لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

"نشؤ الأمم" كتاب علمي يكشف عن حقائق الحياة المادية-الروحية ويوضّح العوامل المادية-الروحية في نشؤ وتعريف الأمة

شحاده الغاوي

مقدمه:

هذا البحث أوحت به مقالة للدكتور حيدر حاج اسماعيل عيسى في عدد أول آذار 1989 من مجلة "البناء" على صورة حوار بينه وبين "ج". إن ما أوحى إلي بالتحديد لكتابة هذا البحث هو القول التالي الذي ورد في المقالة المشار إليها:

"أن كتاب نشؤ الامم كتاب علمٍ وبما أن العلوم كلها مادية إذن كتاب نشؤ الامم كتاب مادي".  ثم:

"بما أن كتاب نشؤ الأمم كتاب في كيفية نشؤ الأمم وتعريف الامة، وبما أنه كتاب مادي، إذن هو كتاب في كيفية نشؤ الأمم وتعريف - الامة من الناحية المادية،  او نقول إنه كتاب في كيفية النشؤ المادي للأمة والتعريف الإجتماعي المادي للأمة، او نقول هو كتاب يتناول مادة الأمة من حيث نشوئها ومن حيث تعريفها."  والقول:

"يرى سعاده أن الدولة شأن ثقافي وانها نشأت بعامل الحياة الإجتماعية ويعرفها بواقعها الذي هو القوة الفيزيائية".  والقول:

"كلام سعاده عن القومية (في صفحات  الكتاب  الأربع الأخيرة) يدخل في باب الإضافة وليس في باب جوهر الكتاب."  ثم أخيراً:

"كأني بسعاده يعلمنا أن الدرس العلمي الأول للأمة هو درس مادي يتبع علم الإجتماع، لكن هناك درس علمي آخر للأمة يتبع علم النفس الإجتماعي هو درس القومية."

في هذا البحث سوف نبيّن الفرق بين ما هو مادي وما هو روحي، أي فكري أو نفسي من الامور، مستندين فيما نعطي من رأي بنصوص حرفية من سعاده.

وأخيراً سوف نتبع فصول كتاب "نشؤ الامم"، فصلاً فصلاً، لنبين أن سعاده درس وأوضح وبيّن جميع العوامل المادية والنفسية معاً في نشؤ وتعريف الأمة والقومية على السواء.

أولا التصنيف الفني للكتب

المتعارف عليه في تصنيف الكتب هو أن تصنف الكتب فنياً إختصاصياً، كأن نقول، مثلاً، كتب علمية، كتب فلسفية، كتب أدبية، كتب تاريخية، كتب دينية، كتب وثائقية، الى غير ذلك من التصنيفات الفنية المختصة.  أما أن نصيف الكتب مادياً أو روحياً، فهذا ما وقعنا عليه للمرة الأولى، الوحيدة، في القول بإن كتاب نشؤ الامم كتاب مادي.  وهذا ما يدعونا للتساؤل عن ماهية الفائدة الإضافية التي يتوخاها الدكتور حيدر عيسى من وصف الكتاب بالصفة المادية، علماً أن هذا الوصف الأول من هذا النوع لكتاب نشؤ الامم منذ صدوره عام 1936.

هل الصفة العلمية التي أعلنها سعاده للكتاب غير كافية؟  هل إعطاء الكتاب صفة مادية تساهم في تقديم مزيدٍ من التوضيح  لحقائقه ومعلوماته أم تساعد على خلق إلتباسات وقضايا فكرية غير محسومة؟  فإذا كان إعطاء الكتاب الصفة المادية يزيد من وضوح الحقائق العلمية فيه، فلماذا لم يتناولها سعاده في مقدمة الكتاب، مثلما تناول وشدّد على الصفة العلمية له؟

يبدو أن الدكتور حيدر عيسى يعتبر المسألة بديهية ولا تحتاج تأكيداً من سعاده عليها، وأن تأكيد سعاده على علمية الكتاب تعني، حتماً، تأكيداً على ماديته!  ذلك لأن الدكتور حيدر عيسى يعتبر مادية العلوم كلها، شأناً محسوماً، وأمراً مفروغاً منه.  يظهر هذا الأمر جلياً في قوله: "وبما أن العلوم كلها مادية..".  أما نحن فلا نرى ذلك، إذ كيف لنا أن نعتبر أن العلوم الإنسانية، وعلم الإجتماع على الأخص، وعلى سبيل المثال، هي علوم كلها مادية؟!

إن القول بأن العلوم كلها مادية، وإتخاذ هذه القول أساساً وقاعدةً لتفسير وشرح كتاب نشؤ الامم، قد أوصل بالقائل الى نتائج معاكسة تماماً للنتائج التي أعلنها سعاده في كتابه، وهذا ما سنعمل على شرحه وتوضيحه في سياق هذا البحث.

إن القول بأن العلوم كلها مادية هو رأي، أو فلسفة، أو مجرد إستبدادٍ،  أو أي قد يكون أي شيء آخر، سوى أنه لا يمكن أن يكون حقيقة أو تعبيراً عن حقيقة.  لأن الحقيقة يلزمها البرهان والمعرفة الأكيدة ولا تصبح قيمة إنسانية إجتماعية بدون برهان وبدون معرفة أكيدة.

إننا من أجل ذلك نحتاج للعودة الى تحديد معنى العلم والعلوم لنرى إذا كانت توصف بالمادية حصراً، ونتساءل إذا كان يوجد في العالم تحديد  واحد، واضح، يجمع عليه كل العلماء وتوافق عليه كل المدارس العلمية بما فيها المدارس المتعددة في علم الإجتماع؟  الجواب، طبعاً، لا.

لكننا نعرف أن العلوم تتناول الحياة بواقعها وظروفها وعواملها، تتناول كل ما هو أمام الإنسان وفي محيطه، لدرسه ومعرفته معرفة واضحة بواسطة الحواس فضلاً عن العقل والمنطق.

وبما أن الحياة ليست مادية فقط، وبما أن القوى والعوامل النفسية هي جزء من الحياة، "فاعلة في المجتمع"، حسب تعبير سعاده كما سنرى، أفلا يحق للعلم درسها ومعرفتها ومعرفة دورها وتأثيرها ونتائجها؟

وترانا هنا أيضاً بحاجة لتحديد ما هو المادي وما هو الروحي، أي النفسي أو الفكري، من الأمور والفرق بينهما، من أجل الإقتناع أن العوامل والقوى الروحية هي جزء من الحياة.

إننا نقع على تحديد ما هو مادي والفرق بينه وبين ما هو روحي على لسان سعاده نفسه، وذلك في مقالة "المجتمع والمجموع"، حيث يقول: "ليست قيمة الحق ولا قيمة الحقيقة والخير والجمال مادية، فهي لا تقاس بالسنتيمترات ولا بالأمتار المربعة أو المكعبة، ولا توزن بالأواقي والأرطال، ولا تحدُّ بمكان وزمان معين، إنها قِيَمٌ إنسانية-نفسية إنها قيم مجتمعية".  ويعود ويورد نفس النص بحرفيته في مقالة "نظرة سعاده الى الإنسان".

صحيح أن الكلام كان يجري على قيم الحق والخير والجمال وليس على ما هو مادي أو روحي بشكل مطلق، لكن دليل سعاده بأن تلك القيم ليست مادية كان بأنها لا تقاس ولا تزان ولا تحدُّ بمكان أو زمان.  هذا كان دليله وبرهانه ويمكن إستعمال نفس الدليل والبرهان للإجابة على نفس السؤال، لمعرفة ما هو مادي وما ليس مادياً.  تجدر الملاحظة أن ما هو روحي، أي نفسي أو فكري، ليس المقصود به حالة غيبية، أو ماورائية، أو إلهية، بل المقصود بالروحي كل ما ليس مادياً مع كونه جزء من الحياة والوجود الإنسانيين. 

نستطيع ان نتقدم الآن لنرى أن ليس كل ما في الحياة يقاس ويزان ويحد بمكان او زمان، فهناك نفسيات الشعوب وعقائدها وأديانها وثقافاتها وقيمها، وهذه لها دورها الكبير في تطور الإجتماع وسير التاريخ ولا يمكن للإنسانية أن تتجاهلها ولا بد من أن تدرسها وتسلط عليها العلم لتعرف تأثيرها ودورها، وتستفيد من هذه المعرفة لتحسين الحياة وإرتقاء الحياة.  بل هناك الوجدان القومي الذي يقول عنه سعاده إنه أعظم ظاهرة إجتماعية في عصرنا، وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدن، كما يقول أيضاً بأن فقدان الوجدان القومي هو السبب في ما حلَّ ويحلُّ بأمتنا من ويل.  أفلا يجوز لعلم التاريخ أن يتناول موضوع وجود أو فقدان الوجدان القومي لدى شعبنا عندما يدرس تطور أخذ السوريين بأسباب سيادتهم وقوتهم للدفاع عن وجودهم ومصالحهم؟

فإذا كانت العلوم هي الكشف عن الحقائق بالمعرفة، وهي كذلك، فالحقائق، كما رأينا، ليست مادية فقط.  فهناك حقائق نفسية، كما هناك حقائق مادية، وبالتالي فأن المواضيع التي تتناولها العلوم هي مواضيع مادية ونفسية معاً.  وكما قلنا سابقاً، فأن العوامل والحقائق النفسية هي جزء من الحياة ولها دورها الفاعل في تطور الحياة والإجتماع وسير التاريخ، ويحق للعلم أن يشملها ويدرسها ويعرف مكنوناتها وطبيعتها.  لا يجوز أن نضع علم الإجتماع في خانة العلوم المادية، كالفيزياء والكيمياء، مثلاً، ولا يجوز أن نجرّد علم النفس الذي يسميه البعض علم السلوك، من درس العوامل النفسية الكامنه وراء سلوك فردي أو جماعي معين، مثل الحب والبغض والحسد والغيرة، كما الخوف والشجاعة والشعور بالكرامة والشرف والأخلاق.

ولا يجوز أيضاً أن نقول، مثلاً، بأن علم المنطق هو علم مادي، إذ ما هو الموضوع المادي لعلم المنطق؟  وإذا كان البعض يعتبر أن علم المنطق هو عمل مساعدٌ  وليس علماً مستقلاً بذاته، ولا ينفع وجوده إذا لم نستعمله مع العلوم المادية  ونطبقه عليها، فلو صحّ  أنه علم مساعد، لا ينفي ذلك كونه علماً ولا يمكن للعلوم المادية أن تستغني عنه.  ولسعاده نص واضح في كتابه الإسلام في رسالتيه (صفحة 46)، إذ يقول: "إن هذا البحث العلمي الجديد بنظرياته ومعلوماته لا يتوخى منه غير جلاء الحقيقة في طبيعة الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية على ضؤ عناصر كلّ منهما كما هي في ذاتها."  وكان قد قال في كتاب نشؤ الامم: "ومما لا شك فيه أن الدين هو ظاهرة نفسية عظيمة الخطورة من ظواهر الإجتماع البشري."  الدين إذن، هذه الظاهرة النفسية العظيمة الخطورة، هو موضوع لبحث علمي في كتاب لسعاده.

سنترك الآن الوجهة العامة من الموضوع لنتناول بالتحديد كتاب نشؤ الامم الذي هو موضوع هذا البحث والذي هو كتاب علمي يتناول "تعريف الأمة وكيفية نشوئها ومحلها في سياق التطور الإنساني وعلاقتها بمظاهر الإجتماع" (المقدمه).

يقول سعاده في كتابه، نشؤ الأمم، إنه "جامع مستوف الوجهة العامة من نشؤ الامم، بجميع مظاهرها وعواملها الأساسية" (المقدمه)، ولا يقول إن كتابه يتناول كيفية نشؤ الامم وتعريف الامة من الناحية المادية فقط، بل "بجميع مظاهرها وعواملها الأساسية".  وهو يقول في متن كتابه عن ذلك إن الأمة "موحدة العوامل المادية-النفسية" (تعريف الأمة).

إذن سعاده يقول بأن الأمة موحدة العوامل المادية-النفسية، ويقول إن كتابه نشؤ الامم، جامع مستوف الوجهة العامة من نشؤ الامم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسية، بينما الدكتور حيدر عيسى لا يعترف بذلك ويُصِرّ على أن سعاده لم يستوفِ في كتابه نشؤ الامم كل العوامل، بل العامل المادي فقط!

أرأينا كيف أن الإنطلاق من فرضيات وقواعد خاطئة، كقولنا إن العلوم كلها مادية، ومن ثمَّ قراءة كتاب سعاده على أساس تلك القواعد والفرضيات الخاطئة،  يقودنا الى  نتائج معاكسة للنتائج التي يقدمها ويتوخاها الكتاب؟  هذا، ولا زلنا في مقدمة الكتاب.  أما إذا تركنا المقدمة التعريفية، كما يسميها الدكتور حيدر عيسي، ووصلنا الى صلب الكتاب، فصلاً فصلاً، نرى أن المعلم لم يقتصر ابداً على الناحية المادية في درسه لنشؤ الامم، بل هو يذهب، مثلاً، في الفصل الثالث الكتاب، الى القول: "إن العوامل الفاصلة في حياة البشر وتطورها هي العوامل النفسية والفردية". 

لكن قبل البدء في تناول الكتباب فصلاً فصلاً، أحب أن أبدي هاتين الملاحظتين اللتين تؤكدان أن الكتاب يَدرُس نشؤ الامم بجميع عواملها المادية والنفسية، المتفاعلة دائماً، مع إيراد نصوص لسعاده تؤكّدُ ذلك.

ثانياً المدرحية مستخرجة من نشؤ الامم، على لسان سعاده

الملاحظة الأولى:

 يقول سعاده في كتاب الإسلام في رسالتيه (صفحة 101) ما يلي:

"ومن إستعارات رشيد الخوري قوله في الرسالة المحمدية إنها مدرحية، أي مادي روحي معاً، فقد يظن القاريء غير المطلع أن هذا القول هو فكرة فلسفية جديدة للخوري، والحقيقة أنه مأخوذ من كتابي نشؤ الأمم ومن شرحي لمباديء الحزب السوري القومي الإجتماعي.  فهو فكرة فلسفية أبديتها في مناسبات عديدة...."

نستنتج من هذا القول لسعاده أن المدرحية، هذه الفكرة الفلسفية، تجد أساسها العلمي في كتاب نشؤ الامم، ذلك أن الكتاب هو كتاب علمي وليس كتاب فلسفة.  وإذا لاحظنا أن كلمة "مدرحية" ليست واردة إطلاقاً في كتاب نشؤ الامم، نستنتج أن ما استعاره رشيد الخوري لم يكن مجرد الكلمة-اللفظة، بل الفكرة الفلسفية.  إذن المدرحية كفكرة فلسفية هي مستخرجة من القواعد العلمية الواردة في الكتاب، هي من صليه وجوهره، لذلك ذكر الزعيم أن المدرحية قول مأخوذ من كتابه نشؤ الامم أي مستخرج منه.

الكتاب إذن يكشف عن الحقائق المادية-الروحية للإجتماع الإنساني، وإذا لم يكن كذلك، أي إذا كان موضوعه مادياً فقط، فلماذا تكون العقيدة المؤسسة عليه مدرحية؟!  كان الأسلم منطقياً، حسب رأي الدكتور حيدر عيسى، أن تكون عقيدة أو فلسفة مادية.  لكنها ليست كذلك.

لماذا تكون عقيدتنا التي "تتناول قضايا العالم الإجتماعية والإقتصادية وشرحها" عقيدة مدرحية، "تعلن للعالم مبدأ الأساس المادي-الروحي للحياة الإنسانية"، إذا كانت قضايا العالم الإجتماعية والإقتصادية تلك هي قضايا محض مادية وإذا كان اساس الحياة الإنسانية هو اساس مادي بحث؟!

أما إذا سلمنا أن قضايا العالم الإجتماعية والإقتصادية هي قضايا مادية-روحية، وأن اساس  الحياة الإنسانية هو اساس مادي-روحي، فيجب ان نسلِّم بأن الجانب الروحي في تلك القضايا وذلك الأساس هو جانب يحق للإنسان أن يعرفه ويدرسه، وأن يسلط عليه العلم.

الملاحظة الثانية:

لقد ناقش سعاده في كتاب نشؤ الأمم علماء الإجتماع، فوافق بعضهم وجارى بعضاً آخر، لكنه أيضاً خالف كثيرين منهم ووجه إليهم نقداً، بل أحياناً أبدى سخريته منهم، كما فعل مع العالم "أرخ وسمن" ، "الذي لم يتورع عن أن يجد في صغر عقل عمال النمل الأبيض، بالنسبة لكبر رأسها، التعليل المنطقي للنظام الشيوعي في دول هذا النمل"!

فلو إقتصر سعاده على الناحية المادية، او لو كان موضوع علمه في الأساس موضوعاً مادياً فقط، لما كان اختلف مع غيره من علماء الإجتماع في كثير من الامور والمسائل والتحديدات، خاصة تعريف المتحد وتعريف الامة.

إن الإختلاف وعدم التطابق بين سعاده وبين سائر علماء الإجتماع ي، يعود الى أن الموضوع لم يكن موضوعاً مادياً بحتاً.  وهذه الفكره هي لسعاده نفسه حيث يقول عن قيم الحق والحرية والخير والجمال: "ولما لم تكن هذه القيم مادية لم يمكن أن يكون لها تحديد واحد ومفهوم واحد في العالم". 

وهكذا، فالعلماء لا يختلفون في الحقائق الثابتة في علم الفيزياء أو الكيمياء، مثلاً، لأنها علوم ذات موضوع مادي بحث.  أما العلماء فيختلفون أحياناً في علم الإجتماع لأن موضوعه ليس مادياً بحتاً.  ذلك أن الشؤون المادية يمكن للإنسان حصرها وتعيينها بشكل اسهل بكثير مما يمكنه أن يفعل بالنسبة للشؤون النفسية التي لا تقاس ولا تزان ولا تحد بمكان أو زمان معيّن، وأيضاً لإستمرار كون الإنسانية هي إنسانيات عددها عدد القوميات.

من هنا تعود واحدنا أن يقول: "أعطني دليلاً ملموساً"، عندما يصعب عليه الإقتناع بأمر مجرّد عن الشواهد المادية.  لكنّ ليس مثل الجميع كمثل "توما"، فكثيرون هم الذين يستوعبون ويدركون بدون دليل ماديٍ ملموس.

ورب قائل هنا بأن الشؤون الروحية أو النفسية، بما أنها لا تخضع لأي نوع من أنواع القياس، لا تدخل في مهمة العلم الذي يعتمد التحديد والقياس، بل تدخل في مهمة الفلسفة.  هذا القول يتضمن تحييداً للفلسفة عن شؤون العلم مما يرجع بالفلسفة وبمعنى الفلسفة الى العهود القديمة، حيث كانت تعني الحكمة أو الرأي الحكيم، غير المستند أو المبني على حقائق ومعارف، غير المؤسس على العلم، وحيث كانت الفلسفة هي البحث في الماورائيات والغيبيات قبل ان يصبح الوجود موضوعاً للفلسفة، وقبل أن يصبح الإنسان وشؤونه الإجتماعية والإقتصادية من أهم مواضيع الفلسفة.  كما أن هذا القول كان قبل نشؤ العلوم الإنسانية ومنها علم الإجتماع.

إن العلم والفلسفة لا يختلفان في إختلاف المواضيع التي يتناولانها، بل يختلفان إختلافاً نوعياً في النظر الى الموضوع  ذاته.  يقول الأمين أنيس فاخوري بهذا الصدد:

"بينما العلوم على اختلافها تعني بالجزئيات وتفاصيل الأمور، كل حسبما يخصه ويدخل في نطاق بحثه، نرى أن الفلسفة لا تعني بالجزئيات بقدر ما تعني بالكليات أو المباديء والأصول الاساسية للامور والاشياء، بالنظام الأساسي الذي يسيِّر الامور والأشياء.  إن الفلسفة تعني بخلاصات جميع العلوم لتصوغها في قالب واحد وتلقي نظرة واحدة شاملة محيطة، وتستخلص حقيقة واحدة كبيرة." (النظام الجديد – العدد الخامس – صفحة 58)

 هكذا هي الفلسفة القومية الإجتماعية على الأقل.  إنها مبنية على العلوم الإجتماعية والإقتصادية والإنسانية، وهكذا هو كتاب نشؤ الأمم، إنه الأساس العلمي للفلسفة القومية الإجتماعية كما يقول سعاده.

وهذا هو الفرق بين العلم والفلسفة، وليس الفرق ابداً ان نحصر العلم بالشؤون المادية والفلسفة بالشؤون الروحية، أو أن نقول بأن العلم يهتم بالشؤون الوصفية والفلسفة تهتم بالشؤون المعيارية.

إن هذه التصنيفات المستمدة من مدارس ودرسات فلسفية اكاديمية كلاسيكية هي ما جعلت الدكتور عادل ضاهر يستغرب كيف أن سعاده في الكلام عن فلسفته "يخلط" بين ما هو وصفي وبين ما هو معياري عندما يقول: "داعية الأمم الى ترك عقيدة تفسير التطور الإنساني بالمبدأ الروحي وحده،  وعقيدة تفسيره بالمبدا المادي وحده، والإقلاع عن اعتبار العالم ضرورة علم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية، والى التسليم معنا بأن أساس الإرتقاء الإنساني هو اساس روحي مادي (مدرحي)، وأن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه".

إن فكرة التفسير (تفسير التطور الإنساني) هي فكرة وصفية، أما فكرة تشييد المستقبل فهي فكرة معيارية، فيعجب الدكتور عادل الضاهر ويستغرب كيف "يخلط" سعاده بين ما هو وصفي وبين ما هو معياري في نصٍ فلسفي واحد!!  كيف "يخلط" سعاده بين ما هو علمي وبين ما هو فلسفي في نصٍ فلسفي واحد، لا يعرف الدكتور ضاهر إذا كان ذلك نصاً علمياً أم نصاً فلسفياً!!

إن هذه النظرة الخاطئة للفرق بين العلم والفلسفة، بين الوصفي والمعياري، حسب اعتقاد الدكتور ضاهر والمدرسة التي ينتمي اليها، بين الكيف واللماذا، حسب اعتقاد الدكتور حيدر عيسى، أن هذه النظرة التي عزلت وحيّدت الفلسفة عن شؤون العلم فافقدتها موضوعها وأساسها، أن هذه النظرة الخاطئة، هي التي جعلت الدكتور ضاهر لا يتورع من أن يشكك في أن لسعاده فلسفه واضحة كاملة وأخذ يتخبط في فهم فلسفة سعاده حتى ساواها بالمادية الماركسية.  وأن هذه النظرة الخاطئة عينها هي التي جعلت الدكتور حيدر عيسى يشكك في ان لسعادة علماً فيسميه "دارس علوم"، وهو يقول أن تحديد المتحد ليس لسعاده بل لمكيور وان كتاب نشؤ الامم نفسه ليس لسعاده، ويقول إن سعاده نفسه "يعترف" بذلك ويسند مراجع الكتاب لمصادرها الموثوقة (محاضرته المسجلة في سيدني).  كأن الدكتورين ضاهر وعيسى وأمثالهما لم يقرأوا ما قال عنهم سعاده قبل أن يكتبوا:

"إن بعض طلبة الفلسفة من الرفقاء تُرِكوا بلا تعليم عقدي ليقبلوا تعاليم المدرسة العقدية الأولى التي يدخلون لتعلّم الفلسفة فيها، فدرسوا المذاهب الفلسفية الكلاسيكية وما عُرِضَ عليهم أو وُجِّهوا إليه من مذاهب اخرى إلاّ الفلسفة القومية الإجتماعية.  فهذه لم يكن بقربهم من يهتم بتوجيههم إليها، فلم يكن لها مكان في أفهامهم، وكونوا نظرتهم أولياً ونهائياً على غير نظرتها واصولها.  ومن البديهي أن يكون إنتاجهم في هذه الحالة في غير اتجاهها وفي غير نظرتها..."

إن الفلسفة الصحيحة هي معرفة اساسها علم.  يقول الأمين أنيس فاخوري بهذا الصدد في العدد الخامس من النظام الجديد: " كانت نصيحة الزعيم لفايز صايغ قبل طرده وقبل ظهور تمرد فايز صايغ وخيانته هي: "إذا كنت تريد التعمق في الفلسفة والوصول الى فهم حقيقي للوجود يُمَكِّنك من تكوين رأي فلسفي، فعليك بدرس علوم أساسية كعلم النفس وعلم الحياة وعلم الإنسان وغيرها من علوم الإجتماع"".  يتابع الامين فاخوري موضِّحاً العلاقة بين العلم والفلسفة  فيقول: "إذا اعتبرنا أن هناك حقيقة واحدة في الكون كله وأن العلوم، كل علم على حدة، يحاول أن يكتشف كل ما يستطيعه من مجى تلك الحقيقة الواحدة، فيتبع ذلك أنه كلما تشعّبت العلوم في إختصاصاتها وكلما زاد الإخصائيون في الكشف عن مختلف الحقائق الجزئية المتعلقة بذلك الفرع بعينه، أتيح للفيلسوف الفرصة الفضلى في التوصل الى صياغة أكمل لنظرته الإجمالية الشاملة."

هذه هي العلاقة بين الفلسفة والعلم وهذا هو الفرق بينهما، وليس الفرق ابداً الزعم بأن العلوم تعني بالمادة والفلسفة تعني بالروح، أو أن العلوم هي وصفية والفلسفة هي معيارية.  فإذا كان للفلسفة غرضٌ معياري أخير أكيد، فأن للعلوم أيضاً اغراضاً ونتائج معيارية اكيدة، فيما تؤدي اليه من تحسين الحياة وأسبابها.

فضلاً عن ذلك فان للفلسفة إجمالاً، وللفلسفة القومية الإجتماعية المدرحية خاصة، مسؤوليات وصفية أساسية، ألم يقل سعاده بترك عقيدة، أي فلسفة، تفسير التطور الإنساني بالمبدأ المادي وحده أو المبدأ الروحي وحده والتسليم معنا بأن اساس الإرتقاء الإنساني هو اساس مادي روحي أي مدرحي، وإن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الاساس وتشيد صرح مستقبلها عليه؟  أليس التفسير شأن وصفي؟

نتقدم الآن ونقرأ كتاب نشؤ الامم فصلاً فصلاً، فماذا نجد؟

الفصل الأولنشؤ النوع البشري

يتناول هذا الفصل التعليل الديني والتعليل العلمي لنشؤ النوع البشري، ونقض التعليل الأول ونقد التعليل الثاني.

ما يهمنا من هذا الموضوع هنا ليس شرح الشرح بل إستخراج الدليل من نصوص سعاده بأن موضوع كتابه لم يكن مادياً بحثاً كما اراد الدكتور حيدر عيسى في قوله العلوم كلها مادية وان كتاب نشؤ الامم هو بالتالي كتاب مادي.

ما يهمنا بالتحديد هو أن كتاب نشؤ الامم العلمي يتناول في فصله الاول تعليلاً لا علمياً لنشؤ النوع البشري ويدرس هذا التعليل علمياً.  يتناول تعليلاً اساسه التكهن والتصور.  فالتعليل الديني مصدره الإنسان وتحليله وتفسيره واعتقاداته مصدرها قواه النفسية الأولية: "فأخذ يتكهن صدوره عن عالم غير هذه الدنيا يعود إليه بعد فناء جسده.  ولم يكن هذا التكهن الراقي في التصور مما تنبّه له الإنسان كما يتنبه للموجودات الواقعية، بل كان درجة بارزه في سلم إرتقاء الفكر سبقها درجات من التخرصات الغريبة التي ليس هذا البحث مختصاً بها."  وأيضاً: " ولم يكن العقل البشريّ عند تلك الدّرجة من الدّقة في التّمييز بحيث يحاول الدّخول في افتراض وتقرير خلق مركّب، معقّد للإنسان وسلالاته فلجأ إلى جعل الخلق بسيطاً ومعقولاً بحيث ينطبق على الظّاهر البسيط ، فخلق اللّه رجلاً واحداً هو [آدم] ثمّ خلق له امرأة واحدة من ضلعه هي [حواء] وسنّة التّوالد تكفّلت بتعليل تكاثر البشر وانتشارهم في الأرض."

هكذا شرح سعاده كيف تم هذا التعليل المسمى تعليلاً دينياً لأن خلاصته وردت في التوراة والقرآن، وموضع سعاده في هذا الشرح ليس موضوعاً مادياً في نشؤ مادة النوع البشري وكيفيتها، بل موضوعه هو التعليل الديني لهذا النشؤ ونقض هذا التعليل بالأدلة العلمية المنطقية اتي تقنع عقل الإنسان.

سعاده لم تكن مهمته شرح كيفية نشؤ النوع البشري، وما ابتداءه  بهذا الفصل الاّ تمشياً مع مبدأ التسلسل التركيبي الذي كان منهجه العلمي في مقابل مبدأ التسلسل التحليلي الذي كان منهجه الفلسفي.

موضوع سعاده، إذن، لم يكن لا العناصر المادية البيولوجية التي تطورت وصارت إنساناً، ولا الضلع الآدمي الذي خلق الله منه امرأة، بل موضوعه كان هذه القوى النفسية الأولية من التصور والتكهن وارتقاء الفكر التي أنتجت إعتقادات وتعليلات تعلقت بها البشرية، ولا زالت، ما يقرب من الفي سنة بل يزيد كثيراً.  وهذا الموضوع هو موضوع علمي بامتياز وقد استغرق نصف الفصل الأول من الكتاب.

 

قمة الصفحة

الفصل الثاني السلائل البشرية

"مع إنّ السّلالات أمر فيزيائيّ واقع والأدّلة على وجوده متوفر" (سعاده)، فتحت عنوان السلائل والعقليات" يقول: "وإذا تركنا السّلالات الابتدائيّة وعمدنا إلى السّلالات الواقعة ضمن نطاق المدنيّة الآسيويّة ــ الأوروبيّة وجدنا أنّها كلّها قد برهنت عن توفّر مزايا الارتقاء فيها. ومع ذلك فيمكننا أن نجد في كلّ منها ما سمّاه لازرس وشتينطال النّفسيّة السّلاليّة وهذا قسم من الدّروس الإتنلوجيّة ــ النّفسيّة لا يقصد منه درس الظّواهر النّفسيّة في مختلف السّلالات، أي درس الفوارق العقليّة من وجهة نظر السّلالة، بل درس النّفسية السّلاليّة كما هي تمييزاً لها عن النّفسيّة الفرديّة."  وينتهي الى القول: "وللسّلالات عقليات مستقلّة موجودة فعلاً ولكن يجب ألاّ يتّخذ ذلك حجة للتّمسك بعقائد تفاضل السّلالات المتمدّنة تفاضلاً أساسيّاً جوهرياً..."

أوليست هذه حقائق علمية موضوعها "العقليات السلالية المستقلة الموجودة فعلاً" والمرافقة والمصاحبة لهذا "الامر الفيزيائي الواقع" ؟

أوليست "الدّروس الإتنلوجيّة ــ النّفسيّة" أي " درس النّفسية السّلاليّة كما هي"، هي دروس علمية؟  وإذا كان  كتاب نشؤ الامم لم يتخصص بها، فعلى الأقل هي تعطينا مثلاً، وعلى لسان سعاده، بأن العلوم ليست كلها مادية كما يزعم الدكتور حيدر عيسى ويجرد كتاب نشؤ الامم من نصف حقائقه ويشوِّه النصف الآخر لأن الحقيقة لا تتجزأ.

الفصل الثالث: الأرض وجغرافيتها

رغم أنه يبدو من عنوان هذا الفصل بأن موضوعه مادي بحث، فها هو المعلم، وتحت عنوان "البيئة والجماعة"، لا يقتصر على درس التأثير المادي للبيئة على حياة الجماعة، بل هو يقول: "ولشكل الإقليم تأثير عظيم في تمييز الجماعات بخصائص مادّيّة ومعنويّة."  وتحت عنوان البيئة وتاريخ الجماعة، يعلن المعلم الحقيقة العلمية التالية: "إنّ التاريخ غير مكتوب في طبيعة الأرض، مع أنّ الأرض هي أحد الافتراضات الّتي لا بدّ منها لنشوء التّاريخ. والعوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة، الّتي، مع أنّها تتأثّر كثيراً بعامل البيئة، إمّا أن تستفيد من القاعدة الطّبيعيّة، شأن الجماعات الرّاقية، وإمّا تهملها على حسب استعدادها وإراداتها."

هل الكتاب الذي يعلّم أن العوامل الفاصلة في حياة البشر وتطورها هي العوامل النفسية والفردية هو كتاب مادي؟

الفصل الرابع:  الإجتماع البشري

تحت عنوان "تباين إجتماع الإنسان والحيوان"، وبعد أن يبيّن المعلم الفوارق البيولوجية بين إجتماعَي الإنسان والحيوان، ينتقل الى الفوارق الإجتماعية واخصها ظهور الفكر، فيقول: "وإذا تركنا الوجهة البيولجيّة وعمدنا إلى الفوارق الاجتماعيّة البحتّة وجدنا في الاجتماع الإنسانيّ ظاهرتين مفقودتين في غيره، هما استعداد الفرد لبروز شخصيّته واكتساب الجماعة شخصيّتها الّتي تكوّنها من مؤهّلاتها الخاصّة وخصائص بيئتها."  ويقول أيضاً: ". بل هنالك الفارق الأساسيّ الأوّلي الّذي يجعل لأعمال الإنسان وللاجتماع البشري صفة مستقلة تبطل كل مقابلة (اجتماعية) بين الإنسان والحيوان، هو ظهور الفكر الّذي له كلّ الأهميّة في الحياة والاجتماع الإنسانيين."

وعن تعيين الفوارق الجوهرية بين حياة الإنسان الإجتماعية وتلك التي للحيوان يقول: " نتوصلّ بالاختبار إلى تعيين الفوارق الجوهريّة بين الحياتين. وهي الفوارق في كيفيّة فهم المحيط من الوجهة النّفسيّة. ففهم المحيط من هذه الوجهة، فيما يختصّ بالظّواهر النّفسيّة كالوعي والإحساس والإرادة والفكر والتّصوّر وما إليها، ليس ممّا يمكن استكشافه في الحيوان. وهي هذه الظّواهر الّتي لها كلّ الأهميّة في حياة الإنسان الاجتماع.."

هذا كان تعليم سعاده وعلمه، أما نحن فنتساءل هل يجوز القول إن هذه الحقائق ليست علماً لأنها ليست حقائق مادية؟  ولا ننسى القاعدة التي يذكرها المعلم في هذا الفصل ويكررها في الفصل التالي وهي أن أفعال أي كائن "ناتجة عن تفاعل ثلاثة أضلاع هي: الجسم ــ النّفس (الدّماغ) ــ المحيط".

الفصل الخامس:  المجتمع وتطوره

 في هذا الفصل وفي درس أحوال المجتمع البدوي وملاحقة خصائصه ومظاهره وعندما لا يجد فيه اعمالاً نفسية ذات شأن، يذكر سعاده ذلك، لانه كان يبحث عنها ويلاحقها فهي تعنيه وهي جزء لا يتجزأ من درسه.  فهو يقول: "ومهما ارتقت اجتماعيّة هذه الجماعات فهي لا تبلغ إلى هذه الدّرجة العالية الممثّلة، في المجتمعات المتمدّنة، بالجمعيّات وسائر المؤسّسات الّتي تمثّل بدورها الأعمال الذّاتيّة والأفكار الحرّة الصّادرة عن الأفراد الّذين يؤلّفون المجموع المتمدّن، وتمثّل، فوق ذلك، النّفسيّة الفاعلة في المجموع ونوع روحيّته الاجتماعيّة." وتحت عنوان "التطور الثقافي السابق للتاريخ" يبحث في أدلة إجتماعية ونفسية إنسان العصر الإحتكاكي ولو كانت لا توجد في غير آثار مواقده وبقاياه العظمية وأدواته الحجرية.

وعن أهمية النار العظيمة لحياة الإنسان وارتقائه لم يقتصر المعلم على شرح اهميتها المادية الإقتصادية في صد السباع المفترسة والإنارة والتدفئة وشي اللحم، فها هو يشرح نتائجها النفسية ايضاً، فيقول: "فجذبته إلى حرارتها وضوئها وأوجدت لذّة في تجمّع قطعانه حولها، وهي لذّة مصحوبة بالاطمئنان. واللّذّة والاطمئنان وتوفير الجهد والنّصب هي الضّرورات الّتي يؤدي حصولها إلى تولّد الاحساسات النّفسّية الفرديّة والاجتماعيّة حيثما كان ذلك ممكناً في الكائنات العليا. ولعلّ هذا الاطمئنان قرب النّار هو السّبب في تحويل علاقة الذّكر والأنثى من عمل بيولوجيّ بحت يقتصر على فصل اللّقاح إلى حالة اجتماعيّة لها خصائصها النّفسيّة."

أمّا في باب الثقافة الأولية والثقافة العمرانية نرى أن "الحياة العقليّة المشتملة على المنطق والأخلاق وسلامة الذوق" هي تاج الثقافة العمرانية، حسب ما يسميها سعاده، التي تقوم على إقامة النسل- تحصيل الرزق واستدرار موارده- التنظيم الإجتماعي والإقتصادي.  يقول سعاده: "وهي هذه الحياة (الحياة العقلية)، الّتي ابتدأها بعض الشعوب السّاميّة ووضع السّوريون أساسها الرّاسخ. ما يعطي المجتمع المتمدّن قيمته ومزاياه والمدنيّة الحديثة أبرز صفاتها وأثمن كنوزها."

وبعد أن يعدد مراتب الثقافة العمرانية التي هي ثقافة المعزق، وثقافة المحراث، وثقافة الإنتاج التجاري، يحرص على القاء الضؤ على الحياة العقلية التي لكل مرتبة ويذكر أن أهل الترتبة الأولى "إذا كان لهم حياة عقليّة فهي محدودة جدّاً."  ويقول: "لا نرى للعقل منفذاً إلى الحياة الفكريّة والعلميّة إلاّ مع المرتبة الثّانية".  أما في المرتبة الثالثة "وكان من وراء اتّساع نطاق هذه الزّراعة وتحسينها أنّ حاصلها كثر إلى درجة صار عندها قسم كبير من أهل هذه الثّقافة محرّراً من الحاجة إلى زرع وحصد قوته بنفسه وأصبح في إمكانه الاهتمام بالشّؤون الثّقافيّة الأخرى."

هكذا يتابع سعادة احوال المحتمع وتطوره واطواره من الناحيتين غير المنفصلتين المادية والروحية، والقاريء الملاحق لهذا الموضوع يراه واضحاً في كل دروس ومعالجات ونتائج كتاب نشؤ الامم العلمي.

وإذا كنا نركز هنا على اظهار الناحية النفسية الروحية من الموضوع فلأن ذلك هو غرضنا هنا الآن وليس لأننا نقصد إهمال الناحية المادية أو التقليل من أهميتها.  فالمعلم يفيدنا مثلاً "إذا كان العقل هو نتيجة تطورات الدماغ الفيزيائية، فالعقلية الإجتماعية هي نتيجة التفاعل المادي لتأمين الحياة الإجتماعية".  واضح إذن, أن تطورات الدماغ الفيزيائية وتطورات التفاعل المادي هي السبب أو العامل في نمو العقل وفي حصول العقلية الإجتماعية، لكننا لسنا في مناقشة حول أي من القوى والعوامل المادية أو النفسية هي الأسبق، فالموضوع من هذه الناحية محسوم عندنا والمعلم يقول كما سنرى بعد قليل بأن الحياة النفسية لا تقوم الاّ حيث تستتب لها المقومات المادية.  نحن مدرحيون في نظرتنا للحياة ونقرُّ، بل نعلّم "ونعلن للعالم الأساس المادي الروحي للحياة الإنسانية" ولسنا روحيون ولسنا نقول بالأساس الروحي للحياة الإنسانية.  إن ما يهمنا هو أن نبيّن ان الدرس العلمي الإجتماعي ليكون كاملاً ومستوفياً موضوعه لا بد له أن يدرس القوى النفسية الروحية ويراها ويرى تأثيرها ودورها الفاعل في المجتمع، وهذا ما فعله سعادة العالِم في كتابه نشؤ الأمم.

أكثر من ذلك، فإنه حيث كان للعمل العقلي أرجحية على العمل المادي كان يهتم بإظهار ذلك.  فهو يقول عن المرتبة الثقافية الثالثة من المجتمع العمراني ما يلي: "ابتدأ العمل العقليّ في هذه الثّقافة يرجح على غيره، فالتّجارة عمل عقليّ.  فكان على الّذين أوجدوا الثّقافة الاقتصاديّة الجديدة أن يبتدعوا الطّريقة العمليّة للحياة العقليّة ويضعوا أساساً جديداً متيناً للثّقافة الإنسانيّة. كان على سورية أنّ تكمّل ثورتها الثّقافيّة وتفتح طريقاً جديدة للارتقاء الثّقافيّ فاستنبط الكنعانيّون (الفينيقيّون) الأحرف الهجائيّة فتمّت قاعدة التّمدّن الحديث."

ويقول في مكان آخر:" قادت الأبجديّة العالم في طريق المعرفة والعلم وتفوّق القوى العقليّة على صعوبات الطّبيعة إلى الآلة الاقتصاديّة الّتي وضعت في يد الرّسماليّ قوّة لم يكن يحلم بها، ففاقت قوّة الرّسمال المتعاظم أيّة قوّة أخرى مناقبيّة أو مادّية."

ولا أستطيع هنا الاّ أن أورد حرفياً هذا المقطع الرائع الذي ختم به المعلم الفصل الخامس والذي يظهر  فيه أروع وصف للأساس المادي الروحي للحياة الإنسانية.  يقول سعاده: "منذ الفترة الّتي ظهرت فيها الأبجديّة إلى جانب التّجارة واتّحد هذان العاملان في التّفاعل الاقتصاديّ الاجتماعيّ، اتّجه الاجتماع البشريّ نحو الحياة النّفسّية (العقليّة) وسيطرة العقل على كنوز الطّبيعة ومواردها. وفي هذه الحياة الجديدة تساهم الأمم المتمدنة. وبوجود هذه الحياة ووسائلها يمكن الآن ملايين البشر أن يفكّروا في قضايا الإنسانيّة الحيويّة والاجتماعيّة مستقلّين ومشتركين وأن يشتركوا في ثقافة إنسانيّة عامّة يدهش المفكّر لألوانها المتعدّدة تعدّد القوميّات، وللخصائص النّفسيّة الّتي تنكشف عنها في أمم عددها عدد البيئات".

الفصل السادس:  نشؤ الدولة وتطورها

إذا أردنا أن نجاري تعبير "كتاب مادي" الذي استعمله الدكتور حيدر عيسى، لعلنا نستطيع أن نقول بأن هذا الفص هو "فصل نفسي". فها هو المعلم يقول: "تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع." ورُبَّ ملاحظ هنا بأننا منذ مناقشتنا للفصل الأول مروراً بالثاني والثالث والرابع والخامس حتى الآن، ونحن نقول ونبين بأن سعاده عالج العوامل المادية الروحية معاً وليس المادية فقط، بينما سعاده يقول في مطلع هذا الفصل بأنه قد تقصى فيما دونه سابقاً الاساس المادي للإجتماع البشري وأحواله!  لكن قبل أن نتسرع بالحكم على قراءتنا للفصول السابقة فلنتابع ونرى سعادة بعد عدّة أسطر فقط يوضح فيقول: "رأينا، في ما تقدّم من فصول هذا الكتاب، الأسس والخطط العامّة لتطوّر البشريّة وارتقائها في ثقافاتها الماديّة الناتجة عن تفاعل الإنسان والطّبيعة بقصد تأمين سدّ الحاجة وبقاء الذّريّة. ورأينا أيضاً كيف أنّ الثّقافة النّفسيّة جارت الثّقافة الماديّة وقامت عليها، إذ الحياة العقليّة لا يمكن أن تأخذ مجراها إلاّ حيث تستتبّ لها الأسباب والمقومات."

في الفصول السابقة إذاً، درس سعاده الثقافتين المادية والنفسية حيث الثانية لا تقوم إلاّ على الأولى، وفي هذا الفصل يبدأ بدرس موسّع ومستفيض للثقافة النفسية، للبناء النفسي للإجتماع حسب ما يسميه.

لن نتابع قراءة هذا الفصل كما فعلنا في ما سبقه لكي نبيّن أن العلوم كلها ومنها علم الإجتماع ليست فقط مادية، وأن كتاب نشؤ الامم ليس كتاباً مادياً حسب زعم الدكتور حيدر عيسى، فوضوح عبارة سعادة في أنه في هذا الفصل يبدأ بدرس "البناء النفسي لهذا الإجتماع" تغنينا عن ذلك.  لكننا سنتوقف فقط عند قول الدكتور حيدر عيسى بأن سعاده  عرّف الدولة بواقعها الذي هو القوة الفيزيائية".  وما جعلنا نتوقف هنا هو أن القول المذكور يوحي بالمعنى المادي للدولة مما يتعارض مع  قول سعاده بأن درس الدولة هو درس البناء النفسي للإجتماع الإنساني. 

إذا طالعنا هذا الفصل جيداً،  نجد أن مسالة "القوة الفيزيائية التي تُخضِع وتُرهِب التي ذكرها سعاده هي واردة في معرض البحث عن ابتداء الدولة، عن المرتبة أو المرحلة الإجتماعية التي ظهرت فيها الدولة، وليست واردةً إطلاقاً في معرض تعريف الدولة كما يريد الدكتور حيدر عيسى.  سعاده كان مهتماً بمعرفة متى بدأت الدولة وفي أي مرحةل من مراحل الإجتماع البشري ظهرت وأكتملت، وذهب في ذلك بعيداً الى الوراء وقال: "وقد اختلف في بداءة الدّولة، هل هي في بداءة الاجتماع البشريّ (بدء البشريّة) أو في طور معيّن من أطوار ارتقاء هذا الاجتماع." وقال: "فكلامنا على الدّولة، اجتماعيّاً، يجب أن يتّخذ نقطة الابتداء في واقع الدّولة أي في المجتمع المركّب ولو تركيباً بسيطاً."

ولما كان معنى الدولة يجب أن يكون واضحاً من اجل معرفة للمرحلة التي وجدت فيها، عاد سعاده في تقصيه الى بداءة الحقوق بعدما قال: "فلا بدّ لنا من إلقاء نظرة على بداءة الحقوق لكي نتمكّن من فهم نشوء الدّولة وتطوّرها في ظروفهما. يجب أنّ ننظر إلى الحقوق إذا كنّا نريد أن نحصل على تحديد حقيقيّ للدّولة."

هكذا بدأ سعاده من أحط درجات الإجتماع البشري وأبسطها واخذ يتابع بداءة الحقوق الاولية وتطورها تحت عناوين الجماعة والفرد، الطوطمية والتناسخ، الزواج الخارجي، الحقوق الامومية، الحقوق الأبوية، الزواج الفردي والعقد، الزواج بالشراء، الإستعباد، الثأر، ولم يجد في ذلك ما يمكن تسميته دولة، الى أن ينتهي ويقول: "أثبتنا فيما تقدّم صورة للحقوق الأوليّة الّتي هي نتيجة القوى المناقبيّة الّتي تعمل في المجتمع لتأمين سلامته. وفي هذه الحقوق لا نجد الدّولة بل المجتمع وأوهامه (دينه) وعاداته. ولسنا نجد واقع الدّولة إلاّ حيث نجد في المجتمع قوّة فيزيائيّة تخضع أو ترهب.

هكذا وردت عبارة القوة الفيزيائية التي يقول الدكتور حيدر عيسى إنها التعريف للدولة عند سعاده.

إذاً، واقع الدولة، وليس الدولة نفسها، أي بمعنى المكان الذي وجدت الدولة فيه أو المجتمع الذي ظهرت الدولة فيه، ليس هو المجتمع الذي تسيره قواه المناقبية المنتجة حقوقاً أولية على صورة العادات الاولية بل بداءة الدولة وواقعها هو المجتمع المركّب الذي نجد فيه قوة فيزيائية تُخضِع وتُرهِب، أي نوع من السلطة والقوة المادية التي تقيم الحدود وتصون الحقوق.  وبكلام أكثر دقة ووضوحاً، نقول إن واقع الدولة نفسه ليس هو القوة الفيزيائية، بل هو المجتمع، وليس أي مجتمع، بل المجتمع المركّب ولو تركيباً بسيطاً، وليس أي مجتمع مركّبٍ، بل المجتمع المركب الذي يوجد فيه قوة فيزيائية، أي سلطة مادية.  أما الدولة نفسها فليست القوة الفيزيائية، لأنه "يجب أن ننظر الى الحقوق اذا كنا نريد ان نحصل على تحديد حقيقي للدولة".  هكذا يقول سعاده، فاحقوق هي شان ثقافي نفسي، أما الدولة الفيزيائية فهي شأن مادي.

هنا نجد أيضاً فكرة ان الدولة لا توجد إلاّ في مجتمع مركّبٍ، فيه سلطة مادية، تتوافق مع القاعدة العلمية التي اعلنها سعاده في بداءة هذا الفصل حيث يقول بأن الثقافة النفسية لا يمكن أن تأخذ مجراها الاّ حيث تستتب لها الاسباب والمقومات المادية.

قمة الصفحة

الفصل السابع: الإثم الكنعاني

نصل الآن الى الفصل الأخير المختص بتعريف الأمة والقومية.  في هذا الفصل سنرى "العجب العجاب" عما يقوله لنا الدكتور حيدر عيسى.  رغم أن الدكتور عيسى إستشهد بقول سعاده في المقدمة التعريفية عن شخصية الجماعة: "هذه الشخصية مركب إجتماعي إقتصادي نفساني"، وقال إنه قول عن الامة، فلا ندري كيف يصرّ بعد ذلك على أن الكتاب يقدِّمُ تعريفاً مادياً للأمة!

الدكتور عيسى يقول أيضاً إنه يميل الى الإعتقاد بأن "هناك درس علمي آخر للأمة يتبع علم النفس الإجتماعي هو درس القومية"، مع أن قوله هذا يتناقض تناقضاً صارخاً مع قوله بأن العلوم كلها مادية!

هل يوجد يا ترى عِلمان إثنان للأمة، واحد نفسي والآخر مادي، حسب ما يريد الدكتور عيسى؟  وكيف تكون العلوم كلها مادية إذن؟

أما إذا كان علم النفس الإجتماعي المتخصص بالقومية هو علم مادي، فلماذا يعتبر الدكتور عيسى إذن بأن كلام سعاده عن القومية هو من باب الإضافة وليس من باب جوهر الكتاب؟  ولماذا قال إذن: "إن الكتاب الاول جامع مستوف الوجهة العامة من نشؤ الامم بجميع مظاهرها وعواملها الأساسية"؟

إن قول الدكتور عيسى بأن كلام سعادة عن القومية في صفحات الكتاب الاربع الأخيرة، هكذا، هو من باب الإضافة وليس من باب جوهر الكتاب، يتضمن فكرتين أو مقصدين إثنين:

الأول، أن القومية لا يجب أن تكون موضوعاً أساسياً لكتاب علمي لأنها شأن نفسي وليست شأناً مادياً، لذلك فهي ليست من جوهر الكتاب، بل مضافة إليه.  أما لماذا إضيفَت إليه؟  لا ندري، والدكتور عيسى لا يشرح لنا ذلك!

والثاني، هو أن موضوع القومية لم يأخذ سوى أربع صفحات أخيرة من الكتاب، لذلك هو ليس موضوعاً مهماً.  إذ يبدو بالنسبة للدكتور عيسى أن كمية الصفحات لها شأن مهم  في تقرير أهمية الموضوع!  هل الكمية تعيّن النوعية، وهل قيمة الموضوع المعالج تتحدد بعدد الصفحات التي تشرح عنه؟

بناءً عليه، فإن موضوع الدولة في الفصل السادس أخذ كمية من الصفحات تفوق عشرة أضعاف الأربع صفحات التي تناول فيها سعاده شرح  القومية.  إن هذا الفصل هو أكبر فصول الكتاب، وعنه يقول سعاده إنه يشكِّلُ درس البناء النفسي للإجتماع.  فهل هذا الفصل هو إضافة أيضاً؟!  فإذا كان إضافة، يصبح الكتاب كله إضافة بإضافة! أما إذا كان من جوهر الكتاب، فإننا نواجه مشكلة كبيرة وهي كيف نوفِّق بين ذلك وبين رأي الدكتور عيسى بأن الكتاب هو كتاب مادي؟  الإجابة على هذا السؤال ليست مشكلتنا نحن، بل هي مشكلة الدكتور عيسى!

نحن نعرف أن سعاده اعتبر موضوع القومية من صلب غرض الكتاب عندما قرأنا في نهاية مقدمته: "عسى أن يفي هذا المؤلّف بالغرض الّذي وضع لأجله فيوضح من حقائق الاجتماع ما يجلو الغوامض في فهم الأمم والقوميّات."  

نحن نرى أن درس القومية هو متمم لدرس الأمة لأن القومية داخلة في معنى الامة.  "الأمة هي هيئة تحقق فيها الوعي."  وما الوعي غير وعي الجماعة لشخصيتها ووحدتها، أي قوميتها؟  "إن سعاده واضح وصريح  وكافٍ، ولا أحد يمنع أحداً من القراءة"،  ولا أحد يمكن أن يكون وصياً على احد في قراءته لسعاده والإيمان به معلماً وزعيماً وهادياً للأمة والناس.

نعود الى الفصل السابع لنرى أن سعاده كان معرِّفاً الأمة بشكل تام وكامل، وليس فقط من الناحية المادية كما يقول الدكتور عيسى.  سعاده يبدأ بتعريف المتحد ليصل الى تعريف الامة بالنسبة له على أنها أتم متحد. ثم يقدم تعريفاً للامة مستقلاً دون نسبته الى المتحد.

تعريف المتحد:

إن التعريف العلمي الأخير الذي استقر عليه سعاده بعدما امعن درساً وتحليلاً للآراء والمعتقدات والتحديدات التي لغيره، هو :"المتحد جماعة من الناس تحياة حياة مشتركة في بقعة معينة ذات حدود."

إن عبارة جماعة من الناس لا تعني شيئاً مادياً فقط، لا تعني مجرد كائنات مادية متجمعة متحركة، بل هي جماعة لها شخصيتها التي هي "مركَّبٌ إجتماعي اقتصادي نفساني"، حسب تعبير سعاده.

الحياة المشتركة لا تعني حياة مادية بحت، بل للحياة مصالحها المادية والنفسية، وسعادة عندما يشرح المتحد ويتكلم عن الحياة المشتركة أو الإتحاد في الحياة، يوضح ما يعنيه تماما بالحياة بأنها "الحياة بكل مصالحها".

إن مسألة العلاقات، أي المصالح والإرادة، هي غير مسالة الصفات في موضوع المتحد، ولا ندري لماذا ساوى الدكتور عيسى دورهما ومحلهما في مسألة المتحد وتعريفه.

لقد بيّن سعاده بأن الصفات ليست في اساس المتحد ولا هي تولّد المتحد لأنها ليست هكذا في الحقيقة، أنها نتيجة وجوده وليست سبباً له.  أما المصالح، فلها كلام آخر.  إنها في اساس المتحد، فهي وراء كل متحد وهي تولّد الإجتماع، وهي والإرادة  قطبي المجتمع.  يقول سعاده إن رابطة المتحد هي رابطة المصلحة.

بعد أن شرح سعاده معنى المصلحة وميّز بينها وبين المنفعة، يخلص الى القول: "إنّنا نعني بالمصلحة في هذا البحث كلّ ما يولّد أو يسبّب عملاً اجتماعيّاً وبناء على هذا التّعريف يمكننا أن نقول إنّ رابطة المتّحد هي رابطه المصلحة، فالمصلحة وراء كلّ متّحد. وكلّما نمت الحياة وازدادت ازدادت المصالح الّتي تولّد الاجتماع وقلّت المصالح المفرّقة."  ويقول أيضا: "مصالح المتّحد ليست بيولجيّة فقط ، بل هي مصالح نفسيّة (عقليّة) ومصالح حيويّة نوعيّة أيضا".

إن تفسيرنا الوحيد لإعطاء لإعطاء الدكتور عيسى مسألتي الصفات والعلاقات نفس الدور، خلافاً لسعاده، هو أن العلاقات، أي المصالح والإرادة، ليست شأناً مادياً بحتاً، لذلك لا يجب أن تكون في اساس المتحد وتعريفه العلمي.  إننا لا نلوم الدكتور عيسى إذا كان لا يوافق سعاده في رأي، لكننا نلومه عندما يسوق رأيه هو زاعماً انه رأي سعادة. 

بعد فإن تعريف سعاده للأمة بأنها أتم متحد لا يمكن إختصار جوهره بقول الدكتور عيسى: "جوهر هذا الكلام أن سعاده يرفض ان تعرَّف الأمة بالسلالة الواحدة ما دامت الامة اشراكاً أو اتحاداً في الحياة في قطر معين".  هذا القول يوحي مجدداً بالمعنى المادي البحت للامة .

إن سعاده لم يتطرق للسلالات طيلة بحثه موضوع المتحد.  حتى أن كلمة سلالة وردت استدراكاً كما يلي:"مجموعاً متحداً في الحياة، متشابهاً افراده في العقول والأجسام تشابهاً جوهرياً، ولا نقصد بهذا التشابه شيئاً سلالياً بحتاً."

ثم أن المزيج السلالي لا يختزن وحده معنى الامة.  إن تركيز سعادة على حقيقة المزيج السلالي خلال بحثه معنى الامة هو لدحض واحدة من الإعتقادات الخاطئة التي يعتقدها البعض الذي يرد الامة الى اصل لغوي واحد أو اصل ديني واحد أو اصل سلالي واحد.

إن إعتبار المزيج السلالي هو جوهر معنى الامة قد ادى بالدكتور عيسى الى اهمال فكرة الإتحاد بالحياة، بكل مصالحها المادية والنفسية، والقول على لسان محاوره "ج": "لقد فهمت الآن الامة جماعة من البشر مركبة من مزيج من السلائل في قطر معين".  لا وحدة حياة مادية نفسية، ولا وحدة مصالح مادية نفسية، ولا وحدة عوامل نفسية مادية، ولا من يحزنون، فقط مزيج سلالي مادي على أرض مادية! واصبحنا نتيجة ذلك نحن واليهود امة واحدة لأننا نحن واياهم جماعة من البشر مركبة من مزيج من السلائل في القطر السوري, على ما بيننا من تناقض في المصالح وتناقض في الحياة.

إن سعاده عالج مسألة المزيج السلالي كوجهة من الأوجه التي استعرضها.  فهو يقول، مثلا: "إن الأمة من الوجهة السلالية أو من وجهة الأصل هي كذا، وكذا.."  وحتى من هذه الوجهة، فان المزيج السلالي لا يعني شيئاً مادياً فقط، فها هو سعاده يوضع في التعالم:

"إن مدلول الامة السورية يشتمل على هذا المجتمع الموحد في الحياة الذي امتزجت اصوله وصارت شيئاً واحداً.. . فالأصول المشتركة الكنعانية-الكلدانية-الآرامية-الاشورية-الحثية-الآكادية، التي وجودها وامتزاجها حقيقة علمية تاريخية لا جدال فيها، هي اساس اثني نفسي تاريخي ثقافي."

هكذا نجد الاساس النفسي، الى جانب المادي، لتعريف الامة حتى من وجهة الأصل او السلالة التي يعتبرها الدكتور عيسى شاناً مادياً.  إن الدكتور عيسى في إختصاره معنى الامة في المزيج السلالي معتبراً إياه مزيجاً مادياً، أي مادة الأمة، فإنه بذلك يتابع إختصاراته حيث أنه في مكان آخر قد إختصر الفلسفة المدرحية كلها بانها تعني أن مادة الامة هي المزيج السلالي وروحها هي القومية.  هكذا، أين هي المادة في الفلسفة المدرحية؟  إنها في المزيج السلالي؛ أين هي الروح في الفلسفة المدرحية؟  إنها في القومية!

هكذا الفلسفة المدرحية اصبحت جواباً على سؤال مدرسي أين هي المادة وأين هي الروح.  أما فلسفة التفاعل الجامع الموحِّد القوى الإنسانية فلا ندري كيف يكون تفاعل المزيج السلالي مع القومية؟

تعريف الأمة

إن التعريف العلمي الذي وضعه سعادة للأمة في نهاية ابحاثه هو: "الأمّة جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النّفسيّة ــ الماديّة في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التّطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات".

لاحظ "حياة موحدة المصالح"، أي العلاقات، و"موحدة العوامل المادية النفسية".

هل هذا تعريف الأمة من الناحية المادية فقط كما يقول الدكتور عيسى، أم أنه تعريف للأمة .. فقط؟

خاتمة: نسبة "نشؤ الأمم" الى المدرحية

صحيح أن كتاب نشؤ الامم هو كتاب علم وليس كتاب فلسفة، وصحيح أيضاً أن الفلسفة المدرحية ليست مشروحة في هذا الكتاب، لكن الصحيح أيضاً، أن الفلسفة القومية الإجتماعية المدرحية مبينة ومؤسسة على الحقائق العلمية التي يقدمها كتاب نشؤ الأمم ولا يمكن لها أن تتعارض مع اساسها.

إنها مدرحية لانها مبنية على الحقائق العلمية التي  تكشف لنا عن الأساس المادي الروحي للحياة الإنسانية في كتاب نشؤ الامم، وتزيح الستار عن العوامل المادية الروحية الكامنة وراء سير الحياة والتاريخ.  هذه هي نسبة كتاب نشؤ الامم الى الفلسفة المدرحية، انه اساسها العلمي.  لهذا السبب، فإن درس الفلسفة القومية الإجتماعية المدرحية، يبدأ من درس هذا الأساس العلمي العالي الأهمية، إنها مستخرجة منه وهو أم مساعد على فهم الصفة أو الخاصة المدرحية للعقيدة القومية الإجتماعية.

قمة الصفحة

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
خالد ولو رحل
رسالة الى الرفيق منير حيدر
نشؤ الامم كتاب علمي
في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي
الحوار الإسلامي المسيحي
ماذا يعني لي شرفي وحقيقتي ومعتقدي
فلسفة الإنسان الجديدة:الإنسان المجتمع
مداخلة على "حقيقة الفرد للرفيق حنا
هذه هي الديمقراطية التعبيرية
حدث معي في "هذا الحزب"
ملحق "هذه هي الديمقراطية التعبيرية"
قضية الإنتماء والحرية الصراع
قيادات لا تتحمل أبطالاً
قانون الإنتخابات والتوازن والتعايش
الفرق بين السياسة والإجتماع في كتاب نشؤ الأمم
نسبة كتاب نشؤ الأمم الى الفلسفة القومية الإجتماعية
مقالك رائع
شوقي خيرالله وحرب طواحين الهواء
عودة الى مقالة مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين