|
حضرة الرفيق شحاده الغاوي المحترم
تحية قومية
إشارتُك الى "تعرٌّفِك عليَّ " من جديد"
أعاد إلى ذاكرتي ذلك الشعور الذي خالجني وأنا أجتمع الى
ومع أولئك الرفقاء الذين التقوا في ليلة هي ذكرى
لِمتناقضين: العظمة والخجل – عظمة ذلك الرجل، بكل ما حمل
من فكر وفلسفة وقضية وإخلاص ومصداقية وإيمان بشعبه ومحبة
له، وإرادة حديدية لإنقاذ هذا الشعب من ويلاته ونكباته،
وتصميم عنيدٍ على تنفيذ إرادته حتى الإستشهاد بدون خضوع أو
تراجع أو مساومة. هذا من جهة، أما في الجهة الأخرى، يمثلُ
خجلُ التاريخ من عملٍ يحملُّ في طيّاته كل أنواع القبائح
والجهل وفقدان الشعور بالكرامة والعزة تمثلت في أولئك
الذين إشتركوا في التآمر على إغتيال ذلك الرجل العظيم. ذلك
الإغتيال الذي سيبقى مساحة سوداء في تاريخ شعبنا وأمتنا،
دليلاً ساطعاً على عمق الجهل الذي يغرق فيه شعبنا ورداءة
الحالة التي يعاني منها. هذا الجهل وهذه الحالة الرديئة
عينها هي التي تضيف الى تاريخنا كلَّ يوم أعمالاً وقبائح
يخجل منها التاريخ، ولا عجب أن يأتي يومٌ تغطي فيه المساحة
السوداء كل تاريخنا، حيث يتم طمسُ كل الصفحات المشرقة فيه
نهائياً، مرةً والى الابد.
قلت إن شعوراً معيناً خالجني تلك الليلة
التي إجتمعنا فيها، دفعني للتساؤل عن قيمة إجتماعنا
وأهميته. هل إجتمعنا لأننا تحولنا الى طائفة من الطوائف
أو نحلة من النحل، تجتمع حولياً لتمارس طقوساً معينة تشبعُ
به جوعها الروحي آنياً حتى قدوم الموعد القادم حيث تُعادُ
ممارسة الطقوس من جديد وهكذا دواليك؟ أم أننا إجتمعنا
لأننا جماعة تعرف ماذا تريد وتعرف كيف تحقق إرادتها، أو
على الاقل تعرف أن عليها البحث والتفتيش عن الطرق والأسباب
التي تمكنها من تحقيق إرادتها؟
لا أخفيك أن الإجابة التي توصلت إليها على
هذه الأسئلة وأسئلة أخرى مشابهة لها، غيرَ مشجّعة لي وهي
لن تكون مشجعة لأحد، لذلك سأتعمَّد إِسْقاطَ التكلُّم أو
الكلام عنها ما إستطعت الى ذلك سبيلاً.
لقد طَرَحْتَ في رسالتك أموراً كثيرة لا
أعرف إن كنت سأستطيع تناولها جميعها في هذا السياق، ولكنّي
حتماً سأعطي كلاً منها حقه من الإهتمام لاحقاً إذا لم
أتمكن من ذلك الآن. ثم أنني وأنا أحاول ترتيب أولوية
الأفكار في ذهني لأضع كل فكرةٍ في موقعها الصحيح من هذا
السياق تجدني محتاراً ومرتبكاً وخائفاً من عدم الحسم مما
يعني التوقف عن الكتابة الآن لأخذ الوقت الكافي من التأمّل
والتفكير للوصول الى القرار المناسب في هذا الشأن. لأنني
أكره الإنتظار وأخافه وليس عندي أية ثقة به، لأنني أعرف ما
هو شأني الآن وأعرف قدرتي في هذا الوقت, ولا أعرف عن وجودي
أو شأني غداً، لذلك أفضل دائماً المبادرة الى إنجاز ما يجب
إنجازه اليوم دون تسويف أو تأجيل. لهذا السبب، سيأتي
الكلام عن مختلف المسائل والأفكار عشوائياً الى حدٍ ما،
بدون ترتيب متعمدٍ أو مقصود.
