|
القسم هو إعلان التزام شخصي بأمر خطير
يتعلق بالمصير، بالحياة والموت، وجوهره مساواة موضوع
الإلتزام (الحزب في هذه الحالة) بأعز وأثمن ما لدى
الإنسان-الفرد صاحب القسم. إن هذا يجعل خيانة القسم
بالتالي معادلاً للتخلي والتنكّر لأعز وأثمن ما عند صاحب
القسم وأكثره إلتصاقاً بوجوده ونفسه وكيانه (شرف، حقيقة،
ومعتقد).
أنا
أقسم أنني أنتمي الى الحزب، يعني أنني أؤكد إنتمائي لدرجة
الإعلان أنه عزيز عليّ الى أقصى الحدود وأنا حريص عليه
وضنين به، كما أنا حريص على أثمن وأعز شيء عندي، أعز وأثمن
من كل الأشياء المادية الزائلة، أعز الشؤون الروحية
الباقية التي هي جزء من وجودي وكياني النفسي الروحي الذي
يرافقني حتى مماتي.
البعض يقسم باولاده (أقسم بأولادي، أو،
"وحياة ولادي") وهل أعز من أولاد الإنسان-الفرد لديه؟
نعم هناك أعز منهم، لذلك يقسم البعض
بالله العظيم، على اساس أن الله عند ذلك البعض، هو أثمن
عنده وأغلى من أولاده أو أي شيء آخر في حياته.
بعد إستشهاد سعاده صرنا نسمع البعض
يقول: أقسم بدم سعاده، تعبيراً عن الغلاوة القصوى لدم
سعاده عند صاحب هذا القسم. والقسم الأخير هذا غير منطقي
طبعاً، خاصة بعد موت سعاده وهدر دمه. حتى في حياة سعاده
وغلاوة دم سعاده لدى مريديه، فأن القسم بدمه لا يجوز
لأسباب هامة جداً ليست هي موضوعنا هنا ولكن لا بأس بذكر
أبسط تلك الأسباب وهي أن دم سعاده ليس ملكاً لواحدنا أو
شيئاً خاصاً به.
بعد أن إستعرضنا نماذج من أنواع القسم
نأتي الى القسم القومي الإجتماعي. في مدرسة الحياة
الجديدة أصبح عندنا "نظرة جديدة الى الحياة". أصبح عندنا
مفاهيم جديدة وتقاليد جديدة وقيم جديدة، أو قل أصبح للقيم
عندنا معاني وأفاق جديدة، ولكننا لم نلغِ أنفسنا كافراد
ولا زال لكل فرد منا "الشخصية الفردية". إن شخصية الجماعة
تتطلب منا كأفراد أن نضيف الى جانب شعورنا بشخصيتنا
شعورنا بشخصية مجتمعنا، وليس أن نلغي شخصيتنا
الفردية.
في مدرسة الحياة الجديدة صار الواحد منا
يقسم بشرفه وحقيقته ومعتقده الشخصي ليؤكِّد إلتزامه بشرف
أمته وحقيقة أمته ومصالحها وحياتها وعقيدة نهوضها.
إن شرفي وحقيقتي ومعتقدي هي قيم شخصية
لي. هي أثمن قيمٍ شخصية عندي. هي ليست القيم المجتمعية
العامة حيث القيم المجتمعية مثل الحق والخير والجمال
والعدالة والحرية الخ... لا وجود لها إلاً في المجتمع
والمجتمع هو مصدرها ومرجعها.
القيم المجتمعية هي قيم مشتركة عامة، أما
حقيقتي ومعتقدي وشرفي فهي قيم شخصية فردية، هي عندي غير ما
هي عندك. إن حقيقتي، عندي، بالنسبة إلي، هي غير حقيقتك،
كما هي عندك، بالنسبة لك. إن حقيقتي وحقيقتك هي مسألة
مختلفة عن مسألة نظرتنا الفلسفية حول حقيقة الإنسان-الفرد
وعلاقته بالإنسان-المجتمع (نظرة سعاده الى الإنسان، فلسفة
الإنسان الجديد).
إن معتقدي الخاص بي لا يعني عقيدتي
الإجتماعية (المعتقد غير العقيدة). إن معتقدي يمكن أن
يكون هو نفسه معتقدك ويمكن أن لا يكون. ألَمْ يذكر سعاده
أن القوميين الإجتماعيين تعلموا كيف يحترمون معتقدات بعضهم
بعضاً؟ ألم يبدِ سعاده ارتياحه لأن يستقرّ فخري المعلوف
أو غيره على إيمان معيّن أو معتقد معيّنٍ فيما يخص مصير
النفس في الآخره؟ المهم بموضوع المعتقد الوارد في القسم
أن يكون قيمة شخصية عزيزة غالية خاصة بي أو بك أو به. ألم
نقل إن القسم هو إلتزام شخصي يعني كل فرد منا لوحده؟ لو
كان غير ذلك، لكان القسم: أقسم بالشرف والحقيقة والمعتقد،
أو، أقسم بشرفنا وحقيقتنا ومعتقدنا! لكنه ليس كذلك.
إن معتقدي يمكن أن يكون في هذه الحياة,
في الطبيعة، في العلم، أو في ما وراء الطبيعة، في الكثلكة
أو التقمص أو بأن ملاكاً معيناً قد تبناني لحظة ولادتي وهو
يرعاني في هذه الحياة الدنيا ويحميني ويسدد خطاي! إن
معتقدي ممكن أن يكون اي شيء وهو لا علاقة له بعقيدتي
القومية الأجتماعية ولا يتناقد او يتنافى معها ابداً.
كذلك شرفي فهو يمكن ان يكون هو نفسه شرف
امتي وبلادي, ويمكن ان يكون أن لا تسفر زوجتي أو أبنتي عن
وجهها لغيري ولغير أمها، أو يمكن أن يكون غير ذلك وهو لا
يؤثر على إنتمائي للقضية القومية الإجتماعية وأيماني
بنظرتها الى الحياة والمجتمع والقيم الإجتماعية العامة.
إن شرفي وحقيقتي ومعتقدي هي قيم شخصية
لي، هي جزء من نفسي وكياني ووجودي كما أفهمها وأعتقدها
أنا. عندما أقسم بها يعني أنني أقسم بأكثر الامور الخاصة
إلتصاقاً بي لدرجة أن حنثي بقسمي يعني تنكري لنفسي بل يعني
قتلي نفسي.
أصبح بإمكاننا الآن الجواب على السؤال:
هل كان لدى سعاده تعريفه الخاص لشرف وحقيقة ومعتقد الأنسان
المقبل على الإنتماء الى الحزب؟
الجواب هو لا. والسبب هو ان لكل
إنسان-فرد شرف وحقيقة ومعتقد يمكن أن تكون له غير ما هي
لغيره. إن سعاده لم يدعو الى إلغاء شخصيات الأفراد بل الى
إحترامها.
أما أن يكون لسعاده نفسه فهم شخصي لشرفه
وحقيقته ومعتقده؟ فالجواب طبعاً، نعم، وهذا ملكه وحده
وخاص به وحده، وهو قد أقسم بشرفه وحقيقته ومعتقده ووفى
بقسمه حتى آخر رمق من حياته.
أنا عندي سؤال آخر: لماذا هذه القيم
الشخصية الثلاثة بعينها وليس غيرها؟ لماذ مثلاً لا أقسم
بشرفي وأيماني ومصيري؟ ما الإيمان وما المعتقد؟ أيهما
أشمل؟ أيهما يشمل الآخر؟
أعتقد أن الفلاسفة فقط يستطيعون الوصول
الى هذه الأعماق والتحديق بالمعاني الأولى والأخيرة للقيم.
فكما هم وحدهم يستطيعون صياغة المباديء،
ونحن نعتنقها، فأنهم وحدهم أيضاً يستطيعو جمع القيم بعدد
قليل يشمل الكل.
هكذا هي قيم الحق والخير والجمال، اية
قيمة أخرى يجب أن تكون موجودة وداخلة في معنى الحق اوالخير
اوالجمال!
وهكذا أيضاً، حرية واجب نظام قوة، هذه
وليس غيرها هي قيم الحركة القومية الإجتماعية وشعاراتها في
صراعها حتى الإنتصار الأخير.
أيضاً: النظرة الى الحياة والكون والفن:
لماذا الفن؟ ما هو الفن؟ |