مداخلة على
"الحركة القومية الإجتماعية الى أين؟
دعوة للحرية"(باسل ناصر)
كتب الدكتور باسل ناصر مقالة بالعنوان المشار إليه أعلاه تناول فيها
نقاطا متعددة، بدت على تعددها وغياب التحديدات الدقيقة لها، على شيء من
التناقض والغموض أحيانا. طبعا، نحن نعتقد بقوة أن سبب ذلك هو ما يشعر
به الدكتور باسل ناصر وأمثاله من الذين تقض مضاجعهم هموم القضية
القومية ويصدمهم الواقع المرير التي وصلت إليه. لذلك نراه يسوق جميع
المسائل مرة واحدة ويحشرها في حيز ضيق، مما أفقد المقالة التماسك
والوضوح المطلوبين. سأحاول في ما يلي أن أحدد بقدر الإمكان أهم النقاط
التي وردت في هذه المقالة:
1. يشغل الفكر القومي الإجتماعي حيزا مهما، وإن كان غير كاف، في
الساحة الوطنية، والحزب بكل تنظيماته كان عاملا معرقلا لأنتشار هذا
الفكر، بدل أن يكون مولدا لهذا الإنتشار.
2. ما حققه أنطون سعاده للحزب والقضية كان "أكبر نسبيا" مما حققه الحزب
بعد إستشهاد سعاده.
3. لا يمكن تحميل أشخاص محددين مسؤولية الفشل، بل إن ذلك يعود الى
"العقلية التبعية السائدة في مجتمعنا". هذه العقلية رفضت التغيير
بإتجاه أطر جديدة للعمل وحافظت على قوانين وهياكل تعود الى الثلاثينات
والإربعينات من القرن الماضي.
4. العقلية المعطلة إياها، المشار إليها آنفا، كانت أيضا سببا في منع
الحرية الفكرية والسياسية في الحزب، مما سبب في رحيل كثيرين من
المفكرين الكبار عنه، وهؤلاء المفكرون الكبار أصبحوا خارج الحزب ذوي
شأن كبير في المجتمع السوري والعالمي بنتاجهم الفكري الذي يستند الى
الفكر القومي الإجتماعي.
5. "كيف يمكننا ممارسة الحرية دون إمكانية جميع القوميين أخذ فرصة
تطبيق أفكارهم وقناعاتهم" مما يجعلهم يشعرون باليأس في ظل قوى مسيطرة
على الحزب بشكل مزمن، تتهم كل من يبدي أفكارا معينه بالخيانة ومحاولة
شق الحزب أو أو تقسيمه.
6. " ظاهرة إرتباط العقيدة بالسياسة" أدت ، في الحزب السوري القومي
الإجتماعي، بكل إنشقاقاته، الى تخوين من يقوم بذلك (نعتقد أن المقصود
هنا هو تخوين من يحاول ربط العقيدة بالسياسة من قبل الآخرين).
7. بناء على ما تقدم، ولأن العقل هو الشرع الأعلى للإنسان، وإستنادا
الى كل التجارب التي مر بها الحزب، يسوق الدكتور باسل ناصر عدة
إقتراحات منها إعادة بناء الحزب وتحويل بنيته الحالية الى "مؤسسة فكرية
عقائدية ذات صفة أكاديمية تضاهي أعرق أكاديميات العالم بتنظيمها
وبالحرية الكامنه داخلها دون وصاية أو رقابة". هذا الى جانب مقترحات
أخرى يمكن الأطلاع عيلها مباشرة من خلال الأطلاع على مقالة الدكتور
باسل مباشرة، منها تأسيس "أحزاب سياسية لها توجه قومي إجتماعي تتعاون
من خلال مجلس يتكون من هيئتين: ألاولى تتشكل من مندوبين متساوي العدد
لمختلف هذه الأحزاب، والثانية تكون عضويتها على أساس نسبي.
8. هذه الآلية المقترحة (تعدد الأحزاب ذات التوجه القومي) تساعد
القوميين على قبول الأختلاف فيما بينهم وإحترام الآخر دون خلق مناخات
غير صحية بين القوميين بعضهم البعض، وبينهم وبين غيرهم من المواطنين.
9. ينهي الدكتور باسل ناصر مقالته بالدعوة الى توقيع تأييد لإقترحاته،
مؤكدا أن المقصود من هذا الأمر ليس إنشقاقا حزبيا آخر.
ذكرت آنفا أن ما يدفع الدكتور باسل ناصر وإمثاله، من ضمنهم كاتب هذه
السطور شخصيا، على خوض موضوع الحزب والحركة، هو ما يعيشونه من قلق دائم
على القضية القومية وما يشهدونه من متاهات وإفشالات تغرق فيها هذه
القضية. لكني أظن أن الخوض في موضوع الحزب والحركة يتطلب أكثر مما أعد
له الدكتور باسل من عدة تمكنه من تحديد الداء ووصف الدواء، إذ أن بعض
ما ساقه من آراء يصب خارج التفكير والمفهوم القوميين الإجتماعيين،
سنشير أليه لاحقا في سياق هذه المداخلة، كما أنه يبدو أن هناك قصورا في
فهم سبب الإفشالات التي سقط فيها الحزب.
لقد حاولت على مدى السنوات الأربع الماضية، على محدودية ما أملكه من
وسائل، أن أخلق نوعا من الحوار بين القوميين المتنورين كي يساهمون على
وضع الحزب والحركة على سراطهما المستقيم ويفعلون دوريهما، دون أن ألقى
تجاوبا ملموسا وكافيا. لقد كان من ضمن هذه المحاولة أن كتبت مقالات
عدة منها:
Ø
في الأخلاق القومية الإجتماعية: بين الجوهر والتطبيق
Ø
في مفهوم الحزب: بين الجوهر والواقع
Ø
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمق للذات
Ø
الحزب الذي لم يعد هو الحزب
Ø
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
Ø
الخطاب القومي الإجتماعي: بين الحاصل والمطلوب
Ø
أزمة الحزب: خروقات مستمرة لنظام الفكر والنهج
Ø
أزمة الحزب، أزمة القوميين
لقد كان الغرض من جميع هذه المقالات، الى جانب رسائل ومداخلات كثيرة
وجهناها الى رفقاء قوميين، حث وتحريض أصحاب الأمكانيات الفكرية
والثقافية والعملية في الحزب، على القيام بدورهم ومسؤلياتهم، من خلال
بحث الوضع الحزبي ومناقشته والقيام بالدور المطلوب لأصلاحه. شعورنا
الشخصي أن كثيرين من الذين لا نشك في إخلاصهم القومي ورغبتهم في أن
يروا في الحزب السوري القومي الإجتماعي، حزبا قويا ونهضة منتصرة، ليس
عندهم الشجاعة الكافية أو الأستعداد الشخصي لحرق الأصابع والقيام
بالدور الذي نفترض ونتوسم أنهم يستطيعون القيام به. جميعهم يرغبون في
إظهار أنفسهم كأشخاص "نظاميين" يعملون من ضمن النظام ويتفهمون للواقع
الحزبي ولا يريدون إغضاب أحد، حتى ولو كان هذا الأحد عميلا وفاسدا.
كثيرون منهم لا يرغب في أن يخسر بعض الإلتفاتات والتربيت على الكتف
لهم، من قبل بعض أصحاب النفوذ. هم لا يرغبون في "قطع شعرة معاوية" مع
الآخرين، بغض النظر عما يمكن أن يكونوا فيه هؤلاء الآخرون من فساد
وإنحطاط خلق.
ردة فعلنا الأولية على مقالة الدكتور باسل ناصر ودعوته الى توقيع
عريضته، هو أننا وقعنا تلك العريضة تأييدا لإعادة بناء الحزب وتشجيعا
على مبادرته، وإيمانا منا بالحاجة الماسة الى مثل هذه المبادرة. طبعا
كان لنا تحفظنا ووعدنا له أننا سنكتب مداخلة نتناول فيها الأفكار
الواردة في مقالته.
لا نريد أن نتوقف كثيرا عند مقارنة ما قدمه سعاده للحزب وبين ما قدمه
الحزب بعد غيابه؛ لكننا نعتقد بقوة أن المقارنة بين سعاده وبين
المقبلين على دعوته غير دقيقة وفي غير موقعها. سعاده هو المؤسس وهو
المعلم وصاحب العقيدة وهو الذي كرس كل حياتها بكل ما فيها من جزئيات في
سبيل قضيته. لم يفاجيء الموت سعاده، وقد كان في موته كما كان في
حياته، معلما عظيما يحترمه الناس ويهابه الأعداء. كان بإمكان سعاده أن
يكون فقط "مفكرا كبيرأ" يملأ الدنيا ويحصل على كل شيء ممكن أن يراد على
الصعيد الشخصي، لكنه آثر أن يكون مخلّصا ومنقذا لشعبه بالرغم مما رآه
في طريقه من صعاب وعراقيل. هو كان الفكر والفعل، وهو كان القدوة أبدا
في فعل ومارس. كثيرون يحاولون أن يقارنوا أنفسهم بسعاده، ظنا منهم
أنهم يستطيعون ذلك، لكنهم جميعا سرعان ما يخجلون وينكفئون. ليس هناك من
مسيحي كالمسيح، ويصعب أن يكون هناك من القوميين من يمكن أن يكون
كسعاده. لأن الشيء بالشيء يذكر، ننظر مثلا الى ميشال عفلق، فهو له
أفكاره وقضيته، لكننا نراه عند أول تجربة يدخل فيها السجن يوقع على
رسالة الى حسني الزعيم، بمعنى أن دور الأحزاب والسياسيين قد إنتهى بعد
أن أصبحت الأمة بيد حسني الزعيم الأمينه (مذكرات سامي جمعه، صفحه 73).
هذا يقودنا أيضا للإشارة الى الملاحظة التي ساقها الدكتور باسل ناصر من
أن مفكرين كبارا قد خسرهم الحزب وأصبحوا "ذوي شأن كبير" خارجه دون أن
يذكر لنا أي مثل من هؤلاء وما هو المقياس الذي يقيس به شأن أي شخص على
الأطلاق. علما أن أي شخص وهب طاقات ذاتية معينه، يمكن أن يوظفها
بطريقة يصبح فيها ذا شأن على الصعيد الشخصي. لكن لا تجوز المقارنة مع
ما يحقق على الصعيد الشخصي وما يحقق على صعيد القضية. مثلا، ماذا حقق
هشام شرابي وغسان التويني وفايز صايغ على صعيد القضية القومية؟ هم على
الصعيد الشخصي كبار ولهم إمتدادهم "العالمي"، لكنهم جميعا لم يصبحوا
خارج الحزب بسبب العقلية السائدة في الحزب، بل لأن حساباتهم الشخصية لم
تتفق تماما مع حسابات القضية. فهم لو كان لهم ذلك الشعور القوي تجاه
أفكارهم الذاتية وما تعكس من قضية لهم، لكانوا عبروا عن ذلك بإنشاء
حركات وأحزاب، لكنهم لم يفعلوا ذلك كما نعلم. ماذا فعل هشام شرابي
وفايز صايغ بالتحديد للمسألة الفلسطينية التي يجب أن يكون شعورهما
إتجاهها أكثر قوة من شعورهما إتجاه أي مسألة أخرى؟ هل كانا يعيشان ألم
مواطنيها في مخيمات الذل، أم كانا منصرفين ليصبحا صاحبي شأنين عالميين
فيربحان الدنيا ويخسران أنفسهما؟ لقد ذكر غسان التويني مرة ما معناه
أنه بقتل أنطون سعاده، قتل الرجل الوحيد الذي كان بإمكانه علمنة العالم
العربي؛ سؤالنا، ماذا فعل غسان التويني وهو من هو على الصعيد الشخصي،
وهو ما هو على صعيد ما يملك، وهو المؤمن أيمانا كليا بالعلمنه، ماذا
فعل من أجل علمنة شعبنا وهو صاحب أهم مطبوعة في لبنان؟
يحمّل الدكتور ناصر"العقلية التبعية السائدة في مجتمعنا"، حسب تعبيره،
مسؤولية الفشل الذي وصلنا إليه، مفضلا عدم تحميلها ألى أشخاص معينين.
نحن نوافقه في هذا الأمر، وإن كنا نفضل أن نسمي هذه العقلية ب"العقلية
المخضرمة". القومية الإجتماعية ليست دعوة الى وحدة أرض وشعب فقط، بل
هي دعوة لتأسيس حياة جديدة لها قواعدها الأخلاقية وعقليتها الجديدة
المؤسسة على سلم من القيم جديد يعكس تطلعاتها وإستهدافاتها. لقد جذبت
الدعوة القومية الإجتماعية الكثيرين وبهرتهم، لكن كثيرين لم يستوعبوا
جوهر هذه الدعوة بالكامل، أم أنهم لم يردوا أن يستوعبونها بالكامل بسبب
ما تضعه على أكتافهم من مسؤوليات ضخمة. إن كثيرين وازنوا، وإن
الكثيرين يوازنون، بين ما هو شخصي وما هو عام يخص القضية العامة؛ لقد
كان وما زال، ينتصر ما "هو شخصي" على ما "هو عام في أكثر الحالات.
يقدم الدكتور ناصر إقتراحا لحل مشكلة الحزب وهو ممارسة الحرية كي يتمكن
الأفراد من تحقيق "أفكارهم وقناعاتهم" حتى لا ييأسوا ويتخلوا عن
الحزب. هنا يدهشنا الدكتور ناصر كثيرا، حيث نفكر كثيرا في سبب إقتراحه
هذا: هل عنده إطلاع كاف على فكر سعاده وهل يدرك أبعاد هذا الفكر؟ إذا
كان يدرك أبعاد هذا الفكر ويفهمه كيف يسمح لنفسه بالتحدث عن "أفكار
الأفراد وقناعاتهم"؟ كيف يمكن لملتزم بالفكر القومي الإجتماعي أن
يتحدث عن أفكار فردية وماذا يعني في ذلك بالتحديد؟ إذا كان الفكر
القومي الإجتماعي صحيحا، فما هي الحاجة الى أفكار جديد؟ إذا كانت
القومية الإجتماعية هي دعوة توحيد قومية، إجتماعية، نفسية، عقلية
وإخلاقية، كيف يتوخى الدكتور ناصر من تحقيق هذا الهدف إذا سمح للأفراد
بتطبيق "إفكارهم وقناعاتهم"؟ هل هذا الإقتراح ناتج عن تجارب حزبية
للدكتور ناصر أم لها مصدر آخر؟ .....
نقتطف من مقالتنا "في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي" ما يلي:
"الحزب كفكرة، هو دعوة الى الشعب كي يتوحد في مصالح حياتية تتناول كل
جوانب حياته. هي دعوة له كي يتوحد إجتماعيا ونفسيا وثقافيا وإقتصاديا؛
هي دعوة له كي يدرك وحدته في الجغرافيا وفي التاريخ وأهمية أن يكون له
وحدته السياسية. لكن بين هذه الفكرة وبين واقع المجتمع السوري هوة
ساحقة لا يمكن للحزب ان ينتصر أو يدعي إنتصاره، بدون ردمها أو
إزالتها.
الحزب كفكرة، هو حرب على المجتمع القديم الموروث والناتج عن قرون طويلة
من التخلف والتراجع والتقهقر والضياع وفقدان السيادة وإعادة الشعور
بشخصيته الذاتية ومميزاته الخاصة. الشعب غارق في متاهات العشائرية
والقبلية والعائلية والطائفية. أفراده غالبا ما يجدون أنفسهم مقيدين
ومشدودين الى تلك العصبيات، بوعي أو بدون وعي منهم. لذلك تأتي
تصرفاتهم لتعكس هذا التقييد او هذا الإنشداد الى تلك العصبيات التي
أصبحت قوية كالصدأ المكون على معدن لوقت طويل. إن إزالة تلك العصبيات
تتطلب جهدا أقوى بكثير من عملية إزالة الصدأ عن المعادن مهما كان
صعبا. فعملية إزالة الصدأ هي ميكانيكية، وهي لأنها كذلك تبقى سهلة
مهما صعبت. لكن عملية إزالة العصبيات الجزئية من النفوس هي على جانب
من التعقيد والصعوبة كبيرين وتتطلب وقتا أطول. عملية من هذا النوع
تعني هجوما وتعني حربا تستهدف القضاء على كل ما يقوم عليه التفكير
القديم من قيم فاسدة لإحلال قيم الحياة الجديدة مكانها.
الحزب كفكرة هو حرب على الفرديات والأنانيات،
الحزب كفكرة هو حرب على القبلية كعصبية وكبنية جزئية تبقى الشعب في
تباعد وتناتف،
الحزب كفكرة هو حرب على العشائرية كعصبية لها دور مشابه للقبلية،
الحزب كفكرة هو حرب على العائلية كعصبية تشغل الفرد في نطاق تافه وضيق
ومعطل،
الحزب كفكرة هو حرب على الطائفية، إذ هي فكرة مفسخة للمجتمع ولا علاقة
لها بموضوع الأيمان الديني،
الحزب كفكرة هو بناء الوعي عند المواطن ليدرك حقيقته ويعرف مكامن
العظمة والسمو في شخصيته وثفافته،
الحزب كفكرة هو تأسيس حياة جديدة على أسس مناقبية وأخلاقية جديدة
مستمدة بما تكون لنا وبما خلقنا من تراث ثقافي رائع عبر آلاف من
السنين،
الحزب كفكرة هو دعوة للشعب للثقة بالنفس والثقة ببعضه بعضا ليحافظ على
مصالحه ووجوده ويبني له مصالح جديدة يحصن بها هذا الوجود ويجعله أكثر
جمالا وأكثر قدرة على تلبية حاجاته النفسية والمادية. "
إذا كان الدكتور ناصر يرى ما نراه من مفهوم للحزب السوري القومي
الإجتماعي، كيف يسمح لنفسه أن يقترح أنشاء أحزاب على حجم قناعات
مجموعات من الناس، شرط أن يكون لها توجه قومي إجتماعي؟ إننا نرى أن
الدكتور ناصر يحاول أن يفصّل لباسا يناسب الوضع القائم ويبرره. نحن
نرى سؤ الوضع الحزبي هو أولا وأخيرا بسبب ما دخل في نفوس الكثيرين من
أمراض وفساد شخصيين. عندما تطغى المصلحة الشخصية عند الأفراد يبطل أن
يكونوا قوميين، بالرغم مما يدّعون ويتقوّلون. الوضع الحزبي الحالي هو
نتيجة تضارب المصالح الشخصية وتغليبها على المصلحة العامة على مدى أكثر
من أربعين عاما. طبعا لا نلغي، بل نؤكد على تأثير أصابع الخصوم في هذا
الأمر وتشجيعه، لكن المسؤولية الأخيرة هي مسؤولية الذين يقبلون تغليب
مصالحهم الشخصية على مصلحة القضية.
نحن بحاجة الى إعادة بناء الحزب، نعم؛ أم أن تتكون عندنا قناعة بفائدة
تشكيل أحزاب ذات توجه قومي إجتماعي، فلا. إذا كنا نؤمن بضرورة بناء
الحزب، فلنتكلم ونبحث في هذه المسألة، أما أن نبحث في وضع غير قومي
إجتماعي بقناعة منا أنه يخدم الغرض القومي الإجتماعي فهذا أمر باطل.
لا نستطيع أن نمنع منير حيدر، أو خضر سليم، أو باسل دحدوح، أو جبران
عريجي، من تشكيل أحزاب خاصة بهم، لكن أن ننشرعن هذا الواقع ونعتقد أنه
يخدم القضية القومية فهو مسألة ليس فيها شيء من الصحة أو الصواب.
من مقالتنا "في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي" نقتطف ما يلي:
"ما هي الأسس الصحيحة للحركة وللخطة النظامية؟"
"الحزب كخطة نظامية هو حزب مؤسسات قبل كل شيء. المؤسسات لا تعني شأنا
شكليا إعتباطيا لا يحمل منها الى الأسم، بل هي مؤسسات حية فاعلة قادرة
على الفعل والتأثير والخلق والأبداع. هي لا تقاس بأسماء القائمين
عليها أو المشتركين بها، بل بما عندهم من قدرات على العطاء والفعل
وتحقيق العمل المطلوب منها وتأمين وسائل دعمها وصمودها وإستمرارها. لا
يكفي أن نطلق على تجمع من الأشخاص أسم مؤسسة ليكون ذلك مؤسسة. المؤسسة
التي لا تقدر على الخلق والأبداع والأنتاج، هي كم مهمل وعقيم، لا قيمة
له. الخطة النظامية لا تقوم إلاّ على مؤسسات فاعلة ومتنوعة تتناول
جميع شؤون الحياة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والسياسية. عندما
يقول سعاده إن الحزب السوري القومي الإجتماعي هو الامة السورية مصغرة،
لا يقصد بذلك مجازا، بل يعني ان مجالات العمل الحزبي يفترض ان تكون
متنوعة وشاملة تنوع حياة المجتمع وشموله."
"إذا كانت بعض مؤسسات الحزب المحركة لأساسيات العمل الحزبي والمشرفة
عليها والمخططة لها، هي شأن دستوري تحدد وتتوضح بدستور الحزب وقوانينه،
فأن مؤسسات الخطة النظامية لا تتوقف عند حد هذه المؤسسات المذكورة. إن
مؤسسات الحزب من رئاسته، الى مجلسه الأعلى وعمداته، الى منفذياته
ومديرياته ومفوضياته، الى ما قد يكون هناك من محاكم حزبية، هي جزء مهم
ولكن ليس الأ بعض الخطة النظامية الدقيقة. إن خطة نظامية ناجحة تتميز
أول ما تتميز بالإنتاج وغزارة الإنتاج من كل الأنواع الإقتصادية
والمالية والثقافية والعلمية والفكرية الخ.... إذ ماذا يمنع ان يجتمع
بضعة قوميين على عمل يفيدهم ويرفع من قدرتهم على المساهمة في الجهد
القومي العام؟ إذا كان القوميون يدعون الى وحدة الشعب وتعاون الشعب مع
بعضه بعضا، فماذا يمنعهم من دراسة تعاونهم مع بعضهم بعضا؟ من قال إن
الحزب فقط هو حلقة إذاعية أو إجتماع مديرية، او حضور مناسبة حزبيه؟
الخطة النظامية أذا لم تشتمل على المدرسة ومركز الأبحاث، وعلىالمصنع
والمتجر والتعاونية، وعلىالمستشفى وكل ما يفكر فيه العقل البشري
ويستطيع ان يحوله الى عمل والى إنتاج، كيف يمكن لها ان تنتصر وتحقق
أهدافها؟"
"المطلوب ان ينتقل القوميون من العصر الخطابي البائد، والعودة الى
النهضة التي أطلقها وارادها ووضع أسسها سعاده. مطلوب بصورة أساسية
الى القوميين العارفين ان يبادروا الى إستعمال معارفهم وخبراتهم
ومواهبهم في النقلة النوعية المطلوبة للحزب. أقول القوميين العارفين،
لأني أعرف جيدا ان هناك كثيرين من مدعي المعرفة وأنصاف العارفين الذين
يظنون أنهم يستطيعون إيهام الناس بأنهم يعرفون. هؤلاء خطر على انفسهم
وضرر على الحزب."
يبقى أن نشير الى ما أقترحه الدكتور ناصر من تدريس للفكر القومي
الإجتماعي، وإنشاء مراكز أبحاث، وإعداد كوادر هي من الإقتراحات العملية
والجيدة. إذا كانت مثل هذه المؤسسات غير موجودة، فهو دليل على تخلف
الحزب وفشله. لكننا نشير أيضا أن هناك مبادرات لدراسة جوانب من الفكر
القومي الإجتماعي قام بها أفراد عدة منهم من ليس لهم إرتباط نظامي
بالحزب كالدكتور ناصيف نصار. في هذه الخانه يدخل أسما الدكتور هيثم
عبد القادر والدكتور عادل ضاهر.
طبعا، الفكرالقومي الإجتماعي ليس حكرا على القوميين؛ فبإستطاعة سعاده
ان يخاطب أجيالا لم تولد بعد، بغض النظر إذا كان الحزب الذي أسسه قادرا
على الإنتصار أم لا. إذ لسنا واهمين حول ما يقف من صعاب وعراقيل في
طريق إنتصار القضية القومية الإجتماعية. لكن هناك طريقا واحدا لأنتصار
القضية القومية، هو الطريق الذي دل عليه سعاده وعبده بدمه. أما ما يأتي
بعد ذلك فهو تفاصيل: إما أن يسير شعبنا على هذا الدرب ويخوض معركته
الكبرى فيسقط نهائيا أو ينتصر، أم يبقى مستسلما خاضعا للأوهام
وللإرادات الأجنبية.
|