتعب كثيراً كي
تستطيع مرافقته في أفكاره ومعانيه. من ذلك مثلاً قوله:
"ومسؤوليته (مسؤولية مرسل الرسالة) مشتملة في ما هو إنبثاق
عن نظام الوجود الأساسي الذي تكشّف للعقل السوري
بسعاده-المعلم القائد،….). ما زلت حتى الآن أحاول فك لغز
ما عناه الرفيق جورج عبد المسيح "بمسؤوليته المشتملة في ما
هو إنبثاق عن نظام الوجود الأساسي". فما هو نظام الوجود
الذي يقصد وما علاقة نظام الوجود هذا بمسؤوليته التي
يعلنها عن رسالة يكتبها الى أي شخص؟ وكيف يمكن لتلك
المسؤولية إن تكون منبثقة عن "نظام الوجود الأساسي"؟ ثم
هو، بإيمان غيبي ظاهر، يستعمل تعابير ظناً منه أن
إستعمالها يضفي عليه صفة المفكر-الفيلسوف-العالم الفريد من
نوعه كتعبيره عن "نظام الوجود الذي تكشف للعقل السوري..".
فهو بدلاً من أن يقول أن العقل السوري كان دائماً مبدعاً
وخلاقاً وقادراُ على التحليل والإستنتاج بحيث يرى حقائق
الوجود إستناداً الى الدرس والبحث والتحليل والمقارنة
والتفسير والإستنتاج، حاول أن يعطي لهذه العملية بعداً
غيبياً بإستعمال كلمة "تكشف". هو لم يكن ينقصه سوى القول
أن الله أوحى الى سعاده حقيقة "نظام الوجود" ولم يكن ما
توصل إليه سعاده من فلسفة وأفكار وعقيدة ومباديء نتيجة
دراسة مضنية أخذت الكثير من وقته وجهده. أشد لعنةً من
ذلك، هو يورد نصاً مقتطفاً من سعاده ليدعم فكرته المشار
إليها آنفاً، وعندما تتساءل عن علاقة ذلك النص المقتطف
بالفكرة الواردة قبله، ثم تعود الى ذلك النص بالذات في
المكان الذي ورد فيه أصلاً وتقارنه مع ما يراد منه في هذا
المكان، لا يبقى لديك سوى نتيجتين: أو أن جورج عبد المسيح
لا يعرف عماذا يتكلم وهذا مستبعد، أو أنه كان يظن أن مثل
تلك التعمية وخلط حابل الأفكار بنابلها يعطيه مقاماً
مرجعياً خاصاً كان هاجسه طوال حياته.
طبعاً، لن أفعل الآن ما لم أفعله من قبل،
وهو أن أكتب رداً مطولاً على رسالة عبد المسيح إلي.
فالنتيجة التي توصلت إليها سابقاً من كون إن تلك الرسالة
لا تستحق الرد وأن أي رد عليها هو مضيعة للوقت، ما زالت
قائمة عندي، وأن قناعتي بهذا الأمر هو أقوى الآن من أي وقت
سابق. إذ أن مجمل تلك الرسالة (بالإضافة الى توجيه
اللكمات إلي، باطلاً في أكثر الأحيان، التي تحاول إظهاري
بمظهر القاصر عن البحث والدراسة والتحليل والتقييم
والإستنتاج والجاهل لطبيعة الأمور) تتمحور حول أن
المساوىء تتطال الأفراد فقط، وأن المساويء التي طالت
أشخاصاً في الحزب السوري القومي الأجتماعي بقيت بعيدة عن
عبد المسيح شخصياً. وهو يعيد رواية الأحداث خلال الفترة
التي تناولتها في دراستي الى المؤتمر من وجهة نظره ويقدم
لها تفسيراً مملاً في أكثر الأحيان. وهو يعدد الأخطاء
التي وقع فيها غيره بينما كان هو دائما وأبداً فوق الشبهات
والمسؤولية، ولو بشكل جزئي عن تلك الأخطأ. ثم لم ينس أن
يغمز من قناة بعض الرفقاء (الأسماء واردة في
الرسالة-الكتاب لمن يريد الإطلاع)، متهماً بعضهم بالخيانة
بدون دليل في أكثر الحالات سوى في حالة واحدة.
