ثقافة الحمص بطحينه وصحافتها
أستوقفني عنوان مقال للسيد غسان ابي حمد مما دفعني الى قراءة ذلك
المقال أكثر من مرة. ذلك أن عنوان المقال يوحي بأمور تثير غرابة واضحة
عند أي عارف بوقائع الأمور. عنوان المقال هو:
"أوستراليا: قارّة بحجم الحرية
والعدالةالمساواة
المغتربون العرب ردّوا الجميل واستلموا القيادة"
مصدر الغرابة ليس في كون أوستراليا دولة فخورة بديمقراطيتها وتخضع
لقوانين تضمن حرية مواطنيها وتؤمن لهم قسطا واضحا من العدالة
والمساواة، كما تفتح أمامهم مجال التقدم والنجاح؛ بل أن مصدر هذه
الغرابة هو أن عنوان المقالة هذا يوحي وكأن أستراليا يقودها مغتربون
عرب وضعوا مواهبهم ومؤهلاتهم وخبراتهم في سبيل تقدمها وإزدهارها،
عرفانا بالجميل.
أن يكون هناك أفراد من إثنيات مختلفة ومتنوعة في المؤسسات الأوستراليا
المتعدة والشاملة لمختلف شؤون الحياة الاوستراليا ومتطلباتها، فهذه
حقيقة من حقائق المجتمع الأوسترالي. وأن يكون المجال مفتوحا أمام
الأفراد للعمل والتقدم بحقل من حقول الحياة العامة فهذا ليس بأمر يبعث
على الأستغراب. فأي ديمقراطية لا تضمن مجال التقدم والنجاح أمام
مواطنيها وتهيأ لهم فرصا متسواية، هي ديمقراطية إسمية زائفة لا قيمة
ولا معنى لها. لكن أن نحمل هذا الواقع أكثر مما يحمل ونوحي أن بلدا
ديقراطيا كأستراليا يحكمه "مغتربون" عرب، هو تفكير متمن يبعد كثيرا عن
الواقع. نعم، نحن نجد أفرادا كثيرين من أصل "عربي" في مختلف حقول
الحياة، تربوية كانت أم صحية أم أجتماعية أم تجارية أم سياسية، لكن
هؤلاء لا يحتكرون هذا الأمر، بل هو شأن واضح وقوي عند جميع الجماعات من
خلفيات إثنية غير أنكلو-سكسونية. بل أن وجود الأفراد من أصل عربي في
تلك المؤسسسات ليس بذات قيمة من حيث الحجم والعدد والتأثير إذا ما قيس
مع ما يمثله أفراد من الجاليات الأثنية الأخرى. فنحن أذا وجدنا أستاذا
جامعيا يدرس في جامعة من الجامعات الأسترالية من أصل "عربي"، نجد الى
جانبه العشرات من إثنيات أخرى. هذا الواقع ينسحب أيضا على الأطباء
والمدرسين والسياسيين كما على غيرهم من مختلف أنشطة الحياة الأوسترالية
العامة.
طبعا، نحن نفهم الحماس الناتج عن مرارة الخيبة واليأس عند السيد أبي
حمد، كما هي عندنا، فتدفعه للكتابة بشكل يضخم من مغزى نتيجة معينة
ويتغاضى عن إبراز الواقع كما هو أو لأنه لا رغبة لديه في معرفة الأرقام
والحقائق أو لأكتفائه بما تناءى أليه من معلومات. هو يوحي بأنه يعتقد
أن وحدة الشعوب هو بأتساع رقعتها الجغرافية أو ضيقها، لذلك يتعجب من
وحدة الشعب الأوسترالي على الرغم من أن مساحة أوستراليا هي حتما أكبر
بكثير "من مساحة لبنان". لقد أخبره إبن خالته بذلك وهو يثق بكلام أبن
خالته. ليس هناك من ضير في هذا المجال أن يكون السيد أبو حمد غير مهتم
بألأرقام الجغرافية وهو لا يريد الأختلاف مع أحد حولها، لكن الضير هو
أن نراه يكتب مقاله هذا بشكل يبدو أنه لم يكن مهتما ببحث الأمور التي
يهمه أن يبرزها كي يأتي مقاله معبرا عن الواقع كما هو لا كما تبادر
إليه. هو يدعم كلامه بما أخبره أحدهم من أنه عاد خائبا من أوستراليا
لأنه لم ير هناك أوستراليين. لقد شاهد ذلك الشخص مختلف الحلويات
والمآكل اللبنانية على تنوعها في كل مكان زاره في أوستراليا. فهو شاهد
وأكل "معمول المد... والجزرية.. والفجل... والحمص ...إلخ. خلال زيارته
تلك. يبدو أن مصادر المعلومات هذه كانت كافية للسيد أبو حمد لكتابة
مقاله وبهذا الحماس.
إذا كان أنتشار المآكل التي يتمتع بها مطبخنا، كالتبولة والحمص بطحينه
والفول المدمس والملوخية وغيرها في أوستراليا، دليلا على تأثيرنا
ثقافيا وسياسيا هناك، فإن "المغتربين من أصل عربي" هم في سيطرة ثقافية
وسياسية تكاد أن تكون كاملة. فنحن نستطيع أن نحصي مثلا حوالي الثلاثين
محلا من المحال التي تبيع السمانة العربية في مدينة ليفربول الأسترالية
وحدها. مدير المدرسة التي أدرس فيها يصرح أمام ألف طالب من أنه
وعائلته لا يمكن أن يتناولوا الغداء كل يوم أحد بدون أن تشمل أطباقها
التبولة اللبنانية. أحد الزملاء الأنكلو-ساكسونيين يمزح معي خلال عشاء
لنا خارج المدرسة قائلا إنه آسف أننا مضطرون لتناول الآطباق التايوانية
لأنه لم يوجد في المحيط الذي كنا فيه مطعم لبناني. هذا غيض من فيض عن
مدى إنتشار مطبخنا في المدن الأوستراليا الكبيرة؛ لكن أن يحجب هذا
الأمر صورة الوضع المتخلف التي تعيشه مختلف الفئات من أصل "عربي" في
المدن الأوستراليا، فهذا دليل على قصورنا المتعمد أو غير المتعمد في
فهم الواقع كما هو. ليس صحيحا أن بعض المغتربين فقط نقلوا أمراضهم
الأجتماعية والطائفية معهم الى أوستراليا، بل أن هذا الواقع هو سمة
الغالبية العظمى منهم. قلة واعية فقط تعيش خارج هذا المنطق. فالسيطرة
على المحمديين هي لمشايخ الجوامع، والسيطرة على المسيحيين هي لرجال
الكنيسة. طبعا يصح هذا عندما نتكلم عن تعاطي هذه الجماعات في الأمور
التي تهم الوطن الأم. فهم لا يجرؤون طبعا أن يتعاملوا بهذا الشكل في
الشؤون الأسترالية، وإن كانوا يحاولون أمام رجال الحكومة إن يقفوا من
بعضهم البعض على مسافة كي لا يتحمل أحدهم عبء معيبات الآخر. الغريب أن
حكومات الولايات تتعامل مع رجال الدين هؤلاء ومن هم حولهم لتحقيق ما
تريد في أماكن تواجد هذه الجماعات.
لم يتعب السيد ابو حمد نفسه ليحصل على إحصائيات وإرقام عن واقع
"المغتربين العرب" ومواضع إنجازاتهم أو تقهقرهم وتخلفهم، بل سمح لليأس
والقنوط من الأوضاع المتخلفة في الوطن، أن يقوده لتحرير مقاله الذي
يفتقد الى الكثير من الدقة والحقائق. كان يمكن أن يكتفي السيد أبو حمد
بالكلام عن وصول السيد خضر صالح الى عضوية البلدية وإعطاء هذا الأمر
حقه من الثناء والتهنئة؛ لكنه تخطى ذلك الى إستنتاجات كثيرة بعيدة عن
الواقع. طبعا ان جهد اليسد خضر صالح هو جهد مشكور، أما يكون "للتاريخ
النضالي" للسيد صالح محل ودور في تطور حزب العمال الأسترالي، فهذا من
المسائل التي تدل على جهل السيد ابي حمد للسياسة الأوسترالية وسياسييها
وأحزابها.
يبقى أن نحذر في هذه العجالة من ثقافة "الحمص بطحينه" فننظر الى واقع
المسائل بمنطق وعقلانية وعمق فنعكس في مقالاتنا معاناتنا وتطلعاتنا
ومصالحنا الجوهرية. كما نوافق السيد ابا حمد على عدم ترجمة مقاله الى
الأنكليزية، ولكن ليس للسبب الذي ذكره، بل لعدم ترسيخ ألأعتقاد عند
الغالبية الأوسترالية من بدائية شعبنا وثقافتنا وحضارتنا.
|