|
حضرة الرفيق العزيز لبيب ناصيف المحترم
تحية قومية
منذ أن بدأت أقرأ لك ما تكتبه في نطاق "تَذّكُّرِكَ بإعتزاز"،
نشأ عندي شعور برغبة ومسؤولية للكتابة إليك في هذا الموضوع.
لكني لا أخفيك أني كنت دائماً أقاوم هذا الشعور لمعرفتي بما
يمكن أن يكون له من تأثير لديك لا مفرّ منه. في الحقيقة أن
هذا الأمر هو الذي منعني سابقاً تلبية رغبتك في إعطائي رأيي
بما تنشره في سياق ما تعتقده "تاريخاً للحزب". ذلك أني عندما
أبدي رأيي في موضوع ما أحاول أن أفعل ذلك بلا تزلّف أو مواربة
او محاباة، إذ أني أكره الآراء المتزلفة أو المواربة أو
المحاباة فهي من ميزات عقلية المجتمع البائد ولا تمتُّ الى
أخلاق النهضة ولا أخلاق التعامل القومي الإجتماعي بشيء. ثم ما
هي قيمة الراي، في أي موضوع من المواضيع، إذا لم يكن واضحاً
وشفافاً، تبدو معه الحقائق عارية كما هي، حيث يمكن أن تبني
عليها في هذه الحالة موقفك من ذلك الموضوع؟ ليس هناك بديلٌ عن
الصراحة والوضوح في عملية التخاطب والتفاهم، خاصة عندما تتعلق
بشأن من الشؤون القومية العامة.
لا اخفي عليك أيضاُ، أني وجدت مسألة إخماد رغبتي في الكتابة
إليك مسألة سهلةُ نسبياً، لكنَّ إخمادّ شعوري بالمسؤولية في
الكتابة إليك لا تنطبق عليه هذه السهولة، وهو هذا الشعور
بالمسؤولية عينه هو الذي جعلني أكتب إليك الآن. المسؤولية هنا
لها شقان: خاص وعام. أما الشق الخاص فهو يتضمن شعوري
بالمسؤولية تجاه رفيق كنت وما زلت أكنّ له كثيراً من المحبة
والإحترام. أما الشق العام، فهو يشمل مسؤوليتي تجاه القضية
الكبرى التي تجمعنا، وما تفرضه علينا من مراجعةٍ ونقدِ وتقييمٍ
مستمرٍ لكل ما نقوم به من عملٍ، وما نفعله من فعل، وما نسلكه
من سلوك، للتأكد من أن أعمالنا وأفعالنا وسلوكنا هي جميعاً في
الإتجاه الصحيح التي يخدم قضيتنا. في الحقيقة، أن هذا النوع
من المسؤولية هو جوهريٌ وأساسي، يفرض علينا جميعاً الإلتزام
وذلك من أجلِ سلامة العمل للقضية التي طالما رددنا ان من أجلها
ننهض معاً ونموت معاً.
ليس عندي أدنى شك من أن غياب المراجعة والنقد والتقييم الجدي
والمسؤول عن سلوكنا الحزبي العام في جميع مراحله بعد إستشهاد
المعلم القائد، هو الامر الذي فوّت علينا فُرَصَ التصويب
والتسديد والتصحيحِ للأخطاء والإنحرافات والشذوذات التي طرأت
على مسيرتنا الحزبية، مما أوصلها الى هذا الوضع الراهن الذي لا
تحسد عليه.
عندما أخبرتني في إتصال هاتفيٍ معك منذ عدّة سنوات عن إنشغالك
وإنهماكك الكبيرين في جمعِ أخبارِ المسيرة الحزبية المدفونة في
ذاكرات الرفقاء من الرعيل الأول، وأنك في سباقٍ مع الزمن قبل
أن يغيّبوا بالموت، فتذهب معهم تلك الأخبار والمعلومات، وذلك
كمقدمةٍ لكتابة تاريخ الحزب، سررت بذلك الأمر وأثنيت عليك جهدك
وعملك. ولقد كان ذلك الجهد، كما ذكرت لي، يؤدي بالنسبة إليك
غرضين: الأول أنه يبعد عن التعاطي مع الزمرة التي حوّلت الحزب
الى سلعةٍ في سوق البازار السياسي في الوطن، والثاني هو توثيق
وترتيب المعلومات التي تجمعها، بحيث تبقى في متناول اصحاب
الإختصاص في كتابة التاريخ للإستفادة منها في كتابة تاريخ
المرحلة الآولى من المسيرة الحزبية كجزء من كتابة تاريخ الحزب
في كل مراحله.
قلت، إني سررت لما أخبرتني عنه من جهد تقوم به، فبنيت على ذلك
الخبر توقعات خيّرة. لكن ذلك السرور لم يدم طويلاً، بل تحوّلَ
الى خيبة أملٍ بعد أن بدأت بقراءة ما تكتبه نتيجة لذلك الجهد.
لقد حاولت جاهداً أن أرى أية فائدة أو قيمة لما كتبته حتى الآن
في هذا المجال، لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل. كم تمنيت، من
موقع المحبة والرفقة، والأهم من ذلك، من موقع الإحترام الى
نشاطك وعملك الحزبي الطويل، لو أنك لم تقدم على نشرِ مثل هذه
الكتابات. فهي ليست تفتقد الى أية فائدة أو قيمة عملية فحسب،
بل تغلب عليها السذاجة القاتلة، وهي تحمل كثيراً من الإساءة
والضررِ في أكثر من وجه من وجوهها.
لنتكلم عن موضع الإساءة والضرر، قبل الكلام عن السذاجة
والبساطة الطاغية في هذه الكتابات.
إني أفترض أن هدفك من وراء هذه الكتابات في معرض "تذكرك
بإعتزاز"، هو تكريم رفقاء تؤمن أنهم قاموا بأعمال حزبية مميزة
وخدموا القضية القومية بشكل مميّز. إذا كان هذا الإفتراض
صحيحاً، فإن في هذا الأمر إساءة كبيرة الى مئات من الرفقاء
الذين كانت أعمالهم الحزبية مفصلية في الزمان والمكان ولكنهم
بقوا جنوداً مجهولين بسبب الإهمال والتقصير بحقهم، ولكون جهودك
في هذا المجال لم تصل إليهم.
قد يخطر على بالك وأنت تقرأ ما تقدم من تعليق، السؤال التالي:
إذا كنا لا نملك معلومات عن أسماء جميع القوميين الذين كانت
لهم تضحيات ومواقف جليلة، فهل هناك ما يمنع أن نعرِّف بمثل
هؤلاء الرفقاء ممن نعرف عنهم؟
الجواب على مثل هذا السؤال، لو خطر على البال، هو، حتماً، ليس
هناك ما يمنع ذلك، شرط الإعتراف بمحدودية الجهد، ومن موقع
الجهد الشخصي الخاص، وليس من موقع المسؤولية الحزبية العام.
أما السذاجة في هذه كتاباتك التي هي موضوع هذه الرسالة، فهي
الأكثر طغياناً وبروزاً.
لا أظنك تدّعي أن هذه الكتابات هي ما تعنيه "بتاريخ الحزب"، إذ
لا يعقل أنك تجهل ما يعنيه التأريخ وما تتطلبه كتابة التاريخ
من خبرة وشمول وإختصاص! هذا لا يعني أن الخبرة والإختصاص في
هذا المجال بعيدان عن قدرتك ومتناولك، لكنه حتماً لم يصدر عنك
ما يشيرُ الى إمتلاكك لمثل هذه الخبرة ومثل هذا الإختصاص. لقد
ذكر لي الرفيق يوسف فضول أن له وجهة نظرٍ مغايرة لوجهة نظرك في
هذا المجال إن كان من ناحية الشكل والإسلوب المعتمد في هذا
المجال، وهو كما تعلم، مختصُ في تدريس التاريخ، وهو يدعم وجهة
نظره بخبرةٍ عملية يملكها في هذا المجال. لقد وصف ما تكتبه في
هذا الإتجاه بأنه ليس كتابة تاريخ بل يندرج في خانة "سير
الأشخاص".
الحقيقة هي أني أوافق مع الرفيق يوسف بأن ما تكتبه ليس
تاريخاً، لكني لا أوافق معه بأن ما تكتبه هو سِيَرٌ للإشخاص.
إن تكتب سيرة رفيق من الرفقاء، معناه أن تكون حريصاً على
الدلالة على كل ما قاموا به من أعمال في سبيل القضية القومية،
وتشرح كيف أن تلك الأعمال ساهمت في خدمة القضية القومية في
الزمان والمكان. فالدلالة على الإشخاص بأسمائهم لا يعني شيئاً
كثيراً، أو لا يعني شيئاً على الإطلاق. الأعمال هي التي تبقى،
وبالأعمال وحدها يبقى ذكر الأشخاص حاضراً في حياة الجماعة أو
المجتمع.
إذا كانت كتاباتك ليست تاريخاً وليست سيراً، فماذا هي؟ ليس
هذا الأمر بالمهم، سمها ما شئت، إذ اننا ما نبحث عنه هو
الفائدة منها والقيمة لها.
ربما يمكن أن تطلق على كتاباتك هذه صفة شهادات شخصية من قبلك
على نشاط وأعمال أولئك الرفقاء بسبب تعرّفِك شخصياً على كثيرين
منهم. بعض نماذج ما جاء في كتاباتك ما يلي:
”تعرفت
إليه وهو في باسا ( ليبيريا
)....."
"واذ
عاد الى الوطن إلتقيته كثيراً في المناسبات الحزبية التي لم
يغب عنها مطلقاً..."
"وإذ
يرحل الرفيق جبرائيل قنيزح دون أن أتمكن من أن أراه كثيراً ،
كما كنت
أرغب ، إنما أشعر أن قطعة من أعماقي قد رحلت فهو
من القلائل الذين غرسوا
في نفسي مودة عميقة ، وتقديراً
هيهات أن يزول...."
"عرفته
في أوائل السبعينات من القرن الماضي عندما كان في جزيرة
ترينيداد..."
"التقيت
به في سان باولو أكثر من مرة...."
"لم
أعرفه إلا قومياً اجتماعياً عاملاً وملتزماً وملبي..."
"لا
يسعنا إلا ان نتذكر باعتزاز الرفقاء الذين عرفتهم اثناء تولي
لمسؤولية عميد شؤون عبر الحدود..."
إن تكتب في هذا المعنى من موقع شخصيٍ بحت، ونتيجة لجهودٍ
شخصية، فلا حرج بذلك، ولك كامل حريتك، ولا يجوز لأحد، ولا
يستطيع أحد، أن يطالبك في شيء، وإن كان لغيرك أحكام آخرى وآراء
مختلفة في نفس الموضوع أو الأشخاص. لكن أن تكتب من موقع
المسؤولية ومن موقع الجهد العام فالمسألة مختلفة جداً. فتعرفك
بالأشخاص جاء من خلال مسؤولياتك الحزبية وتكليفك الحزبي. فإذا
كنت قد ذهبت الى البرازيل بجهد خاص، فبأي جهد كنت في "باسا" أو
غيرها من الأماكن؟ وتعرفك الى الأشخاص كان من خلال مسؤوليتك
كعميد لشؤون عبر الحدود. فكيف يحق لك ومن هذا الموقع أن تعطي
هذه الشهادات الشخصية دون التعريف عنها بهذه الصفة؟
حتى ما تقصد به من شهادة وتكريمٍ للرفقاء الذين تتناولهم قد
ينتج عنه عكس ما تبتغيه من قصد. إذ ما رأيك لو كان عندي أو
عند غيري من الأشخاص، رأيٌ مختلف عن رأيك في بعض الرفقاء الذي
تحاول "تذكرهم بإعتزاز"، يستند الى وقائع ومعلومات تناقض
تقييمك وشهادتك؟
كيف يصل بك الأمر الى الإعتقاد أن الإشارة الى ما تحمّله رفيق
من الرفقاء الذين "تتذكرهم بإعتزاز" هو تكريم لذلك الرفيق.
ألا يُعقَل أن يكون تحمّل ذلك الرفيق لتلك المسؤولية دليل على
فشله وإخفاقه لا على نجاحه وتضحياته؟ فالكلام عن تحمل
المسؤولية بدون شرح كيف مارس ذلك الرفيق تلك المسؤولية وما هي
الأعمال والمنجزات التي حققها في الزمان والمكان لا قيمة له
على الإطلاق، وهو كلام قد يكون سبباً لكشف ما هو مستور
والتذكير بما نحاول أن نضعه في خانة النسيان.
ثم أي تقديرٍ أو قيمةٍ تحاول أن تعطيها لرفيق من الرفقاء عندما
تذكر مأتمه وتذكر من حضر ذلك المأتم؟ إلاّ تعلم أن هناك أبطال
يموتون ويدفونون بدون مآتم أو ضجيج، وأن من أكثر المآتم ضجيجاً
هي مآتم القوادين أو حاشيتهم؟
أرى أن أكتفي بهذا الإشارة التي وجدت أن ألفت نظرك إليها،
توخياً في أن تعيد النظر فيما تقوم به من جهد في هذا المجال،
لأنه لا يخلو من المسالك الوعرة، وأنا أتمنى أن تتجنب تلك
المسالك.
لك سلامي القومي
رفيقك منير حيدر. |