|
رحل الرفيق عبدالله قبرصي...
رحل رفيق من الرفقاء الذين كانوا أكثر جدلاً في تاريخ
الحزب...
قد تخالفه في رأيه أو توافقه عليه، لكنك لا تستطيع أبداً
إلاّ أن تحبه...
أول ما رأيته شخصياً كان عام 1970، في مؤتمر ملكارت...
عندما وقف على المنبر خطيباً خفت عليه من التلعثم
بالكلام...
ربما كان قصر قامته، هو السبب الذي أوحى إلي أن أخاف عليه
أن يتعلثم في خطابه أو يفتقد الى الكلام، لكن الكلام كان
يخرج من فمه غزيراً، حيث بدا وأنت تحاول أن ترافق غزارة
الكلام المتدفقة من فمه، مارداً يزداد إرتفاعاً كلما إزداد
كلاماً...
عندما يريد أن يقنعك في إمكانية حدوث أمر ما، يحمل وجهه كل
التعابير المساعدة على الإقناع...
هذا ما حدث بالضبط، عندما طلبت منه في زيارة له أن يروي لي
قصة هروبه الى الأردن. حاول أن يقنعني أنه وضع تحت المقعد
الخلفي لسيارة تكسي إمركية الصنع، وانه كان عليه أن يتحمل
ثقل الركاب الجالسين فوقه، كل ذلك ليتفادى ذكر القصة
الحقيقية لإستطاعته الخروج من لبنان ودور صديقه فؤاد
جلبوط(مدير الأمن العام في ذلك الوقت) في ذلك الأمر...
لم يعرف الرفيق عبدالله قبرصي حياة خارج الحزب...
لكنه لم يعرف أن يبني رأياً واضحاً ملتزماً ضمن الحزب،
فكان دائماً يعيش في ظل غيره...
في حضور الزعيم كان يعيش في ظل الزعيم، دائما يحلم بقوة
مثل قوته، وإرادةً مثل إرادته، وعزماً مثل عزيمته،
وتصميماً ذا معنى مثل تصميمه، لكنه دائماً كان يختلط عليه
الأمر...
في غياب الزعيم القسري عاش في ظل نعمه ثابت وفايز الصايغ،
لم يردعه إيمانه بالقضية القومية من أن يجاري نعمه ثابت في
"واقعه اللبناني"...
كان يخاف كثيراً...
عندما عاد سعاده من مغتربه القسري، منعه خوفه من أن يتدخل
لدى الزعيم لصالح نعمه ثابت الذي تمسك ب"الواقع اللبناني"،
بينما لازم هو الصمت...
في الكوره عاش دائما في ظلّ الرفيق الراحل عبدالله
سعاده...
عندما كان الرفيق عبدالله سعاده يخطط لمحاولته الإنقلابية،
لم يتردد عن التأييد أو الصمت، إذ كان خوفه يمنعه دائماً
من الرفض، حتى ولو كان مقتنعاً بسلامة رأيه وأن ذلك الرأي
يمكن أن يجنّب الحزب كارثة من الكوارث، فهو كان يرتعد في
حضرة الرفيق عبدالله سعاده...
وعندما تسنى لإنعام رعد ان يتلبّس جلد النمر، عاش الرفيق
عبدالله ف ظلّهرعد، سلك مسلكه، أتبع
إسلوبه، سكت عن مثالبه. ربما كان أضعف وأخطر موقف له
في ذلك الحين، هو سكوته
عن قرار إنعام رعد بتصفية الرفيق الشهيد وسيم زين الدين
(ابو واجب)...
كان يخلط بين واجب الشكر وإسلوب التزلف. هذا الخلط هو
الذي دفعه أن يكتب الى كمال جنبلاط رسالة يشكره فيها على
موقفه في المجلس النيابي بعد إستشهاد الزعيم. قيل إن
الرسالة لم تصل الى كمال جنبلاط في وقتها، لذلك نشرها
الرفيق عبدالله قبرصي في مجلة "صباح الخير" بتاريخ السبت
في 15/3/1986. في تلك الرسالة تحول الشكر الى تزلّف يمجّه
أي فهمٍ قوميٍ إجتماعي. من تلك الرسالة نقتطف ما يلي:
"لقد قرأنا أنه طلب (سعاده) أن تظلّ
عيناه مفتوحتين ليرى الرصاص يخترق صدره."
"أين تلامذته – جنوده؟"
"أيننا نحن الذين كنّا
نخاطبه:الزعيم المفدى؟ كلنا قابعون في المغاور والكهوف
والمشارد. كلنا هاربون. وحدك أيها القائد المثالي
(جنبلاط) في ساحة القتال. وحدك حملتَ صوتك ودخلت الهيكل
لتطرد الطغاة. وحدك رفعتَ رأس الحربة. كما علمنا سعاده
البطولة، علمتنا أنت البطولة. لمثلك تنحني هاماتُنا
احتراماً وشكراًز لأنك كفّرتَ عن صمتنا بصوتك الصارخ. ثق
ايها القائد الوطني الكبير أننا لن ننسى موقفك. ثق انك
كنت صوت العدالة والحق. أيها القائد البطل. مثلك ومثل
سعاده يكون الفرسان أو لا يكونون". (لأن
الشيء بالشيء يذكر أثبتنا في أسفل هذه الكلمة، مقطعا من
"قضيب الزعرور" لسعيد تقي الدين)....
ربما كانت عقدة عبدالله قبرصي هي رغبته في أن يكون
تلميذاً، جندياً، قائداً، بطلاً، فأرساً، شجاعاً، رافعاً
لرأس الحربة، له صوت مدوىٍ في الملمات، لكنه كان يعلم
جيداً أنه عاجزٌ عن أن يكون أيّ شيء منها...
ربما سينزعج كثيرون لكلمتنا هذه...
لا بأس فنحن لا نتملق، ولا نتزلّف، ولا نساوم، ولا يعنينا
التملق أو التزلٌّف أو المساومة...
ما يعنينا هو التاريخ..
ما يهمنا هو مصلحة القضية القومية الإجتماعية....
مصلحة القضية القومية الإجتماعية لا تتحقََّق بالتستر
والتعمية والكذب والتدجيل، بل بالحقائق والوقائع، والتاريخ
لا يرحم...
حسبنا أننا صادقون فيما نقول، وحسبنا أننا أحببنا الرفيق
عبدالله قبرصي، رغم مخالفتنا إياه في كلّ شيء تقريباً...
مقطع من "قضيب
الزعرور" لسعيد تقي الدين
"سبحان الذي يزرع في القلوب ما يزرع، فأنا لا تصرعني
شخصيتُه (كمال جنبلاط) ولا علومه. غير أني شديد الإعجاب
بشطارته السياسية على ما عُرِفَت به السياسة في لبنان".
"إن العقلية المادية السائدة فيما يختصُّ بالعلاقات
السياسيّة في لبنان تهمل الواجب الذي تفرضه المثالية على
رجل الحياة العامه، فيصبح كلّ شيء ثمناً وغاية مادية.
وتُمسي العلاقات مقايضة وتجارة".
"إن جنبلاط دافع عنكم يوم مقتل سعاده".
"مثلُ هذا التخريج لا يعترف بأن أقلّ ما على النائب هو رجل
حياةٍ عامة – وجنبلاط إذ ذاك معارض على كل حال – إن أقل ما
عليه من واجب إذ يُعدّم ظلماً زعيمُ حزبٍ وستةٍ من رفقائه
على مرمى غمزة من المجلس النيابي، والوف يسجنون ويشرّدون
ويُفظّع بهم (احدهم نسفوا بيته)، إن أقل ما عليه من واجب
أن يقف في المجلس، وكل هذا حدث على بعد غمزة من ندوته،
فيُسْمِعَ الناس عطسةً من خطاب".
"لو أن للشعب ضميراً قومياً لحاسبوا كلَّ نائب وكل مسؤول،
لسكوتهم يومئذ عن ذلك الظلم المجرم".
"ولكنني أريد تجنباً للجدل، أن أعترف بعقلية "الحديد
بقضامي" وأن أصدق ذلك الخطاب – مكرمة المكرمات – هزّ
الدنيا. فالحزب القومي كان قبل ذلك أعطى جنبلاط في
الإنتخابات ما ضمن له الفوز برغم سلطنة بشارة الخوري".
"ويجب أن لا ننسى أن كمال جنبلاط كان يتوهّم أن أمر الحزب
أنتهى بموت سعادة، وكان كمال بك فاغراً فاه ليغترف إرث
سعاده. لا تنسَ أن أكبر رسمال كمال جنبلاط هو موروث. ولا
ريب أن المَيْرَثة (ميسم الإرث أي العقدة النفسية التي
تجعل الإنسان مهووساً بالسيطرة عن طريق الإرث) تسيطر
عليه". |