|
لقد رأينا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع
أن العمل القومي الإجتماعي لا معنى له إذا لم يكن عملاً
بحجم القضية التي يزعم أنه يعمل لها. فالعمل القومي
الإجتماعي لا يكتسب معناه من مقولته العقائدية وما عنده من
أسس مبدئية، فالأساس النظري
مهما كان سليماً وصحيحاً ومهما كانت القضية
التي يتناولها قضية محقةً وعادلة، ومهما كان تعبيره عن
حقيقة تلك القضية أصيلاً وكاملاً وشاملاً, يبقى نظرياً إذا
لم يتحول الى نتاجِ يثبت فيه جدارته وأهليته لتولّي قيادة
العمل من أجل تلك القضية وإدارتها.
لقد رأينا أيضاً أن العمل القومي الإجتماعي
لم يصل مرةً الى المستوى الذي خطط له سعاده وعمل بكل ما
أعطي من قوة للوصول إليه. هذا لا يعني أننا نُنكِرُ على
العمل القومي الإجتماعي ما أحدثه من تغيير في النظرة الى
الحياة والوجود والقيم والأخلاق والمناقب المتعلقة بهما
لدى مجموعات كثيرة من شعبنا. ولا يخفى على أحد تأثير هذا
التغيير في النظرة الى الحياة والوجود والقيم من تأثير على
كثير من الأدباء والشعراء والفنانين من أبناء شعبنا وعلى
نوعية ما أنتجوه في هذه الحقول. ثم لا يجب أن ننسى ما
ترسخ من معنىً للشهادة والتضحية بالذات الفردية من أجل
حياة الجماعة وخيرها التي أصبحت ثقافة مترسخة في حياتنا
قادرة على جذب كثيرين من أجيال شعبنا الحاضرة والقادمه.
لكن هذه الإنجازات على أهميتها لم تستطع أن تتحول الى
ثقافة شاملة لمعظم شعبنا، لأسباب لا تتعلق فقط بالمشاكل
والصعوبات والتحديات التي واجهت العمل القومي الإجتماعي،
بل لأسباب تتعلق بذاتية هذا العمل وفشله في بناء نفسه
بناءً متكاملاً مركّباً يستطيع أن يلبي جميع حاجاته
ومتطلباته.
يبقى السؤال المطروح حول مستقبل هذا العمل
القومي الإجتماعي ومدى إمكانية خروجه من هذه الهشاشة التي
يغرق فيها، ثم إعادة بناء نفسه جديد في إتجاه الكينونة
التي رسمت له أساساً كي يتمكن من القيام بالدور الذي كان
من أجله أصلاً؟ً
من الطبيعي أن تُلقى مسؤولية إعادة بناء
العمل القومي الإجتماعي على أسسه الصحيحة والسليمة على
الذين آمنوا بالقضية السورية القومية الإجتماعية أنفسهم،
أي القوميين الإجتماعيين أنفسهم. لكن إعادةَ البناء تتطلب
جِسماً قوياً قادراً فاهماً مدركاً واعياً مسؤوليته
ومستعداُ لتحمل هذه المسؤولية بشكل دقيق وشامل.
الواقع يشهد أن الجسم القومي الإجتماعي
اليوم هو جسمٌ منكوبٌ في كل شيء. منكوب في أخلاقه، منكوب
في وعيه وإداركه وفهمه لجوهر القضية التي يدّعي أنه
يحملها، منكوب في إرادته، منكوب في قدرته على حل مشاكله،
ومنكوبُ، بالتالي، في قدرته
وإستعداده على تحمّل المسؤولية. لهذا السبب نرى أن معظم
القوميين الإجتماعيين يدورون في حلقات مفرغة ويجترّون
أنفسهم، يتكلمون عن النظام والتنظيم والدستور والمؤسسات
ورتبة الأمانه والمجلس القومي والمجلس الأعلى والديمقراطية
والثقة والتاريخ والإلتزام والإنحراف وغيرها من الامور،
بشكل يدلّ على مدى ضبابية فهمهم للمنهجية والسلوك
والأساليب المطلوبة لسلامة العمل القومي الإجتماعي وبناء
نفسه على أساسٍ متنامٍ ومطّرد.
معظم القوميين لا ينتبهون الى الحقيقة
العلمية العملية التي تقول بأنه إذا إستمر المرء في القيام
بنفس العمل، مستعملاً نفس الوسائل والطرق والأساليب
والإجراءات، فلا بد أن يصل دائماً الى نفس النتيجة. لذلك
تراهم يمارسون دائماً نفس الأساليب وينهجون نفس النهج ظناً
منهم أنهم سيحصلون على نتائج مختلفة. على هذا الأساس نقول
بإعتقادٍ راسخ، إنه إذا لم يَتَّخِذْ القوميون لهم طرقاً
في التفكير جديدة، ويعملون بعقلية مختلفةٍ عن العقليات
التي تتحكَّمُ بهم الآن، وإذا لم يكن هناك إعادة نظر في
سلوكهم الأخلاقي ليروا مدى إنسجامه أو عدم إنسجامه مع
القيم الأخلاقية والمناقبية القوميين الإجتماعيين، فإننا
لا نستطيع أن نعوّل كثيراً على مستقبل العمل القومي
الإجتماعي. فنحن لا نؤمن على الإطلاق بحتمية النصر للقضية
القومية الإجتماعية، إذ أن إنتصار القضية القومية
الإجتماعية له شروطه التي لا يمكن أن يتحقق بدونها.
ليس غرضنا هنا تَشريحَ واقعَ العقليةِ
والتفكيرِ والسلوكِ والمناقب والأخلاق والأساليب والطرق
التي تتحكم بعمل معظم القوميين الإجتماعيين،
لكننا نشير
الى خطورة ما يمثِّله هذا الواقع من ضحالةٍ وعجزٍ وهامشية
وسذاجيةٍ وترهُّلٍ وإستكانةٍ وقَدَرِيةٍ وإنغلاقيةٍ
وهذيانٍ وتعميةٍ وغرورٍ وإنخداعٍ بالنفس وإستغلالٍ وتطييفٍ
لجوهر العمل القومي الإجتماعي الذي يرتكز على القضية التي
يحملها. كل هذه الأمور حوّلت الجسم القومي الإجتماعي الى
جسمٍ عجوزٍ عاجزٍ عن خدمةِ نفسه، يعيش على أحلام بعض
الذكريات المشرقة في ذهنه، يَفْتَقِرُ الى القدرة على
القراءة والتحليل والنقد والتقييم، يجتَرُّ ذاته ويردد
عباراتٍ أفرغها من مضمونها بالكامل، غيرَ قادرٍ أن يستوعب
قيمة ومعنى البحث عن الأسباب الحقيقية التي أوصلته الى
الكهولة والعجز. لقد تحوِّلَت مفاهيم القضيةِ والنهضةِ
والحركةِ والصراعِ والثورةِ والتغييرِ والمناقبِ والأخلاقِ
وقيمِ الحقِ والخيرِ والعدالةِ الى مجردِ ترديدٍ فارغٍٍ من
أي معنى أو قصد عملي. لذلك سنحصر كلامنا هنا في نطاق
توضيح وشرح الأسس التي يمكن أن يعادَ عليها بناءُ العمل
القومي الإجتماعي ليكون عملاً هادفاً سليماً معافىً قوياً
ناجحاً قادراً على تجديدِ وتفعيلِ ذاته بإستمرار، وقادراً
على النمو والصمود أمام ما يعصف في محيطه وعليه من رياح
وإعصار.
في هذه المحاولة سنميز بين الخرافة
والواقع، بين الوهم والحقيقة، كي نتمكن من غربلة جميع ما
عَلِقَ ويَعلقُ في إذهان من خرافات وأوهام، لنبقي على
الحقائق فقط. لذلك نسوق مايلي:
-
العمل القومي الإجتماعي ركائزُه
المباديء السورية القومية الإجتماعية الأساسية
والإصلاحية التي وضعها سعاده والتي على أساسها يتعاقد
الفرد معه (مع سعاده المباديء والفكر والنهج).
-
من الخرافة أن يعتبر أحدٌ أن عدم
إنتصار القضية القومية أو عدم تمكن الحزب السوري
القومي الإجتماعي بسبب مبادئه أو بسبب بعضها أو بسبب
جزء من أحدها.
-
من الوهم أن يعتبر أحدٌ أن إنتصار
القضية القومية الإجتماعية هو مسألة حتمية وأنه مسألة
وقت. الإنتصار دونه العمل والفعل. "إن فيكم قوة لو
فعلت لغيرت وجه التاريخ"، يقول سعاده. فسعاده
يشترط "الفعل" لتحقيق النصر وهو واضحٌ كل الوضوح في
هذا الشأن كما في غيره.
-
ليس العمل القومي الإجتماعي إجتماعاً،
ولا إحتفالاً، ولا مهرجاناً، ولا خطاباً في هذه
المناسبة أو تلك، ولا كتابة مقالٍ، ولا إصدار كتابٍ،
ولا قصيدةً، ولا نشيداً، ولا مسرحيةً، ولا ولائم تقام
على شرف هذا الشخص أو ذاك، ولا مسألة إيمانٍ طوباويٍ
ذاتيٍ بمباديء النهضة السورية القومية الإجتماعية
يمارسه الفرد بينه وبين ذاته، وليس كلّ هذه الأشياء
مجتمعةً.
-
العمل
القومي الإجتماعي هو إلتزام عميقٌ وشاملٌ ودائمٌ
ومستمرٌ في بناء النفوس وترسيخ مفاهيم الحياة الجديدة
في عمليةٍ إنتاجية، دقيقةٍ، مُنظَّمةٍ، معقّدة،
إبداعيةٍ، خلاقةٍ، هادفةٍ، تتناولُ مختلف أنشطة الحياة
القومية والإجتماعية، وتُشمِلُ وتُشْغِلُ أكبرَ عدد
ممكنٍ من أبناء شعبنا في آنٍ واحدٍ. الوصول الى الشعب
هو الهدف الرئيسي الأول للعمل القومي الإجتماعي والذي
بدونه تبقى بقية الأهداف حلماً في عقول القائمين به أو
كلاماً على شفاههم. والوصول الى الشعب لا يتمُّ عَبْرَ
أعمالٍ بسيطةٍ، ساذجة أحياناً، تلامسُ الغلاف الخارجي
لمشاعرِ الناس، بل ذلك يحتاج الى إشغالِ نفوسِ وعقولِ
الناس في العمليةِ الإنتاجية الدقيقة والمنظمة.
-
العمل القومي الإجتماعي هو عملٌ نظاميُ
موَحَّدٌ في روحيته ونفسيته وعقليته وأساليبه وتوجهاته
وغاياته وأهدافه وتحركاته، وهو عمل شاملٌ متناغِمٌ
متناسِقٌ متكامِلٌ، مبنيٌ على الوعي والمعرفة والعلم
والحقائق، ويحتاجُ الى كثيرٍ من التضحيةِ والإخلاصِ
والنزاهةِ والصدقِ والمصداقيةِ والذكاءِ والقدرةِ على
الإبداعِ والخلقِ. العمل الذي لا يقوم على هذه الأسس
مجتمعةً بدون أي إغفالٍ أو إهمالٍ أو إسقاط، أو العمل
الذي تخالطه مفاهيم مغايرة لهذه الأسس، لا يمكن أن
يكون عملاً قومياً إجتماعياً أي مهما حاول بعضهم أن
يجتهد خلاف ذلك.
-
إذا كان النظام أساسياً في العمل
القومي الإجتماعي، وهو كذلك، فإن قيمته الحقيقية تكمن
في فهمِ معناه فهماً جوهرياً أساسياً واضحاً دون
إلتباسٍ أو أوهام، وتطبيقه وممارسته بشكلٍ صحيح لا خلل
فيه. لقد تحوّلَ مفهوم النظامِ عند معظمِ المتقوّلين
في الإلتزام بالعقيدة القومية الإجتماعية الى ترديدٍ
ببغائيٍ لبعض عبارات الزعيم في هذا الشأن، دون فهمٍ
دقيقٍ وواضحٍ لها. كم هي المرات التي سمِعَ فيها
أحدُنا ترديدَ هذا الفرد أو ذاك، أن النظام هو نظامُ
الفكر والنهج ومن ثم هو نظام الأشكال التي تحقق الفكر
والنهج؟ وإذا سألت أحد هؤلاء أن يشرحَ لك معنى نظامِ
الفكرٍ والنهج ونظامِ الأشكال التي تحقِّقُ الفكرَ
والنهج، راحَ يَخْبُطُ خَبْطاً، فلا تجد عنده سوى
السذاجةِ والضحالةِ وسطحيةِ الإستيعاب والفهم.
-
في العمل القومي الإجتماعي، النظام ليس
عملية شكلية تتمُّ عبرَ مخاضٍ من التجاذبات
والإجتهادات وشد الحبال والحلول الوسطى ومفهوم
الأكثرية والأقلية. ولا يحتمل مفهوم النظام في العمل
القومي الإجتماعي مصاحبات ومغايراتٍ خارجة عن مفاهيم
القيم القومية إجتماعية وما تعبِّرُ عنه من مصالح
وأهداف. إذ ليس من النظام في شيء تلك الأشكال التي
تفصَّلُ على مقياس وحجم المراحل أو الأشخاص وما يخلقون
حولهم من ضجيج أو تأثير أو ما يكون لهم من أهدافٍ
شخصية. النظامُ في العمل القومي الإجتماعي ينبع من
حاجاته وغايته وأهدافه ومن الحرص على سلامة المصالح
المتعلقة بهذه الحاجات والأهداف والغاية. لذلك فإن
مفهوم النظام في العمل القومي الإجتماعي هو أعمق بكثير
مما هو عالق في إذهان معظمِ القوميين.
-
النظام في العمل القومي الإجتماعي هو
ثقافةٌ تأمين سلامةِ ومصلحة ووحدةِ هذا العمل، وتأمين
سلامةِ ومصلحةِ ووحدةِ المصالح والأهداف التي يرتكزُ
عليها هذا العمل. هذه الثقافة هي نتاجٌ للعقل الجماعي
العارف والفاهم والمُدرِك والمبدِع والملتزِم بأهداف
العمل القومي ومصلحته، وهي ثقافة ندخل فيها، بل
تشكِّلُ صلبها، معاني المناقب والأخلاق والإخلاص
والصدق. لا يمكن لنظام من هذا النوع أن
ينتج في ظروفٍ من المخالطات المتنوعة التي قد يبتلي
بها العمل القومي الإجتماعي، حيث تكون نذيراً ومنطلقاً
لتخلف هذا العمل وإنحرافه عن مهمته وأهدافه. النظام
في العمل القومي الإجتماعي هو تعبيرُ عن الأهداف
والمصالح القومية، لذلك لا يمكن أن يدخل في مفهومه
معنى الأكثرية أو الأقلية. ليس هناك موالاة ومعارضة
في العمل القومي الإجتماعي. أي شخص يحملُ مفهوماً
مغايراً لهذا المفهوم يفتقرُ الى الفهم والإدارك
الكافي لطبيعة العمل القومي الإجتماعي وجوهره. لذلك
ننظرُ بتعجبٍ وإستغرابٍ وإستهجانٍ الى كل من يفهم
العمل القومي الإجتماعي موالاةُ ومعارضةً، وهو، إن دلّ
على شيء، إنما يدلّ على الإنحطاط والتخلف الذي وصل
إليه هذا العمل.
يتبع |