لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

 

 

 

    

     

تطوير أم تجديد، أم فهم أعمق للذات

يلاحظ المتتبع لكتاباتنا أننا أشرنا أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، الى دعوات بعض القوميين وغيرهم من الناس، من أجل التطوير أو التغيير أوالصياغة الجديدة للحزب السوري القومي الإجتماعي. طبعا، هناك دعوات مماثلة تتناول معظم الأحزاب العاملة في وطننا، لكن هذا الموضوع لا يعنينا هنا حيث أن تركيزنا هو على الحزب السوري القومي الإجتماعي دون غيره، وحيث أن تجربة هذا الحزب تختلف إختلافا كبيرا عن تجربة غيره من الأحزاب، هذا دون أن ننسى أن بيئة التوجه والعمل الشعبي هي واحدة لجميع هذه الأحزاب.                

الحقيقة أن دعوات التغيير والتطوير أو التعديل أو الصياغة الجديدة هي قديمة قدم حياة الحزب السوري القومي.  ثم أن سعاده نفسه لم يغلق الباب أمام التجدد والتطور شرط أن يستند الى العلم والمعرفة والمنطق وأن ينبثق من ذات العقيدة القومية الإجتماعية، وليس بسبب إستبدادية في الرأي أو مصلحة شخصية معينة أو ردة فعل على وصع ناشي آنيا.  لقد كان مثل هذا عندما أضاف كلمة "إجتماعي" الى إسم الحزب وعندما عدّل، في مرة ثانية، المبدأ الأساسي الخامس المتعلق بتحديد الوطن السوري بحيث جاء التعديل ليشمل كل بلاد ما بين النهرين.  تلك الإضافة وذلك التعديل لم يمرا دون تحفظات عند بعض أعضاء الحزب في ذلك الوقت خاصة من الذين لم يستوعبوا كليا الأساس العلمي والمنطقي الذي ارتكز عليه سعاده لتأسيس القضية القومية.  لم تكن القضية القومية التي أسسها سعاده مسألة وحي هبط عليه من السماء، بل مسألة معاناة بسبب الويل الذي يعانيه شعبه، تلك المعاناة التي قادت سعاده الى الدرس والبحث والتمحيص، تفتيشا عن الحقائق التاريخية والإجتماعية وغيرها من الحقائق المتعلقة بحياة شعبنا.  لم تكن القضية القومية الإجتماعية نتيجة إستبداد في الرأي عند سعاده، بل إن موقف سعاده المستند الى العلم والمعرفة بدأ يتجه رويدا حيث رسا على الأساس القومي، كما عبر سعاده عن ذلك في رسالته الى المحامي حميد فرنجية.             

يمكن أن تكون مسألة إضافة كلمة "الإجتماعي" الى اسم الحزب وتعديل تحديد الحدود الشرقية للوطن السوري، من الأسباب المساعدة على تشجيع بعض الأفراد في قيادات الحزب اللاحقة على محاولات "التعديل" المختلفة التي حاولت إدخالها أو دعت الى إدخالها في مفهوم الحزب القومي الإجتماعي ومفهوم عقيدته.  لكن، بينما كان سعاده يستند الى العلم والمنطق والحقائق العلمية لتأسيس موقفه وقضيته، كانت دعوات هؤلاء الأفراد الإنحرافية بسبب حسابات شخصية لهم تتوافق مع الظروف المصاحبة لتلك الدعوات أو بسبب  استبدادية فكرية أو تفذلك فكري عندهم.  لقد شكّلت هذه الدعوات محور أزمات كثيرة في الحزب السوري القومي الإجتماعي وأستهلكت كثيراً من زخمه ونشاطه وقوته في أوقات متعددة، حيث تقلص تأثير الحزب في مجرى الأحداث في وطننا، مما أضاع الكثير على شعبنا وقضيتنا.  في ما يلي أبرز هذه الدعوات:                               

1.     كيننة (من كيانات) الحزب -  وكان أبرز الداعين لها أسد الأشقر. إعتذر أسد الأشقر للزعيم عن هذا الرأي، لكن مواقفه اللاحقه أظهرت أنه كان يعود الى ذلك الإنحراف في كل وقت كان له ما يبرره على الصعيد الشخصي عنده أو كلما سمحت بذلك الظروف المصاحبة.  مثلا، كان  واحد من دفوعاته أمام المحكمة العسكرية اللبنانية هو تذكير تلك المحكمة بأنه تاريخيا صاحب المدرسة اللبنانية في الحزب(!).  ثم هو أخفق في الإبتعاد عن هذا الرأي عندما أنتخب رئيسا للحزب عام 1973، لذلك إنتهت رئاسته للحزب بعد شهرين فقط وبعد التصريح الذي أبداه عند إنتهاء زيارته الى سليمان فرنجية رئيس الجمهورية اللبنانية في ذلك الوقت على أثر الإصطدامات بين مسلحين فلسطينيين والجيش اللبناني.

