•
•
كان رؤيوياً مؤمناً بشعبه وقضيته واثقاً بنفسه وبرفقائه
وبحزبه، وبالقوة التي تغير وجهة التاريخ. فيوم كان الآخرون
خائري القوى يسبحون في بحور الإحباط والخيبة والهزيمة، كان
هو يقود حفنة من الرجال الرجال، ليشكلَ العين التي تقاوم
المخرز.. ويبشرُ بزمن النصر الأتي حتماً وبالمعادلة
الجديدة مع العدو، معادلةُ الإنسان المقاوم الإستشهادي
المؤمن الذي يقيم بإمكانياته وعلمه وابداعه في إستعمال
التقنيات المتواضعة توازنَ رعبٍ مع جَبَروت العدو.
كأنه جاء باكراً قبل عصره، في زمان لم يكن مسموحاً بعد
بهكذا معادلات... فحاولوا احتوائه واغراءه وارهابه.. لم
يستجب فقتلوه.
لو بقي ليرى هزيمة العدو واندحاره بعد خمسة عشر عاماً، حيث
قام سيد المقاومة واحباؤه بمتابعة المسيرة حتى الانتصار
التي نحتفل بذكراه اليوم... وحتى حرب تموز التي غيرت
معادلات المنطقة بأسرها...
لو أنه جاء في زمن واحد مع سيد المقاومة... لكن القادة
المقاومين الأبطال، مثلُهم مثلُ الأنبياء والمرسلين، لا
يأتون في زمن واحد، ويتحملون من التنكيل والإضطهاد ما لا
يتحمله بشر...
لو كان في هذا الزمن، هل كان حزبه مهمّشاً مفتتاً مشلولاً
مهملاً كما هو اليوم؟
وفوق كل ذلك، كان زوجاً حنوناً وأباَ مرهفاً، ويوم قرر
الغياب، مضى مطمئناً أن رفيقة الدرب فاطمة والعائلة
والرفقاء الذين أحب، سيعوضون ليلى وحسين محبة الأب
وتوجيهه.. وها هما اليوم ليلى المرأة المتعلمة المثقفة
تربي طفليها على هدى الوالد، وحسين الشاب النشيط المؤمن
بعقيدة سعاده، المسكون بهاجس الحزب والنهضة، وقد ورث عن
والده دماثة الأخلاق وحبَّه للناس وتقديرَهُ للعلم والعمل
والإجتهاد والإطلالةَ البهية البشوشة.
من هذه السيرة المتميزة لعميد الشهداء وسيَر القوافل التي
سبقته ولحقته، على طريق المعلم القدوة، ومن العقيدة
الراسخة التي بها آمن وعلم ومن أجلها ناضل واستشهد، نحاول
اليوم تلمس طريقنا لنستنبط وسائل وآليات ومشاريع عصرية
لاستئناف مشروع النهضة الشاملة.
ولن ندخل هنا في تحليل أسباب ونتائج حالة التردي والترهل
التي وصل اليها الحزب، إذ أن القاصي والداني، والرفقاء قبل
المواطنين، يتأسفون لحالنا ويؤكدون أن ما هو قائم اليوم لا
يرقى الى مستوى التحدي بحمل أعباء النهضة ولا الى مستوى
طموح أبنائها.
فالقضية التي حددها سعادة واستشهد من أجلها وسار الألوف
على دربها منذ ثلاثة أرباع قرن، هي حتماً أشمل بكثير من
مكاسب سياسية مرحلية في كيان سياسي. فسعادة كان مشدوداً
دائماً، بكل ما علم وناضل الى قضية النهضة الشاملة، قضية
نهوض الأمة من كبوتها الى مصاف الأمم المتمدنة. وفي ذلك
الزمن كان العالم في أوج عصر الصناعة والعلم وكانت أمتنا
غارقة في تفتتها وضعفها ترزح تحت الاحتلالات الأجنبية
بالكاد تزرع لتأكل.
فجاء سعادة ودعا الى التحرر والوحدة القومية والاجتماعية
وبناء الانسان الجديد والانتقال بالأمة الى العصر الصناعي
ولو بالحد الأدنى.
لقد تعمدت التركيز على الجانب الاقتصادي من النهضة ومن هذا
الموقع المقاوم بالذات، للتأكيد على أن النهضة الشاملة
التي قال بها سعادة قد ابتدعت منذ سبعين عاماً مقولة مجتمع
المقاومة والتنمية الذي يدعو سماحة السيد حسن نصرالله
الشركاء في لبنان الى تبنيه كبديل عن مقولة :"هانوي أو
هونكونغ." ومجتمع الممانعة والتطوير والتحديث التي تحاول
الشام تطبيقه.
ان
المقاومة الشاملة بأشكالها المتعددة لا يمكن أن تنطلق من
فراغ. فالسلاح والممانعة السياسية بحاجة الى تحصين اجتماعي
واقتصادي لتعميق صمود
مكونات المجتمع أمام الضغوطات والمغريات.
لذلك نرى
أن للنهضة القومية الاجتماعية دوراً طليعياً (ولو مسلوب
حالياً) في تجديد حياة المجتمع على كافة المستويات القومية
والاجتماعية والاقتصادية، ليس فقط من موقع المشاهدة
والتثمين لمواقف الأفرقاء، بل عبر الانخراط الفاعل في كافة
هذه الشؤون، من المقاومة المسلحة الى التحصين الاجتماعي
والنهوض الاقتصادي والتكامل بين الكيانات المختلفة
والمتخاصمة.
وقد يكون
من أهم أسباب الوهن والغياب للنهضة هو فقدانها التواصل مع
العصر ونبضه. فالعالم تغير بشكل كامل منذ أيام سعادة
والنهضة لا زالت هي هي بالوسائل والآليات وحتى الأشخاص
أحياناً.
من هذه
القاعدة الفلسفية لفكر سعادة يمكن الانطلاق لتأسيس النهضة
الجديدة التي تنظر الى واقع الأمة وواقع عصرنا الحاضر
وتعيد اطلاق آليات النهضة القومية الاجتماعية المتجددة.
فلم يعد جائزاً لحركة نهضوية شاملة كالحركة القومية
الاجتماعية أن لا تجدد نفسها للتلاءم مع المتطلبات
الجديدة. خاصة أن الفكرة المشرقية التي كانت تعتبر في
الماضي دعوة تجزيئية من قبل القوميين العرب، أصبحت الآن
بعد فشلهم الذريع في تجارب الوحدة والتحرير والتنمية،
ممراً اجبارياً لهم لتحقيق وحدتهم الاقتصادية المرتجاة
بالحد الأدنى، على قاعدة نشوء مجالس التعاون في الاقاليم
العربية الاربعة.
تحيةً إلى
شهيدنا العميد الحبيب والى معلمنا القدوة سعاده، وشهدائنا
الابرار، وآخرُهم ابطالُ ملحمة حلبا، تحيةً إلى شهدائنا
الأحياء المغيبين الامينين حبيب الشرتوني ونبيل العلم،
منفذَي أولَ عمليةٍ نوعيةٍ للمقاومة، وعهداً لهم جميعاً،
بأننا على دربهم سائرون، بالتفاف الرفقاء الصادقين،
...لنكمل
مسيرة النهضة الشاملة الجديدة
...لنعيد
إحياء دورنا في المقاومة، وتجذير ثقافتها
...لنعمل
على بناء مؤسسات عصرية، تعيدنا إلى دائرة الفعل والتغيير
والتنمية في مجتمعنا...لنكون حقاً، بناةَ مجتمع المقاومة
والتنمية، وروادَ ثقافته...
سعاده، كان
بامكانه السيرَ في ركاب المتلبننين والتماس رضى السلطات
المحلية يوم عاد من الإغتراب، لكن خياره كان العودةُ إلى
ساحة الجهاد. ويوم استحقت وديعة الامة، عاد من طريق
الأردن، وقال لجلاديه شكراً...
محمد سليم،
كان بإمكانه تسليم نفسه لمجموعة الظلاميين المأجورة، أو
الإنضمام إلى المصفقين في بلاط السلطان الكنعاني، وحاصدي
خيراته ونعمه ووزارته ونياباته، لكنه إختار عدم إخلاء أو
تأجير ساحة الجهاد، سعياً وراء المكاسبِ والسلامةِ
الشخصية، وقرر مواجهة تبعات ذلك...
فها هو
خالدٌ في عليائه وضمائرنا، إلى جانب المعلم والشهداء
الأبرار، نحتفل بذكراهُ بعد ربع قرن بفخر كبير، بينما
السلطان منسيٌ في مزبلة التاريخ، مجللٌ بالعمالة والخيانة،
وزبانيتُه في طريقهم إليه...
لقد علمنا
شهيدُنا العميد الحبيب، وزعيمُنا الخالد، بالقدوة لا
بالتنظير، أنه أشرف لنا ألف مرة أن نكون في آخر قافلة
الشهداء الرافضين لما هو مفعول، من أن نكون في طليعة قافلة
الأتباع والخانعين والمستفيدين.