|
أعود الى نظرة سعاده الى الإنسان، الى
فلسفة الإنسان-المجتمع، لأدلي بما أعتقده وما أراه قصوراً
في فهمها واعتبارها وأعتبار دورها وأهميتها وقيمتها فيما
تعلّمنا إيّاه من كيفية معالجة الأمور العملية.
عندما نقول نظرة الى الحياة، أو فلسفة،
أو عقيدة، أو مباديء، فإننا نعني شيئاً واحداً تقريباً.
نقول تقريباً لانه يجب دائماً ترك هامشٍ للتحفّظ، ولأن
هناك فعلاً اختلاف في المعنى دائماً، ولو لم يكن كبيراً او
مهماً، في أي كلمتين في العربية مهما كانتا مترادفتين.
أنا أرى أن نظرة سعاده الى الإنسان تجد
أساسها العلمي في كتاب نشؤ الامم، ونجدها كعقيدة في مباديء
الحزب الأساسية؛ أمّا ان سعادة قد عمد الى الإضاءة عليها
فلسفياً واعلنها في عبارات قاطعة حاسمة فذلك كان سنة 1948
أي بعد وضع المباديء بستة عشر سنة، وذلك رداً على الإنحراف
الفكري الذي كان متفشياً في دوائر الحزب العليا وبخاصة
محاولة عميد الإذاعة والثقافة فايز صايغ استعمال مؤسسات
الحزب ومنابره ووسائله وموارده للترويج للفلسفة "الكيانية"
الفردية المناقضة للفلسفة القومية الإجتماعية(أنظر مقالة
المجموع والمجتمع – م 7 –صفحة384).
يقول سعاده:
§
"المجتمع
هو الوجود الإنساني الكامل والحقيقة الإنسانية الكلية
والقيم الإنسانية العليا لا يمكن أن يكون لها وجود وفعل
إلاّ في المجتمع."
§
"إن
عقيدتنا إجتماعية تنظر الى الإنسان من زاوية الحقيقة
الإنسانية الكبرى – حقيقة المجتمع، لا من زاوية الفرد،
الذي هو، في حدّ ذاته وضمن ذلك الحد،مجرد إمكانية إنسانية."
§
"إن
الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا الفرد، وأن الفرد هو مجرد
إمكانية إنسانية."
إخترت هذه العبارات القليلة كمرجع مكثّفٍ
أعود إليه لأبيّن كيف جرى سؤ فهم كبير لنظرة سعادة هذه،
خاصة لمعنى الفرد إمكانية إنسانية، لكلمة إمكانية.
وأعتقد أن سؤ الفهم هذا تقع مسؤوليته على
الحزب ومؤسساته الثقافية التي أهملت هذه النظرة الجديدة
وعجزت عن تقديمها كفتحٍ فلسفيٍ جديد. فإذا لم تكن الفكرة
واضحة لأصحابها لا يستطيعون بثها ونشرها، ولا ينتظر من
غيرهم أن يفعل ذلك.
إن كلمة إنسان في كل عبارات سعاده وفي
كلّ مقالاته وشروحه وخطاباته, الا نادراً, كانت تعني
واحداُ من إثنين: النوع الإنساني أو المجتمع الإنساني. إن
فهمنا لعبارات سعاده الفكرية الفلسفية يستقيم عندما نضع في
حسابنا هذا المعنى لكلمة إنسان ونزيل من بالنا نهائياً
المعنى الفردي الشائع لهذه الكلمة.
في هذا صعوبة، والصعوبة تكمن في أننا
متعودون على المعنى الفردي لكلمة إنسان. فنحن متعودون ان
نفهم ان إنسان يعني أنا أو أنت أو هي أوهو. حتى عندما
نقرأ لسعادة عبارات قاطعة حاسمة فاصلة ليعني النوع
الإنساني أو المجتمع الإنساني فاننا أحياناً نأوِّل
عباراته تأؤيلاً يعطيها المعنى الفردي للانسان فتضيع
الفكرة المقصودة ويحصل إلتباس. خذ مثلاً على ذلك قوله:
" إن عقيدتنا إجتماعية تنظر
الى الإنسان من زاوية الحقيقة الإنسانية الكبرى – حقيقة
المجتمع، لا من زاوية الفرد بحدّ ذاته وضمن ذلك الحد مجرد
إمكانية إنسانية".
البعض اول هذه الجملة هكذا :
(عقيدتنا اجتماعية تنظر الى الفرد من
زاوية الحقيقة الأنسانية الكبرى – حقيقة المجتمع لا من
زاوية الفرد بحد ذاته الذي هو امكانية انسانية تكتمل
انسانيته بقدر اقترابه من مجتمعه)
بديهي أن هذا التأويل لا يحتوي اي شيء
جديد، لا يحتوي فلسفة جديدة، وهو قد قرأناه قبل سعاده
بكثير وقال به وبمثله كثير من الأدباء والكتّاب.
إن هذا التأويل، فضلاً عن عقدة
الإنسان-الفرد العالقة في الذهن، يحتوي أيضاً إعطاء
"الإمكانية" معنى غير معناها المقصود.
عندما يقول سعاده إن الفرد هو مجرد
إمكانية إنسانية لا يقصد أبداً أن الفرد يمكن له أن يعزز
أنسانيته ويقترب بها لحد التمام والكمال عن طريق إقترابه
من مجتمعه واندماجه فيه. لا شيء من ذلك أبداً، إن
"الإمكانية" لم يستعملها سعادة بمعنى الإحتمال
(possibility)
بل بمعنى القدرة والطاقة
(potential).
في التداول العادي، يطغى على معنى
"الإمكانية" فكرة "الإحتمال" أو "الجواز" كأن أقول مثلاً،
إن هناك إمكانية أن أنجح في إمتحان من الإمتحانات، كما أن
هناك إمكانية أن أرسب فيه.
إذا استعملنا هذا المعنى لكلمة إمكانية
تصبح عبارة سعاده تعني أن الفرد يمكن له أن يصير إنساناً
كاملاً، أو جيداً، أو صالحاً، ...الخ، كلما انخرط في
مجتمعه والتزم بمصالح مجتمعه وعمل وجاهد من أجل مجتمعه...
الخ. بديهي أن هذا التأويل لعبارة سعاده هو بعيد جداً عن
فكرته الفلسفية ولا يتفِّق معها أبداً، وأن هذا التأويل
ليس فيه شيء من الفلسفة إطلاقاً. إنه كلام أدبيٌ حسن
وجميل وجيد فقط لا غير.
الإمكانية التي عناها سعاده لا تحمل معنى
الإحتمال أو الإفتراض أو الجواز، بل هي مشتقة من فعل
"تمكّن". هي مفرد إمكانيات أي طاقات وقدرات وقوى
مادية-نفسية موجودة عند الأفراد وتختلف وتتنوّع في زخمها
وطبيعتها وحجمها بين فرد وآخر، فهي تزداد أو تنقص، تسمو أو
تنخفض، تأخذ هذا الإتجاه أو ذاك، تُبدِع في حقلٍ وتفشل في
آخر، و كل ذلك يعتمد على الفرد المعني. على ذلك نقول إن
فلاناً امكانية فكرية عالية وأن علتاناً هو إمكانية عسكرية
ممتازة، وآخر بارع في حقل الهندسة أو الطب... الخ.
الافراد هم إمكانيات بهذا المعنى، أنهم مجرد إمكانيات وأن
كلمة مجرد تعني فقط. الأفراد هم إمكانيات إنسانية وفقط
إمكانيات إنسانية. إما الإنسان الكامل فهو المجتمع وليس
الفرد.
لقد لفتني الرفيق منير حيدر ان كلمة
(potential)
تعني القدرة الكامنة, اما نحن فلا نقصد فكرة الكمون بل
فكرة القدرة والطاقة كامنةً كانت ام جاهزة للفعل. لعل كلمة
(
human power)
هي الأكثر تعبيراً عن المقصود, ذلك لأن
فكرة الكمون يمكن ان تعود وتعني فكرة الاحتمال التي نريد
ان نستبعدها.
سعادة يقصد ان كل فرد هو قوة انسانية
معينة, مستوى معين من المؤهلات. الفرد المجتهد يقوي
امكانياته – مؤهلاته ويزيدها بالمعرفة والخبرة لكنه يبقى
امكانية انسانية ومهما قويت امكانياته وازدادت لا يصح ان
نطبق عليه معنى كلمة انسان كامل. الأنسان الكامل هو
المجتمع اما الفرد فهو مجرد امكانية انسانية. ان كلمة مجرد
تنفي نفياً قاطعاً ان يصبح الفرد انساناً كاملاً او
حقيقياً مهما اجتهد ليزيد في امكانياته. انه مجرد امكانية
– مجرد قدرة وطاقة معينة ومستوى معين من المؤهلات يزيد او
ينقص مع بقاءه ضمن صفة "الأمكانية الأنسانية".
طبعاً, لا سعادة ولا غيره ينفي امكانية –
احتمال ان يطور الفرد امكانياته ومؤهلاته ومعارفه وخبراته
وقواه الجسدية والعقلية والنفسية بالدرس والجهد والاجتهاد,
وليس في ذلك فلسفة.
هذه الأمكانية – الأحتمال ليست هي
"الأمكانية" المقصودة في تعبير سعادة الفلسفي : " الفرد
امكانية انسانة". الأمكانية - الأحتمال الذي نريد ان
نستبعده هو احتمال ان يصبح الفرد انساناً كاملاً, وليس
احتمال ان يزيد من مستوى امكانياته- مؤهلاته.
اذاً, هناك احتمال ان يقوي الفرد من
امكانياته لكن ليس هناك احتمال ان يحمل صفة الأنسان الكامل
والحقيقي.
هل يعني ذلك أن الفرد ليس إنساناً؟
الجواب هو نعم، الفرد ليس إنساناً حقيقياُ. ألم يقل سعاده
إن الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا الفرد؟
هل يعني ذلك أن الفرد هو حيوان؟ الجواب
هو كلا. الفرد هو كائن إنساني لا حيواني. الفرد هو
إمكانية إنسانية.
واضح أن هذه الفكرة هي جديدة، لكن أين
الفلسفة فيها؟ لماذا استحقت هذه الفكرة أن تكون فكرة
فلسفية؟ ما هي القيمة الفلسفية لنظرة سعادة الجديدة؟
لماذا احتاج سعاده الى هذه "الفذلكة"
ولهذه "الورطة" بالقول إن الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا
الفرد؟ لماذا لم يكفه ويكفي عقيدته أن يكون الإنسان
الحقيقي هو الفرد ويكون المجتمع هو مجموع الأفراد
الإنسانيين المؤلفين هيئة اجتماعية واحدة- مجتمع واحد
وتكون العقيدة تعلّم الناس أن يعطوا ولاءهم لمجتمعهم كما
الناس الصالحين؟ ألم يكن يكفي مبدأ "مصلحة سوريا فوق كل
مصلحة"؟
الجواب على هذه الأسئلة هو هنا: في القيم
الإنسانية.
لتكون القيم الإنسانية قيماً مجتمعية
وليس قيماً فردية.
هنا هي القيمة الفلسفية لنظرة سعادة الى
الأنسان, وهنا هو الفرق الحاسم بين ان يكون الأنسان يعني
الفرد او يعني المجتمع.
عندما تتغير نظرتنا من الإنسان-الفرد الى
الإنسان المجتمع يتبع ذلك تغيير في نظرتنا الى القيم
الإنسانية فتصبح قيماً مجتمعية وليس فردية. إن همّ سعاده
كان في القيم الإنسانية، قيم الحق والخير والجمال والعدل
والحرية.
في فلسفة سعاده لم تعد الحرية، كقيمة
إنسانية، مجرد حرية فردية كحرية المعتقد وحرية الرأي
والأختيار الشخصي, لم تعد حريتي أو حريتك وما يمكن لهما
أن تتصادما وتتناقضا في قلب المجتمع، بل أصبحت هي حرية
الصراع – صراع الأفكار والعقائد من أجل خير المجتمع ومن
أجل ما هو أفضل للمجتمع.
لم يعد الحق فردياً او عددياً يأتي مع
الفرد ويذهب بذهاب الفرد، ويتغير ويتبدّل مع الفرد بتغيُّر
وتبدّل مصالح الأفراد.
"..
شرط الحق في الإنسانية، ليكون حقاً، أن لا يعلن نفسه
ساعة وختفي، وأن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في
نطاقه الخاص، فيفنى فيه - أن لا يكون خقاً عددياًـ
بل حقاً إجتماعياًـ لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به
العدد، بل يمتد بالمجتمع بلا حدود...".
"الحق
إنتصار على
الباطل في معركة إنسانية، وليس في معركة غيبية، أو إلهية،
تجري وراء هذا العالم، ولا يشترك فيها الإنسان - المجتمع
الإنساني.
لولا
إنتصار الحق وإنخذال الباطل لما عًرِفَ ايهما الحق وأيهما
الباطل!
فالباطل لا
يظهر بلباس الباطل بل بلباس الحق، وتدرك النفوس القوية
الحق وتدرك النفوس الضعيفة الباطل. فإذا الحق والباطل في
صراع الى أن ينتصر الحق وينخذل الباطل، فإذا المجتمع كله
على حق"
الإنتصار
لا يكو ن إلاّ بالحرية، فالحرية صراع."
(أنظر مقالات
المجتمع والمجموع م 7- صفحة 384، الحق والحرية م 7 –
صفحة 391)
"إن نظرة سعاده الى الإنسان هي فتح فلسفي
جديد ومركز إنطلاق نحو سمو إنساني جديد. إنها فهم جديد
شامل، لحقيقة الإنسان ومعرفة الإنسان والقيم الإنسانية".
(نظرة سعاده الى الإنسان – م 8 – صفحة 175) |