2.     الواقع اللبناني -  الذي كان صاحبه وأبرز الذين دعوا إليه نعمه ثابت ومعه مأمون إياس وعبدالله قبرصي.  تمسك نعمه ثابت ومأمون إياس برأييهما أبعدهما عن الحزب، بينما لم يتجرأ عبدالله قبرصي على الإعلان عن موقفه، ثم هو كان دائما يحسم موقفه بالأخذ بموقف الزعيم وتأييده عندما لم يكن هناك مجال لمزيد من البحث والمناقشة في ذلك الموقف.

3.     تبني حرية شخصانية الرأي – الذي كان من أبرز دعاته فايز صايغ وغسان تويني ويوسف الخال.  لقد وجد هؤلاء جميعا أنفسهم خارج الحزب عمليا بعد أن كانوا انحرفوا عنه عقائديا وفكريا. 

4.     مركسة (؟) الحزب من خلال إضافة مفاهيم إشتراكية إليه وإدخال تعابير ماركسية الى القاموس القومي الإجتماعي واستعمالها في التعبير عن القومية الإجتماعية -  وكان المحرك الأساسي لهذه المحاولة ومنظرها إنعام رعد وماشاه في ذلك لفترة عبدالله سعاده وآخرون، وهذا  خلق أزمة كبيرة في السبعينات ضعفت بسببها فعالية الحزب، بحيث واجه الأحداث اللاحقة بهشاشة وذيلية.  لقد شجعت محاولة إنعام رعد هذه عددا من الشباب العاملين في الحزب في ذلك الوقت الى الإنحراف نحو الماركسية متأثرين بالمناخ الذي كان سائدا حينها، مما أدى الى طردهم أو خروجهم من الحزب.  فبينما كان إنعام رعد يعرف ماذا يفعل ويعرف أين يقف، غرق أولئك الشبان و"شطحوا" في تنظيراتهم وإنحرافاتهم  حيث أصبحوا أقرب الى التمركس وإنتهوا أما ماركسيين أو على جوانب الماركسية، حيث تعاون بعضهم خاصة مع منظمة العمل الشيوعي.    لقد كان موقف إنعام رعد نابعا من مصلحة واعتبارات ذاتية تتعلق بمطامحه الشخصية وتلميع صورته داخل الحزب وأمام ما سمي بالقوى اليسارية في ذلك الوقت.  فحزبيا كان إنعام رعد خائفا من أن تصدر المحكمة الحزبية قرارا بطرده من الحزب بسبب خيانته لرفقائه بعد المحاولة الإنقلابية ومواقفه المخزية خلال الإعتقال والمحاكمات العسكرية التي تلت.  لذلك عمد إنعام رعد الى عدد من الأساليب الى الإلتفاف على ذلك.  فعدا محاولات الإعتذار والإستغفار التي اتبعها مع عبدالله سعاده الى حد المذلة، عمد الى خلق مناخ جدال بين القوميين ليبعد أنظارهم عن مواقفه تلك، فيظهر أي قرار لاحق للمحكمة الحزبية بحقه، خلافا فكريا معه وليس عقابا يستحقه. خارجيا، أي تجاه القوى اليسارية خارج الحزب، أراد إنعام رعد أن يظهر نفسه كمنظر للمرحلة، يقف على يسار اليساريين لينسيهم ما كان له من مواقف وآراء معاكسة في أواخر الخمسينات وقبل حصول المحاولة الأنقلابية. لقد بدأ إنعام مثل هذه الكتابات بعد أن تأكد أن مسألة الإفراج عن القوميين من السجن هي مسألة أسابيع أو شهور فنشر مقالات في جريدة النهار خاصة تحت أسماء مخلتفه منها قيس الجردي وإحسان مطر. لم ينجح إنعام رعد بمساعدة الظروف المصاحبة وقوى السيطره خلالها ليس في البقاء في الحزب وحسب، بل في قيادته في مرحلة طغت عليها العبثية والغوغائية، ما زلنا نعاني من ذيولها ونتائجها حتى الآن.

5.     الدعوة الحالية الى الممارسة الديمقراطية بالإطلاق في الحزب دون تحديد ماهيتها وآليتها العملية وقواعدها الأخلاقية – وهذا أمر يشترك فيه معظم القوميين أو من هم في دائرتهم.