واحدة من الأفكار التي وردت في رسالتك هي
فصلك بين الحزب والقضية، بين الشكل والجوهر. أنا أوافق
معك أن هذا الفصل له ما يبرره أو يفرضه كي لا تختلط
المسائل في أذهان الناس، خاصة أولئك الذين تعني لهم تلك
القضية شيئاً ويرغبون في العمل أو الدعاية لها. الحقيقة
أن هناك خلطٌ كبيرُ قائم الآن عند كثيرين من الناس حول
القضية القومية وما هو قائم من تنظيمات تدّعي تمثيل هذه
القضية. وهو إن دلّ على شيء، إنما يدّل على عمقِ الهوة
والمأساة التي يغرق فيهما العمل القومي الإجتماعي.
لقد حاولت شخصياً أن أنبّه وأدلّ القوميين
الإجتماعيين وكل المهتمين بالقضية القومية الى هذا الأمر
عبر مقالات متعددة كتبتها خلال السنوات السبع الماضية.
اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "حزب
سعاده: حزب القضية القومية"، "أزمة
الحزب: خروقات مستمرة لنظام الفكر والنهج"، "تطوير
أو تجديد، أم فهم أعمق للذات"، "الحزب
الذي لم يعد هو الحزب"، "الحزب
السوري القومي الأجتماعي: أزمات أم متاهات".
هذه المقالات جميعها، مع مقالات كثيرة أخرى كنت أعددت
لنشرها في كتاب، قام بعبء تصحيحه وتنقيحه من الأخطاء
اللغوية مشكوراً الرفيق ياسين عبد الرحيم، كما قام مشكوراً
ايضاً بكتابة التعريف به، لكن الحالة في الوطن دفعتني
للتوقف عن طبعه ونشره مؤقتاً كي لا ينطبق علي المثل القائل:
"الناس بالناس والقطة بالنفاس". إذ ما هي قيمة كتاب ما
وما هي فعله في ظلّ كل ما يحصل في جميع كيانات وطننا؟
وإذا كانت الناس لا تقرأ في حالة السكون والراحة والهدؤ
فكيف يمكن أن تجد عندها الرغبة في القراءة في حالة الإضطراب وإنتظار المجهول؟
كانت الفكرة الأساسية الأولى في جميع هذه
المقالات التعريف عن حقيقة الحزب الذي أراد سعاده تأسيسه
لحمل القضية القومية وأن هذا الحزب لم يصل مرةً الى
المستوى الذي أراده سعاده له، حتى في حياة سعاده وقيادته
المباشرة له. إذ ان قيادة سعاده له لم تتعد عملياً السنوات
الخمس الأولى التي لم تكن حتى كافية لوضع كل الأسس
العملية والإجرائية لبناء كل ما هو بحاجة الى بناء.
الفكرة الثانية التي أردتها من خلال هذه المقالات هي ضرورة
إيجاد هذا الحزب إذا كانت القضية القومية تعني لنا شيئاً
كثيراً. لكن ما كان يشغل بالي دائما هو قدرتنا، قدرة
المهتمين بالعمل القومي، قدرة شعبنا، على القيام بهذه
المهمة الصعبة والخطيرة.
إن مسألة هذه التنظيمات القائمة التي
تدَّعي التكلّم بالشأن القومي مسألة محسومة بالنسبة إلي
منذ وقت طويل. إنها تنظيمات مسكينة قد لا تقوم بما تقوم
لأنها تريد إساءة مقصودة، بل أن إساءتها تكمن في ضحالة
حساباتها وتطلعاتها وثقافتها وروح الإستكانة والمساومة
والخضوع التي تطغى عليها. ما هو أخطر من ذلك أن هذه
الثقافة بكل اسبابها وعناصرها وحساباتها أصبحت ثقافة عامة
عند القسم الأكبر من الجيل الجديد الذي يدّعي الإنجذاب الى العمل القومي
الإجتماعي. لأنني فقدت الثقة بإمكانية الإعتماد على أحد،
نشأت عندي تساؤلات من نوع: إذا كان الحزب لم يوجد عملياً بكيانه المخطط له
والمقصود ابداً فهل هناك من يريد إيجاده ويرد العمل من أجل
إيجاده الآن؟ من هنا كانت مبادرتي لإطلاقي حركة البناء القومي
بالشكل الذي أنطلقت فيه،
ومن هنا تضمنت دعوتي لهذه الحركة ما يلي:"
إننا إذ نضع المؤمنين الشرفاء أمام مسؤولياتهم، لا ندعوهم
الى الإلتفاف حول هذه الحركة بل ندعوهم الى أن يكونوا هم
الحركة في متحداتهم على تنوعها، كبيرة كانت أم صغيرة.