لا نظلم الرفيق عبد المسيح أن هوس العظمه
كان يشاغله دائما. فهو كان دائماً المرجع العارف،
المستشرف، الثاقب النظر، الذي يرى الامور قبل وقوعها
بكثير. وهو القائد العسكري الباهر الشجاع المقدام
العبقري. لذلك اوصله هذا الشعور بالتفوق والعظمة الى طرح
فكرة تدريس معركة سرحمول كونها تأتي فقط مباشرة (وهذا
تواضع منه) بعد معركة "كان". إذا كان سعاده قد تكلم عن
معركة "كان" لشرح عبقرية القائد السوري هانبيال، فإن عبد
المسيح ليس بحاجة ليعود نيفٍ وعشرين قرناً الى الوراء
ليقدم البرهان على العبقرية السورية. وهو في غنى أن
يستعمل هانيبال مثالاً على ذلك طالما ان له تجربة عظيمة من
صنع يديه!
لقد رحل الرفيق عبد المسيح، وهو، شئنا أم
أبينا، جزء مهم من تاريخ الحزب السوري القومي الإجتماعي
وصانعي أحداثه، وهو مثله مثل غيره من الأفراد كان له
أخطاؤه ومطباته التي ساهمت في تعثرات مسيرة الحزب
والنهضة. فأي فائدة من الإبقاء على العقلية التي رسخّها
حيث أصبح يأتي بالدرجة الأولى قبل سعاده بالنسبة لبعض
الرفقاء من الذين "أغلقوا الدعوة" على أنفسهم. لقد إقتطف
جورج عبد المسيح في رسالته لي من الزعيم ما يلي:"كل عقيدة
عظيمة تلقي على أتباعها المهمة الرئيسية الاولى التي هي
إنتصار حقيقتها وتحقيق غايتها". وأنا بدوري أتساءل أين
هؤلاء الرفقاء من هذه المهمة الموضوعة على عواتقهم وما هو
ذلك الذي يقومون به كي تتنتصر عقيدتهم وتتحقق غايتها؟ هذا
لا يعني أننا نعتبر أن ما يقوم به غيرهم سيصل بنا الى تلك
النتيجة، بل نريد أن نوقظهم سباتهم ونريدهم أن يصحوا من
ترهات الماضي ويستفيدوا من أخطائه وعبره ويعبروا الى
الحاضر والمستقبل كي نرى ما يجب أن نقوم به معاً من أجل
موجهات كل الأخطار والتحديات التي تحدق بنا. الى متى
سيبقون نائمين على حرير (أو شوك) إتهام غيرهم بعدم الفهم
العميق ويعدون أنفسهم أنهم مالكون لمثل ذلك الفهم؟ أقتطف
من رسالة عبد المسيح هذه الفقرة من الرسالة التي وضعت أيضا
على صفحة الغلاف الأخيرة:
"يلام الذي يقبل على الدعوة ويقسم يمين
الإيمان بها ولا يتعمق في مفاهيمها ولا يستوعب نظامها
الأساسي فيبقى ولاؤه لمؤسسات أقيمت لخدمة النظام الأساسي
وإنحرفت فعلاً عنه في وهم الأكتفاء بنظام الشكل، في أنَّ
الولاء هو للأمة التامة – المجتمع – الإنسان الكامل في
إستمراره وتساميه، والعمل، هو لجعل مصلحة الأمة – المجتمع
فوق كل مصلحة." لا أدري هنا قيمة هذا الرأي وهذا التحليل
في بعض جوانبه. إذ كيف لنا أن نضع الملامة على من يقسم
يمين الولاء للدعوة القومية الإجتماعية بدون أن يكون قد
تعمق في مفاهيمها ونظامها، بكل أن نلوم في ذلك المشرفين
على عملية الإلتزام هذه؟ وإذا كان نظام الشكل لا يكفي،
ونحن مع هذا الرأي، فماذا قدم عبد المسيح لكي يجمع نظام
النهج والشكل في نهضة قوية وحزب قوي؟ لماذا بقي يعيش في
إنتفاضته على هوامش الذين كان عندهم نظام الشكل بدل أن
ينتزع هو المبادرة ويعمل في المكان الذي فشل فيه هم؟ ثم
ألم يعترف هو نفسه عندما أعلن عن "الأسباب التقديرية" التي
جعلته يبعث برسالته إلي من أن هناك أشخاص مثلي يعملون
لتصحيح "نظام الشكل" كما قال؟
بإختصار، ندعو هؤلاء الرفقاء كي يقوموا
بالقفزة المطلوبة الى الحاضر كي ندرس معاً ما يمكن أن نقوم
به، ليس للإنتصار فهذا مناله بعيد، بل لإيقاف عملية
التدهور الحاصلة لشعبنا وأمتنا.
[ Back ] [ صفحة رئيسة ] [ Up ] [ Next ] |