لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

العمل القومي الإجتماعي الى أين؟ (1)

15/7/2007

 الحالة التي يعاني منها العملُ القومي الإجتماعي تعكُسُ بشكلٍ كاملٍ الحالةَ الخطيرة التي وصلت إليها القضية القومية وما تواجهه من تهديداتٍ بالزوال والإضمحلال.  وإذا كان من غير الجائز ولا المعقول أن نلقي مسؤولية وصول القضية القومية الي هذا الحجم من الخطورة، الذي لم تشهد مثله من قبل، على العمل القومي الإجتماعي، فلا بد ان نلاحظَ ونسجِّل فَشَلَ العمل القومي الإجتماعي في منع وصولِ القضية القومية الى ما وصلت عليه. 

وإذا كنا نضع هذا الربط الشديد بين العمل القومي الإجتماعي والقضية السورية القومية الإجتماعية فذلك لأن هذه القضية هي في أساس وجود العمل القومي الإجتماعي ولا معنى له بدونها.  فالحركة القومية الإجتماعية التي أسسها وأطلقها سعاده لقيادة نهضة الأمة ولتكون الجواب الحاسم على الحركة الصهيونية وما حملته وتحمله من أخطار تهدد وجودنا بالكامل، لا يمكن أن تعني شيئاً إذا لم تقم بالدور الذي وجدت من أجله.  لقد ذكرنا في مقالة سابقة شرحنا فيها مفهوم "الحزب الذي أراده سعاده"، أن سعاده أسس الحزب السوري القومي الإجتماعي ليكون حزب القضية، موقفاً وعملاً وإدارةً وقراراً.  هذا يعني أن الحزب هو حزب الموقف القومي، والحزب هو حزب القرار القومي، والحزب هو حزب العمل القومي، والحزب فوق كل ذلك حزب إدارة القضية القومية. 

قليلون هم الذين توقفوا عند مثل هذا التعريف للحزب السوري القومي الإجتماعي، وأقل منهم عدد الذين أخذوا به وعملوا من  ضمنه. لقد بقي سعاده وحيداً يحمل هذا الحلم بإيجاد "الخطة النظامية الدقيقة" التي يمكن بواسطتها صَدَّ الأطماع الخارجية عن الأمة ومعالجة الإهتراءات الداخلية لتحويل الشعب الى جسمٍ قويٍ قادرٍ على حماية مصالحه وشقِّ طريق حايته نحو النمو والإرتقاء.  وحده سعاده دون غيره أدرك ما يعنيه إيجاد مثل هذه الخطة النظامية الدقيقة وما تتطلبه من جهود وأثمان، وما تحمله في سياقها من عراقيل ومصاعب وأخطار.  كلُّ ما قام به سعاده من أعمال، كلُّ ما علّمَ وكتبَ، كلُّ ما مارسه من قدوة في القيادة والعمل، وكل ما بذله من جهود كان يستهدف إيصال الحزب السوري القومي الإجتماعي الى مستوى من القوة التي تتيح له أن يكون قادراً على إدارة القضية القومية وأن يكون صاحب القرار الفصل وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في كل ما يتعلق بشؤون هذه القضية. 

لقد كان سعاده حريصاً كل الحرص على رعايةِ وتَعَهُّدِ جميعِ القوميين الذين كانوا على إحتكاكٍ مباشرٍ ودائمٍ معه، خاصة أولئك الذين توسمَ فيهم بعض الإمكانيات الواعدة.  ولقد عمل جاهداً لنقل نظام فكره ونهجه وطرق عمله إليهم وكان دائم التشجيع لهم على الخلق والإبداع لإستنباط طرقٍ ووسائل عمل جديدة وفاعلة وقادرة على توضيح هذا النهج والوصول بالعمل القومي الإجتماعي الى النتائج المطلوبة والمستهدفة.  كان سعاده يدرك تماماً أن نمو العمل القومي الإجتماعي وبالتالي وصول هذا العمل الى حالة من القوة تسمح بقيادة القرار القومي، يعتمد أولاً وأخيراً على مدى إدراك القوميين لهذه القضية وتفعيلِ طاقاتهم وإستعدادهم لتحمل مسؤولياتهم كاملة.   

من المؤسف جداً أنه بالرغم من كل الجهود التي بذلها سعاده لتفجير طاقات القوميين، خاصة من العاملين معه في دائرة قيادة العمل الحزبي والمساعده فيه، لم يتم التوصل الى تلك الغاية المنشودة.  فبدل أن نرى في أولئك المساعدين ديناميكية خلاقة وقدرة على المبادرة والفعل من ضمن نظام الحزب، بإتجاه تقوية العمل الحزبي وإنماء قدرة الحزب، رأيناهم يتوسلون الإتكال والإعتماد على الزعيم في كل الأمور الصغيرة والكبيرة.  لقد كانوا إتكاليين بإمتياز.  طبعاً نحن لا نعني بالمبادرات هنا مثل تلك التي كان من شأنها تطييف القضية القومية الإجتماعية ودفع العمل القومي خارج إتجاهه الصحيح، فهذه لم تكن سوى طعنات للعمل القومي وخيانة له.

 إذا كان كلامنا ينطبق على جميع القيادات الحزبية التي عايشت الزعيم وعملت تحت توجيهاته، كما ينتطبق على جميع القيادات التي تولّت قيادة العمل الحزبي بعد إستشهاده، وإذا كان ينطبق على كثيرين من القوميين في الصف القومي، فإنه حتماً لا ينطبق حتماً على عشرات من القوميين فهموا معنى إلتزامهم بالقضية القومية الإجتماعية وتصرفوا بما أملاه عليهم ذلك الفهم الأصيل.  لم تخلُ أية مرحلة من هذا النوع من القوميين. راينا مثلهم في معارك فلسطين، ورأينا مثلهم في الأسكنرون، ورأينا مثلهم في كل المواجهات التي حصلت بإسم القوميين.  لم يكن معظم هؤلاء من المتعلمين أو من حملة الشهادات، بل هم فهموا القضية بما عندهم من إصالة البداهة والفكر والنفس فإندفعوا للقيام في ذلك المجال من العمل الحزبي.

 لقد كانت القياداتُ الحزبية قياداتٍ لا تعرف معنى القياده ولا تعرف مسؤولية القياده ولا تعرف الخبرات ولا المهارات الضرورية لأية قيادة من أي نوع كان.  القيادات التي عايشت الزعيم لم تفهم حتى معنى الزعامة على حقيقته.  لذلك غالباً ما أشار بعض أولئك الى مقارنة أنفسهم بالزعيم ومساواة أنفسهم به.  عبدالله قبرصي مثلاً، محكوماً بما كان يشعر من نقص تجاه عبدالله سعاده وآخرين، يشير في أحد كتاباته الى مرسوم أصدره الزعيم في تكليفه بنيابة الزعامة في غياب الزعيم.  مثلٌ آخر، ما أتى على ذكره عبدالله سعاده في كلمته خلال مؤتمر ملكارات، ومن ضمن مناقشة مسألة الدستور، أن سعاده لم يقصد أن تكون الزعامة وظيفة دائمة في الحزب، وهو، أي الزعيم، لو قصد ذلك لكان هناك عدد كبير من الرفقاء الذين تتوفر فيهم شروط الزعامة، "وما أكثر الرفقاء الذي تتوفر فيهم شروط الزعامة"، حسب قول عبدالله سعاد.  حتى إنعام رعد (ما غيرو) كان يوحي للقوميين، بمقارنة نفسه مع الزعيم!

 لم يفهم أولئك معنى قيادة العمل النهضوي، ولم تتوفر فيهم حتى أبسط شروطها.  كل ما آخذوه عن الزعيم، هو أن الزعيم كان خطيباً ناجحاً، وهم كي يكونوا مثل الزعيم، يجب أن يكون خطباء ناجحين.  حتى أنهم لم يفهموا لماذا كان سعاده خطيباً ناجحاً، ولم يدركوا أن القدرة الخطابية عند الزعيم كانت موهبة تتعلق بشخص سعاده ولا شأن لها بزعامته وقيادته للحزب.  سعاده لم يكن زعيماً لأنه كان خطيباً بارعاً، بل كانت مقدرته على نقل رسالته وأفكاره وآرائه بواسطة الخطابة وبدقة بالغة، عاملاً مساعداً على إطلاق الحزب والنهضة.

 لم يكن سعاده زعيماً بسبب إكتشافه لحقيقة الأمة السورية، ولا بسبب أفكاره وفلسفته، ولا كونه واضع الأسس المبدئية لعملية النهوض القومي.  هو كان زعيماً لأنه أدرك أن الأفكار وحدها لا تعدو كونها حقيقة ساكنه، نائمه.  هو لو كان يعرف أن الأفكار وحدها يمكن أن تفيد الشعب والأمة، لكان إكتفى بوضع الكثير من الكتب، خاصة تلك التي كانت عنده رغبة ملحةً في كتابتها وإنجازها.  هو كان زعيماً لأنه أدرك أن الأفكار تحتاج الى حركة، وأن الحركة تحتاج الى قوة، وتحتاج الى نظامٍ وتنظيم، والنظام والتنظيم يحتاجان الخلق والإبداع، والخلق والإبداع يحتاجان الى معرفة ودراسة متواصلة وتصميم على النجاح والفوز.  

الزعامة عند سعاده كان زعامة مؤهلات ومهارات ومعرفة وإرادة صلبة وإستعداد داءم على تحمل المسؤولية بغض النظر عما قد يكون لها من نتائج. الزعامة بهذا المعنى كانت السبب في وضع سعاده مباشرة في قلب الإستهداف الصهيوني-الإستعماري-الرجعي.   

الغريب في الأمر أن الذين إعتادوا مقارنة أنفسهم بسعاده هو أياهم الذين فشلوا بحماية سعاده فتركوه وحيداً في مواجهة المتربصين به وبقضيته شراً، وأخلوا الطريق أمام أولئك المتربصين لإغتيال سعاده (لقد أبديت رغبة ملحة لأحد الرفقاء من أجل أن يعمل على إعداد بحث شامل حول فشل القوميين في حماية سعاده حيث أن هناك مجموعة قرائن لا بد من العمل عليها لإستجلاء كل الحقائق المتعلقة بالسماح في إرتكاب تلك الجريمة النكراء). 

يؤلمنا كثيراً أن نرى أن العمل القومي الإجتماعي اليوم ليس سوى مجرَّدَ أطلالٍ وأشلاءٍ مبعثرةٍ على جوانب القضية القومية. الغريب في الأمر، أن كثيرين من القوميين الإجتماعيين لا يشعرون بهذا الواقع وهم يعتقدون بشكلِ ساذجٍ أن الحالة التي يمرُّ فيها العمل القومي الإجتماعي هي حالةٌ عرضيةٌ ستزولُ حتماً بزوال هذا السبب أوذاك.  ومن المُحزِن والمضحكِ معاً ان نرى مجموعاتِ القوميين تنسبُ ضعفَ العمل القومي وهزاله مرة الى تسلطِ فردٍ من الأفراد، مرةً الى عدم تطبيق الدستور، مرةً الى غياب الديمقراطية، مرة الى عدم الرجوع الى تاريخ شعبنا، مرةَ الى إنعدام الثقة بين القوميين، مرةً بسبب النظام ومرةً بسبب عدم التمسك بالنظام، مرةً أن المباديء الثمانية الأساسية كما هي تجد نفوراً من قبل الناس وبالتالي مطلوبٌ الإلتفاف حولها، ومرةً أخرى الى ظهورِ هذا الإنحرافِ أو ذاك!

 يؤلمنا أن نرى جموع القوميين يدورون حول أنفسهم فيكتفي كل منهم بما يتخالجه من شعور وما يطغى عليه من أوهام حيث يغرق في عالم أوهامه دون أن يحاول أن يتخطى تلك الحدود ويطرح على نفسه الإسئلة الضرورية والمطلوبة.  يخطر على بالنا في هذا المجال الرفيق لبيب ناصيف الذي يقوم هذا الأيام ب"التذكر بإعتزاز"، ظناً منه أنه بهذا العمل البسيط الساذج يؤدي فائدةً قومية من نوعٍ ما.  إن هذا السذاجة التي أصبحت تسيطر عليه تمنع عنه الإدراك أنه إذا كان يحسن بعمله هذا لبضع عشرات من القوميين، بغض النظر عن إذا كان بعضهم يستأهل مثل هذا الإحسان أم لا، فهو يسيء الى مئات القوميين الذين تعودوا العمل بصمت فبقي ما قاموا به من أعمال كبيرة وتضحيات في عالم النسيان.

 يبقى السؤال الكبير: ما هو مستقبل العمل القومي؟

 الجواب كما نراه، في الحلقة القادمة.

صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة