لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

العمل القومي الإجتماعي الى أين؟ (3)

إن إستمرار العمل القومي الإجتماعي على ما هو عليه يعني أنه سيمضي في إستهلاك ذاته وفقدان جوهره حيث لن يبقى منه، إذا بقي، سوى شكلٍ هشٍ يعيش كالطفيليات في ظلِّ غيره من قوىً أو جماعات لا علاقة لها بمشروعه أومفاهيمه أو عقيدته. هذا يعني أيضاً الى أن العمل القومي إجتماعي سيكون مربوطاً ومشدوداً الى تلك القوى والجماعات التي يستظل بها، الأمر الذي سيؤدّي بالنتيجة الى إفراغِ ذاته من مفاهيمه وأسسه وعقيدته والإستكانة والقبول بما  يكون من أمرٍ واقع.  

ليس في مصلحة العمل القومي الإجتماعي في شيء أن يلجأ الناطقون بإسمه الى الأوهام وخداع النفس وتزيين الأسباب التي تقودهم الى الإعتقاد أن هذا العمل بخير بينما هو حقيقةً في حالة نزاعٍ شديد. فالأوهام وخداع النفس حالة لا عقلانية ولا منطقية وهي ليست من طبيعة الفهم والثقافة القوميين الإجتماعيين.  إن الأوهام وخداع النفس وزرع الرؤوس في الرمال، هي من طبائِع المكابرين والجهلة والمضللين والمراهقين وليست من شيِّم المناضلين النهضويين ولا من تفكيرهم أو عقليتهم أو أخلاقهم.   ليس هناك كثيرٌ من الخيارات أمام المهتمين بالعمل القومي الإجتماعي والمؤمنين، بل أن هناك خياران لا ثالث لهما: أو أن يقبلوا بإستمرار هذا العمل بما هو عليه حيث ينتهي الى الهلاك المطلق، أو أن يبادروا الى درس الوسائل والطرق والمبادرات التي يمكن أن يلجأوا إليها لإنقاذ هذا العمل وإعادة بنائه وتأهيله للقيام بالدّوْرِ الذي وجد من أجله أصلاً. 

 لأنه يستحيل علينا أن نقف متفرجين وشاهدي زورٍ على تلاشي العمل القومي الإجتماعي وهلاكه، لذلك إخترنا أن ندعو لإعادة البناء، متوجِّهين في دعوتنا هذه الى كلِّ المهتمين بالعمل القومي الإجتماعي والمؤمنين به من أصحاب العقول النيّرة والإرادات الصلبة والنفوس الأبية والأخلاق العالية  والهمم الكبيرة.  إن إعادة البناء مسألة تتطلب مثل هذه العقول والإرادات والنفوس والأخلاق والهمم، وهي مسألة خارِجَ قُدُرات المكابرين والجهلة والعاجزين والإنخذاليين والصنميين والمراهقين والإنتهازيين والإدعائيين والنفعيين والمُستغلين والمنقادين والجبناء، فهؤلاء ليسوا سوى طفيلياتٍ تعيش على هامش كل حركةٍ فتنهش من جسدها وتمتص دمائها.

 إن إعادة البناء لا يمكن أن تقوم على ما تهدّمَ من أنقاض، فهي لا تنفع أن تكون عملية ترميمية تهدفُ الى تحسين صورة البناء دون أن تنتبه الى متانته وقدرته على مقاومة كل أنواع الزلازل والهزات.  إن إعادة البناء المطلوبة والفاعلة هي عملية تستوجب إعادة النظر في كيفية فهمنا للأسس العقائدية والفلسفية والأخلاقية والنظامية للحركة السورية القومية الإجتماعية، وتنزع عن الحركة كلَّ ما علق بها من شوائب لا تمت الى جوهرها بصلة. إن الوصول الى فهمٍ أصيلٍ لهذه الأسس ولكل المفاهيم المتعلقة بالعمل القومي،  هو أمر ضروري جداً إذا ما أردنا لهذا العمل أن يعيش ويستمر ويأخذ المدى المنشودِ له من الفعالية والتأثير والتقدّم والنجاح.  هنا يجب أن نؤكّد اننا لا نقول ولا نقصد إختراع الأشياء من جديد، بل إن المطلوب والضروري هو فهم هذه الأشياء فهماً جديداً سليماً قادراً أن يواجه متطلبات العمل القومي ويتناسب مع أغراضه والمهمات التي هي في صلب وجوده.

