لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

                                               

     

الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب

(7/11/2004)

كتب وعد الأشمر مداخلة حول النشاط العلني للحزب السوري القومي الإجتماعي في الشام، طارحا أسئلة عدة حول الخطاب القومي: واقعه وتحدياته.  ثم كتب بشير موصللي مناقشة لهذه المداخلة ظهرت وكأنها دفاعا عن نوعية هذا الخطاب القومي، ناعيا إفتقار الحزب في الشام الى الكوادر والأشخاص الذين " يعتلون المنابر ويطلون من على الشاشات ويملأون الصحف"، مبررا أو مصوبا لعدد من الأفكار التي طرحت في مداخلة السيد الأشمر.  وقد رأينا أن في مداخلة الأشمر ومناقشة موصللي أمورا مهمة يجب التوقف عندها.                                                                          

 لا ريب أن طرح السيد الأشمر هو طرح تواق لرؤية نوعية من النشاط الفكري والثقافي والسياسي تستجيب لطموحات المواطنين وتطلعاتهم وتوقعاتهم، خاصة للأجيال الجديدة والواعين للمسائل السياسية والثقافية منهم.  هو طرح له مبرراته القوية، هذه المبررات لم يعرها الرفيق موصللي الكثير من الأهتمام في مناقشته للمداخلة.  أكثر من ذلك، لقد أظهر الرفيق موصللي، من خلال بعض الإفادات التي ذكرها، مواضع الخلل في الفهم القومي العام.  مثلا، في إفادته "واخيرا فان الحزب يصنف، حسب مبادئه ودستوره في خانة ومقام الاحزاب التقدمية،  لا الاحزاب العلمانية المناقضة للفكر الديني بمواقفها الالحادية، لان الحزب غير معني بالامور الدينية وفي ما وراء الطبيعة ولا في موقف الاديان السماوية من الوجود والخلق والله، تاركا لاعضائه ان يختار كل واحد لراحة نفسه ما يراه ملائما ومريحا  في علاقته مع الخالق"، عن الحيز الفكري التي توقف عنده الفهم القومي العام، بخاصة عند الأجيال الأولى من القوميين.                                                

 قبل أن أتناول المسائل والأفكار المهمة التي هي في الواقع موضع الإهتمام الفعلي، لا بد أن أعلق على فكرة وردت في مداخلة السيد الأشمر من أن الرئيس حافظ الأسد لم يكن ضد إنتشار الحزب في الشام، ونقيض لها ورد في مناقشة الرفيق موصللي من أن الرئيس الأسد " لم يكن في وارد انتشار الحزب القومي في بلاده".  نحن نرى أن الرئيس الأسد كان حريصا كل الحرص على إنتشار الحزب السوري القومي الإجتماعي في الشام، بعد أن تكون عنده إقتناع قوي بأهمية فكرة "الوحدة السورية"  (وحدة الهلال الخصيب).  لقد ظهرت قوة إقتناع الرئيس حافظ الأسد بهذه الوحدة خلال  مداخلته في المؤتمر القومي لحزب البعث في عام 1974 أو بداية عام 1975.  فقد ورد في مداخلته كلام بمعنى أنه توصل الى مرحلة يتساءل فيها عن طبيعة فكرة وحدة "سورية الطبيعية" وإذا كانت تلك الفكرة فكرة جيدة أم فكرة إستعمارية، مناقضة لفكرة "الوحدة العربية"، منتهيا الى أنه طرح مثل هذه التساؤلات على مفكري حزب البعث الذين أجابوه أن فكرة الهلال الخصيب ليس فكرة إستعمارية وإن المعلم زكي الأرسوزي جاء على ذكرها كطريق للوحدة العربية.  كما أشار مفكرو حزب البعث هؤلاء، حسب مداخلة الرئيس الأسد المشار إليها، الى أن أنطون سعاده كان الشخص الوحيد الذي درس ووضح ووضع الأسس لهذه الوحدة.  على هذا الأساس طلب الرئيس الأسد من أولئك المفكرين التعمق في دراسة فكر أنطون سعاده.  رأينا الشخصي أن هذه القناعة تكونت عند الرئيس حافظ الأسد بعد أن شاهد وشهد على المرحلة الرومانسية في العالم العربي وما جرته على هذا العالم من كوارث ونكبات.  لكن ترجمته لهذه القناعة الجديدة تركزت في في حدود الحيز الوحدوي السياسي ولم تتخطاها الى الحيزالنهضوي الفكري والأخلاقي، الذي هو الضرورة الأساسية لتحقيق مثل هذه الوحدة ونجاحها.  لذلك رأيناه يتحرك سياسيا في هذا المجال مرة بإتجاه الأردن وأخرى بإتجاه لبنان.  فهو، مثلا، عقد لقاء مع الملك حسين في ربيع 1975 وكان موضوع ذلك اللقاء وحدة الأردن والشام كمقدمة لوحدة سورية الطبيعية.(يمكن الرجوع الى أعداد مجلة الحوادث اللبنانية الصادرة خلال نيسان/أيار 1975 وفيها مقابلة مع زيد الرفاعي رئيس الوزراء الأردني حينها في هذا الموضوع).  ثم أظهرت الأحداث أن الدور الذي لعبه في لبنان كان أبعد مما توقع منه المجتمع من وقف الحرب "الأهلية" فيه.   كما تجدر الإشارة الى أن الرئيس الراحل كان يشير بشكل متكرر الى فلسطين كجزء جنوبي من الوطن السوري.                                                                                

يتساءل السيد الأشمر في مداخلته: "هل يجيد الحزب كبنية تنظيمية تقديم نفسه كمشروع سياسي نهضوي معاصر قائم على أسس العلمانية والديمقراطية كما أراد الزعيم سعاده؟" وقد أجابه الرفيق موصللي موضحا أن الديمقراطية بخير في الحزب ومن أن الحزب يصنف في خانة الأحزاب التقدمية لا الأحزاب العلمانية الألحادية، كما إقتطفنا أعلاه.  لهذا رأيت أن أركز بشكل خاص على هذين المفهومين، الديمقراطية والعلمانية في مداخلتي هذه.                                                                                    

 1.  نحن مع رأي السيد الأشمر القائل بحاجة الحزب الى مراجعة خطابه في الجوهر والشكل والإستهداف. ونحن مقتنعون أن من واجب الأجيال القومية الشابة أن تتصدى الى كل التحديات المصاحبة والمعاصرة لخلق تطوير في الاساليب ونوعية الخطاب والتوجه والعمل القوميين.  طبعا هو يتكلم عن الحاجة الى مثل هذه المراجعة في الكيان الشامي، ربما لأن الكيان الشامي هو نطاق عمله وإهتمامه.  لكننا نحن نقول بضرورة مراجعة الخطاب القومي في الأساس وعلى مدى الوطن السوري وفي كل موضع تواجد فيه من يعبر عن رأي الحزب.  في رأينا أن هذا الخطاب يجب ألا يختلف من كيان الى آخر.  قد تختلف طريقة التوجه الى مجموعة من المواطنين عن مجموعة أخرى منهم، لكن جوهر التوجه يبقى أياه وإستهدافاته تبقى واحدة.   ثم أن أي مراجعة يجب أن يتوفر لها الفهم الواضح للغاية القومية والغرض الكامن وراء هذا التوجه، كما يجب أن تتوفر لها القدرة على التحليل والقدرة على فهم التجارب والأحداث والخروج منه بخلاصات مفيدة وعملية.  مثلا، هل غرض التوجه والخطاب هو نهضوي يعمل على تحريض العقول والأفكار على التساؤل والبحث لفتح الطريق أمام الوعي القومي والإجتماعي، أم غرضه أثارة العواطف لكسب الأعداد والأنتشار الأفقي يصل بنتيجته شخص من هنا وشخص من هناك الى مجلس نيابي ما؟  هل التوجه القومي للمواطن هو عملية حقن كما عبر لي مرة أحد الرفقاء، من جيل القوميين الثاني أو الثالث؟  حسب رأيه أن عملية الحقن تفرض الحاجة الى الإنفجار في وقت ما أو مكان ما، فيبقى الحزب أسيرا لتلك العملية.  هناك أمثلة كثيرة من تاريخ الحزب يمكن أن تقدم لدعم مثل هذا الرأي، لكن العمل النهضوي هو أبعد بكثير من أن يكون عملية حقن.  الحقن لا يصب أبدا في خانة النهضة ولا يطلق نهضة.  إثارة الحماس والهمم والغرائز لا تطلق نهضة ولا  تبني مجتمعات؛ ونحن مسؤوليتنا وهدفنا تأسيس  نهضة وبناء مجتمع.  غرض توجهنا الأساسي هو إطلاق الوعي القومي عند المواطن وتفعيل هذا الوعي ليصبح دينميكيا يمكّن صاحبه من توظيف قدراته الذاتية في عملية البناء المستمرة توظيفا مثمرا.   لكننا نأسف أن نرى أن مثل هذا التوجه قد أهمل من قبل كثيرين من القوميين وقياداتهم، فكان التركيز على إطلاق الحماس  والأنفلاش السطحي هو الرائد خلال معظم مراحل العمل الحزبي السابقة وهو سيد المرحلة الحالية.  لقد أخبرني أخي في معرض إشادته بمسؤول إذاعي معين وقدرة ذلك الرفيق الإذاعية،  أن رفيقة مسؤولة في أحد المناطق الشامية، تصر على المركز أن يرسل إليها ذلك المسؤول كلما كان هناك من مناسبةحزبية أو مأتم لأحد المتوفين من القوميين.  وكان أنني سمعت ذلك المسؤول خطيبا مركزيا بعد ذلك بأيام في إحتفال أقامته وحدة حزبية بمناسبة الثامن من تموز، فصعقت لضحالة التوجه وسطحيته.  لم يكن في جعبة ذلك المسؤول سوى تذكير الحاضرين، الذين كان معظمهم من المسجلين رسميا في دفاتر الحزب، بأن الحزب هو حزب صراع، معددا مواقف ومحطات من تاريخ الحزب لتقديم البرهان على ذلك.  طبعا كان ذلك يتم بلهجة خطابية  أجادها ذلك المسؤول الذي بدا أن ثقافته الحزبية تجمدت في حدود التوجه الخطابي وخلت من العمق والموضوعية.  مثل هذا التوجه لا يملك الا الترديد الفارغ للشعارات والأفكار، معتمدا إثارة الحماس بديلا عن إرساء الفكر وتعميقه.  لكن كيف يمكن لمن لا يملك العمق في الفكر والأتساع في الثقافة أن يقدم ما ليس عنده؟  ليس غريبا بعد ذلك أن نرى أعدادا هشة من القوميين لا تحاول قراءة كتاب ولا تعرف كيفية تثقيف انفسها أو أهمية تثقيف أنفسها، بل نشك انها تدرك أهمية الثقافة على الأطلاق. المؤسف أن أخي كمعظم الذين يبعطون على ساحة العمل الحزبي تعوّدوا على مقاييس هشة للعمل الحزبي دون تكليف أنفسهم إعباء المراجعة والنقد للعمل والتاريخ الحزبيين.  

   2.  يبدو أن مفهوم العلمانية ليس واضحا عند الكثيرين من الناس في وطننا؛ الرفيق موصللي، مثلا، يربط العلمانية بإلإلحاد، معتمدا المفهوم الذي أشاعته عنها المؤسسات الدينية خلال عصر النهضة الأوروبي الذي صور العلمانية كحركة أو مفهوم معاد للدين والإيمان الديني.   الحقيقة أن العلمانية لا تعني ذلك إطلاقا.  هي تعني أن تكون الشؤون الدنيوية، شؤون الحياة المجتمعية العامة، منفصلة عن شؤون الدين جملة وتفصيلا، وأن يكون جهد الجماعة في مجتمع ما، منصبا على تحسين حياة المجتمع وتطويرها وتقدمها، من خلال العمل والإبداع في العمل، لا الإستسلام لمقولة حياة غيبية يوعدون بها في الآخرة.  إذا كان رجال الدين يطلبون الى الناس تسخير أنفسهم للدين واعدينهم بحياة جميلة وسعيده في الآخرة، فإن حركة علمانية كالحركة القومية الإجتماعية تحاول تنبيه الناس وإيقاظهم الى أهمية وجودهم الحاضر وتحثهم على العمل على تحسين هذا الوجود.  لقد وضع سعاده المبدأ الإصلاحي الذي ينص على فصل الدين عن الدولة للتأكيد على أن تنظيم حياة المجتمع وإدارة شؤونه لا علاقة لها بالدين ولا يجب أن يكون الدين حاضرا أو مؤثرا في أي شأن من هذه الشؤون.  لذلك فالحزب السوري القومي الإجتماعي هو حزب علماني بإمتياز.  إن فصل الدين عن الدولة لا علاقة له بمسألة الأيمان الديني، التي نوافق مع الرفيق موصللي من أنها مسألة فردية وبين ما يؤمن به الفرد في هذا المجال (لا أقول بين الفرد والخالق لأني لم أوهب مثل هذا الإيمان). العلمانية تعني بالتأكيد إنتشال المسائل القومية والإجتماعية والسياسية من براثن رجال الدين وجهلهم وتعصبهم. ففي الوقت الذي نجد بين هؤلاء مؤمنين حقيقيين يعرفون حقيقة أيمانهم ونوعية هذا الأيمان وحدوده، نجد أن الغالبية منهم جاهلة تثير الحقد والتعصب عند أفراد المجتمع الواحد وبينهم.  العلمانية تعني بالتأكيد أيضا، إعتماد قوانين مدنية واحدة لأبناء المجتمع الواحد.  طبعا هذا يضعها في موضع الصدام مع رجال الدين، الذين يستميتون للإبقاء على سيطرتهم ونفوذهم.  نعم نحن لا نتدخل في الأيمان الديني وإختيارات الأفراد الدينية،  لكننا حتما لا نقبل ان يخضع أفراد مجتمعنا لغير القانون القومي الإجتماعي الذي يساوي بين حقوق جميع مواطني المجتمع القومي وواجباتهم.  أي نظرة غير هذه النظرة للنهضة القومية الإجتماعية، هي نظرة ينقصها كثير من الفهم والعمق والواقعية.  أي تصور للحزب السوري القومي الإجتماعي خارج هذا المفهوم، هو تصور ناقص يعجز عن تقديم أي فائدة للنهضة وللقضية.  هذه هي طبيعة النهضة القومية، وهي لا تقبل المساومة ولا  تقوم على المساومة.  هناك حركات وأحزاب كثيرة يمكن أن يلجأ إليها المواطن والتي تقبل المساومة أو التوفيق بين مفاهيم مغايرة ومتناقضة في المجتمع، أما الحزب السوري القومي الإجتماعي فهو حزب الوضوح في المفهوم، وهو بالتالي حزب التغيير النهضوي الذي يعمل على إطلاقه وأنتصاره في المجتمع.  فإذا كان هناك من صدام مع قوى الرجعية وقوى حياة المجتمع القديم المتخلفة، فإن ذلك الصدام هو من طبيعة النهضة وطبيعة العمل النهضوي، ولا يأتي مفاجئا لأي شخص وعى طبيعة النهضة القومية الإجتماعية.         

 3.  لقد كان لنا كلام سابق في الديمقراطية، نأمل أن يكون جميع الذين يطلعون على هذه المداخلة قد سبق وأطلعوا على ذلك الكلام.  رأينا ان الكلام المطلق في الديمقراطية كلام لا يفيد.  ثم أننا نرى أن كثيرين من الذين يتكلمون عن الديمقراطية ويطالبون بها، ظنا منهم أنها تحقق لهم ما يحلمون به من حياة سعيدة وكريمة.  هم يطالبون بالديمقراطية بديلا عن مطالبتهم المباشر بتأمين حاجاتهم المادية والنفسية وإيجاد الفرص المطلوبة لتأمين مثل تلك الحاجات.  لتبسيط غرض البحث سأطرح على نفسي هذا السؤال: أنا، كفرد وكمواطن في المجتمع، ماذا أريد من المجتمع وللمجتمع، ماذا أريد من الدولة وللدولة؟  جوابا على ذلك أقول: أريد عملا وفرصة متساوية لإيجاد عمل مع بقية المواطنين، أريد أمنا وأريد قضاء الجأ إليه في حال تعرضت حقوقي الشخصية للحيف أو الظلم، أريد أن يكون التحصيل العلمي والإستشفاء متوفران لي كما لبقية المواطنين، أريد أن أحترم الغير وحقوق الغير وإريد أن يحترمني الغير ويحترم حقوقي، أريد أن أكون معتزا بإنتمائي للمجتمع وللدولة وأن أحصل على التقدير الذي أستحق من الدولة كفرد في هذا المجتمع، أريد أن تكون لي دولة تحافظ بقوة على كرامتي كما كرامة جميع المواطنين وأن أكون مستعدا للذود عنها في الأوقات العصيبة، أريد أن تكون لي حرية التعبير عن رأيي دون خوف  وأن أعرف عند أي حد أقف عند إستعمالي لهذه الحرية ليس بسبب خوف من أحد، بل بسبب ما أشعر به من مسؤولية قومية.   طبعا، لا أملك الكثير من المعلومات التاريخية التي تبرهن وتوحي أن أي نوع من أنواع الحكم الغير ديمقراطي قد وفر مثل هذه الحياة لمواطنيه، ولا أريد أن أوحي أن الديمقراطية يمكن الإستغناء عنها؛ لكني بالتأكيد أريد أن أحدد الأوليات التي تؤدي الى تأسيس تقليد ديمقراطي قادر على تأمين مثل هذه الحياة لشعبنا ومجتمعنا.  ماذا تنفع الديمقراطية مع سيطرت العقليات البدائية من طائفية وعشائرية وقبلية وعائلية الى غيرها من مثالب الأمراض المجتمعية؟  من يقول إنه ليس هناك ديمقراطية في لبنان، مثلا، وأن ليس فيه حرية تعبير عن الرأي؟  قد يجيبنا مجيب من أن هذه الديمقراطية ليست سوى ديمقراطية المزرعة وتقاسم المغانم أو تناتشها! نوافق، ذلك أن عقلية المزرعة وثقافتها لا يمكن أن ينتجا غير مثل هذه الديمقراطية.                                     

 نعم، يجب أن تكون الديمقراطية في صدر خطابنا الى المواطن، لكن ذلك يجب أن يتم من خلال كلامنا عن المجتمع الجديد وأسس هذا المجتمع الذي ندعو إليه ونحاول بناءه؛ الديمقراطية، طبعا، من الأسس الذي يقوم عليه المجتمع المنشود.  لكن إذا كانت الديمقراطية في أسس المجتمع القومي فهي حتما ليست الضرورة الأكثر إلحاحا أو أكثر فائدة في مجتمعنا القائم في مختلف الكيانات السورية.  بناء المواطن وتوفير المدرسة والعمل والأمن والأستشفاء والعدالة وتكافؤ الفرص والحرية الشخصية تأتي، حسب رأينا، قبل الديمقراطية في سلم إهتمامنا.  فلا فائدة من المطالبة بالديمقراطية في معرض مطالبتنا بهذه الحاجات والشؤون.  ثم أن الديمقراطية ليست قرارا يتخذ، بل هي طريقة حياة  مؤسسة على الوعي والمعرفة والشعور بالإنتماء.  بدون الوعي والمعرفة والشعور بالأنتماء، لا يمكن أن يكون هناك أية قيمة للديمقراطية.  الديمقراطية لا تصنعها صناديق الإقتراع وليست صناديق الإقتراع دليلا على أن الديمقراطية بخير.  وإلا فعلينا أن نعتبر أن ديمقراطية أياد علاوي في العراق التي يفرضها الإحتلال الأميركي وترعاها وتهلل لها الأمم المتحدة هي ديقراطية حقيقية.  أي ديمقراطية يمكن أن تتنج عن هذا الخليط من الشعور الإثني والطائفي والعشائري والقبلي؟  الولايات المتحدة تريد أن "تبلعنا" "وتبلع" مواطنينا في العراق بأنها تجلب لهم المن والسلوى من خلال العملية الإنتخابية التي لن تكون إلا عملية مبايعة لأزلامها وعملائها وإحكام قبضتها على الشؤون العراقية بشكل قانوني، وما يعنيه ذلك من نهب لثروات العراق بدون رقيب أو حسيب.                   

 الخطاب القومي الإجتماعي يمكنه أن يكون فعالا ومؤثرا عندما يكون مبنيا على الحقيقة الكاملة والصراحة الكاملة ومتسلحا بالشجاعة الكاملة التي تسمح أن تسمى الأمور بأسمائها.  محاربة الفساد والمحسوبية بالدولة والمطالبة بقوانين تمنعهما وتضمن المحاسبة عليهما، يمكن أن يكون أفعل من المطالبة الآنية بالديمقراطية.  المطالبة بحرية الرأي وإحترام الأنسان، من الضرورات الملحة التي حتما تأتي قبل المطالبة بالديمقراطية، حسب رأيي.  أنا لا أطمح أن أحل محل بشار الأسد في رئاسة البلاد، بل يهمني كثيرا أن أطالبه بضمان حرية التعبير لي وأن يصغي الى رأيي ونصيحتي ويهتم بهما. الخطاب القومي يجب أن يتحلى بالمصداقية المطلوبة للتعبير عن قلق المواطن والعمل على إزالة ذلك القلق.  لا نريد أن يشعر البعثيون أنهم مهددون من قبلنا بسبب ما قد يعتقدون عندنا من تخطيط لحلول مكانهم في الحكم، بل نريد بالتأكيد  أن يرى البعثيون معنا ضرورة محاربة الفساد والرشوة والمحسوبية الى غيرها من مثالب الحكم وإرشادهم الى كيفية تحقيق ذلك. نحن لنا رؤيتنا للأمور، وأساس إهتمامنا هو نرى أن رؤيتنا للأمور يؤخذ بها من قبل من هم بالحكم. ماذا يحدث، على سبيل الأفتراض، إذا طلب الرئيس بشار الأسد من القوميين بالشام تشكيل الوزراء وتحملهم أعباء الحكم، هل يلبون ذلك الطلب أم يحجمون عنه؟  ثم، إفتراضا أيضا، إذا لبوا ذلك الطلب وشكلوا وزارة منهم، هل سيعني أن حكمهم هو حكم قومي إجتماعي، وإن الدولة القومية الإجتماعية قد تأسست فعلا؟  الدولة القومية الإجتماعية لا تخلقها الا مؤسسات المجتمع القومي الإجتماعي المتنوعة والشاملة لجميع شؤون الحياة. ربما كان القول الشائع:"كما تكونوا يولى عليكم" من أبلغ ما قيل في هذا الشأن وهو يشكل حكمة مبنية على التجارب والخبرات التاريخية.  بدون تغيير العقليات والأنفس والإخلاق لا يمكن تأسيس المجتمع الجديد.  أعرف أن الرئيس بشار الأسد وعد في بداية حكمه بالتغيير والإصلاح، لكني لا أملك من وقائع أو إثباتات عما قام به فعليا في هذا الأتجاه.  رأينا أن أي عملية تغيير أو إصلاح لا يمكن أن يكون لها أي جدوى إذا إقتصرت على تغيير الأسماء والأشخاص، مع الإبقاء على العقلية الموروثة في العمل.  من المفروض تحديد الأهداف وتحديد المسؤوليات وتحديد آلية العمل الأصلاحي ومدة إنجازه.  بدون ذلك يبقى الأصلاح والتغيير شعارات تطلق وتمن بعيد المنال.                                  

إن التمثل بالديمقراطيات الغربية، لا يجوز إطلاقا؛ إذ أن هذه الديمقراطيات تأسست على الوعي الذاتي عند الشعوب المعنية.  بعض المجتمعات، كفرنسا والولايات المتحدة، دفعت ثمنا غاليا وحروبا داخلية كثيرة حتى وصلت الى هذه المرحلة.  حروبنا الداخلية لم توصلنا الا الى مزيد من التقهقر والتخلف، ومزيد من الخوف من بعضنا بعضا.  أليس هذا ما هو قائم في العراق ما بين الشيعة والسنة وما بينهما من أكراد وغير أكراد؟  أوليس هذا ما حدث في لبنان في أوقات متقطعة على مدى ما يقارب القرنين من الزمن؟  قد يحصل تلاعب وقوطبة في المجتمعات الغربية على العملية الديمقراطية، لكن المجتمع كمجتمع لا يتأثر كثيرا بها، لأن القيم التي يفترض أن تحميها الديمقراطية، محمية من قبل مؤسسات قائمة ومن قبل الشعور الشعبي العام الموحد الإنتماء ولو إختلف ظاهريا على السياسة والأمور السياسية.  لم ينتخب جورج بوش حديثا لأن أكثرية الشعب الأميركي إختارته ديمقراطيا، بل لأن الإختيار كان أختيار الكنيسة الإنجيلية التي أوعزت وفرضت على أتباعها التصويت لجورج بوش بغض النظر عما يكون لهم من قناعات شخصية.          

 كلمة أخيرة بخصوص الخطاب القومي الإجتماعي، وهو أن هذا الخطاب يبقى محدود التأثير والفعالية إذا وقف عند حدود التوجه الكلامي.  مثلا، ما هو تأثير تشجيعنا الناس في متحد ما أو قرية ما على الدرس والإطلاع إذا لم نقرن ذلك  بجهد لتزويد الناس بالكتب وتشجيعهم على إقتنائها أو تأسيس نواة مكتبة عامة في ذلك المتحد أو تلك القرية؟  إن الدخول العملي في حياة الناس ومحاولة خلق التعاون بينهم لتأمين حياتهم بشكل أفضل هو وسيلة مهمة لكسب ثقة الناس وتحسين قابليتهم للأستماع والإصغاء لما نقول.  الكلام وحده يتحول الى ثرثرة إذا لم يقترن بفعل وعمل.  إذ يمكن دائما خلق عمل مفيد لجميع الناس في أي متحد من المتحدات وأي وسط من الأوساط.  الترديد الببغائي للأفكار والشعارات لا يؤدي الى نتيجة ولا يصنع نهضة.  النهضة يصنعها الإبداع في العمل وفي الفكر وتصنعه القدرة على إستيعاب العصر وأحداثة المصاحبة ومواجهة التحديات.  القيام بعمل ما وبنفس الطريقة والاسلوب يؤدي دائما الى نفس النتيجة، فأي نتيجة يريد أن يحصل عليها العاملون للقضية القومية؟    

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
مستقبل العمل القومي 1
مستقبل العمل القومي إجتماعي 2
مستقبل العمل القومي 3
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
إفلاس العروبة وسقوط أوهام الروابط المذهبية والدينية
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
قطعان حزبية
رسالة الى الرفيق شحاده الغاوي
القومية الإجتماعية ومسألة الوعي والإيمان
القومية الإجتماعية: تناغم الأنا والنحن
أتى هاديا ورحل بطلا
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
رسالة الى الرفيق لبيب ناصيف
نقيق ضفادع
حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده
قفزة الى الحاضر
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
من أنطون سعاده الى أسعد حردان ومحمود عبد الخالق: كارثة حزب
صناعة التاريخ
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات
الشهيد فادي الشيخ
الإنتاج مقياس العمل
كلمة في رحيل الرفيق عبدالله قبرصي
ثقافة حضانية -تفكير إبتدائي
جواب على رسالة الرفيق شحاده
رسالة الى رفيق
جان دايه بويحث ينشد الشهرة والخلود
خالد ولو رحل
كتاب "قصة الحزب": تخريف وهذيان
ماذا بعد نجاح إسرائيل في انتخابات لبنان
لم يأتِ قبل زمانه
الحزب السوري القومي الإجتماعي: أزمات أم متاهات
بين حزب سعاده وحزب الزعران
يجلدونه "فلقاً" ويمشون في جنازة والدته
وصيتي
حتى لا تهب رياح الفوضى على النظام في الشام
حفل توقيع من حنايا الذاكرة