|
السادس عشر من أيلول هو ذكرى واحدة من أفظع مجازر
الصهيونية وجرائم الصهيونية إذا لم تكن أفظعها على
الإطلاق. لا يهم أن إطلاق النار على المواطنين المذعورين
من نساء وأطفال ورجال عجزة كانت تتم بأيدٍ لبنانية جاهلة،
حاقدة، عميلة، مجرمه، فالتخطيط للمجزرة، وإعطاء الأمر
بتنفيذها، وتسهيل ذلك التنفيذ، والإمداد بالوسائل اللازمة،
كانت كلها يهوديةً بإمتياز.
لا يمكن لي أن أنسى ذلك اليوم المشؤوم. مساء ذلك اليوم،
بدأت أسمع من بيتي في الشويفات، الذي يطِلّ على المطار
وبيروت، أصوات الرصاص، فحسبت في باديء الأمر أن هناك
مقاومة عنيفة كانت تجري ضد عناصر من الجيش اليهودي
المحتل. لقد كان الطيران العبري يلقي بالقنابل المضيئة
فوق الجزء الجنوبي من بيروت حيث المدينة الرياضية، مخيما
صبرا وشاتيلا وطريق المطار.
عندما تمعّنت في وتيرة أطلاق النار المسموعة، ساورتني
الشكوك أن أمراً ما يحدث في منطقة المدينة الرياضية-طريق
المطار، لا بد أن يكون على مقدارٍ كبيرٍ من الشؤوم.
لقد كان يقطن في تلك المنطقة شقيق زوجتي مع زوجته ووالدته
في بيت ملاصق لمستشفى غزه على طريق المطار. لذلك كان من
الطبيعي أن ينشغِلَ بالنا عليهم كثيراً. إذ أن تفكيرِ
الفرد في مثل هذه الحالات يتّجه أول ما يتّجه الى أقاربه
ومعارفه فيكون تركيز القلق عليهم في الدرجة الأولى. خلال
أي حادث كبيرٍ يقع في بيروت اليوم، على سبيل المثال، تتم
عشرات الآلاف من المكالمات الهاتفية، وذلك بسبب إنشغال
البال عند الناس على من لهم معزةً خاصة في قلوبهم ويفترضون
وجودهم في منطقة الحادث. في حادث الجامعة العربية الذي
وقع أوائل هذه السنة، إستطعت أن أحصي أكثر من مئة مخابرة
خليوية، تحاول معرفة مكان تواجد أبن شقيقتي الذي يعمل في
بيروت. أية عملية حسابية بسيطه، يحسب فيها عدد الذين
يعملون في بيروت وعدد المتواجدين في منطقة الحادث، وعدد
وسطي من المكالمات الهاتفية التي تحاول الإستفسار عن سلامة
المواطن الواحد، ندرك من خلالها حجم ما تحصل عليه
شركات الهاتف الخليوي من أرباح.
عام 1982 لم يكن هناك هواتف خلوية، ولم يكن شقيق زوجتي
يملك هاتفاً عادياً في بيته. لذلك لم يكن لنا طريقة
للإطمئنان عنهم، سوى البقاء مشدودين الى أعصابنا بقلقٍ
كبيرٍ طوال الليل وطوال نهار اليوم الثاني.
عند حوالي الساعة السابعة من مساء اليوم الثاني شعرت بوصول
سيارة الى مدخل البناية التي أقطن فيها، مشيت حشرية الى
شرفة بيتنا المطلة على مدخل البناية فرأيت شقيق زوجتي
يترجل من السيارة التي أقلته مع زوجته ووالدته.
كان الثلاثة يرتدون قناعاً من الهلعِ والرعب على وجوههم،
يعكس هول معاناتهم لأكثر من أربع وعشرين ساعة لم يناموا
فيها ولم يأكلوا أو يشربوا خلالها شيئاً.
عند سماعهم هدير الأليات والشاحنات على الطريق قربهم،
وعندما إنتبهوا الى الكلام الذي كان يصدر عن الأشخاص في
تلك الشاحنات، ثم تأكد شقيق زوجتي من حقيقة هوية أولئك
الأشخاص بعد تسّرق النظرَ لم كان يجري على الطريق
قربهم، جلسوا جميعهم في زاوية مظلمة من البيت دون حراك
ودون كلام ودون إضاءة أية شموع.
لم يطل بهم الأمر حتى بدأوا بسماع اصوات الرصاص المختلطة
مع أصوات صريخ الأطفال والنساء والرجال التي كانت تأتي من
قرب المخيم الذي لا يبعد عنهم سوى مئات الأمتار. لقد
مكثوا في أماكنهم إنبطاحاً على الأرض بإنتظار المجهول،
وبقوا على تلك الحالة حتى قرابة الثالثة بعد منتصف الليل
دون أن يأتي إليهم أحدُ أو يدق عليهم أحد.
كان البيت الذي يسكنون فيه في الطابق الأول من البناية
وكانت شرفته الجنوبية مهدمّة بفعل قصف الطيران العبري خلال
إجتياح العبريين للبنان ووصولهم الى بيروت الامر الذي أدى
الى إخراج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت. حوالي الساعة
الثالثة بدأوا يسمعون أصوات القتلة في مدخل تلك البناية،
حيث كانوا يتحاورون حول إذا كان هناك من يسكن في تلك الشقة
أم لا. لقد كان بإمكانهم الصعود من خلال الشرفة المهدمة
والتي كانت ما زالت عالقة في المبنى والدخول الى الشقة.
كانت الشقة ما زالت مظلمة والأنفاس ما زالت مقطوعة، لذلك
عندما صعد المسلحون القتلة الى الشرفة، نظروا إليها من
الخارج ولم يحاولوا دخولها لإعتقادهم أن أحداً لا يعيش
هناك.
إنتقل المسلحون المجرمون الى مستشفى غزه في البناء المجاور
حيث بدأ الصراخ قوياً ومؤلماً وبدأ الرصاص غزيراً
ومنهمراً. لقد إستمر تراقص الرعب والخوف والهلع حولهم
لمدة ساعة من الزمن كان قد قتل خلالها كل من كان في مستشفى
غزه والأبنية المجاورة له.
في حوالي الرابعة من بعد ظهر اليوم الثاني، كان المسلحون
قد رحلوا من قرب طريق المطار، وكان الرعب والخوف والجوع قد
أتى على معظم قوة الأشخاص الثلاثة من أنسبائي، خرجوا الى
الشارع حيث صادف مرور سيارة مرسيدس فيها خمسة أشخاص، وكان
من فيها يحاول الخروج من المنطقة أيضاً، فتبرع صاحبها
بنقلهم الى الشويفات، حيث تكدسوا في السيارة فوق بعضهم
بعضاً.
لم تستطع حماتي الجلوس معنا طويلاً، فهي ذهبت الى النوم
بعد أقلّ من نصف ساعةٍ على وصولها، بعد ان شربت قليلاً من
الماء وأكلت قليلاً من الطعام. لم تكن تحتاج الى طويلٍ من
الوقت لتغطّ بثباتٍ عميق.
بعد حوالي النصف ساعة على ذهاب حماتي الى النوم، وكنا نجلس
أنا وزوجتي مع شقيقها وزوجته في صالون المنزل على ضوء
الشموع، حيث كانت الساعة قد قاربت الثامنة مساءً، سمعنا
قرعاً على باب منزلنا. لقد كان القرع على الباب من القوة
بحيث كان كافياً لإيقاظ حماتي التي كانت في عقدها السابع
من العمر، حيث إستيقظت مذعورةً تصرخ: "هجموا، هجموا". كان
علينا أن نهدأ من روعها وأن نقنعها أن أحداً لم يكن
يهاجمنا وأنها في مأمنٍ الآن. كانا الطارقان على الباب
جاران وقريبان لنا جاء يستفسران عما حمله شقيق زوجتي من
أخبار، بعد أن علما بوصله.
قد يكون الكلام عن حالات الرعب والهلع والخوف سهلاً بعض
الشيء، لكنّ المرورَ في مثل تلك الحالات ليس فيه شيء من
السهولة، بل تبقى صورة ذلك الرعب في أذهان وعقول الأفراد
الباطنية، تبرز الى سطح تفكيرهم كلما حدث ما يوقظها أو
يحرّكها.
هذا النوع من الرعب، الرعب الذي يعيش أصحابه فينقلوه
إلينا، نعرف عنه، نستيطع وصفه، ولكن ماذا عن الرعب الذي
إمتلك ضحايا تلك المجزرة من أطفالٍ ونساء وشيوخ؟ أي صورةٍ
له؟ ما هو مدى العمق الذي يصل إليه؟ من يستطيع وصف ذلك
الشعور؟ ما هو شعور تلك الأم التي تشهدُ ذبح أطفالها بين
يديها؟ ما شعور الزوج الذي يشهد زوجته تُغتصبُ ثم تُذبحُ
بين يديه؟ ما هو شعور الأطفال وهم يشهدون ذبح والديهم أمام
أنظارهم؟ أي رعب يمرّ فيه هؤلاء؟ إني أعجز عن وصف تلك
الحالات، فهل هناك من يستطيع القيام بذلك؟ |