|
حضرة الرفيق منير حيدر المحترم
مضى شهران منذ أن تعرفت عليك مجدداً وتعرفت
على الموقع الإلكتروني الذي تديره بإسم "حركة البناء
القومي"، مضى شهران منذ أن تمنيت علي أن أُساهم ومنذ أن
وعدتك بأني سأفعل وسأكتب.
تأخرت مساهمتي لأنني كنت، وما زلت، أتهيب
كثيراً قبل تناول موضوع سعادة وعقيدته وقضيته وأشعر
بمسؤولية جسيمة عن كل كلمة وكل فكرة في هذا الموضوع.
أعتقد أننا يجب أن نقرأ كثيراً ونكتب قليلاً. أنا لا زلت
أقرأ في مواد موقع "حركة البناء القومي"، وأحياناً أقرأ
مرتين، لأعوض على نفسي إضاعتي أوقاتاً كثيرةً في قراءة
كتابات في مواقع عديدة كان لا لزوم لها ولا حاجة.
أن يكتبَ أحدُنا وكأنه موظفٌ، ووظيفته في
الكتابة، أمر يختلف جوهرياً عن أن يكتب لأنه يشعر أنه
يستطيع أن يوضِّحَ أمراً مهماً جداً ويشعرُ بواجبٍ ملحٍّ
لتقديم ما يراه صحيحاً. وأن يخوض احدُنا في موضوع هو ليس
متمكناً منه وليس خبيراً به ولا يعرفه جيداً، يعني أنه
متطفِّلٌ، متطاولُ، متعديُ، يقحم نفسه في عمل غيره،
ويقدِّم للناس بضاعة رديئة فاسدة، ويرمي ظلالاً من الغموض
حول موضوع يحتاج الى شرحٍ وأيضاحٍ، فيسيء له بدل أن يساهم
في جلائه ويسيء لنفسه ولغيره.
إن تناول مواضيع الفكر والفلسفة، والسياسة،
لا يجب أن يتم بسرعة وإستسهال دون علمٍ ومعرفة وخبرة وثقة
وإيمان وأخلاق.
إن كمية ما كتب عن سعادة وعقيدته وقضيته هي
كمية كبيرة جداً، والمحصّلة الماثلة أمامنا أن هذه القضية
لم تزدد وضوحاً بل إلتباساً وغموضاً!! أستدرك أنا لا أقول
أبداً إن عقيدة سعاده غامضة أو ملتبسة، أنها واضحة لي
تماماً. إن سعاده واضح وكافٍ. وهذا التعبير هو لهنري
حاماتي وليس لي. لكن أنا أريد ان أقول إنه قبل هذه الكمية
من الكتابات كانت القضية أوضح للعاملية بها ومن أجلها، وأن
كمية كبيرة من الكتابات كان ينقصها روحٌ، إيمانٌ، نورٌ،
وكان فيها حشوٌ وثرثرةٌ والتباسٌ وإدّعاءٌ وغرورٌ وجهلٌ،
وأحياناُ إعتداء ونوايا سيئة.
إن "النظرة الجديدة الى الحياة والكون
والفن"، نظرة سعاده العالم والفيلسوف والمعلم والزعيم
ومواضيعها الرئيسية وأضلاعها وأقسامها مثل معنى الأمة
والقومية والمدرحية والتعبيرية والإنسان-المجتمع، هذه
النظرة كانت واضحة أكثر في نفوس العاملين الأوائل، وكانت
الكتابات عنها قليلة، بدليل انها كانت فاعلة فيهم بقوة وقد
حولتهم الى رجال شديدي الإيمان مستعدّين تماماً لبذل كلِّ
شيء يملكونه من أجل نصرتها، حتى الدماء التي تجري في
عروقهم فهي ليست ملكاً لهم، إنها وديعة الامة فيهم متى
طلبتها وجدتها!!
وبديهي أن أية قضية فيها غموض والتباس لا
يمكن لها أن تستقطب أتباعاً يبذلون من أجلها عمرهم وحياتهم
ووجودهم كله.
"هذه القضية التي تساوي وجودنا" نجد الآن
أيضاً رجالاً شديدي الإيمان بها كاملي الإستعداد لبذل
نفوسهم من أجلها، لكن هؤلاء موجودون بالرغم من كثرة
الإلتباسات والإختلاطات في كثرة الكتابات هذه وليس
بفضلها. إنهم موجودون بفضل قدرة سعاده وكتاباته هو فقط.
بعد هذه المقدمة أحبُّ أن أقول إن أكثر ما
شدّني الى التعامل مع "حركة البناء القومي" هو موضوع كتب
عنه الرفيق منير تحت عنوان: العمل القومي الإجتماعي الى
أين، يعني أزمة الحركة السورية القومية الإجتماعية وتعثر
العمل والجهاد لتحقيق غايتها وأهدافها، واسباب هذا التعثر،
وشدني أكثر هو النتيجة التي عبّر عنها الرفيق منير بعبارة
"إعادة البناء". أنا أوافق تماماً على كل ما ورد في هذا
الشأن وأزيد: أننا مطالبون، نحن الذين لم نعايش سعاده ولم
نره ولم نحدِّثه، نحن الذين مررنا بالحزب السوري القومي
الإجتماعي وخرجنا أو أُخْرِجنا منه، نحن مطالبون بالبحث عن
أسباب غربة الحزب الحالي عن حزب سعاده الموجود في ما نعرفه
عن سيرة سعاده ورسائله ومحاضراته. مطالبون بمعرفة:
-
لماذا لم يستطع الحزب طيلة غياب سعاده
القسري بين العام 1938 والعام 1947 من أن يفك أسره
ويسترجعه ويعيده الى الوطن، أقله فور توقّف الحرب
العالمية الثانية سنة 1945؟
-
لماذا لم يستطع الحزب حماية قائده سنة
1949 ومنع إعدامه؟
-
لماذا لم يستطع "قادة" الحزب إعادة
تكوين القيادة وإستعادة النظام إلاّ بعد سنة من
إستشهاد سعاده؟
-
لماذا يعيش الحزب في أزمات داخلية
متلاحقة متتالية أدّت الى "تهشيل" أعضائه وكأن الحزب
أصبح هو العدو الأبرز و"الأقوى" للقضية التي
أسسه(الحزب) سعاده ليخدمها؟
إن قضية سعاده لكي تستعيد حيويتها ولكي
تنطلق مجدداً، أصبحت بحاجة لتحريرها من الحزب الحالي، وإلا
فالحزب هو نفسه مطالبٌ بإعطاء أجوبة صحيحة قاطعة على
الأسئلة الواردة فوق وغيرها، إذا إستطاع، ولن يستطيع.
من زمان يشغل بال كثيرين من الرفقاء سؤال
كبير لم يكن يجرؤ أحدُ على طرحه علناً قبل الآن وهو: هل لا
يزال الحزب السوري القومي الإجتماعي الإطار الصالح للعمل
للقضية السورية القومية الإجتماعية؟ وإذا سألتني هل أقصد
الفصل بين الحزب وقضيته أجيب فوراً بنعم.
فإذا كان الحزب هو هذا الإطار، الوسيلة،
الطريقة، الهيكلية التنظيمية، المؤسسات الموجودة اليوم
ونظامها وأسلوب عملها، وهو كذلك،
وإذا كانت القضية القومية هي العقيدة
الموجودة في المباديء الثمانية، بالإضافة الى المباديء
الإصلاحية الخمسة، وهي كذلك،
فهذا الحزب كما هو الآن، وكما كان منذ
إستشهاد سعاده، لا يستطيع تحقيق شيء من هذه القضية.
من لا يزال يرى غير ذلك كأنه لا يقشع ولا
يسمع.
يجب أن لا نعير إهتماماً للذي لا يجيدون
القراءة، وإذا قرأوا لا يفهمون، والذين يعيّروننا أننا ضد
الحزب، وبالتالي نحن ضد سعادهة وضِدَ قضيته!
نحن ضد هذا الحزب نعم نعم، لكننا مع سعادة
وقضيته. إن هذا الحزب أصبح وكأن وظيفته الوحيدة هي العمل
لتشويه قضية سعاده والتعتيم عليها أو القبض عليها ومنعها
من الإنطلاق.
نحن ضد الحزب؟ ضد أي حزب؟ أين هو الحزب؟ من
يصادره ويلجمه ثم يفرِّط به ويساوم عليه؟ من قتله ثم شبه
له واحتكر عقيدته بعد أن ألبسها لبوساً ليس منها وليس لها؟
نحن آمنا بسعاده معلماً وهادياً للأمة
والناس، أما غيرنا فقد نكروه قبل صياح الديك مرتين. مرة
عندما طعنوه في عقيدته ونظرته الى الحياة وحتى في شعار
حزبه وزوبعته عندما كان أسيراً خارج حدود الوطن طيلة تسع
سنوات، ومرة عندما تخلوا عنه وتركوه وحيداً قبل وأثناء
وبعد ثورته القومية الإجتماعية الأولى وإستشهاده سنة 1948.
أين كان قادة الحزب المفترضون في تلك
الفترة، أين كانوا، أين كان كل واحدٍ منهم وماذا كانوا
يفعلون؟ ماذا كانت وظيفة كل واحدٍ منهم، ماذا كانت أدوارهم
قبل وخلال وبعد 8 تموز 1948؟
لماذا لم تتولَّ مؤسسات الحزب من كتابة
وقائع تلك الفترة بوضوح؟ لمذا لم يستطع هذا الحزب تقديم
رواية واحدة موحّدة عن أستشهاد سعاده وكيف حصلت؟
عندما تعجز مؤسسات هذا الحزب عن تقديم
أجوبة واضحة حاسمة قاطعة عن هذه الأسئلة، يصبح مشروعاً
لنا، نحن الذين لم نعايش تلك المرحلة، وبعضنا لم يكن قد
ولِد بعد، أن نبحث ونقارن ونحلل ورنركِّب ونضع أجوبة ترضي
عقولنا وعقول الناس.
ليس لواحد وحده أن يقرر هذه الأجوبة. يمكن
لحركة البناء القومي أو غيرها ان يساهم في إيجادها، لكن
المؤشرات متوفرة، وهذه أحدها: بعد إعدام سعاده بدأ عدد من
الأسماء الكبيرة "يحاولون مقاربة" العقيدة – بدل تولي
شرحها وتفصيلها وتعليمها للناس.
منذ ذلك الوقت هم أنفسهم اعترفوا أنهم لا
يؤمنون بها، بل يخافونها. نعم يخافونها، وبالتالي هم ليسوا
جديرين بشرحها ونشرها بين الناس. بتواضع في غير محله،
بتواضع مشبوه، أعلنوا "يحاولون مقاربتها". فقط يحاولون
مقاربة العقيدة، فقط يحاولون. هكذا أعلنوا اعلاناً صريحاً
أنهم لا يؤمنون، أو انهم في أحسن الحالات لا يفهمون. وقد
رفعوا بذلك، ومنذ ذلك الحين، حاجزاً عالياً بين اتباع
العقيدة الجديدة وعقيدتهم. هذا الاسلوب في الخوف من
العقيدة والتخويف منها ونشر تأويلات مختلفة عنها، أدى الى
زرع الشك والغموض وعدم الثقة واليقين، وادى الى الى
الإيحاء للناس أن سعاده هو عقدة، صعوبة، التباس، غموض،
نقص، وليس معرفة ووضوح وتحديد وجلاء وإيمان وعمل وأنتصار
كما هي الحقيقة. ألم يقولوا إن سعاده مات قبل أن يكمل
وأستشهد قبل أن يشرح، ذهب قبل أن يوضح، غاب قبل أن وقبل
أن... وبدأوا هم يكملون ويضيفون ويصححون فزرعوا الشك
والجهل بدل المعرفة والفهم وأصبحت النهضة تحت رعايتهم
سقوطاً!
هذه واحدة. هذا دور من الأدوار التي
أدّوها، وهذا جواب على واحد من الأسئلة.
إن الفضل الوحيد لإستمرار وجود سوريين
قوميين إجتماعيين اليوم هو لسعاده نفسه وليس للحزب
ومؤسساته وأجهزته.
إن الرفقاء الإصحَّاء الصادقين في
انتمائهم، الثابتين في عقيدتهم، موجودون بالرغم من الحزب
وليس بفضله. إنهم موجودون بقوة قدوة سعاده وشروحه هو
ونضوجه هو. أما الحزب فيكاد يقضي عليهم وهو قد قضى على
أفواج كبيرة وكثيرة من المقبلين على الدعوة ومزقها شرّ
تمزيق. كيف؟
في غياب دور الحزب الحقيقي وغياب المواقف
القومية الصحيحة القوية، بل المواقف الضعيفة، بل المخجلة.
في نشر البلبلة والشك والجهل والسخافة وتعميم السطحية
وتزوير النظام. نعم تزوير النظام القومي الإجتماعي،
النظام البديع، النظام الجديد الذي كان يجب أن يكون أكثر
العوامل التي توحّد القوميين الإجتماعيين وتوحّد عملهم
وتجعلهم يعتزون ويفاخرون بهذا "الأكتشاف السوري الجديد
الذي ستمشي البشرية عليه في المستقبل"، وبتفوّق عقيدتهم
ونظرتهم الجديدة الى أهم المواضيع التي يدور حولها عراك
عالمي عنيف، الديمقراطية، وتُشَنُّ بإسمها حروب كبرى،
أكثرها على ارضنا في سورية، بدل أن يكون أكثر المواضيع
خلافية في الحزب، يا للغرابة، التي تدور حولها معظم
الكتابات والسجالات الآن، وكل ذلك بسبب هذا الحزب.
قد لا تكون أنت، ولا أنا طبعاً، أفضل
المؤهلين لشرح العقيدة النظام الجديد، قد لا يكون إختصاصك
وأختصاصي هو التمّعن بالفكر والفلسفة والتمرس بتدريسهما،
ولكنني أزعم بقوة أننا نفهم عقيدة سعاده بما يكفي لتقديمها
للناس صحيحة كما هي، واننا منتمون وملتزمون وثابتون في
إيماننا به معلماً وهادياً للأمة والناس، وهذا ما يدفعنا
للمساهمة، ولو بقشّة، لإعادة الروح الى قضيته والتصدي
للمحتالين وقليلي الإيمان أو عديمي الإيمان الذين تراهم
يجاهدون مجاهدةً "لإدخال تعديلات ديمقراطية" الى حزب
سعاده، تماماً كما يجاهد بوش لإدخال اصلاحات ديمقراطية في
سورية، التصدي لهؤلاء الديمقراطيين القدماء الذين "استغنوا
بالشكل عن الأساس" ونشروا السطحية والسخافة على حساب فهم
نور العقيدة وحقيقة تفوقها وجدارتها بالسيطرة والإنتصار.
بناء عليه، أنا أقترح على حركة البناء
القومي، على الرفيق منير، وعلى كل الرفقاء الواعين
القادرين المقتنعين مثلنا، بأن هذا الحزب لم يعد الإطار
الصالح للعمل للقضية السورية القومية الإجتماعية ، بأن
يتنادوا الى عقد مؤتمر لتأسيس عمل ما، وتوزيع العمل.
سدني في 25/8/2007
الرفيق شحاده
الغاوي |