|
وجّه إلي الرفيق
ميرا يقطين سؤالأ يتعلّقُ بمفهوم
شَرَفِ الفرد وحقيقته ومعتقده، وهي القيم التي يقسم بها
الفرد المقبل على الدعوة القومية الإجتماعية، للتأكيد على
ولائه الكامل للقضية القومية الإجتماعية، وإيمانه
بالمباديء القومية الإجتماعية والتزامه بها، والإخلاص
للعمل القومي الإجتماعي دون تفريط بحق هذا العمل، ولا
إهمال، ولا إنحراف عنه أو خيانة له.
ثم يسال الرفيق
يقطين إذا كان لدى سعاده "
تعريفه الخاص لشرف وحقيقة ومعتقد الإنسان المقبل على
الإنتماء الى الحزب السوري القومي الإجتماعي"، وإذا كان
المعتقد مرادفاً للإيمان.
في محاولة للإجابة على هذا السؤال، أبدأ
بالجزء المتعلق بوجود او عدم وجود تعريف خاص لسعاده لشرف
وحقيقة ومعتقد الفرد. في هذا الشأن أسارع الى القول إني
لا اذكر مرة أني قرأت للزعيم تحديداً خاصاً لماهية حقيقة
الفرد، أو معتقده، أو شرفه.
لقد تناول سعاده موضوع شخصية الفرد من ضمن
تناوله لموضوع شخصية المجتمع موضّحاً علاقة الواحد منهما
بالآخر وموقع كل منهما بالنسبة لبعضهما بعضاً. في هذا
الصدد يقول سعاده: "ولقد
كان ظهور شخصية الفرد حادثاً عظيماً في إرتقاء النفسية
البشرية وتطور الإجتماع الإنساني. أما ظهور شخصية الجماعة
فأعظم حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجةً وأكثرها
دقةً ولطافةً وأشدها تعقيداً...... يتطلب من الفرد أن يضيف
الى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته،.... وأن يجمع الى
فهمِه نفسه فَهْمَه نفسية متحده..." (نشؤ
الأمم – المقدمه- طبعة دمشق 1951).
وفي مقالة "القومية
الإجتماعية" يذكر سعاده: "الأفراد،
في
المجتمع، يأتون ويذهبون، يكملون آجالهم ويتساقطون تساقط
أوراق الخريف....
إن عقيدتنا
إجتماعية، تنظر الى الإنسان من زاوية
....حقيقة
المجتمع، لا من زاوية الفرد، الذي هو، في
حد ذاته، وضمن ذلك الحد، مجرد إمكانية إنسانية."
واضح هنا أن سعاده لا يلغي شخصية الفرد أو
أنه لم يميِّز بين شخصية الفرد وشخصية المجتمع- كما إدّعى،
جهلاً أو تجهيلاً أو تَخرُّصاً، الراحل كمال جنبلاط، الذي
خلط ما بين الفلسفة والسياسة والأحقاد وجنون الذات - لكنه
يضع الفرد في نطاقه الوجودي الإجتماعي الصحيح. ومن هذه
الزاوية أستطيع أن أجتهد شخصياً لأقول إن نظرة سعاده الى
الفرد ليست مرتكزةً على الإجتهاد الفلسفي المطلق أو هي
نتيجة له، بل هي نظرةٌ تتضمن كثيراً من المراقبة والملاحظة
العلمية والعملية. فالقول أن الفرد ضمن حدود المجتمع هو
مجرد إمكانية أنسانية، لا يتضمن أطلاقاً أي إنتقاصٍ لشخصية
الفرد أو إلغاءٍ لها. ثم إذا لم يكن الفرد مجرد إمكانية
إنسانية، فماذا عساه أن يكون غير ذلك؟ أيُ إستقلالية أو
إنفصالية يتمتع بها الفرد خارج المجتمع الإنساني الذي
ينتمي إليه، أو الذي يختار أن ينتمي إليه؟
لو لم يكن سعاده يُقِرُّ أن للفرد حقيقة
خاصة، وشرف خاص، ومعتقد خاص، لما كان قد إعُتَمَدَ ثلاثية
القيم هذه - حقيقة الفرد وشرفه ومعتقده - ضمانةً يقدِّمها
الفرد المقبل على الدعوة القومية الإجتماعية تأكيداً على
إلتزامه بقضيتها وإخلاصه بالعمل لها؟
لا يُقِرّ سعاده بحقيقة ذاتية للفرد
إقراراً قسرياً، تساومياً، تملقياً، في محاولة ينشد من
ورائها إستقطابَ أعدادٍ كبيرةٍ من الآراء حوله، توخياً
لمركزٍ سياسي معينٍ أو مصلحة شخصية معنيه، يحتاج الوصول
إليهما الى كثرةٍ عددية مؤيدة، بل هو يرى بوضوح ما يمثله
الفرد من حقيقة ضمن الحقيقة الإنسانية الكبرى التي هي
المجتمع.
تبدأ رحلة الفرد في المجتمع وتنتهي فيه.
في المجتمع يكتشف الفرد ذاته: يسبر أغوارها، يدرك أبعادها
ويعرف حدودها، وفيه يجد لها معناها الأسمى والأعمق، وفيه
يحقق معنى تلك الذات ويفجِّرُ فيه ما إختزن فيها من طاقات
ومخزونٍ إنسانيين.
في المجتمع وحده يستطيع الفرد أن يعبِّر عن
مشاعره وأفكاره، حيث يمكنه أن ينعم بزهوة الرضا والإنتعاش
نتيجة لما قد يكون لمشاعره وافكاره من إنعكاس في المجتمع.
في المجتمع وحده يخرج الفرد من نطاق ذاته
المحدودة، ليجد نفسه في ذات المجتمع الكبيرة، فيتفاعلان
ويغذيّان بعضهما بعضاً ويتغذيّان من بعضهما بعضاً، فإذا
بذات الفرد تنمو وتتسع، وإذا بإدراكه ويتعمّقُ ويتشعَّب،
وإذا بأحاسيسه تتنوع وتتفاعل وتتأرجح بين التسامي
والإنخفاض.
في المجتمع يكتشف الفرد حقيقته، وفيه
تتحدَّدُ له تلك الحقيقة وتتبلور وتتضح. هذا يعني أن
إدراك الفرد لحقيقته ينمو ويتطور ويتسِع ليشمل جميع
المدارك والقناعات المعرفية المكتسبة نتيجةً تفاعله مع ما
يحيطها في المجتمع من مداركٍ ومعارفٍ ومؤثرات على إختلاف
أنواعها وأشكالها ومضامينها.
ليس هناك نظرة فلسفية واحدة لحقيقة الفرد،
بل تتعدد النظرات وتختلف بتعدد وإختلاف ما هناك من فلسفات
تتناول هذا الموضوع. لكننا هنا لسنا معنيين عمّا تتضمنه
الفلسفات المختلفة في هذا المجال. نحن مسؤولون عن نظرتنا
نحن، وقناعتنا نحن، وعقيدتنا نحن، ورؤيتنا نحن. لذلك ما
نوضحه هنا ينحصر فقط بما تعنيه حقيقة الفرد بالنسبة لنا،
لأن هذه الحقيقة هي ما توصلت إليه مداركنا وما أنتجته
معرفتنا وما رسخت عليه قناعاتنا، ونحن مسؤولون عن نشر
وتوضيح مخزونات مداركنا، وجوهر معرفتنا، ومكنونات
قناعاتنا.
الحقيقة قيمة. حقيقة الفرد ليست إستثناءً.
هي لأنها قيمة، لا تجد إجماعاً حول مفهومها وتحديدها
ومعناها. ومن حيث هي قيمة، فهي لا بد أن تلعب شأناّ مهماً
في عقل الفرد وضميره ونفسيته، لكننا لا نلغي إحتمال أن
يكون مستوى ذلك الشأن وتأثيره ليس واحداً عند جميع
الأفراد، بل أننا نميل بقوة الى أن قيمة ذلك الشأن وتأثيره
على سلوك الأفراد يختلف من فردٍ الى آخر إختلافاً كبيراً
في كثيرٍ من الحالات. فإذا لم يكن هذا هو الحال، كيف
يمكننا أن نفسر وجود الناكث بقسمه والمنحرف عن عقيدته
والمشعوذ والدجال والخائن لقضيته بعد أن أقسموا جميعاً على
الإيمان بهذه القضية والإخلاص في العمل لها؟
في رأينا الشخصي أن حقيقة الفرد تشتمل على
نوعين من الخصائص أساسيين ومهمين: خاصة ثابتة لا تخضع
للتغيير أو التبدّل أو التطور، وخاصة آخرى قابلة للنمو
والتطور والإتساع، الأمور التي يحددها مدى خضوع الفرد
للتوجيه والتدريب والتعليم والتثقيف، ومدى ما يتعرض له من
مختلف المعارف والخبرات والمهارات.
يمكن أن نحدد الخاصة الثابته من حقيقة
الفرد بوجوده المادي بما يشتمل عليه من موّرِثات حياتية
تحدد كثيراً من شخصيته في جميع مراحل نموه، كما يشتمل على
ما يحيط وجوده من بيئة مادية.
أما الخاصة القابلة للتتطور أو التبدل في
حقيقة الفرد، فهي تعتمد على ما للفرد من إستعداد عقلي
وفكري وكيفية تجاوب العقل والفكر عنده مع ما يدور حوله من
جميع أنواع المؤثرات. هذا يعني أن وعي الفرد لحقيقته
يتطور من ضمن هذين العنصرين، لذلك لا يمكن لنا بشكل عام،
أن نتوقع تبدلاً كاملاً في وعي الفرد لحقيقته بحيث ينقلب
في وعيه لتلك الحقيقة مئة وثمانين درجة، إذا جاز لنا أن
نستعمل الدرجات الدائرية.
وعي الفرد لحقيقته يعني أنه يعي وجوده
الخاص، فهو كائن حيٌ يتنفس، ويجوع، ويتألم، ويتعب، ويعشق،
ويحب، ويكره، الخ..، ويعني أنه يعي عندما يتنفس، أو يجوع،
أو يتألم، أو يتعب، أو يعشق، أو يحب، أو يكره، فإن هناك ما
يحيط به ممن يشعر بتنفسه وجوعه وتألمه وتعبه وعشقه وحبه
وكرهه. هو يعي أنه ينتمي الى هذا المحيط، بناسه وأجوائه
وأرضه، حيث ينصهر إدراكه لحقيقته بحقيقة هذا المحيط.
الوجود حقيقة، والوجود قيمة، والفرد لا يمكن له سوى تثمين
هذه الحقيقة وهذه القيمة. مصداقية الأفراد تعتمد على مدى
تثمينهم لهذه الحقيقة. قد تتغير نظرة الفرد الى جوهر
حقيقته، لكن مصداقيته تبقى مرتبطة بمدى تثمينه لها في كلّ
الحالات.
نحن، كقوميين إجتماعيين، نعي أن لكل منا
حقيقته الخاصة، ونعي أيضاً أن جزءً أساسياً من حقيقة كل
فرد منا هو وعينا لإنتمائنا الى مجتمعنا السوري وأمتنا
السورية. كثيرون من السوريين الذي ليسوا قوميين
إجتماعيين، ظنوا أن حقيقة إنتمائهم الى مجتمعهم السوري لا
تدخل ضمن نطاق فهمهم لحقيقتهم الفردية، لكن غالباً ما يحدث
لهم ما يبرهن على خطل إعتقادهم. ذلك أن حقيقة الإنتماء
المجتمعي للفرد، أي فرد، في أي مجتمع، لا تزول حتى بعد
أجيالٍ طويلة.
ما يقال عن حقيقة الفرد يقال عن شرفه.
الشرف قيمة، لذلك يختلف مفهومه من فردٍ الى آخر. أن
تُخْلِصَ الى والديك أو أخوتك أو جيرانك أو أبناء قريتك أو
مدينتك أو وطنك، وأن تكون صادقاً معهم، وأن تريد لهم الخير
والتقدم والنجاح، وأن تشعر بإستعدادك للدفاع عنهم في حال
الإعتداء عليهم، وتمنع نفسك من الإعتداء عليهم، يعني أنك
تملك قيمة نفسية يمكن أن تطلق عليها أي أسم. شرف الفرد لا
يخرج عن هذا المعنى وإن كان لا ينحصر فيه.
الشرف قيمة من قيم الخير، يقابل العار الذي
هو مثلبة من مثالب الشر. بعض الناس لا تميز بين العار
وبين الشرف لأن "لا يشعر بالعار من لا يعرف
العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف"،
كما يقول سعاده. الذين
يعرفون الشرف ويثمنون قيمته لا ينكثون بما أقسموا عليه،
لكن هناك كثيراً من لا يعرفون الشرف فيقسمون عليه كذباً
وتدجيلاً. فإذا كان هناك من خطأ في هذا المجال فهو خطأ
الكاذبين بشرفهم والمخادعين به، وليس خطأ من يركن الى ما
للأشخاص من رصيد مفترض من الشرف والكرامة.
نحن نوافق إن المعتقد مرتبط بالإيمان.
والمعتقد هنا ليس محصوراً بإيمانٍ ديني أو مبدأيٍ أو
قيميٍ، بل هو يشمل كل ما نصل إليه من قناعاتٍ عميقة في
نفوسنا وعقولنا. عقيدتنا القومية الإجتماعية هي معتقد لنا
عندما نقتنع بها إقتناعاً كلياً وإيماناً حقيقياً. ما
ينطبق على حقيقة الفرد وشرفه ينطبق أيضاً على معتقد الفرد،
من ناحية إختلافه بين الأفراد المجتمع الواحد وبين كل
المجتمعات. غير أننا يجب أن نضيف أن إقتراب هذه المفاهيم
بعضها من بعض عند الأفراد في المجتمع الواحد، يعني تماسكاً
أكثر في الروحية العامة لذلك المجتمع. |