 العمل القومي الإجتماعي الفاعل والمؤثّر والناجح والمفترض يتميّز بما يلي:

  • وحدته
  • نظاميته
  • مصداقيته وإنسجامه مع ذاته
  • قدوته في قيادة المجتمع والناس
  • قدرته على النمو المتواصل
  • قدرته على التكييف في مواجهة الأحداث
  • قدرته على إستشراف الأحداث
  • قدرته على التأثير بالأحداث ومحاولة دفعها بإتجاه مصالحه وأهدافه.

 ليس هناك معنىً آخر للعمل القومي الإجتماعي الحقيقي غير هذا المعنى.  أيُّ إدّعاءٍ لا ينسجم مع هذا المعنى هو هرطقة وجهلٌ وذرٌّ للرماد في العيون.  

هنا يجب أن نؤكّد ما تعودنا على تأكيده مراراً وتكراراً من أن وحدة العمل القومي لا تعني وحدةً شكلية تقوم على وحدة المؤسسات، بل هي وحدة فكرية-روحية-نفسية-ثقافية-أخلاقية-مناقبية قبل كلّ شيء.  كثيرون من المتقوّلين بإسم العمل القومي الإجتماعي يعتقدون أن هذا العمل ليس واحداً لأن هناك "مؤسسات" مختلفة ناطقة بإسمه وتدّعي قيادته وهم لا ينتبهون الى أن هذا العمل ليس واحداً لأنه يفتقد أساساً الى الوحدة الفكرية-الروحية-النفسية-الأخلاقية-المناقبية. إن الوحدة الفكرية-الروحية-النفسية-الأخلاقية-المناقبية هي جوهر المؤسسات، بدونها تكون المؤسسات شكلاً مهترئاً لا قيمة له. إن إفتقاد العمل القومي الإجتماعي الى هذا النوع من الوحدة يجعله لا يختلف عن أي عمل من الأعمال السياسية التي يشهدها المجتمع.

 كل القوميين الإجتماعيين يعتقدون بأهمية النظام، لكن قليلين منهم يفهمون النظام فهماً أصيلاً صحيحاً سليماً ينسجم مع قيمة النظام والغرض منه.  معظمهم يتكلمون عن نظام الفكر النهج ونظام الشكل ويرددون عباراتٍ من سعاده في هذا الموضوع لإثبات وجهات أنظارهم في هذا الموضوع وإظهار أنفسهم بمظهر الفاهم له والمدرك قيمته وأبعاده ودقائقه. لكن غالباً ما يكون ترديد العبارات من سعاده ترديداً ببغائياً يدّل على ضحالة الفهم الأصيل لقيمة النظام وجوهره أو غياب هذا الفهم بالكامل.  لقد تحوّل هذا النوع من السلوك الذي يعتقد فيه أحدهم أنه يملك الفهم الشامل والكامل حول هذا الموضوع أو ذاك، الى ثقافة عامة عند القوميين شباباً وكهولاً، أحداثاً ومخضرمين، مما يلغي عندهم الحافز للدرس والتأمل والبحث والتقييم لإستخلاص النتائج والعبر.  لا يمكن أن يكون هذا السلوك تعبيراً عن نهوضٍ وتقدّمٍ وتغيير، بل هو يدّل على الجمود والتكلّس والعقم.

 إذا كان النظام قيمة، فهو كذلك لما له من دورٍ في حياة الجماعة ونموها وتقدمها ونهضتها. والنظام من حيث هو قيمة هو دليل على رقي الجماعة وأهليتها للحياة والإرتقاء.  كلما كان النظام معبراً عن وحدة الجماعة وروحها ومواهبها ومصالحها وحاضناً لنشاطاتها وإبداعاتها، كلما كان الدليل على رقي الجماعة وتقدّمها واهليتها للحياة  ثابتاً وقوياً.

 ليس النظام في المفهوم القومي الإجتماعي دوائرَ ولا مستطيلاتٍ ولا مثلثاتٍ ولا مكعباتٍ ولا خطوطاً آحادية مستقيمة أو متعرجة، بل هو أشبه ما يكون بجسم الإنسان بكل ما في جسم الإنسان من خلايا وأنظمة تعمل بدقة وتناغم وإنسجام.  الجسم يكون قوياً وقادراً بقدر ما يكون عمل خلاياه وأنظمته دقيقاً ومتناغماً ومؤدياً للنتيجة المُفترَضَة لها، والعكس بالعكس.