 نستطيع أن نرى أن الدعوات التي أشرنا إليها مقدما كانت واضحة في اتجاهها كما نستطيع أن نحدد بدقة الدوافع الذاتية والشخصية والموضوعية لأصحابها. كما نستطيع أن نلاحظ أن معظم هذه الدعوات لم تأخذ طريقها الى قلوب القوميين وعقولهم، وإن كانت قد جذبت بعضهم وشغلتهم لفترات معينه. لقد كان معظم هذه الدعوات ينتهي بالتسفيه من غالبية القوميين سواء بسبب إدراكهم المبكر لخطلها وطبيعتها أو بعد أن برهن سير الأحداث وتطورها ونتائجها خطلها وضحالتها.  لكن موضوع الديمقراطية ونوعيتها وتطبيقها لم يحسم بعد، ذلك أن بحث هذا الموضوع كما أي موضوع مهم آخر يحتاج الى كثير من العقلانية والموضوعية والحوار الواعي والمدرك المبني على المصلحة القومية لا على نزوات الأفراد وجموحهم وكيدياتهم.  يحب بعضهم أن يعتقد أن مثل هذا البحث قد حصل، لكننا نعتقد وبقوة أن السنوات الثلاثين الماضية لم يسيطر عليها سوى الكيديات واستبدادية الأفراد ومصالحهم الشخصية وارتباطاتهم الخارجية، حيث كانت المصلحة الحزبية الغائب الأكبر عن جوهر البحث والحوار، عكس ما كان يدعي معظم الذين طاب لهم العمل الحزبي بالعقلية الكيدية المريضة.  إذ لم يكن كل ما كان من مؤتمرات واجتماعات لبحث الدستور والشؤون الحزبية الأخرى منذ منتصف السبعينات وحتى الآن، إلا من قبل التعمية وذر الرماد في العيون وامتصاص تساؤل المتسائلين ونقمة الناقمين في الحزب.  لذلك لم ينتج بعد كل من هذه المؤتمرات الا خلافات أكبر وتعميقا للفرقة والتنافر والتشرذم.  لا يمكن للقضية الواحدة أن توجد خلافا وتنافرا وتذابحا؛ المصالح الشخصية فقط يمكنها أن تؤدي الى مثل هذا الأمور.

بناء على ما تقدم، يتبين أننا لسنا هنا بصدد مناقشة الدعوات المذكورة أعلاه إلا ما كان ضرويا منها لغرض هذا البحث.  ما نريد أن نتناوله هنا هو الدعوات الى التعديل أو التغيير أو الصياغة الجديدة التي يؤكد أصحابها على الحاجة إليها دون تحديد ماهيتها وجوهرها والأسباب الداعية إليها سوى الإقتناع بأن التطور الذي حصل في العالم خلال سبعين عاماً يوجب إحداث تطور مماثل في الحزب، خاصة أن الحزب يبدو الآن أنه أكثر بعدا بأضعاف عن تحقيق أهدافه مما كان عليه عند تأسيسه وبعد كل أنواع التعثر والإخفاق التي مرّ بها. 

الرأي الوحيد من هذه الآراء التي اطلعنا عليها أو التي طرقت مسامعنا، والذي جاء حاملا لاقتراحات محددة،  كان للإستاذ غسان التويني. إقتراحات الأستاذ التويني هذه جاءت في محاضرته أو حديثه الذي أدلى به من خلال ما أعدته مؤسسة سعاده الثقافية من نشاطات خلال مئويته.  يبدي الأستاذ التويني هذه الإقتراحات وهولا يعرف شخصيا إذا كان هو قوميا أم لا، لكن دون شك يطيب لكثيرين من "القوميين" أن يعتبروه واحدا منهم. لا أحد على الإطلاق يستطيع أن ينكر على الأستاذ التويني ثقافته ومعرفته وتضلّعه في نواح كثيرة من شؤون الثقافة والفكر، دع براعته الصحافية جانبا، لكن الأستاذ التويني هو بالتحديد ليس قوميا إجتماعيا.  هو يؤيد بدون شك معظم المبادئ الأصلاحية للحزب أو كلها، وهو فعليا لا يعارض المبادئ الأساسية، لكن الإقتناع الضمني في المبادئ شيء، والإلتزام بها إلتزاما حياتيا ونضاليا يتطلب أثمانا كثيرة، شيء آخر.  سنحاول أن نوجز النقاط الأساسية للإستاذ التويني على هذا الصعيد:

1.     ليس عند الأستاذ التويني "وصفه عجائبية" للتغيير المطلوب ولا يظن أن هناك علاجا كهذا.

2.     العودة الى مفهوم "الحزب النهضة" لا "الحزب الآلة".

3.     التركيز على استقلالية الحزب الكلية عن أي هيئة أو حكومة أو كيان متذكرا قول سعاده المهم: "إذا لم تكونوا أحرارا من أمة حرة، فحريات الأمم عار عليكم".

4.     ضرورة استلهام أجيال الشباب والتجاوب مع تطلعاتهم، خاصة الجيل الجديد الواعي والمثقف.

5.     إن يكون التحرك الإذاعي للحزب بعيدا عن القولبة بل محاولة استنهاض فكري ونفسي ومناقبي في سبيل تحديث المثالية الموروثة من ثقافة سعادة ومواقفه واستشهاده.

6.     إبتداع أدوات وطرق نهوض مستوحاة من "العلم المتعولم"، حيث قواعد التصرف القومي قد تغيرت وتتغير بسرعة تفوق "سرعة العقل الإنساني".

7.     التطلع الى الماضي يمكن أن يكون "جمالية تعبدية"، ولكن تطلعنا الى المستقبل يجب أن يكون "عقلانيا موضوعيا" يسرع التحرك كسرعة التطور الذي يجرفنا.

8.     "إنطلاق فكر سعاده من تحديد هوية القومية كحجر زاوية يجب الاّ يمنع التوقف عند مغازي بعثرة بعض الدول القومية من جهة، ثم تجاوز الهوية القومية من الجهة الأخرى للسير في إتحادات كالإتحاد الأوروبي الذي يدفن صراعات القوميات، بل حروبها الدامية في دستور إتحادي ديمقراطي،..."

9.     "ليس ما يمنع أن تخرج النهضة من الأستنقاع في مناقشة الهوية القومية لتتحرك في اتجاه إتحادي، قبل أن يداهمنا التبعثر التقسيمي في لبنان وسواه، ..."

10.مطالبة القوميين بقلب "طاولة العلاقات اللبنانية-السورية (الشامية)" بالدعوة الى قيام "إتحاد إقتصادي" وصريح. ثم إمكانية فتح مثل هذا الإتحاد أمام الأردن والعراق والدولة الفلسطينية عند إنشائها وسواهم.

11.أن تعمل النهضة القومية بقوة للبعد العلماني لها بالدعوة لاعتماد "فصل الدين عن الدولة". ويبدو حماسة الأستاذ التويني الشديدة والمحقة لهذا المبدأ من خلال إسهابه في تحديد أهميته.

12.وجوب إعادة إختراع "الكيان اللبناني" بعد كل ما أصابه من تمزق وتراجع.

ملاحظات الأستاذ التويني تستحق الوقوف عندها كثيرا لأنها تلاحظ بحق الدرك الذي وصل إليه الحزب بعدما فقد في الممارسة كثيرا من جوهره وطبيعته. فما هو الحزب السوري القومي الإجتماعي، مثلا، إن لم يكن الحزب-النهضة؟ ثم ما هي القيمة العملية للحزب السوري القومي الإجتماعي إذا لم يكن حزبا مستقلا، قادرا على الإبداع والخلق، معتمدا العقل والعلم والموضوعية في مختلف الشؤون، وله قدرة على مرافقة الأحداث والظروف والتطورات؟  لكن بعض هذه الملاحظات تبقى موضوعا للنقاش لأنها تنبع من الموقف الشخصي للأستاذ التويني من الأحداث المتلاحقة، خاصة ما حصل منها خلال العقود الثلاثة الماضية؛ علما أنه في إعتقادنا أن الأستاذ تويني لعب دورا سلبيا مساعدا  في دفع الأحداث بالإتجاه الذي سارت فيه، وقد كان بإمكانه، كما نعتقد أيضا، أن يلعب دورا إيجابيا مختلفا.  

طبعا، الكلام عن التطوير والتجديد في الحزب له ما يبرره؛  فأي حركة تخفق في تحقيق أهدافها الأساسية بعد سبعة عقود من الزمن وبعد التضحيات الهائلة التي قدمها معظم العاملين لها، لا بد أن تخلق مبررا لكلام من هذا النوع وتساؤلا حول أسباب تعثراتها وخيباتها.  بالرغم من عدم التعيين والتحديد لهذا الكلام نستطيع أن نفهم أن بعضه يقصد تطويرا أو تجديدا أو صياغة جديدة للعقيدة وبعضه يقصد تطويرا وتجديدا في أساليب العمل الحزبي وطرقه، أو كليهما معا. 

يتضح لكل متعمق وعارف ومدرك ومطلع على العقيدة القومية الإجتماعية أنها تشمل أمرين أساسيين:

·        الأمر الاول يتعلق بالقضية القومية العملية – قضية الشعب السوري وحياته وما تتضمنه وتعنيه من مصالح مادية ونفسية – وهذا يعبر عنه في المباديء الأساسية والإصلاحية للحزب،

·        الأمر الثاني يتناول مسائل الفكر والنظرة الفلسفية الى الوجود – وهذا يعبر عنه في نظرة سعاده الى الإنسان، أي نظرة الإنسان-المجتمع والنظرة المدرحية الى الحياة والوجود. 

لم يعر كثيرون من الأفراد الذين وقفوا موقف العداء للحزب السوري القومي الإجتماعي (الحزب من هنا وما بعد) اهتماما كبيرا بالنظرة الفلسفية له – طبعا على حد علمنا وحدود إطلاعنا – بل حاربوه على الأسس التالية:

·        الأساس القومي – فأصحاب الإعتقاد بالقومية العربية اعتبروا أن القول بالقومية السورية هو نتيجة كره أو عدم إهتمام ببقية العالم العربي (او الأمة العربية، من المحيط الى الخليج كما إعتقدوا) ومصدر عداوة له، متجاهلين كليا توضيحات الحزب المتكررة لنظرته العملية والعقلانية والموضوعية الى مفهوم العروبة الحقيقية.  أصحاب الإعتقاد الكياني، خاصة الكيان اللبناني، حاربوه على أساس أن القومية السورية تهديد لتلك الكيانات، وإلغاء لها. الكيانيون اللبنانيون أيضا تجاهلوا مفهوم الوحدة القومية التي يدعو إليها الحزب ونظرته الى الكيان اللبناني كمركز إشعاع على محيطه القومي.  لقد حاربه الماركسيون لما إعتبروه من أن الحزب خصم عقائدي لهم ويتناقض مع إعتقادهم  بالجدلية المادية وبأن الطبقة الكادحة هي قاعدة الصراع وسببه وليس كل الشعب.

·        الأساس الطائفي – لقد كان بعض عناوين محاربة الحزب من قبل الكيانيين اللبنانيين، خاصة منهم أصحاب التعصب الطائفي المسيحي، والذين أطلق عليهم الحزب تعبير الأنعزاليين اللبنانيين، هي أن الحزب يريد تذويب المسحيين في المحيط الإسلامي؛ كما حاربه المتعصبون المحمديون على أساس أن الحزب حزب مسيحي بدليل مسيحية مؤسسه.  يذكر الراحل أكرم الحوراني في مقالة له عن الحزب أنه عند إنتسابه شخصيا له كان للحزب المئات من الأعضاء في مدينة حماه، مثلا، فكان التهويل الطائفي هو الوسيلة الفعالة لإجبارهم على الإنسحاب من الحزب، وهكذا كان.

·        العصبيات الجزئية الأخرى، كالعائلية والقبلية وغيرها، وهذا طبيعي لأن هذه العصبيات منافية بطبيعتها لمفهوم الوحدة الإجتماعية والقومية.

·        يبقى أن أهم ما حورب الحزب من أجله هو ما يمثله من خطة وقضية قوميتين تقفان ضد الخطر الصهيوني-اليهودي الناشيء.  لسنا بحاجة الى كثير من الجهد الآن لإثبات أن الضربات الشديدة والموجعة للحزب كان مخططا لها ومحرضا عليها من قبل الصهاينة وحماتهم وهم من مولها وشجّعوا عليها ودفعوا الأحداث بالاتجاه الذي سارت فيه.  الغريب أن الحزب والقوميين كانوا يقودون نشاطهم وعملهم وكأن الصهاينة غير موجودين وكأن الحزب ليس مستهدفا من قبلهم.  كيف نقول بالخطة النظامية القومية المناقضة والمتصدية والمجابهة للخطة الصهيونة ثم نغفل عما يمكن أن يراه الصهاينة فينا من خطر عليهم وعلى وجودهم؟ 

من هنا نلاحظ أن العداء الأساسي للحزب كان بسبب ما يشكله من قضية وليس بسبب نظرته الفلسفية الى الوجود والحياة. لذلك سنركز هنا على القضية القومية وأسسها وليس على نظرة الحزب الفلسفية.  ومن الملاحظ أيضا أن العقيدة القومية الإجتماعية لم تكن ولم يقصد بها أن تكون عقيدة تجريبية قد تصلح أو لا تصلح لحياة الشعب السوري؛ ذلك أنها لم تبن على الإستبداد أو الرغبات أو الطموحات أو الميول الشخصية للمؤسس، بل إن سعاده كان حريصا على دراسة علوم كثيرة لبلورة قاعدة العمل الصالحة لخدمة شعبه وأمته.  فهو قبل تأسيس الحزب قام مع آخرين بمحاولات عديدة لتأسيس حركات أو أحزاب تكون صالحة للعمل لقضية شعبنا، لكنها أنتهت جميعها بالإخفاق.  لذلك كان حريصا كل الحرص أن تكون محاولته لتأسيس الحركة القومية الإجتماعية مبنية على أسس متينة لا تتزعزع ولا تضمحل أمام التجارب الأولى والإمتحان الأول.  لا حاجة لنا للأستطراد هنا حول ما بذله للحزب من أنواع الصمود في مختلف الظروف والمحن، فهذا يشكل معرفة عامة الآن في متناول جميع الناس.  لقد كان سعاده يدرك تماما عند تأسيسه الحزب مدى التجاوب والقبول الشعبي المتوقع له شرط أن يبرهن عن مصداقيته وجديته وجدارته.  فكان الإمتحان الأول للحزب عند إكتشاف أمره من  قبل السلطات الأنتدابية عاملا أساسيا لأقبال كثيرين على الحزب وطموح كثيرين للإنتساب إليه.  لقد كانت الحماسة للحزب ظاهرة عند معظم الشباب في لبنان وفي الشام ومن مختلف الطوائف والمناطق والخلفيات الإجتماعية والثقافية.  كل الشباب الوطني كان متحمسا له، لذلك تحرك أخصامه وأعداؤه للعمل من أجل القضاء أو التخفيف من هذا الحماسة، فاستعملوا واستغلوا جميع الوسائل والطرق والعصبيات للوصول الى هذا الهدف؛ رواية الراحل أكرم الحوراني عن تجربة الحزب في مدينة حماه والتي أشرنا إليها مقدما تدخل تحت هذه الخانة، كما يدخل تحتها إنشاء حزب الفلانج الماروني وحزب النجادة السني اللذين شجعت السلطات الإنتدابية على إنشائهما. 

لم يكن سعاده واهما حول فرص النجاح المتوفرة لحزبه وقضيته وبالسرعة المطلوبة.  نحن نعرف أنه كان هناك أسباب كثيرة تدفع سعاده للإعتقاد بوجود فرص كبيرة لنجاح قضيته وحزبه، كما نستطيع أن نرى ويرى كل باحث ومدقق وجود تلك الفرص.  لكن مع إصراره على تحقيق الأهداف وبالسرعة المطلوبة، كان همه الأول والأهم من وراء تأسيس الحزب هو تاسيس القاعدة العملية والنموذج الفاعل الذي يمكن أن تبني عليه الأجيال المقبلة، إذا ما كانت تواقة الى التقدم والإزدهار والحفاظ على حقوقها ومصالحها. لقد كان سعاده يعرف أيضا الصعوبات الكبيرة التي تقف في طريق حركته وحزبه.   سنحاول أن نوجز في ما يلي، الظروف التي كانت مساعدة على نمو الحزب ونجاحه عند مرحلة التأسيس: 

·          وجود الإنتدابين الفرنسي والإنكليزي وتوق غالبية شعبنا الى الحرية والتخلص منهما وإن كان دائما توجد أقلية وأفراد من الذين رهنوا أنفسهم للتعامل مع تلك السلطات الإنتدابية وأنتصروا لها.

·          لم تكن هناك أحزاب أو هيئات تستطيع أن تدّعي أنها تشكّل قيادة للشعب كله أو يمكن أن تكون مشروع قيادة لكل الشعب.  لقد كان يمكن أن يكون الحزب هو مثل هذا المشروع لو لم تنفجر الحرب العالمية الثانية ولو لم تتجاوب الرجعية بكل عناصرها الطائفية والعشائرية وغيرها مع دعوات المستعمر ومخططاته للقضاء على الحزب.

·          شعور الناس بخطر ما تقوم به الحركة الصهيونية للسيطرة على فلسطين وهجرة اليهود المتزايدة إليها وما يشكله ذلك من خطر عليها في كل كيانات الوطن السوري.

·          توق الناس الى السيادة القومية وما توفره تلك السيادة من شعور قومي ووطني، خاصة بعد أن عانى الشعب كثيرا في ظل الإستعمار العثماني وبعده الإنتدابين الفرنسي والإنكليزي. 

·          ركود الشعور الطائفي عند غالبية الشعب لأن نقمة الشعب كانت بإتجاه المحتل العثماني المحمدي.  فالمحمديون كانوا يعرفون أن تعاستهم وبؤسهم ليست من المسيحيين بل من الأتراك المحمديين، والمسيحيون كانوا يعرفون أن مأساتهم لم تأتِ من مواطنيهم المحمديين بل من المحتل المحمدي.  لذلك كان هناك استعداد وقبول لحركة تعمل للوحدة والإستقلال القوميين.

·          الدولة الصهيونية - اليهودية لم تكن تأسست بعد.  

مختصر القول إن الحزب لم يخفق بسبب الأساس القومي لقضيته أو بسبب قوميته السورية؛ ولا هو أخفق بسبب إجتماعيته والقول بوحدة الشعب ورفضه للصراع الطبقي، أو بسبب نظرته الموضوعية للإقتصاد ونظرته للعدالة الإجتماعية.   ثم إن الكلام عن الإخفاق هو كلام نسبي يتعلق بعدم تمكن الحزب من تحقيق غرضه ألاول وهو توحيد الشعب حول عمل قومي واحد وتوحيد الجهود لحماية المصالح القومية الواحدة.  لكننا نستطيع أن ندل على نجاحات في غاية الأهمية للحزب بالرغم مما آلت إليه الأوضاع القومية من بعثرة وتقهقر.  لقد نجح الحزب في تأسيس قيم ومناقب إخلاقية جديدة ونشرها، وافتتح عهد البطولة المؤيدة بصحة العقيدة، وهذه ستبقى منارات تستنير بها الأجيال حتى التي لم تولد بعد.  نحن نعتقد بقوة أنه يمكن أن نرجع إخفاق الحزب الى الأسباب التالية:

 

·          ضعف الوعي لأهمية الشعور القومي عند غالبية الشعب وسهولة تغليب العصبيات الجزئية عليه وتجاوب الناس السريع مع تلك العصبيات.

·          "خضرمة" معظم الذين إنتسبوا للحزب خاصة في مراحله الأولى:  فعمظم هؤلاء كانوا في منتهى الحماسة للمظاهر الحزبية في أيام الهدؤ و"السلم"، لكنهم كانوا ينزوون في أوقات الشدائد أو يخفقون في إعداد أنفسهم لمثل هذه الأوقات.  ثم أن هناك كثيرين من القوميين الذين كانوا يوفّقون بين ولائهم للحزب وولائهم أو تعاطيهم مع الإقطاعيات السياسية التقليدية المعروفة بعدائها للحزب.  إن تاريخ الحزب الحقيقي وبطولاته لم تصنعه في أغلب الأحيان أكثرية حزبية، بل صنعته قلة تخلصت من خضرمتها وأدركت بالفعل معنى إنتمائها الى الحزب والإلتزام بقضيته وما يتطلبه العمل من أجلها. 

·          سيطرة الفردية والتسلط الفردي في جميع القيادات التي توالت على الحزب مما أضعف أو غيب كليا مفهوم العمل الجماعي.  فلقد كانت الصراعات والمماحكات بين أفراد الحزب القياديين تنسيهم القضية القومية فيحاربون باسمها بعضهم بعضا.

·          ترهل القيادات الحزبية الى درجة مخيبة للزعيم نفسه، فهو كان يرى دائما حاجة الى تشجيعهم وحثهم على عطاء أكثر للحزب.

·          غياب الخطة العملية التي يفترض أن تحدد أين يجب أن يكون الحزب غدا وبعد غد وما الغاية من وراء ذلك وكيف يمكن تحقيق ذلك.  لقد كانت الأحداث هي التي تقود وتوجه الحزب  وليس الحزب هو الذي يخطط للأحداث ويتحكم في مجراها. فهو كان ينفعل بالأحداث ويواجهها بإرتجالية في أغلب الأحيان.

·          ضعف الخلق والإبداع في أساليب العمل الحزبي وطرقه وإقتصارها على الأساليب التي اعتمدت فيه في بدايات مرحلة التأسيس.

·          غياب الأخلاق القومية الأجتماعية أو تغييبها – التي هي السر الأساسي لقوة الحزب -  غيابا شبه كلي في مراحل كثيرة خاصة مرحلة ما بعد خروج القوميين السجناء في لبنان. 

·          إخفاق الحزب في إيجاد مؤسساته الثقافية والإقتصادية والتربوية وغيرها وبنائها لما تعنيه هذه المؤسسات من عوامل قوة للحزب.

·          إخفاق الحزب في مراقبة الأعداء واستشراف خططهم ومحاولة تعطيل هذه الخطط أو التخطيط المقابل الذي يخفف من وطأتها ونتائجها عليه وعلى شعبنا ووطننا.

·          إخفاق الحزب في استغلال طاقات أعضائه استغلالا مدروسا متكاملا ومخططا له في سبيل القضية القومية.

·          غياب الرؤية الواضحة لأهمية إعداد العناصر القيادية وبنائها بناءً مدروسا ومخططا له، خاصة بعد إستشهاد سعادة، والإستعاضة عن ذلك بالإرتجال والإستنساب. 

هذه أهم أسباب الإخفاق ويمكن أن نكون قد أخفقنا في ذكر أسباب مهمة أخرى يمكن إضافتها الى ما ذكرناه.  ثم من الواضح أننا ذكرنا الملاحظات الآنفه بدون أن نبحث في أسبابها، فهذا خارج غرض موضوعنا هنا وإن كان عندنا الإستعداد لتبيان تلك الأسباب وشرحها إذا دعت الحاجة لذلك.   

إن القضية التي كان يبدو تحقيقها ونجاحها مسألة وقت قبل سبعين عاماً، أصبحت تبدو على قدر كبير من الصعوبة أو الاستحالة بعد ما شهده وطننا والعالم من تطورات.  ليس عندنا أدنى شك بذلك، بل ندرك ذلك تماما.  فوضع شعبنا لا يحسد عليه.  ف "بعثرة بعض الدول القومية"، كما عبر الأستاذ التويني، ليس أمرا ينشط الأمل أو يبعث على الإرتياح.  ثم أن هذه البعثرة لشعبنا عرّته كليا فأظهرته أنه مجموعات متنافرة من الطوائف والمذاهب والعشائر والقبائل والعائلات، تضمر الشر بعضها لبعضها الآخر، وتحاول أن تعرِّش على أجساد بعضها بعضا.  ناهيك عن تخلف الأنسان عندنا وتوحشه الذي يظهر بقوة ويطفو على سطح الواقع عندما يكون في مقدوره التحكم والإيذاء.  كل هذه الأمور وغيرها هي في ذهننا ونعرف وجودها وندرك مغزاها وتأثيرها؛ لكننا لا نزال نملك الأمل، الذي نؤمن أنه من الممكن أن يصبح واقعا إذا عرفنا كيف نعمل له. 

ليس هذا الكلام هو الأول في موضوع حاجتنا الى التطوير والتجديد والصياغة الجديدة، وهو حتما لن يكون الأخير.  لذلك نختم هذا الكلام بمفهومنا للحزب كما يجب أن يكون حاضرا ومستقبلا:

·          الحزب هو حزب القضية القومية

·          الحزب هو حزب الوحدة القومية

·          قوميتنا هي القومية السورية

·          الوحدة السورية لا تفرض فرضا، بل هي مسألة إقناعية تتوفر لها الأسباب والوسائل والموجبات، وتزال من أمامها كل المخاوف والتحفظات.

·          الوحدة لا يمكن أن تكون فوقية وناتجة عن رغبة سلطات أو حكومات، بل هي مسألة يقررها الشعب كل الشعب.

·          الوحدة السياسية لا يمكن أن تكون قبل الوحدة الإجتماعية أو بغيابها، بل هي نتيجة لها، قد تكون قريبة أو بعيدة.

·          لا يمكن أن تكون هناك وحدة سياسية بين الكيانات إن لم يسبقها تعاون إقتصادي عادل ومبني على إعتبار حقيقي لوحدة الشعب ووحدة المصير.

·          الحزب هو حزب النظرة الجديدة للحياة والوجود، أي حزب المدرحية والإنسان- المجتمع.

·          إحترام حقوق الأفراد المواطنية والإنسانية وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات هو في أساس المجتمع القومي الإجتماعي أو أي مجتمع له صفة البقاء أو إحترام الذات.

·          في الدولة القومية قانون أحوال شخصية واحد يخضع له كل المواطنين، وليس هناك من قانون آخر معه أو بديل عنه.

·          الإعتقاد الديني شأن خاص للأفراد ولا خلط بينه وبين ولائهم للوطن والمجتمع.

·          الحزب هو حزب العروبة الواقعية القائمة على الرابط الإنساني والتاريخي المشترك، والمرتكز على الأخوة المتبادلة مع كل ما تعنيه من احترام متبادل بين دول العالم العربي وتعاون متبادل في المصالح على اختلافها وتنوّعها.  ليس هناك ما يضر أو يسيء الى القضية القومية إيجاد أي صيغة من صيغ التعاون الحقيقي والمتبادل بيننا وبين أي دولة أخرى من دول العالم العربي.

·          يجب على الحزب إستخدام جميع الوسائل الممكنه وفي كل الأوقات لإظهار حقنا القومي والتعريف عليه، ليبقى أمرا حيا، لا يقتله تقهقرنا الحالي الكبير وقوة أعدائنا الساحقة.

·          الحزب هو الذي يعرف كيف يبني مؤسساته وقياداته.

·          الحزب هو الذي يعرف كيف أن يكون مبدعا وخلاقا.

·          الحزب هو الذي يعرف كيف أن يكون مستقلا.

·          الحزب سلاحه اولا وأخيرا سلاح الموقف القومي والحق القومي، إذا تخلى عنهما، تخلى عن سبب وجوده. 

أي مفهوم آخر يختلف في الجوهر عما تقدم من مفاهيم، هو دعوة لأن يكون الحزب هو غير نفسه.   الحزب هو فكرة وحركة، وهذه الفكرة والحركة تعمدت بدم مؤسسها؛ أو أن تنتصر وتتطور إنطلاقا من ذاتها وجوهرها وقواعدها، إما أن تندحر في خضم الصراع الفكري والعملي.  المجال مفتوح على مصراعيه للتجديد والخلق والإبداع إنطلاقا من ذات العقيدة القومية وأسسها وجوهرها،  أما محاولة التفذلك والاستغلال وإدخال الأفكار من خارج مفاهيم سعاده الى الحزب أنما يقع كله في خانة الخيانة  للحزب وخيانة مؤسسه.  لم يتجرأ أي واحد من حملة الأفكار المغايرة للحزب من ترجمة إيمانه بتلك الأفكار من خلال إنشاء حركة أو حزب ينادي بها.  جميعهم انعزلوا الى فسحة حياتهم الشخصية وبقي أثمن ما يتكلمون عنه من تاريخهم الشخصي هو الفترة التي عملوا بها في الحزب.  إن الأخلاق والكرامة والوفاء والمنطق تفرض علينا أو أن نقبل الحزب بعقيدته ومقولاته ونعمل لها بكل قوتنا، أو أن نكون خارجه مؤيدين جزئيا له أو حياديين تجاهه أو معارضين ومحاربين له.  يجب أن نفرق بين الصراع الفكري داخل الحزب والصراع الفكري الذي يجري بين أفكار الحزب والأفكار التي هي خارجه.  نفهم الصراع الفكري داخل الحزب تسابقا على الخلق والإبداع والاستنباط من أجل تطوير العمل الحزبي وتقويته، أما الصراع بين أفكار الحزب وغيره من الأفكار إنما هو إمتحان لصحتها وصلاحيتها لحياتنا وتقدمنا وقدرتها على البقاء والإستمرار.  إن بقاء سعاده بهذه القوة في ضمير الشعب وذهنه وتفكيره القومي والسياسي والفلسفي، ليس بسبب شخصه ولون عينيه، بل بسبب أفكاره وأعماله ومواقفه.  إن من يرى أن مصلحة الشعب لا تتأمن من خلال العقيدة القومية الإجتماعية(السعادية)، فما عليه إلا أن يعمل على تأسيس حزب أو أحزاب جديدة، ولا مانع أن يكون من ضمن إعتقاد وبرنامج ذلك الحزب أو تلك الأحزاب بعض ما يلائمها من الأفكار القومية الإجتماعية.  ليس الحزب السوري القومي هو الحزب الوحيد على الساحة القومية، ولا أحد يستطيع أن يمنع نشؤ اي أفكار جديدة، لكن ساحة الصراع الفكري القومية تبقى المكان الأول والأخير لإختبار كل الأفكار. 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ]

 

صفحة رئيسة
Up
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
إزمة الحزب: خروقات مستمرة لنظام الفكر والنهج
الحزب الذي لم يعد هو الحزب
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
حتمية الإنفجار
الزاعقون في الشأن العام
كلام بسيط في مواضيع معقدة
شعوبية وميعان
أدوات الجهل والإنتحار هي هي
العلمانيون: أين هم وما هو الدور الذي يقومون به
لو أراد اللبنانيون حلاً
مشكلة مزمنة
على حافة الإنهيار
أحلام العصافير
الحوار والطريق المسدود
مشموط الأذن
الطابور المدسوس
الفتنة الآتية
الإساءة الى الأنبياء، الدفاع عنهم
مرور الزمن العشري
حكومة! أية حكومة؟
حالة طواريء
الثقوب الذكية
العنب المر
العلوج الفكرية
ثقافة الحمص بطحينه وصحافتها
مداحلة على: "أزمة حزب أم أزمة تنظيم"
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
الإنتاج مقياس العمل
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات