|
إن مجرد التساؤل عن طبيعة
الحزب الذي أراده سعاده، يعني أننا لسنا نجد حزب سعاده
الحقيقي في وضع الحزب الراهن.
لو أن الحزب الحالي هو
فعلاً حزبُ سعاده، يحمل عقيدته، ويسير بنظامه، وينهج
بنهجه، ويتجه نحوا أهدافه وغايته، لما خطر ببال احدٍ أن
يسأل عن مفهوم الحزب الذي أراده سعاده! إن طبيعة السؤال
يحمل جزءاً من الجواب: سعاده أراد الحزب على غير الصورة
التي هو عليه الآن.
لقد أصبح معروفاً منا
جميعاً بعد سبعين سنة من تأسيس الحزب، وبعد نصف قرن على
إستشهاد سعاده، أن مؤسسات الحزب المركزية وأجهزتها كانت
دائماً، وفي غياب الزعيم، أكان أثناء غيابه القسري في
أميركا الجنوبية بين العام 1938 والعام 1947، أو بعد غيابه
بالإستشهاد سنة 1949، نقول إنها كانت بعيدة كثيراً،
ودائماً، عن القضية السورية القومية الإجتماعية التي وجد
الحزب ومؤسساته أصلاً لخدمتها وتحقيقها.
نشعر جيمعاً عاملين في صفوف
الحزب حالياً، أو منكفئين طوعاً او فصلاً، أن الحزب لا
يسير في الإتجاه الذي رسمه سعادة، لا أحد منا مقتنع بأن
النهج المتّبع في قيادات الحزب العليا، منذ إستشهاد سعاده
وحتى اليوم، يوضل الى تحقيق شيء ولو بسيطٍ جداً من أهداف
الحزب الأساسية والإصلاحية.
إن أمام أعيننا مشهداً
كبيراً جداً في حجمه وفي مغزاه، يمكن تلخيصه بما يلي: أن
أفواجاً كبيرةً وكثيرةً من السوريين التائقين للحرية
والسيادة قد دخلت الحزب بكل إخلاص وعزيمة صادقة على مدى
تاريخه الطويل، وان هذه الافواج نفسها قد خرجت منه، وأن
لخروجها اسباباً يجب درسها. إذا كنا أمام معطيين أساسيين
هما: صحة العقيدة وجودة خصائص ومزايا السوريين، فثمة سؤال
يطرح نفسه بإلحاح وهو: لماذا إذاً لم تنتصر القضية السورية
القومية الإجتماعية بعد؟
إن سبباً كبيراً يجب البحث
عنه. فلنأخذ قول سعاده التالي: "إن
الأمم كلها تريد الخير والفلاح ولكن المشكل هو في إيجاد
التعبير الصالح عن هذه الإرادة. فالإرادة العامة إذا لم
تجد التعبير الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة
تصبح عرضة لأن تقع فريسة المآرب التمثيلية."
فلنبحث في الفكرة ومدى وضوحها، ولنبحث في القيادة ومدى
صلاحها.
إن عشرات الألاف من الأعضاء
الذين وعوا وآمنوا وإنتموا وعملوا إنما تركوا الحزب، ليس
لضعف في وعيهم وإيمانهم، إو شك في إنتمائهم، قلّة
إستعدادهم للعمل، فتاريخ الحزب يشهد، والناس كلهم يشهدون،
على ميزة البذل والعطاء الأسطورية التي يتمتع بها أعضاء
الحزب. ولكن هؤلاء الأعضاء المنتمين بصدق وإخلاص وإيمان،
هم وليس غيرهم المسؤولون عن هذا المشهد السيء. هؤلاء
كانوا، وكان الحزب معهم، ضحية الفهم الخاطيء لمبدأ الثقة
في الحزب، فمنحوا ثقتهم لغير الجديرين وغير المؤهلين،
فأمكن قيادتهم في الإتجاه الخاطيء الذي لم يؤدِّ الى تحقيق
شيء من غاية الحزب التي من أجلها كان إنتمائهم أصلاً
إليه.
هؤلاء لم
يفهموا جيداً ولم يعوا تماما، أربعة: أولا: عقيدة الحزب –
فلسفته – نظرته إلى الحياة. لقد عملت القيادات غير المؤهلة
على الإيحاء أن النظرة الجديدة للحياة والكون والفن هي
عنوان جميل فقط، ولم تعمل، لعجزها، على شرح وإيضاح شيء
منها. الإنسان- المجتمع والمدرحية والإقتصاد، إدعت
القيادات غير المؤهلة أن سعادة لم يشرحها، لم يستكملها،
إستشهد قبل أن ......، مات قبل أن ......، مات ومات سرَّه
معه!! بينما الحقيقة أن سعادة كله موجود معنا، وإنه واضح
وكافٍ، ولا أحد يمنع أحد من البحث في تراثة ودرسه ومعرفته.
إن بعض قادة الحزب، بعد إستشهاد سعادة، أنكروا عليه أنه
صاحب علم أو صاحب فلسفة. بعضهم قال أن سعادة ليس عالما بل
ناقل علم وأن " نشؤ الأمم" ليس له بل للعلماء الذين ذكرهم
فيه. وبعضهم قال أن ليس لسعادة نظرة جديدة، أي فلسفة ، في
الديمقراطية وإنبثاق السلطة في المجتمع، وأن نظام سعادة هو
نفسه نظام الديمقراطية التمثيلية دون زيادة أو نقصان. ثم
أن نظرة سعادة إلى الإنسان، ورغم أنه أدلى بها بعبارات
واضحة جليَّة سهلة قاطعة حاسمة، مثل: "الإنسان في نظر
سعادة هو المجتمع وليس الفرد ...." فقد بقيت قيادات الحزب
تصرُّ على أن الإنسان- المجتمع ليس سوى الإنسان الإجتماعي،
أي أن إنسان سعادة ليس هو المجتمع بل هو الفرد الإجتماعي،
الإنسان-الفرد المنتمي إلى مجتمعه.... الخ. وبديهي أن هذا
الإصرار وهذا التأويل ليس بجديد وقد رأيناه قبل سعادة
بكثير عند الكثيرين من علماء الإجتماع وكتَّاب الأدب
الإجتماعي، ويعني أيضا أنه ليس لسعادة شيئا جديداً وأن قول
سعادة "هذه هي فلسفة الإنسان الجديد " هو كلام بكلام !!!
أما عن
المدرحية فحدث ولا حرج. فبيمنا وصفها سعادة بأنها " فلسفة
كاملة" و" فلسفة التفاعل الجامع الموحد القوى الإنسانية "
وموضوعها التطوّر الإجتماعي وفهم عوامله وقواه. أخذ قادة
الحزب "الكبار" يحاولون " مقاربتها" موحين أنها صعبة جداً
أو غامضة جداً، أو ناقصة جداً. وقد وجد من إدعى أنه وجدها
!! أنه قبض عليها كاملة، فالفلسة المدرحية في نظره يكمن
"سرها" بأن المادة هي المزيج السلالي والروح هي
القومية!!.
ثانيا: نظام
الحزب- النظام الجديد- نظام الفكر والنهج- وليد العقيدة
الجديدة ومحققها. سعادة يقودنا ويقود مجتمعه إلى الأمام،
إلى شيء جديد جميل، إلى "الإبتكار الأصلي الذي هو من مزايا
السوريين" إلى النظام الجديد الذي " ستمشي عليه البشرية في
المستقبل" . وهم يشدونه ويشدوننا إلى الوراء الى الشكل
"مستغنين عن الأساس" وينكرون أن سعادة إبتكر نظاما جديداً.
الغريب العجيب أنه رغم شمول غاية الحزب على نص صريح فصيح
هو: "إقامة نظام جديد" فإن قادة هذا الحزب السيء الطالع
ينكرون أن لسعادة نظاماً جديداً وتراهم "يجاهدون" لإدخال
الديمقراطية إلى الحزب لدرجة أن واحدنا أصبح يتساءل: لماذا
دخل هؤلاء الحزب طالما أنه خال من الديمقراطية وليس فيه أو
في مبادئه شيئا جديداً؟.
بالفعل إن
الحزب الحالي لم يعد فيه شيئاً جديداً وهو فعلاً خال من
الديمقراطية!! فنحن ندرس دستور الحزب الحالي ونفتش على اثر
لديمقراطية سعادة التعبيرية الجديدة ونظام سعادة الجديد
فيه فلا نجد شيئا. إننا نجد تقليداً سيئاً وتجميعا
عشوائياً لأنظمة عتيقة رجعية إنتقدها سعادة صراحة وبكلمات
قاسية مثل: "إن الديمقراطية
الحاضرة قد إستغنت بالشكل عن الأساس فتحولت إلى نوع من
الفوضى لدرجة أن الشعب أخذ يئن من شلل الأشكال
التي أخذت على عاتقها تمثيل الإرادة العامة وصار ينتظر
إنقلابا جديداً. وهذا الإنقلاب الجديد هو ماتجيء به
الفلسفة السورية القومية الإجتماعية القائلة بالعودة إلى
الأساس والتعويل على التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من
تمثيل الإرادة العامة الذي هو شكل ظاهري جامد
".
إن تلامذة
سعادة لم يكونوا بحاجة لمقالته في سانتياغو سنة 1940
والموجود نصَّها في الآثار الكاملة الجزء الرابع صفحة 38
لكي يعرفوا أن نظامهم هو "نظام جديد" . أليست عقيدتهم هي
عقيدة جديدة؟. هذا يكفي، فنظامهم هو حتما مستمد من عقيدتهم
ونظرتها إلى المجتمع والسلطة وإنبثاقها. إن تلامذة سعادة
قبل 1940 كانوا يعرفون أن نظامهم جديد وهو قد وضع على
قواعد "حيوية" وكانوا يعرفون أن العقيدة الجديدة لايحققها
نظام عتيق. إن العقيدة أملت هذا النظام وهي قررته وهو وحده
يحققها. ألم يقرن سعادة العقيدة بالنظام ويجعل العقيدة
والنظام قضية واحدة شرط إعتناقها هو شرط الإنتماء إلى
الحزب؟ . في المادة التاسعة من دستوره نقرأ: كل سوري ذكر
كان أم أنثى يحق له دخول الحزب على أن تتوفر فيه الشروط
التاليه: أ- ب- ج- د: بأن يدين بالقومية السورية
الإجتماعية ويعتنق مبادئ الحزب ونظامه. إن هذا النظام
الجديد الذي على من يريد الإنتماء إلى الحزب أن يعتنقه
إعتناقاً ماذا بقي منه الآن؟؟. أين أصبح؟؟. لقد أصبح مجرد
قيد أو سيف "سيف النظام" يلزم الرفقاء بطاعة غير واعية
لمسؤولين غير موثوقين وغير كفوئين وغير مؤهلين بل غير
مؤمنين أو غير جديين في إيمانهم يصدرون قرارات يجب أن تطاع
حتى ولو لم "يخولهم الدستور إصدارها".
ثالثا: أسلوب
التفكير القومي الإجتماعي العملي والنهج والإستراتيجية
القومية التي تحقق غاية الحزب. لقد أصبح منسياً اليوم إن
الحزب هو دولة السوريين القوميين . الجميع يتكلمون اليوم
على دستور الحزب ولايعلمون أن الدساتير وجدت للدول وليس
للأحزاب. كل الأحزاب عندها "أنظمة داخلية" و "أنظمة
أساسية" وليس عندها دساتير. فقط الحزب السوري القومي
الإجتماعي له من الأساس دستور. إنه دستور الحزب-الدولة
وليس الحزب السياسي العادي.
إن القواعد
التي نشأ عليها حزب سعادة، وإن مقدمة دستوره ومواده تدل
بوضوح على صفة الدولة أو الحزب- الدولة. بل هناك إعلان
صريح بذلك على لسان سعادة نفسه في أول إجتماع سري للحزب
سنة 1935 يقول: "الحقيقة أيها الرفقاء إننا قد ترابطنا في
هذا الحزب لأجل عمل خطير جدا وهو إنشاء دولتنا ليكون كل
واحد منا عضو دولته المستقلة، والعمل ولاشك شاق فهل نعجز
عنه؟"
أين في صفات
الحزب حاليا من صفات وخصائص حزب سعادة سنة 1935؟ أين هم
رجال الحزب-الدولة اليوم وكيف هو أسلوب تفكيرهم العملي
ونهجهم وأين هي إستراتيجيتهم القومية لتحقيق غاية الحزب-
الدولة؟. إن الحزب اليوم هو أقل بكثير من حزب سياسي عادي.
رابعاً: تاريخ
الحزب خلال قيادة سعادة. نحن لاتعرف كيف إستشهد سعادة مثلا
ولماذا وماهي أدوار المحيطين به طيلة سنوات 47 و48 و49
وإبان إستشهاده وبعد إستشهاده. إن مؤسسات الحزب بعد
إستشهاد سعادة لم تستطع حتى الآن، أي بعد 55 سنة، أن تقدم
رواية موحدة عن ظروف وكيفية وحيثية إستشهاده. فكيف لهذه
المؤسسات أن تستطيع تصحيح تاريخ الأمة السورية وتكتبة
للأجيال السورية من أجل إعادة بناء هويتها القومية
وسيادتها؟.
إن تاريخ
الحزب هو تاريخ هذا الصراع المصيري الكبير وهذا العراك
العنيف بين عوامل الحياة الجديدة وعوامل الإندثار والهلاك
والموت، هذا التاريخ من يكتبه ؟ من هو المؤهل اليوم
لكتابته وتدريسه ؟؟.
إن فهم
الرفقاء ووعيهم لهذه المحاور الأربعة، و"إدراكهم العالي"
لعقيدتهم ونظامهم الجديدين ، هو الذي سيؤدي إلى الصحوة
الكبرى التي ستمسك بالحزب وتعيده إلى إتجاهه الصحيح.
إن الرفقاء
اليوم لم يبق لهم شيء صحيح من حزبهم سوى تعاقدهم الصادق
المتين الذي لاينفك أبداً مع سعادة. كل ماعدى ذلك أصبح
خللاً وزغلاً وفشلاً.
هذه دعوة إلى
درس سعادة في تراثة المكتوب وفي سيرته وجهادة وتاريخ صراعة
حتى الموت. |