 كيف يجب أن نفهم النظام في العمل القومي الإجتماعي وما هي ميزاته العملية التنفيذية؟

قبل محاولة الإيجابة على هذا السؤال لا بد ان نشير الى أن المُتتّبِع النبيه لكتاباتنا يلاحظ أننا نبدي رأينا وأفكارنا دون الإستشهاد بنصوص من سعاده، ذلك أننا نؤمن بقوة أن المسألة ليست مسألة نصوص بل هي مسألة كيفية فهمنا لتلك النصوص ونوعيته.  كم هو عدد المرات التي إطّلَعَ فيها أحدُنا على كتابات أو أقوالٍ متنوعة يُورِدُ أصحابُها نصوصاً من سعاده لتسويق افكارٍ لا علاقة لها بالفكر والفهم القوميين الإجتماعيين؟  إن ترديدَ النصوص بدون القدرة عن التعبير عن تلك النصوص وشرحها بما يتفق مع روحها وجوهرها ومع غايتها الأساسية هو دليل على جزئية الفهم أو عدم محاولة فهم تلك النصوص فهماً أساسياً سليماً وصحيحاً.  إننا بسلوكنا هذا المسلك في التعبير عن مختلف أسس العمل القومي الإجتماعي، إنما نهدف، بدون تواضع، أن نُطلِقَ أسلوباً جديداً لفهم طبيعة هذا العمل وجوهره وطريقةً جديدة في التعبير عنه، طالما إفتقدها وكان محتاجاً إليها. 

 إن النظام المنشود للعمل القومي الإجتماعي يفترض:

·        وحدة الفكر والإتجاه والنهج والتعبير.

·        وحدة الروح والأخلاق والمناقب والسلوك.

·        وحدة الإرادة وإنسجامها مع غاية وأغراض وأهداف العمل القومي الأجتماعي.

·        وحدة العمل والجهد المبذولين.

·        إعتماد العقل الجماعي الناتج عن تعاون عقول الأفراد تعاوناً مخلصاً، جدياً، أصيلاً، كلياً، عميقاً وشاملاً.

·        تأهيل قيادات العمل القومي الإجتماعي تأهيلاً صحيحاً عالياً يزوِّدها بكل ما يحتاج إليه العمل القيادي من مهاراتٍ وخبراتٍ ومؤهلاتٍ، وينمّي فيها كلّ ما عندها من مواهب وقدرات.

 في النظام القومي الإجتماعي المنشود:

·        ليس هناك معارضة أو موالاة و ليس هناك أكثرية أو أقلية.  إن مفهوم المعارضة والموالاة ومفهوم الأكثرية والأقلية، هي حتماً وقطعاً وتأكيداً مفاهيم خارجة عن مفهوم النظام القومي الإجتماعي ولا دخل لهذا النظام بها.

·        ليس هناك فردية أو فئوية أو تكتلات من أي نوع. فهذه مفاهيم تتناقض كلياً مع مفهوم النظام القومي الإجتماعي.

·        ليس هناك تسلط فردي أو فئوي. إن التسلط الفردي أو الفئوي هو حالة غير قومية إجتماعية ووجودها يدّل على غياب النظام القومي الإجتماعي أو إستباحته.

·        لا يجوز الخلط بين المصالح الشخصية وبين مصالح العمل القومي الإجتماعي.  فتأمين المصالح الشخصية لا يجوز أن يتم على حساب العمل القومي الإجتماعي أو بواسطته.  أي محاولة أو تحركٍ أو عمل من هذا النوع هو غدر بالعمل القومي الإجتماعي وخيانة له.

·        ليس هناك مشاداتٍ وتجاذباتٍ ومماحكاتٍ وصراعات داخلية، فهذه إنما تنتج عن غياب الشعور بالنظام القومي الإجتماعي أوعدم الفهم له، وتغليب الشعور الشخصي عند الأفراد على شعورهم القومي الإجتماعي العام أوطغيان الشعور بالمصالح الشخصية عندهم.

المقارنة بين ما هو من مفهوم النظام القومي الإجتماعي وبين ما ليس من مفهوم هذا النظام، وقياس مراحل العمل القومي الإجتماعي على أساس هذين المعيارين، يرينا أن هذا العمل لم يتمتع أو يشهد يوماً بعد إستشهاد سعاده بنظامٍ قومي إجتماعي صحيح وسليم.  حتى بحضور سعاده ووجوده الشخصي، وبالرغم من كل الجهود العظيمة التي بذلها، لم يستطع النظام القومي الإجتماعي أن يرتقي، خارجَ عملِ سعاده ونِطاقِه الشخصي، الى المستوى المنشود والمخطط له.

 غياب النظام القومي الإجتماعي الصحيح، وغياب الفهم والإستيعاب للنظام القومي الإجتماعي السليم،  كان يوصل كل مرة الى منزلقاتٍ ومطباتٍ وكوارث، يُسرِعُ القوميين بعدها الى البحث والتفتيش عن الأسباب التي أدت الى تلك النتائج السلبية.  وفي كلّ مرة كان يجري فيه مثل هذا البحث كانت النتائج واحدة أو متشابه:

  • سعاده لم يُكْمِلْ دستور الحزب.
  • سعاده توقف عند المرسوم الثامن الذي كان يجب أن يُتبَعَ بمرسوم آخر يحدد الآليات اللازمة.
  • سعاده لم يفعل هذا الأمر أو ذاك.
  • الدستور بحاجة الى تعديل.
  • التعديل يوجب قراءة تفكير سعاده فيما كان يمكن أن يفعله بهذا الخصوص لو كان هو شخصياً المبادر له.
  • سعاده أنشأ مجالس المنفذية لكنه لم يتسنى له أن يشرّع للمجلس القوميي، مفترضين أنه كان يوجد في تفكير سعاده خطة لإنشاء مجلسٍ قومي.
  • الى آخر ما هنالك من أعذار يتصور أصحابها أنهم أمسكوا بخيوط وأنهم على الطريق لترتيب تلك الخطوط بالشكل المناسب...

 المأساة في هذا الموضوع تكمن في أن القوميين الإجتماعيين، جميع القوميين الإجتماعين، كاتب هذه السطور ليس إستثناءً، قبلوا هذا الطرح وتعاملوا من ضمنه.  هذا ما فعلته وفعلناه في مؤتمر ملكارت. الذين لا يفهمون النظام القومي الإجتماعي، الذين لا يريدون ان يفهموا ولا يهمهم أن يفهموا النظام القومي الإجتماعي فهما سليماً صحيحاً نظروا وينظرون الى ذلك المؤتمر كإنجاز مهم، بينما هو في المعيار القومي الإجتماعي الصحيح، خروج على مفهوم النظام القومي الإجتماعي ونقيض له.  لا نقول هذا لأننا نرفض البحث والدرس وتطارح الآراء ومناقشتها، فالبحث والدرس والتأمل والتحليل ومناقشة الأفكار والآراء هي من صميم النظام القومي الإجتماعي الذي نؤمن به.  غير أن مؤتمر ملكارت لم يكن شيئاً من هذا النوع ولم يمكن أن يكون مناسبة لشيء من هذا النوع.  لقد كان موضعاً لطرح المشاعر الشخصية وتلميع صور بعض الأشخاص والتكتل وجذب التأييد لهذا التكتل بأساليب أقل وصف ممكن لها هو الخسة والحقارة.  لقد رسّخ ذلك المؤتمر شائبة الأكثرية والأقلية التي هي مناقضة، كما أسلفنا، لمفهوم النظام القومي الإجتماعي.

 ليس صحيحاً أن سعاده لم يكمل دستور الحزب.  إن القول بعدم إكتمال دستور الحزب إنما هو نتيجةُ عدمِ فهمِ النظام القومي الإجتماعي فهما صحيحاً، دقيقاً وشاملاً.  يخطيء من يظن أو يعتقد أن الفشلَ في الوصول الى المستوى المنشود والضروري للنظام في الحركة السورية القومية الإجتماعية كان سببه عدم وضع سعاده التشريع الدستوري الذي يقرر الآلية التي تنبثق عنها مؤسسة المجلس الأعلى بعد غيابه او رحيله بالموت أو الإستشهاد.  ويخطيء من يظن أنه كان هناك ضرورة أن يقدم سعاده على مثل هذه الخطوة!

 لنفترض على سبيل البحث والتوضيح والتحديد أن سعاده شرّع لآلية من هذا النوع ووضع القاعدة الدستورية التي على أساسها ينبثق أو ينتخب المجلس الأعلى.  السؤال الأول الذي يتبادر الى أذهاننا بعد هذا الإفتراض هو هل أن نتائج العمل القومي كانت ستكون مختلفة مع هذا التشريع عن تلك التي حصلت فعلياً مع عدم وجوده؟

 في رأينا أن النتائج كانت ستكون هي هي، والمشاكل كانت ستكون هي هي، وكل ما صاحب ورافق العمل القومي الإجتماعي من شؤون وشجون كانت ستكون هي هي.

 إذا كان القوميون الإجتماعيون، وفي طليعتهم من يشار إليهم عادة بالقادة التاريخيين للحركة، قد عجزوا عن فهم النظام القومي الإجتماعي كما يجب أن يفهم، وعجزوا بالتالي عن ممارسة هذا النظام كما يجب أن يمارس، فكيف يمكن لنا أن نتوقع للعمل القومي الإجتماعي نتائج مختلفة عن تلك التي حصلت؟

 لم يختلف الصحابة ولم ينقسم المحمديون لأن الرسول لم يوجد آلية محددة لخلافته بعد موته، بل أن الإختلافات والإنقسامات وجدت لأسباب تجد أساسها في المخالطات والمصاحبات المتمايزه في فهم الصحابة والمحمديين من ورائهم مسألة الخلافة.

 سعاده أوجد وأتى بما هو أساسي ومبدئي وجوهري.  سعاده اوجد الأساس الديمقراطي الجديد الذي يرتكز على التعبير عن مصالح الجماعة لا على تمثيل تلك المصالح.  هذه الديمقراطية تنسجم وتتناغم وتتطابق كلياً مع مفهوم سعاده لمسألة القيم المجتمعية.  القيم لا يقرِّرُها العدد، لا تقررها أكثرية أو أقلية، بل هي مسألة ترتبط إرتباطاً جذرياً وثيقاً بمسألة وعي الجماعة لشخصيتها وواقعها وما تملكه تلك الجماعة من مواهب ومؤهلات عقلية-نفسية.

 إن صحة القضية القومية الإجتماعية مسألة لا يقررها العدد، كَثُرَ أو قَلَّ.  إن حقوق الأمة السورية ومصالحها ليست مسألة عددية تعتمد في التقرير بشأنها على العدد، بل هي مسألة تعتمد على وعي الشعب السوري لهذه الحقوق والمصالح وتمسكه بها وإعداد نفسه وحشد قواه وطاقاته للمحافظة على ما بقي منها وإستعادة الحقوق المسلوبة أو المغتصبة أو المسروقة. 

 الأساس التعبيري هو نظام الحركة السورية القومية الإجتماعية ولا حياة لهذه الحركة ولا قيمة لها بدونه. لكن القدرة على التعبير عن المصالح المختلفة للحركة تحتاج الى قيادات مؤهلّة وقادرة على القيام بهذه المسؤولية الكبيرة.  وحده سعاده وعى ضخامة المسؤولية في التعبير عن مصالح الحركة والأمة ووحده كان قادراً على التعبير عن تلك المصالح بدقة ووضوح بدون تردّد أو مخالطات أو حسابات شخصية من أي نوع.  كان يأمل أن يقتدي معاونوه الأساسيون به فيرتفعون مثله الى المستوى المطلوب للتعبير عن مصالح الحركة بدون تردد أو خوف أو مخالطات شخصية من أي نوع كان.  الحقيقة ان سعاده أوجد رتبة الأمانة لتكون مركباً للديمقراطية التعبيرية حيث تكون الحركة غنية بالطاقات المتكاتفة المتضامنة المتعاونة التي تزودها بالقيادات القادرة والمؤهلة تحت كل الظروف وفي كل الأوقات.  لقد أراد سعاده من رتبة الأمانة أن تشكّل تحديداً الآلية التي تنتج قيادة الحزب وهو بالتالي لم يَغفَلْ هذا الأمر إطلاقاً. على الأقل هذا ما اراده سعاده وهذا ما كان يأمل بحصوله.  لكنّ سعاده، بعد كل جهوده ومحاولاته لدفع معاونيه الى الإرتقاء الى مستوى المسؤوليات المطلوبة من أشخاص يستحقون حمل رتبة الأمانه، أدرك بما لا يقبل الشك، أن جهودَه ومحاولاتِه في هذا المجال لم تؤتِ بالثمار المأمولة منها.  لقد عبّرَ سعاده في أكثر من مناسبة عن الشعور بالمرارة من هذا الأمر، حيث كان يؤلمه أن يشاهد الرتابة والإسترخاء والحركة البطيئة التي كان يبديها معاونوه في أوقات كانت تحتاج الى الإقدام والإنشداد والإندفاع والعمل الجدّي المسؤول. 

 الأمناء والمعانون الذين لم ينفعوا كثيراً بحضور سعاده الشخصي وتحت قيادته شخصياً، لم يكن ليأتوا بنفع كبيرٍ بعد إغتياله وإستشهاده.  هذه هي الحقيقة التي لم يعيها ولم يدركها معظم القوميون الإجتماعيون.  على العكس من ذلك، لقد أولى القوميون الإجتماعيون  أولئك الأشخاص ثقةً كبيرةً ونظروا إليهم بإحترام شديد ونسجوا من حولهم هالاتٍ لم تكن موجودة سوى في خيال القوميين إنفسهم.  هم أعطوهم هذا النوع من الهالة لأنهم كانوا يدركون أهمية رتبة الأمانه والدور المطلوب منها.  هم فشِلوا في تقييمِ أولئك الأشخاص على أساس ما كانوا يقومون به فعلياً وما كان لهم من أمكانات فعلية لا مما نسج حولهم من أوهام.

 الحقيقة أن فكرة رتبة الأمانة هي فكرة ثانوية، بينما الأساس الأول هو فكرة التعبير عن المصالح لا تمثيلها.  المسألة الأساسية هي فكرة النظام الحامل للقضية والمعبر عنها والقادر على خدمتها بالطرق الفاعلة وبافضل النتائج.  والموضوع ليس موضوع الإبقاء على رتبة الأمانة أو إلغائها، بل أن الموضوع هو خلق القيادات المؤهلّة والقادرة عن التعبير عن القضية القومية وخدمة هذه القضية على أفضل وجه.  ذلك أنه إذا لم تكن القضية القومية، قضية شعبنا وأمتنا ومستقبلهما، هي نقطة الإرتكاز في عملنا القومي فما هو المعنى الذي يمكن أن يعطى لهذا العمل وما هي قيمته؟

 هنا لا بد أن نشير أنه لا يجب أن يختلط في ذهن القاريء بين كلامنا عن رتبة الأمانة وما هو موجود من "أمناء"، إذ أن معظم هؤلاء لا علاقة لهم فعلياً برتبة الأمانة او مفهومها وهم شاهد كبير على إنحطاط عقلية ونفسية وروحية الذين يدّعون التكلم بإسم العمل القومي الإجتماعي. ونحن لا نخفي إحتقارنا وإدانتنا لهذه العقلية التي تشكل خيانة أكيدة للعمل القومي والقضية القومية. ونحن لا نبدي ما نبديه من آراء لإرضاء أحدٍ أو إغضاب أحدٍ، إن المنطلق الوحيد لنا في إبداء الرأي هو من نراه من مصلحة قومية.  إن كلامنا هنا هو كلامٌ في الأساس ولا يأخذ صورته من صورة ما هو قائم من وضع ولا يقيس بمقياسه.  وإذا كان يهمنا ونحن نبدي ما نبديه من آراء دفع المخلصين للقضية القومية والمؤمنين بها الى البحث والدرس والعمل الجاد وتحمل المسؤولية، فنحن لا يهمنا قطعاً ولا نلتفت الى من يغضب من هذه الآراء أو يرى فيها تهديداً لسلوكه ومصالحه الشخصية.

 كلامنا هنا هو دعوة فعلية الى الذين أسلفنا بوصفهم ب"كلِّ المهتمين بالعمل القومي الإجتماعي والمؤمنين به من أصحاب العقول النيّرة والإرادات الصلبة والنفوس الأبية والأخلاق العالية  والهمم الكبيرة."، كي يبادروا الى تحمّل مسؤولياتهم بجدية وبأقصى سرعة ممكنه كي يعملوا على تحقيق ما لم يتحقق من قبل: ترسيخ الفهم الصحيح للنظام القومي الإجتماعي وتحويله الى ثقافة حياتية عند المؤمنين بالقضية القومية الإجتماعية.

إن أيَ مستقبلٍ فاعلٍ للعمل القومي الإجتماعي يتوقف على مثل هذه المبادرة.  بدون مبادرة من هذا النوع لا نتوقع سوى مزيداً من التدهور والضعف الى درجة الهلاك، وبكلام آخر لن يكون هناك أي مستقبل للعمل القومي.  التحدي قائم، والتعامل معه يكون بطريقتين لا ثالث لهما: الإستجابة والإقدام، أو الإنكفاء والإنخذال.  

 طبعاً نملك كلاماً كثيراً عن الخطوات العملية التي يجب أن تسلك او تتخذ في عملية إعادة البناء القومي الإجتماعي، لكن نرى أن مثل هذا الكلام لا لزوم له إذا لم تسبقه القناعة بالكلام الأساس وبالإستعداد للقيام بالمبادرة المطلوبة على الأسس المشروحة أنفاً.

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة