لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

لماذا تسعى ميليشيات السلطة لتغيير عقيدة الجيش؟

بقلم أمين محمد حطيط  (عن الديار 5/3/2007)

 توقف المراقبون عند «الاستراتيجيين الجدد» في لبنان، الذين اطلقوا التمنيات ونظروا للجيش ‏وعقيدته وخلصوا الى وجوب «تغيير هذه العقيدة، واعادة هيكلته لاعادة التوازن اليه»، لانه ‏في منظورهم ومعتقدهم لا يلائم مقتضيات المرحلة التي هم «سادتها وقادتها» كما يصورون ‏انفسهم، ويريدون من الناس التصديق. وكنّا نرغب ان نبقي جيشنا الوطني الذي نفخر به ‏والذي زينت اعماله صدره وكانت اوسمة وطنية رفيعة لا تطال كما اعلت مناقبيته الجبين ‏لانتصاره الدائم للوطن من غير اكتراث بمصالح خاصة لفئات عملت منذ أن اسست ضد مصلحة الوطن ‏والمواطنين.. كنا نرغب ابقاء هذا الجيش بعيدا عن التجاذب وعدم اشغاله بحديث هنا أو هناك ‏ليبقى كما هو الآن متفرغاً لمهمات وطنية كبرى هي اكبر بكثير من المنظرين الذين تقودهم ‏اهواؤهم لايذائه مستعيدين تاريخهم حياله منذ نيف وثلاثة عقود..‏ونعود لكلمات اطلقت من قبلهم: «عقيدة قتالية»؟ «هيكلة؟» «توازن»؟ فما الذي تعنيه ‏هذه العبارات، وما الذي يقصده المنظرون في طروحاتهم.‏ابدأ بالعقيدة العسكرية، هنا لا بد من العودة الى المبادىء العامة لتفسيرها، فالعقيدة ‏العسكرية لاي جيش هي مجمل الاجابات على الاسئلة الخمسة التالية:‏أـ ما هي طبيعة الاخطار التي تهدد الدولة؟ ومصادرها وحجمها؟ (العدو وحجمه)‏ب ـ ما هو موقف الدولة في مواجهة الاخطار: (مواجهة ام تسليم)؟ج ـ في حال القرار بالمواجهة: ما هي الاهداف المطلوب تحقيقها من الحرب الدفاعية؟دـ ما هو حجم القوى اللازمة للقيام بعمل عسكري ناجح لاتقاء الخطر وطبيعتها؟ (العديد ‏والنوعية).‏هـ ـ كيف تحضر القوى (الجيش وسواه) لمواجهة الخطر، (سلاح، اسلوب قتال).‏اي باختصار تكون في العقيدة العسكرية التحديد للعدو وسبل السلوك والمواجهة لمنعه من ‏تنفيذ تهديداته.‏وفي هذا المجال نعلم ان الدولة اللبنانية حسمت امرها وقررت في اتفاق الطائف الذي أنشىء ‏الجيش على اسسه ان اسرائيل هي العدو لانها تنتهك الحقوق الوطنية، ورفضت الاستسلام، وجهزت ‏القوى الممكن توفيرها وفقاً للقدرات المالية اللبنانية وكان الجيش الوطني الذي يتمكن من ‏اعاقة العدو لتتمكن الوسائل الأخرى (شعبية وسياسية بما فيها المقاومة) من ردعه ‏واخراجه.. اما التدريب والتأهيل فهو لتهيئة قوى تعمل بنمط القتال التقليدي، والقتال ‏الخاص، والجيش اللبناني اتقن الفنيين ونجح في مهامه نجاحاً غير مسبوق وصمد في اشد المواقف، ‏واثبتت عقيدته نجاعتها..‏لكن يبدو ان هذا النجاح لم يرق للمرتمين في احضان الخارج، وبعد ان لمسوا ثبات الجيش على ‏عقيدته التي تحميه وتحمي الوطن راحوا يطرحون امر تغييرها، طرحاً يعني تغيير عنصر او اكثر ‏من عناصر العقيدة، فما الذي يرمون اليه من الطرح؟ـ هل هو تغير للعدو؟ يبدو ان الفريقين اللذين يناديان بالتغيير يريدان ذلك، وقد صرحا ‏به الاول قال: «هلق اسرائيل مش عدو» والثاني اكد «لا موجب لقتال اسرائيل».. ثم انهما ‏معاً يعتبران سوريا هي العدو.. فهل اجمع اللبنانيون على هذا الموقف.. او قل هل ان ‏اكثرية اللبنانيين تريد ذلك؟ السؤال موجه للجميع.. ونسارع الى القول انه وفقاً للمعلن ‏من مواقف اللبنانيين نتوقع ان تكون الاجابة سلبية خاصة وان مجمل ما يمثل من ينادي ‏بالتغيير والانقلاب على التاريخ لا يتعدى نسبة 9% من اللبنانيين.. ما يعني ان هناك ‏استحالة في تغيير العدو.‏ـ هل تقرر التسليم للعدو (الذي يستمر وصفه وتحديده اسرائيل الى ان يتخذ لبنان قراراً ‏آخر).. في هذا الامر شأن آخر اذ ان المستهدف من العدوان الاسرائيلي ليس هذا او ذاك من ‏المتبرعين بالتنازل عن الحقوق الوطنية، وهو في الاصل من «منجزات» العدو في لبنان، او ممن لم ‏يواجه العدو يوما واحداً في تاريخه بالتالي لا يمكن ان يوثق به او يملك من هذا القرار ‏شيئاً.. ولا يمكن لهؤلاء ان يفرضوا قرارهم بالاستسلام والخضوع الى العدو على شرفاء الوطن.. ‏الذين مارسوا ولا بد ان يستمروا بالمواجهة.. وان اسرائيل لا زالت تطمع بارضنا وتحاول ‏قضم الشبر والمتر هنا وهناك وهي لا يمكن ان تصغي لصوت حق او نبض عدل، ولا تنصاع الا ‏للقوة.. والتسليم لا يحفظ الحقوق.‏ـ اما عن القوى، فان الجيش في تركيبه الحالي، اختار من التنظيم والاعداد الذاتي والتأهيل ‏العسكري ما يناسب طبيعة المهام المنتظر القيام بها من قبله ويشهد له بالكفاءة ‏القتالية، والارادة الصلبة، والاستعداد للتضحية، والذي يعوزه فقط هو السلاح الذي احجمت ‏السلطة (وقد كان احد المطالبين بتغيير العقيدة اليوم ركناً من ثوابتها على مر العهود ‏الاستقلالية) احجمت عن توفيره لعلل شتى..‏بهذا تخلص الى القول ان الجيش اللبناني القائم، احسن تنظيمه على العقيدة التي تناسب ‏المهام الوطنية وان اي تغيير في الشأن يعني تراجعاً عن مصالح الوطن فاذا كان هذا هو ‏الوضع والحال، فلماذا يطالب زعماء ميليشيات السلطة بتغيير عقيدة الجيش؟ هنا نعود الى ‏التاريخ فنرى فيه ما يخبرنا بأن: ‏ـ احد المطالبين بالتغيير اليوم لم يوفر فرصة في الماضي الا وغالى في معاداة الجيش والتهجم ‏عليه فرفض الانفاق العسكري واعتبر ذلك هدراً وامتنع دائماً عن الموافقة على ميزانية الجيش ‏جاهدا في تقليصها، كما وكان رأس حربة في رفض خدمة العلم وهو مستمر في سلوكه الرافض ‏لتعزيز الجيش وتطويره وكراهيته للجيش متمادياً الى الحد الذي يصرح فيه بأن منظر البزة ‏العسكرية اللبنانية يؤذيه.‏ـ اما الآخر فقد حفر اسم ميليشياته في سجل العمليات الحربية للجيش اللبناني في خانة ‏الاعتداء الخارق للقوانين، عندما امرها باقتحام الثكنات العسكرية غدراً والتعدي على ‏عناصر الجيش من كل الرتب، وسرقة سلاحه ومعداته، ولا زال في صفوف الجيش عسكريون يتذكرون ‏‏«السلوك الحضاري» لميليشيات هذا الشخص، وهو عندما يلمح الى عدائية ما فاته يشير الى ‏عدائية عناصره للجيش وليس العكس كما انه يريد اليوم ان يتابع ما عجز عنه في العام ‏‏1989، عله يروي شيئاً من حقده على الجيش وقد عجز سابقاً عن الانتصار عليه..‏ان تاريخ هذين الشخصين شاهد على عدائهما للجيش اللبناني ليس اليوم فقط بل منذ ان وجد ‏الجيش ووجودوا هم كميليشيات تواجهه. اما لماذا فالجواب بسيط: ان جيش لبنان هو جيش حماية ‏وحدة الوطن وحراسة حدوده، وهم يريدونه جيش الطوائف وحراسة حدود الكانتونات او ‏الاقاليم وفقاً لتسمياتهم الجديدة وكما يطمحون الى انشائها بعد تقسيم الوطن، والتخلص من ‏وحدته التي يتعهد الجيش بعقيدته القتالية الحالية الدفاع عنها.. وقد ظنوا ان «ثورة ‏الارز» الاميركية التي استعملوا ادوات فيها مع وعد بعسل الحكم المصفى، ان هذه العملية ‏الانقلابية لم تمكنهم من الحكم حتى الآن كما يشتهون، وها هي سلطتهم خواء، ووعودهم هراء.. ‏وقد كانوا يعولون على الجيش ان يخضع لشهواتهم ويتحول الى اداة قمع ضد الشعب ليقيم لهم ‏سلطة لا تؤهلهم امكاناتهم احكام السيطرة عليها.. اذ ان الجيش قال وفعل، وفقا لعقيدته ‏الحالية انه جيش الوطن وليس جيش الفئات، فاغاظهم.. واذا بهم يتذكرون ماضيهم معه ‏ويستذكرون العداء له.. فيقترحون.. اعادة التوازن اليه.. وهم يرمون بهذا الطرح الى ‏اخراج كل من آمن بلبنان ووحدته وبعدائه لاسرائيل وتصفية الجيش منه، ثم البحث عن عناصر ‏يطمحون الى ان تسايرهم بامانيهم وتفسح لهم بالمجال امام تحقيقها..‏من هنا نفهم كيف يدعون خلافا للحقيقة بأن الشيعة هم الاكثرية في الجيش في حين ان الواقع ‏يسفه الادعاء ويثبت ان الوجود الشيعي في الجيش اقل بكثير من نسبة الشيعة من سكان لبنان ‏‏(الشيعة هم 31%، اما في الجيش فهم 24%) والحقيقة هي ان السنة اليوم هم الاكثرية العديدة ‏في الجيش وبنسبة هامة (تتجاوز 32% بينما نسبتهم في السكان لا تصل الى 27%.‏ان طرح تغيير العقيدة العسكرية للجيش اللبناني من قبل رؤساء الميليشيات التقسيمية ‏التاريخية في لبنان، لا يعدو اليوم كونه محاولة من محاولاتهم السابقة التي لم يتراجعوا عنها ‏منذ العام 1975 عندما انخرطوا في حروبهم التدميرية والتي امعنوا خلالها في تهجير وتطهير عرقي ‏وطائفي، لان الفكرة لم تمت في اذهانهم.‏لبنان وجيشه مستهدف من هؤلاء.. وهم لا يتورعون عن فعل اي شيء في سبيل نزواتهم.. وهنا ‏نسأل: هل سيقع اللبنانيون في حبائلهم، وهل سيذهب 91% من اللبنانيين فريسة هؤلاء؟؟ لا ‏اعتقد ان ذلك سيكون ولن تقوى اقلية يائسة عاجزة، لن تقوى على تدمير الوطن.. وليس ‏الجيش هدفا سهلاً لهم وليس الوطن ساحة لقراراهم مهما حاولوا، وكما فشلوا في الاعوام ‏الثلاثين الماضية فان الفشل سينتظرهم، ومع ذلك نقول ان على المخلصين ان يتنبهوا، ليكونوا ‏لهم بالمرصاد.

.‏الدكتور امين محمد حطيط

عميد ركن م. خبير استراتيجي

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة Up لبنان: تغيير حتمي يعقب الإخفاق الأميركي أمين حطيط في البعد الآخر لماذا تسعى ميليشيات السلطة لتغيير عقيدة الجيش حوار الليل والحل المؤجل مؤتمر بغداد:الإقرار بالفشل الأميركي أميركا تريد الحرب على إيران