نريدهم أن يحولوا تلك المتحدات الى ورشٍ عمل دراسية،
ثقافية، رياضية، تقنية، تدريبية، أنتاجية."
وذلك إستباقاً لأية توقّعاتٍ أو أوهامٍٍ أو إحباطات.
سعاده نفسه لم يكن موهوماً عند إنطلاقه في تأسيس حركة
النهوض القومي. هو دائماً كان يُقرِن "إذا لم..." بما ما
يمكن أن يُتوقعُ لأي عملٍ من نتائج ونجاحات أو إفشالات.
هنا نأتي الى نقطة ثانية وردت في رسالتك. وهي مسألة ما
يمكن أن يوصف بالمؤامرة على سعادة وقضيته من قبل الذين كان
يفترض فيهم أن يكونوا جنود هذه القضية والمدافعين عنها وعن
قائدها، ثم المطالبة بإيجاد أجوبة قاطعة عن أسئلة شرعية
ناتجة عن هذه المسألة. ونتناول في نفس السياق فكرة أخرى من
الأفكار التي تناولتها أنت، هي مسألة العاملين الأوائل
وفعالية العقيدة بهم، وتحويلهم بسببها "الى رجال شديدي
الإيمان متسعدين تماماً لبذلك كل شيء يملكونه...".
أبدأ مداخلتي هنا بالقول إن نظرية المؤامرة تتفق مع الواقع
وتكون مفيدة عندما نضعها في سياق التفسير المنطقي والعملي
للأشياء، لكنها تصبح بدون جدوى عندما تتعدى هذا النطاق.
ثم أني أعرف الخلفية التي تجعلك تصرٌّ على الحصول على
إيجابات محددة وصحيحة حول مسألة عرقلة عودة سعاده من
مغتربه القسري ومسألة إغتياله وربطهما مع مسألة التآمر على
القضية التي أسس لها. أقول أعرف هذه الخلفية وأقدرها
وأدرك أنك لا تتوقع من الحصول على إيجابات صحيحة من شأنه
أن يدفع العمل القومي الأجتماعي بإتجاهه الصحيح أو أن يعاد
الى شعبنا، مثلاً، ما سلب منه من آرض ومصالح. أعرف وأنا
مقتنع معك أن مثل هذه الإيجابات ضرورية من أجل أخذ العبر
كي نستفيد منها في أية عملية إعادة بناء. إذ أنه لا يجوز
الوقوع في نفس الخطأ مرتين، فكم بالحري إذا كان الوقوع في
نفس الخطأ يتكرر مراتٍ ومرات. لا أعلم إذا كان من اللائق
أو الضروري أن أذكِّر في هذا السياق بالمثل الشعبي القائل:
"الحمار بيمرق على الظطّامه مرة"، دلالة على أن من العيب
أن يقع المرء في نفس الخطأ أكثر من مرة. إرتكاب الخطأ
مسموح ولكن من ضمن الإعتراف به ومحاولة تجنّب إرتكابه مرة
أخرى.
بالنسبة لي هناك أهمية أخرى للحصول على مثل هذه الإيجابات
ولا أظنها غريبة عنك أيضاً، وهي وضع الأمور في نصابها
الصحيح دون زيادة أو نقصان، وبالتالي إنتزاع أو إبعاد ما
خُلِقَ من أساطيرٍ حولها ليس لها من صلة أو قرابة مع
الواقع.
هل كان هناك مؤامرة على سعاده وقضيته؟ نعم كان هناك
مؤامرة على سعاده وقضيته.
هل كان وجود مثل هذه المؤامرة مفاجأة لأحد أو لسعاده
نفسه؟ لا، لم تكن وجود مثل تلك المؤامرة مفاجأة لسعاده أو
لكل شخص يملك القَدَرَ الكافي من المنطق والتفكير وهي
حتماً لم تكن مفاجأة لسعاده. كل وجود له وجود مضاد. هكذا
يقول منطق الطبيعة والأشياء.
لنستعرض معاً واقع الأشياء عشية إنطلاق سعاده بحركته
ونهضته:
·
سعاده مفكرٌ شاب، يسعى لتأسيس وقيادة حركة تعمل لقضية
تتصادم مع مصالح كثيرٍ من القوى والجماعات. من هذه القوى
والجماعات، على سبيل المثال لا الحصر، الحركة الصهيونية،
الطوائفيين والمذهبين واللاهثين وراء المصالح الشخصية بغض
النظر عن كيفية تأمين هذه المصالح، ناهيك بمصالح الدول
التي يشكل التوسع والسيطرة وسرقة موارد الشعوب الأخرى جزءً
من أخلاقياتها ومناقبها.
·
شعب موزع في ولاءاته على الطوائف والمذاهب والعشائر
والقبائل والعائلات والإثنيات الخ.. ولكن يوجد هناك أفراد
يتحسسون الغلط القائم في الواقع الذي يعيشونه فيحاولون
التفتيش عن تحديد هذا الغلط وإيجاد الوسائل لتصحيحه.
·
سيطرة إنتدابية/إستعمارية على جميع كيانات الوطن.
تأسيس الحركة السورية القومية الإجتماعية من قبل سعاده
يعني أنه أعلن حرباً على جميع كل ما ناقضها أو خالفها.
حيث أن القوى المشار إليه فوق قوى قوية في مؤسساتها وعريقة
في تأمين مصالحها، فهي لا يمكن أن تترك أية مسألة للحظ أو
للأقدار أو لسير الأحداث. من الخطأ أن يفكر أحدنا أن مثل
هذه القوى يمكن أن تملك مثل هذه السذاجة والخفة والضعف.
مثل هذه القوى تفكّر سنوات، بل عقوداً وقروناً الى
الأمام. ثم أليس احد عناصر عظمة سعادة أنه مفكرُ عظيمٌ
أدرك أهمية التحكم بالأحداث والحاجة الى الطرق المناسبة
لذلك من أجل الحصول على النتائج المرغوبة؟
كان من الطبيعي أن تتنبه الصهيونية الى سعاده والمشروع
الذي يقوده. كان من الطبيعي أن تتنبه الدول الإستعمارية
الى خطورة المشروع الذي يقوده سعاده والذي يعطّل عليها
الكثير من المصالح، خاصة بعد إكتشاف النفط في بلادنا
ومنطقتنا، وما يمكن أن يعنيه نشؤ دولة قوية واعية واحدة في
الهلال السوري الخصيب. حسب تعبير غسان التويني أن بقتل
سعاده قتلوا "الرجل الوحيد الذي كان يمكن أن يُعَلْمِن
العالم العربي." سعاده كان خطيراً جداً بالنسبة لجميع
هؤلاء. فكان من الطبيعي أن يبدأ رسم الخطط لتعطيل مشروعه
حتى لو أدى الأمر الى التخلص منه جسدياً. لا مزاح في هذا
الأمر بالنسبة للدول والهيئات التي تعرف مصالحها وتعرف
ماذا تريد.
سعاده كان يعرف ويعي كل ذلك. لذلك حاول أن يبني حزبه على
نظامٍ دقيقٍ فاعل يستطيع من ضمن بنيته ومهمته ودوره القدرة
على قراءة ما يدور في أذهان جميع الهيئات والمؤسسات والدول
ويدخل الى عمق عقلياتها وطرائق تفكيرها، كي يضع الخطط
المناسبة لمواجهة ما يمكن أن يكون من خطط معدّةٍ أو قيد
الإعداد. ألا نقرأ في هذا الصدد في أدبيات متعددة كم كان
حرص سعاده على الحصول على التقارير الميدانية من فلسطين
وغيرها من أجزاء وطننا ومتابعة كل التحركات الأنترنسيونية
من اجل إعطاء التوجيهات المناسبة لمواجهة كل المسائل
والتحركات الناشئة؟ لم يغب عن ذهن سعاده أهمية قراءة
المستقبل تحضير طرق مواجهته بالشكل المناسب أبداً، بل كان
من جوهر وصلب عمله وإستهدافه. ولكن السؤال الكبير يبقى:
هل تحول هذا الامر الى ثقافة وسياسة عند بقية القوميين
خاصة منهم ما عُرِفَ "بالقياديين" أو ب"الأسماء الكبيرة"
كما تذكر أنت؟ قد تكون مسألة الحصول على المعلومات أو
الرغبة في الحصول على المعلومات، شأن شامل لجميع الأفراد
والهيئات والمؤسسات والدول. لكن ما هو أهم من المعلومات
نفسها هو معرفتنا لكيفية الإستفادة منها والقدرة على
التقرير والتصرف المناسبين بشأنها. مثل هذه الشأن، لم يكن
موجوداً أبداً في الحزب خارج ما قام سعاده به أو ما استطاع
القيام به.
لو كان مثل هذا الشأن أو الإمكانية متوفراً في الحزب لكانت
صورة الأحداث المفصلية ونتائجها غير تلك التي حصلت. هذه
قناعة قوية لدي، لها شروحاتها وتوضيحاتها وقرائنها
وبراهينها المنطقية. لكنني أخاف أن أخوض بها واحدة واحدة
من أن تتحول هذه الرسالة، التي أفترض إكمالها الآن، الى
بحث طويل لا أعرف متى أنتهي منه.
أوافقك أنه كان من بين المقبلين الأوائل على الدعوة من كان
على إستعداد لتقديم كل شيء يملكونه، لكنّي مقتنع أن مثل
هؤلاء لم يكونوا من ضمن "الأسماء الكبيرة". كما أني مقتنع
أن ثقافة "إعطاء كل شيء" لم تكن ثقافة عامة بين القوميين
عملياً وإن كانت قد وجدت كلامياً. إن أخطر ما يكون من
الأشخاص أولئك الذين يقدّمون لك كلامياً العالم كله، لكنك
لا تجدهم عندما تحتاجهم حتى في الأشياء الصغيرة جداً.
"الأسماء الكبيرة" خاصة كانت لها حساباتها الشخصية. هي لم
تكن ضد سعاده. لم تكن ضد دولة سورية واحدة على مدى الوطن
السوري. لم تكن ضد العلمانية. بل هي كما ألمحت أنت أنها
كانت خائفة من مشروع سعاده، خائفة من كونها إنغمست في هذا
المشروع وأصبحت جزءً منه، وهي لم تملك الإستعداد الذي كان
عند سعاده نفسه لمواجهة ما هناك من إستحقاق ناتج عن حمل
مثل هذا المشروع والسير به. لم تكن مؤهلة نفسياً وروحياً
له. شخص واحد من بين كلّ هؤلاء كان صادقاً مع نفسه ومع
سعاده الذي تعاقد معه على الأمر الخطير. هذا الشخص كان
فخري المعلوف. وجد ذاته لأمر أو لآخر خارج الحزب وخارج
مشروع سعاده فطلب من سعاده إعفاءه من قسمه.
المشكلة مع جميع الآخرين، أن بعضهم، بدل أن يخطوا مثل خطوة
فخري المعلوف ويكون صادقاً مع نفسه ومع سعاده ومع غيره من
القوميين، حاول أن يستغلّ وجوده في الحزب لتحقيق مآرب
شخصية طُلِيَت بأفكار وفلسفاتٍ مختلفة لتغطية السموات
بالقبوات. هذا الأمر لا يختلف عن الخيانة بشيء. هذا
الأمر هو من صلب المؤامرة وشاهد عليها. ثم من تختار إذا
طلب منك أن التفضيل بين نعمه ثابت الذي أصرّ على موقفه
المنحرف وطرد من الحزب ام ذلك الذي خاف أن يعلن عن تضامنه
مع نعمه ثابت فبقي بالحزب أم ذلك الذي تاب عن إنحرافه
ليعود إليه كلما سنحت الفرص؟
لم يكن عدم ترتيب عودة سعاده السريعة الى الوطن بعد أن
سمحت ظروف الحرب العالمية الثانية بذلك الشأن الوحيد الذي
تلمس فيه روح المؤامرة. أليس عدم الإهتمام بتأمين حاجة
سعاده من المال للعيش والتحرك من أجل مسؤوليته كزعيم للحزب
هو وجه آخر من وجوه المؤامرة؟ كيف رضي القوميون أن ينهمك
زعيم حزبهم في تحصيل لقمة عيشه وحاجاته المادية، فيقضي
أوقاته الثمينة جداً في تجارة الورق بدل أن يتمكن من
توظيفها بالكامل في سبيل القضية القومية؟ هذا حتى لا نذكر
أولئك الخسيسين الذين تعمدوا تسبيب الإساءة المادية له!
كل هذا في الوقت الذي كان فيه سعاده بحاجة لتوصيل رأيه
بسرعة الى القوميين والناس. أذكر أن احد الرفقاء القوميين
كتب لي في العام الماضي مستحضراً الصعوبة التي كان يعمل من
ضمنها سعاده لتوصيل رايه ومقارنة تلك الصعوبة بما هو
متوفرٌ لنا الآن من أسباب توصيل الرأي وإذاعته. فهو كان
يسرق الوقت لكتابة المقال، ثما كان يعمل على توضيب الأحرف
وصفها بنفسه، ثم يعمل على طباعته وتوزيعه بنفسه.
جميع الظروف التي أحاطت بسعاده تشهد أن الرجل بقي يحلِّق
وحيداً في سمائه بينما إكتفى معظم الآخرين بالتفرج، منهم
من كان مأخوذاً بذلك التحليق، منهم من كان يعتقد أنه
يستطيع أن يحلق مثله ولكنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا
يستطيعون أن يحلّقوا معه، بعضهم كانوا حاسدين له وشامتين.
إن مسألة المؤامرة على سعاده وقضيته لا تنحصر بشخص أو
أشخاص بل هي تطال معظم القوميين بشكل أو بآخر، إذ هنا
علينا أيضاً تحديد ماهية الشكل الذي نقصد أو الشكل الآخر.
خذ، على سبيل المثال، أنا وأنت. هل كنت أنت أو كنت أنا
شخصياً متآمرين على الحزب أو على قضيته؟ ألم نعطي العمل
الحزبي كثيراً مما نملك؟ ألم نكن على إستعدادٍ لإعطائه كلّ
شيء؟ ثم ألم نكن أنا وأنت جزءً من التآمر على القضية بدون
وعيٍ منا عندما تركنا المسائل تجري كما جرت وسرنا في ركابه
بدون حساب؟ ألم يحصل أن عالجتَ أنت أو عالجت أنت مسألة ما
بطريقة خاطئة؟ إذا كان مثل هذا الأمر قد حصل فعلنا، فهل
من واجبنا الإعتراف بأننا أخطأنا، أم الإجتهاد لفلسفة
الخطأ في محاولة لصنع "صحٍّ" منه؟ هنا يكمن عنصر التآمر
غير الواعي الذي ساهم ويساهم فيه معظم القوميين: عدم وعيهم
الكامل لطبيعة عملهم القومي وتحديد حاجات هذا العمل وما هو
منه وما ليس له.
هذا النوع من الوعي لا يتحقق بقراءة كتاب أو يمكن أن ينتج
عن حماسٍ كبير أو غير ذلك. إنه يتعلق بعملية الإعداد الذي
يخضع له القوميون والطريقة التي يتم بها هذا الإعداد. هذه
العملية تلغي، بشكلٍ غير مقصود طبعاً في معظم الأحيان،
دورَ المنطق والتحليل والنقد عند الفرد، فتتعطل عنده
القدرة على غربلة المسائل وإستخلاص النتائج. ألم يكن،
مثلاً، من ضمن عملنا الإذاعي، أن المحاولة الإنقلابية هي
الثورة القومية الثانية؟ تصور معي، عمل غبيُ يدلّ، إن
دلّ، على الجهل، والغرور، والإعتداد الفارغ بالنفس،
والحسابات الخطأ، والمراهقة، وغياب الإحتراف، الى آخر ما
يمكن أن توصف به تلك المحاولة من مثل هذه الأوصاف، نتبنى
فكرة أنه ثورة قومية إجتماعية ثانية؟ ماذا تكون مصداقيتنا
الفكرية عندما نقوم بهذا الامر وما هي الخدمة التي نقدمها
لقضيتنا من خلال ذلك؟
إن غايتي الأساسية من كل ما أقوم به حالياً هي نقل رايي
على ضوء تجربتي الحزبية التي هي غنية لي بكل مقياس، ونقل
هذه التجربة بأخطائها وصواباتها في محاولة لتنبيه الأجيال
الجديدة الى طبيعة العمل القومي وحاجات هذا العمل
ومتطلباته بصورة واقعية صحيحة لا بصورة عاطفية خاطئة.
يبدو أني أطلت، مع العلم ان الإطالة ليست مفاجأة لي ولك،
لذلك سأحاول أن أتناول بعض الأفكار الآخرى التي وردت في
رسالتك وترك القسم الآخر الى فرصة أخرى.
فكرة أخرى وردة في رسالتك هي مسألة قدرتنا على شرح العقيدة
بالرغم أن إختصاصاتنا ليست في مجال "التمعن بالفكر
والفلسفة والتمرس" بتدريسهما.
في إعتقادي أن كل واحد يفهم قضية شعبه قادر على شرح هذه
القضية. إذ ليست قضية سعادة قضية الفلسفة والفكر، بل أن
الفكر والفلسفة إستعملا من قبل سعاده لخدمة القضية التي
كانت تهمه: وهي قضية شعبه ووطنه. في خدمة قضيتنا لسنا
بحاجة كثيرة الى الفلسفة. نعم نحن بحاجة الى شرح نظرتنا
الى الحياة والكون والفن، لكن هذه ليست بالتعقيد الذي يظن
البعض أن لها. فإذا كنت تعتقد أنك تفهم الواقع الإنساني
على أساس معينٍ بإمكانك دائماً أن تقدم تفسيرأً واضحاً
بدون تبسيط أو تعقيد. ثم أن التعقيد ليس فلسفةً. الغوص
في الكلام عن الماركسية والوجودية بكل أنواعها ومدارسها
وعن الفكر الديني وغيرها من مسائل الفكر، في معرض شرح
نظرتنا الى الحياة والكون والفن، لا يعطي أصحابها أية
أفضلية بالقدرة على شرح هذه النظرة ولا هم في موقع أفضل من
عملية الإقناع به.
أصارحك الحقيقة أني لست مبهوراً بأحد في هذا المجال، كما
أني أدين محاولات، ربما قصدتها أنت في معرض كلامك عن
الكتابات الكثيرة التي ما زادت القضية الاّ إبهاماً
وغموضاً. هل قرأت في هذا المجال وضمن هذا المعنى ما أسماه
إنعام رعد "قراءة جديدة للمحاضرات العشر" وهي قراءة تأتي
في طليعة الكتابات التي لم يكن غرضها سوى التعمية
والتشويه؟
أما مسألة عقد مؤتمرٍ فأنا لست ضدها شرط أن يكون عندنا ما
تصوراتنا الواضحة ويكون عندنا الرغبة في بحث جميع التصورات
بهدؤ وعقلانية ومنطق. يبقى الأمر المهم في مسألة عقد
المؤتمر هو وجود المؤتمرين أو الراغبين والمؤهلين لحضور
المؤتمر! هل يوجد هناك عدد كافٍ مثل هؤلاء بكل ما يعنيه
من أثمانٍ يمكن أن تدفع؟ هل يوجد هناك بعد أشخاص مستعدون
على دفع الأثمان في زمنٍ إرتاح فيه كثيرون الى قبض الأثمان
وحصاد الأتعاب؟
لك تحيتي وسلامي
الرفيق منير حيدر
26/8/2007 |