|
عندما كتبت الى الرفيق لبيب ناصيف لألفتَ
نظره الى سذاجة ما يكتبه من سلسلة "تذكره بإعتزاز"، وإن
الأمر في هذا الموضوع لا يتوقف عند حدود السذاجة بل
يتخطاها الى الإساءة لجميع الرفقاء الذين "لم يلتقِهم" في
الستينات أو السبعينات والثمانينات أو التسعينات، ولم يحدث
أن إلتقاهم في البرازيل أو الأرجنتين أو ليبيريا أو أي بلد
من بلدان قارات العالم، ولم يأته من يخبره عنهم.
بل نحن حقيقة لا نعرف أي خدمة يقدم
لهؤلاء الرفقاء او الناس الذين يتذكرهم بإعتزاز حين لا
يذكر عنهم سوى الذين "أحبهم" و"قدّرهم" أو "إلتقاهم في
المركز" أو تذكرهم بوحيٍ من مقال نشر في هذه الجريدة او
تلك أو من "يشعر بسبب فقدانهم بالحزن"، أو الرفقاء "الذين
ماتوا قبل أن يتمكن بلقائهم وان يسجل كثيراً من المرويات
التي يعرفونها" أو الذين يتعرف عليهم من خلال ما نشرته
مجلة "صباح الخير" عنهم.
يبدو أن الرفيق لبيب يغفل أو يتغافل عن
حقيقة أساسية وهي أن ما يبقى الأشخاص في ذاكرة الناس
والتاريخ بعد موتهم هو ما يقومون به من أعمال مميزة ومسجلة
وموثّق لها، وأن ذاكرة الناس لا تحفظ الأسماء ولا تهتم
بالأسماء حتى بل هي تهتم بالأفعال ومن خلالها تتذكر
الأسماء.
أن يقيم الرفيق لبيب مناحةً ويتلوّع
ويحزن ويبكي ويتحسر على الرفقاء الذين أحبهم وألتقاهم أو
سمع عنهم أو ما غير ذلك، ثم يصِرّ على إستمراره في هذه
المناحة، فإننا لا يسعنا سوى إحترام شعوره وتركه في
مناحته دون أن نزعج شعوره وحزنه. أما أن يحاول الرفيق
لبيب إعطاء مصداقية لأشخاص لا يملكون تلك المصداقية
ف"يزعبر" على الناس ويستخف بالتاريخ والأحداث من خلال قفزه
فوقها وتصويرها على غير حقيقتها، فهذا ما لا يمكن أن ندعه
يمر دون محاسبة أو مطالبة.
أن يحزن لبيب ناصيف على الراحل تيودور
توفيق رعد فهذا شأن خاص به ولا دخل لنا به، أما أن يتذكره
بإعتزاز ويحاول أن ينقل هذا الشعور إلينا ويضعنا في حالة
من عقدة الذنب إذا لم نحذُ حَذْوه فهذا ما لا يمكننا
السكوت عليه.
لا نعرف أي متى "إندفقت" أو "شلقت" أو
"قشطت" أو "هبطت" هذه العاطفة على الرفيق لبيب ناصيف تجاه
إنعام رعد وهو الذي أمضى مرحلة السبعينات كلها يزدريه
ويمقته ويكره ضعفه وخيانته وإنحرافه وكيديته وحقده
وأنتهازيته. هل كان الرفيق لبيب مخطئاً في ذلك الوقت، أم
تراه قد تحوّل من رجل نهضة الى موظفٍ لا يجيد سوى المداهنة
والتبخير والإطراء.
من المآثر التي يذكرها الرفيق لبيب ناصيف
للراحل تيودور رعد:
"اثناء
الثورة القومية الاجتماعية الاولى عام
1949 وازاء الاضطهادات التي
لحقت بالقوميين الاجتماعيين ، لعب تيودور رعد
دورا هاما في الدفاع عن الحزب...."
"
بعد فشل الثورة الانقلابية
ودخول الوف
القوميين الاجتماعيين الى السجن ، لعب
تيودور رعد دورا هاما الى جانب عدد
من القوميين..."
الرفيق لبيب يجهل أو يتجاهل أن يذكر
الدور الحقيقي الهام الذي لعبه تيودور رعد في الثورة
القومية الإجتماعية الأولى وهي تسليم قرار الزعامة،
المكتوب بخط الزعيم والذي يعفي فيه الزعيم إنعام رعد من
حضور "صف الضباط" كي يتمكن من تقديم إمتحاناته في الجامعة
الأميركية، الى محامي إنعام رعد في ذلك الوقت الذي سلمه
بدوره الى المحكمة العسكرية، التي أتخذته وثيقة أساسية في
صياغة حكمها على الزعيم.
والرفيق لبيب ناصيف، الذي يصر على تسمية
"الثورة الإنقلابية" على تلك المحاولة الإرتجالية التي
كلّفت المسيرة القومية كثيراً من التردي والتراجع الى جانب
المآسي والجراح والأوجاع التي نتجت عنها، يجهل أو يتجاهل
الدور الهام والحقيقي الذي قام به تيودور رعد بتقديمه
نصيحته الى أخيه إنعام بأن يتعاون مع المكتب الثاني وأن
ينكر عقيدته ويخون رفقاءه ويلجأ الى التظاهر بالإيمان
الديني حيث كان يقضي معظم أوقات ايامه سجنه بالصلاة.
وبينما كان القوميون الإجتماعيون يُقتلون ويُعذبون ويُجلدون
ليل نهار، كان إنعام رعد ينعم في صلواته في مستوصف
المعتقل.
هذه هي بعض الأدوار الهامة التي قام بها
تيودور رعد، والتي أغفلتها ذاكرة الرفيق لبيب التي يبدو
انها تآكلت وطغى عليها الصدأ وداخلتها العفونة.
هل ما زال عند الرفيق لبيب ناصيف بقية من
قدرة المنطق والمصداقية التي تمكنه أن يرى حقيقة ما يفعله
فيتوقف عما يفعل مرة والى الابد؟
هل يستطيع الرفيق لبيب ان يكون لبيباً
بعد الآن؟ ام أن اللبابة عنده أصبحت القدرة على التكييف
حسب مقتضيات العيش ومتطلباته؟
في أي حالٍ، يمكنه أن يستمر في حفلة
العزاء والمناحة ما شاء وما أراد، فلا شأن لنا بذلك، أما
أن يعمد الى التلاعب بالحقائق فهذا أمر لن نسمح له به، دون
أن نلجأ الى وضع الحقائق في نصابها الصحيح. |